Share |
يوليو 1987
1
الدول المتقدمة الصناعية والتغيرات فى الاقتصاد العالمى
المصدر: السياسة الدولية

فقد الانتعاش الاقتصادى العالمى الذى بدأ 1983 كثيرا من قوة الدفع إذ انخفض معدل نمو الناتج العالمى من 43% عام 1984 إلى 29%عام 1985 ويرجع ذلك بدرجة رئيسية إلى انخفاض معدل النمو فى الولايات المتحدة الأمريكية ذاتها التى قادت عملية تحقيق ذلك الانتعاش، هذا فى نفس الوقت الذى حققت فيه باقى الدول المتقدمة الصناعية ـ باستثناء اليابان ـ معدلات نمو متواضعة بصفة عامة.
وشهد عام 1985 انخفاضا حادا فى معدل نمو التجارة الدولية ليصبح 3% بد أن بلغ 9% عام 1984 وذلك على الرغم من بعض التطورات الإيجابية التى شهدها الاقتصاد العالمى والتى تمثلت فى انخفاض أسعار الفائدة وخفض سعر صرف الدولار الأمريكى بالنسبة لعملات باقى الدول المتقدمة الصناعية الأخرى ونجاح تلك الدول فى التحكم فى معدلات التضخم، هذا فى نفس الوقت الذى ساعد انخفاض أسعار البترول على تحسين الأداء الاقتصادى لعدد كبير من الدول المتقدمة والنامية غير المنتجة للبترول.(1)
جدول رقم (1)
معدلات نمو الناتج المحلى الإجمالى فى الدول المتقدمة الصناعية الرئيسية خلال الفترة من عام 1965 إلى عام 1985
SOURCE: WORLD BANK ANNUAL REPORT
ويوضح الجدول رقم (1) معدلات نمو الناتج المحلى الإجمالى GDP فى الدول المتقدمة الصناعية الرئيسية خلال الفترة من عام1965 إلى عام 1985.
على الرغم من أن الانتعاش الاقتصادى قد استمر بالنسبة للدول المتقدمة للسنة الرابعة على التوالى، إلا أن معدل نمو الناتج المحلى الإجمالى لهذه الدول قد انخفض من 46% عام 1984 إلى 28% عام 1985، وهناك درجة كبيرة من عدم التأكد التى تحيط بتوقعات استمرار الانتعاش الاقتصادى الذى تحققه الدول المتقدمة الصناعية وإمكانية انتقال هذا الانتعاش إلى اقتصاديات الدول النامية ويرجع ذلك بدرجة رئيسية إلى عدم استقرار الأسعار العالمية خاصة أسعار الصرف، أسعار الفائدة وأسعار السلع الأساسية هذا بالإضافة إلى التحركات السريعة والمستمرة فى أسعار البترول التى تتغير ـ صعودا وهبوطا ـ فى بعض الأحيان بمعدلات يومية تتراوح بين 20% و 30% كل هذه العوامل تجعل إمكانية التصول إلى إسقاط PROJECTIONS نمو الاقتصاد العالمى حتى نهاية الثمانينات عملية بالغة التعقيد والصعوبة.
الدول المتقدمة الصناعية ومرحلة النمو البطىء:
ومن الملاحظ أن الولايات المتحدة الأمريكية التى كانت بمثابة ـ القاطرة الدافعة ـ للانتعاش الاقتصادى منذ نهاية 1982 قدأصبحت المسئولة الرئيسية عن بطء معدلات نمو هذا الانتعاش (2) حيث انخفض معدل نمو الناتج المحلى الإجمالى الأمريكى من72% عام 1984 إلى 25% عام 1985 ويرجع ذلك إلى استمرار تفاقم العجز فى كل من الميزانية والميزان التجارى الأمريكى فبعد أن كانت تحقق فائضا فى الميزان التجارى بلغ عام 1980 ما يقرب من 19 بليون دولار تحول هذا الفائض إلى عجز بلغ عام 1984 ما يقرب من 102 بليون دولار ووصل عام 1985 إلى حوالى 141 بليون دولار وبلغ العجز فى الميزان التجارى الأمريكى مع اليابان وحدها إلى حوالى 50 بليون دولار ومع أوروبا الغربية إلى ما يقرب من 21 بليون دولار ويوضح الشكل رقم (1) أوضاع الميزان التجارى بالنسبة لبعض الدول المتقدمة الصناعية خاصة الولايات المتحدة الأمريكية واليابان وألمانيا الاتحادية خلال الفترة من عام 1980 إلى عام 1986.
شكل (1)
أوضاع الميزان التجارى بالنسبة لبعض الدول المتقدمة الصناعية (الولايات المتحدة الأمريكية ـ اليابان ـ وألمانيا الاتحادية).
وعلى الرغم من انخفاض معدل نمو الناتج المحلى الإجمالى فى اليابان من 58% عام 1984 إلى 5% عام 1985، إلا أن الصادرات اليابانية قد زادت بمعدل 8% فى حين بلغ معدل نمو الواردات 15% فقط هذا فى نفس الوقت الذى ارتفعت فيه معدلات الاستثمار بنسبة 10% وقد ساهم كل ذلك فى تحقيق مزيد من قوة الدفع فى الاقتصاد اليابانى الذى سجل خلال عام 1985 أفضل معدل للنمو بالمقارنة بباقى الدول المتقدمة الصناعية الأخرى.
واتسم معدل النمو بالنسبة لدول أوروبا الغربية بالبطء بصفة عامة، إذ بلغ معدل نمو الناتج المحلى الإجمالى بالنسبة للمملكة المتحدة فى عام 1985.
حوالى 33% وهو أفضل معدلات النمو فى أوروبا الغربية، وبلغ معدل النمو بالنسبة لكل من ألمانيا الاتحادية وإيطاليا حوالى 23% فى حين حققت فرنسا معدلا نمو بلغ 1% فقط.(3) واستمرت كافة الدول المتقدمة الصناعية تواجه أزمة بطالة حادة، وبلغ معدل البطالة فى نهاية عام 1985 حوالى 82% من إجمالى القوة العاملة ويوضح الجدول رقم (2) معدلات البطالة فى الدول المتقدمة الصناعية الرئيسية خلال الفترة من عام 1976 إلى عام 1986وكان انخفاض معدلات التضخم من أفضل التطورات الإيجابية بالنسبة لكافة الدول المتقدمة الصناعية بصفة عامة، ويوضح الشكل رقم (2) تطور معدلات التضخم بالنسبة للدول الصناعية المتقدمة الصناعية الرئيسية خلال الفترة من عام 1980 إلى عام 1986.
حيث انخفضت معدلات التضخم فى الولايات المتحدة الأمريكية إلى أقل من 4% وإلى حوالى 2% بالنسبة لليابان، فى حين بلغ معدل التضخم بالنسبة لدول أوروبا الغربية ما يقرب من 52% وكان سعر صرف الدولار الأمريكى قد بلغ فى مارس 1985 إلى مستوى أعلى بمقدار 60% عما كان عليه عام 1980 مما أدى إلى زيادة حدة العجز فى الميزان التجارى الأمريكى بدرجة كبيرة نتيجة لفقدان المنتجات الأمريكية لقدرتها على المنافسة، سواء فى الأسواق الدولية أو حتى داخل الولايات المتحدة الأمريكية ذاتها، هذا فى نفس الوقت الذى انخفض فيه الطلب الخارجى على المنتجات وواكب ذلك انهيار فى الطلب على الواردات من قبل الدول النامية بصفة عامة.
الولايات المتحدة الأمريكية والسياسة الاقتصادية الجديدة:ـ وقامت الولايات المتحدة الأمريكية مع بداية عام 1985 بتبنى سياسة جديدة تهدف إلى زيادة درجة التنسيق والتعاون فيما بين الدول المتقدمة الصناعية الرئيسية من أجل تحسين أداء الاقتصاد العالمى واحتواء العوامل التى أدت إلى تدهور معدلات نمو الناتج العالمى والتجارة الدولية وارتكزت السياسة الأمريكية الجديدة على أربعة محاور رئيسية تتمثل فيما يلى:(4)
1ـ الحد من تذبذبات أسعار صرف العملات الرئيسية من خلال تنسيق عملية التدخل فى أسواق الصرف POLLICY OF COORDINATING MARKET IN ـ TERVENTION وتغيير توجهات السياسات الاقتصادية الوطنية خاصة بالنسبة لليابان وألمانيا الاتحادية، وذلك من أجل دفع معدلات نمو الاقتصاد العالمى
2ـ خفض أسعار الفائدة بطريقة منظمة وبالتنسيق مع باقى الدول المتقدمة الصناعية الرئيسية ومواجهة العجز القائم فى الميزانية الأمريكية والميزان التجارى ومحاولة القضاء على هذا العجز بحلول عام 1991
3ـ الدعوة إلى عقد جولة جديدة للمفاوضات التجارية متعددة الأطراف فى إطار الاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة (الجات) تهدف إلى تحرير التجارة الدولية فى السلع والخدمات (5)، وتعزيز الثقة فى النظام التجارى الدولى ومحاولة إزالة القيود والعقبات القائمة وفتح الأسواق الدولية أمام الصادرات الأمريكية والقضاء على القيود الحمائية المفروضة من دول السوق الأوربية المشتركة واليابان والدول النامية على الصادرات الأمريكية من المنتجات الزراعية والسلع المصنعة والخدمات، وانعقد لهذا الغرض اجتماع وزارى للأطراف المتعاقدة فى الجات فى مدينة بونتادل استا بالأورجواى خلال الفترة من 15 إلى 19 سبتمبر 1986، للإعلان عن بدء جولة جديدة للمفاوضات التجارية أطلق عليها اسم "جولة الأورجواى" والتى تعتبر ثامن جولة للمفاوضات منذ نشأة الجات 4ـ ضرورة تعبئة الموارد من أجل مواجهة مشكلة مديونية بعض الدول النامية وتحقيقا لهذا الغرض طرح جيمس بيكر.(6)
وزيرالخزانة الأمريكى فى أكتوبر 1985 خلال الاجتماع السنوى للبنك الدولى وصندوق النقد الدولى الذى انعقد فى سيول ـ عاصمة كوريا الجنوبية ـ ما عرب ببرنامج النمو المطرد وارتكز هذا البرنامج على 15 دولة نامية مدينة فقط، هى المكسيك والبرازيل والأرجنتين، وفنزويلا، وكولومبيا، وأوروجواى، وبوليفيا، وبيرو، واكوادور، وشيلى، والفلبين، ويوغسلافيا، والمغرب، ونيجيريا وساحل العاج ودعا هذا البرنامج ـ الذى عرف فيما بعد بخطة بيكر ـ إلى ضرورة أن تزيد البنوك التجارية من قروضها إلى هذه الدول بمقدار 20 بليون دولار خلال الثلاث سنوات القادمة وأن تزيد بنوك التنمية متعددة الأطراف هى الأخرى بمقدار 20 بليون دولار أخرى خلال نفس الفترة الزمنية وتنفيذا لهذه السياسة الأمريكية الجديدة التى استهدفت ـ ضمن جملة أمور ـ دفع معدلات النمو فى الاقتصاد العالمى مواجهة العجز فى الميزانية الأمريكية، وتحسين أوضاع الميزان التجارى الأمريكى وزيادة درجة التنسيق والتعاون فيما بين الدول المتقدمة الصناعية من أجل خفض سعر صرف الدولار وأسعار الفائدة والدعوة إلى تحرير التجارة الدولية، عقدت مجموعة الخمسة المعنية بدراسة السياسات المالية والنقدية للدول المتقدمة الصناعية الرئيسية والتى تتكون من وزراء مالية الولايات المتحدة الأمريكية واليابان وألمانيا الاتحادية والمملكة المتحدة وفرنسا اجتماعا فى نيويورك فى سبتمبر 1985 والذى نتج عنه ما عرف باتفاقية بلازا PLAGREEMENT كما عقدت المجموعة اجتماعا آخر لها فى لندن فى يناير 1986 حيث تم خفض سعر صرف الدولار بالنسبة لعملات الدول المتقدمة الصناعية الأخرى بنسبة تتراوح من 25% إلى 30% وصاحب ذلك تنسيق عملية خفض أسعار الفائدة كما شهدت تلك الفترة انخفاضا حادا فى أسعار البترول بنسبة تقترب من 40% (8) وقد ساعد التغير المتمثل فى انخفاض أسعار البترول على زيادة توقعات ارتفاع معدلات النمو فى الدول غير المنتجة للبترول خاصة فى أوروبا الغربية واليابان وبعض الدول النامية، هذا فى نفس الوقت الذى ساعد انخفاض سعر صرف الدولار مصحوبا بانخفاض أسعار الفائدة على تعزيز قدرة الولايات المتحدة الأمريكية على معالجة الاختلالات المالية التى يعانى منها الاقتصاد الأمريكى ذاته والذى يمثل أكثر من ربع الاقتصاد العالمى كله من حيث القوة الإنتاجية والتجارية والطاقة الاستيعابية وقام الكونجرس الأمريكى بإقرار ما يعرف ب GRAMM ـ RUDMAN LEGISLATION لمواجهة العجز القائم فى الميزانية الفيدرالية الأمريكية، ومحاولة القضاء على هذا العجز بحلول عام 1991 بعد أن بلغ العجز فى نهاية عام 1985 ما يقرب من 185 بليون دولار تمثل حوالى 55% من إجمالى الناتج القومى الإجمالى (GNP) ويتضمن هذا التشريع الحد من الإنفاق الحكومى بالتدريج بمقدار50 بليون دولار خلال عام 1987، وفى الواقع أن هناك مخاوف عديدة تحيط بهذا التشريع نظرا لما يمكن أن يؤدى تطبيقه بشكل جامد إلى عرقلة توسع النشاط الاقتصادى الأمريكى، والحد من معدلات النمو التى يمكن أن يحققها الاقتصادى الأمريكى ذاته نتيجة للقيود التى قد يفرضها على السياسة المالية، والتى يمكن أن تؤدى إلى ارتفاع معدلات التضخم من جديد.(9) هذا بالإضافة إلى أن تشريع جرام ردمان يمكن أن يؤثر سلبيا على الشركاء التجاريين الرئيسيين مع الولايات المتحدة الأمريكية وبصفة خاصة كندا واليابان والسوق الأوروبية المشتركة وبعض الدول النامية فى أمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا ويعتبر موضوع عجز الميزانية الأمريكية وأيضا الميزان التجارى من أهم الموضوعات المطروحة حاليا على الكونجرس الأمريكى، فعلى الرغم من كافة الجهود التى قامت بها الإدارة الأمريكية خلال السنوات القليلة الماضية للتحكم فى هذا العجز فقد بلغت الفجوة بين إجمالى الإنفاق الحكومى (الفيدرالى) وبين إجمالى المتحصلات ما يقرب من 221 بليون دولار فى نهاية 1986 وقامت الإدارة الأمريكية فى يناير 1987 بطرح مشروع ميزانية عام 1988 والتى تبلغ 102 تريليون دولار على الكونجرس واقترحت الحد من عجز الميزانية بمقدار 108 بلايين دولار ـ وفقا لتشريع جرام درمان ـ بدون زيادة فى الضرائب هذا مع السماح بزيادة ميزانية الدفاع بحوالى 3% وترتكز عملية خفض الإنفاق الحكومى على بيع السندات الحكومية للقطاع الخاص وتخفيض المبالغ المخصصة للسياسة الزراعية FAARM POLICY بعد أن تطورت المبالغ المخصصة لدعم هذه السياسة من 4 بلايين دولار عام 1981 إلى 26 بليون دولار عام 1986 هذا مع خفض المبالغ المخصصة لبرامج الإنفاق غير العسكرى وبصفة خاصة البرامج الاجتماعية المختلفة ودعم الإسكان والبرامج المحلية المماثلة وتعتبر عملية استقطاع المبالغ المخصصة لدعم السياسات الزراعية هذا فى نفس الوقت زيادة المبالغ المخصصة للإنفاق العسكرى بنسبة 3% لمواجهة متطلبات مبادرة الدفاع الاستراتيجى STRATEGIC DEFENSE INITATVE وحرب الكواكب STARWAR من أكثر الموضوعات الخلافية القائمة بين الكونجرس خاصة بعد سيطرة الحزب الديمقراطى عليه وبين الإدارة الأمريكية ذاتها وعلى الرغم من الاعتقاد بأن خفض سعر صرف الدولار بالنسبة لعملات الدول المتقدمة الصناعية سوف يؤدى إلى خفض العجز فى الميزان التجارى الأمريكى، إلا أن هذا فى الواقع لم يتأكد بصورة واضحة محددة خاصة بعد أن ارتفع حجم العجز فى الميزان التجارى الأمريكى خلال شهر نوفمبر 1986 ليصل إلى 192 بليون دولار بمعدل أعلى بمقدار 17% عما تحقق فى نفس الفترة عام 1985.(10) وفيما يتعلق بخفض أسعار الفائدة بطريقة منظمة فقد أكد جيمس بيكر وزير الخزانة الأمريكى فى المؤتمر الصحفى الذى عقده يوم 30 أبريل 1986 قبيل قمة طوكيو للدول الصناعية السبع على ضرورة زيادة درجة التعاون والتنسيق فيما بين الدول المتقدمة الصناعية، وذلك من أجل دفع معدلات النمو الاقتصادى السريع فى تلك الدول والعمل على توسيع نطاق هذا النمو ليشمل الاقتصاد العالمى ككل، واتخاذ الإجراءات التى تكفل الحد من العجز القائم فى موازين مدفوعات الدول المتقدمة الصناعية وتحقيق الاستقرار والتوازن المطلوب فى السياسات المالية والنقدية وسياسات الصرف ومعالجة الاختلالات القائمة فى مجال التجارة الدولية والموافقة على توسيع عضوية مجموعة الخمسة المعنية بدراسة السياسات المالية والنقدية للدول المتقدمة الصناعية الرئيسية لتنضم إليها كل من كندا وإيطاليا ودعا بيكر إلى ضرورة محاربة الضغوط الحمائية وكافة القيود الأخرى التى تعرقل انسياب التجارة الدولية ونظرا لأن الولايات المتحدة الأمريكية لا تستطيع بمفردها أن تقوم بهذه المهمة، فإن على باقى الشركاء التجاريين الرئيسيين (السوق الأوروبية المشتركة واليابان) اتخاذ الإجراءات التى تكفل تحرير التجارة العالمية، واحترام قواعد المنافسة الدولية، وعدم تدخل الحكومات فى هذا المجال وأكد بيكر على خطورة الإجراءات التى اتخذتها السوق الأوروبية المشتركة عند انضمام أسبانيا والبرتغال للسوق لأنها قد أدت إلى فرض العديد من القيود والعراقيل أمام الصادرات الأمريكية خاصة من المنتجات الزراعية، ووصف تلك الإجراءات بأنها غير قانونية ومخالفة لقواعد الاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة (الجات) نتائج قمة طوكيو للدول المتقدمة الصناعية:ـ وشهدت العاصمة اليابانية طوكيو خلال الفترة من 4 إلى 6 مايو أعمال مؤتمر قمة الدول الصناعية السبع الذى شارك فيه رؤساء دول وحكومات كل من الولايات المتحدة الأمريكية واليابان والمملكة المتحدة وألمانيا الاتحادية وفرنسا وكندا وإيطاليا وتضمن الإعلان الاقتصادى الذى صدر عن هذا المؤتمر العديد من العناصر التى تعبر عن مواقف الدول المتقدمة الصناعية من مختلف القضايا والمشكلات الاقتصادية الدولية وسياساتها لمعالجة هذه المشكلات، ويمكن أن نحدد أهم عناصر الإعلان الاقتصادى لقمة طوكيو على النحو التالى:.(11)
1ـ أن الاقتصاد العالمى مازال يواجه العديد من المشاكل الحادة، وذلك على الرغم من الانتعاش الاقتصادى الذى تحققه الدول المتقدمة الصناعية للسنة الرابعة على التوالى وتتمثل تلك المشاكل فى ارتفاع معدلات البطالة وتزايد الاختلالات المحلية والخارجية وعدم استقرار أسعار الصرف وتفاقم الضغوط الحمائية PROTECTIONIST PRESSURES وتزايد الصعوبات التى تواجه الدول النامية من جراء تفاقم أزمة المديونية وعدم استقرار أسعار الطاقة
2ـ ودعوة كافة الدول إلى اتخاذ الخطوات الفعلية لتنفيذ سياسات تهدف إلى إجراء التعديلات الهيكلية فى كافة ميادين النشاط الاقتصادى وذلك من أجل دفع معدلات نمو الاقتصاد العالمى وزيادة معدلات العمالة، وضمان اندماج الاقتصاديات الوطنية فى النظام الاقتصادى العالمى، وأن هذه السياسات يجب أن تشجع استيعاب التقدم التكنولوجى وتطويع الهيكل الصناعى وتوسيع التبادل التجارى الدولى وزيادة الاستثمار الأجنبى المباشر
3ـ ضرورة قيام الدول المتقدمة الصناعية السبع بالتحكم فى الإنفاق الحكومى، ووضع إطار متوسط المدى للسياسات المالية والنقدية بهدف وضع حد للعجز المالى المطرد القائم فى موازين مدفوعات بعض الدول الصناعية
4ـ أنه على الرغم من النجاح النسبى الذى تحققه الدول المتقدمة الصناعية فى خلق فرص جديدة للعمالة، إلا أن معدلات البطالة مازالت مرتفعة وأنه من الضرورى العمل على وضع سياسات تهدف إلى مواجهة هذه المشكلة بشكل متكامل مع التركيز على خلق فرص جديدة للعمالة فى الصناعات ذات التكنولوجيا المتقدمة
5ـ التأكيد على أهمية زيادة درجة التنسيق فيما بين السياسات الاقتصادية للدول الصناعية والترحيب بالتعاون القائم بين مجموعة الخمسة المعنية بدراسة السياسات المالية والنقدية للدول المتقدمة، وبين البنوك المركزية والذى ساعد على تغيير نمط أسعار الصرف وخفض أسعار الفائدة على أسس منظمة وغير تضخمية، والموافقة على توسيع عضوية مجموعة الخمسة لتنضم إليها كل من كندا وإيطاليا ودعوة وزراء المالية وممثل السوق الأوروبية المشتركة إلى الاجتماع مرة كل عام على الأقل لمراجعة أهداف السياسات الاقتصادية الوطنية للدول السبع وذلك من أجل ضمان تحقيق نمو اقتصادى غير تضخمى وزيادة فرص العمالة وتشجيع الاستثمار الإنتاجى وتحرير التجارة الدولية وتحقيق استقرار أسعار الصرف وذلك من خلال اتباع الخطوات التالية:
أ‌ ـ تأكيد ما تم الالتزام به خلال قمة فرساى للدول المتقدمة الصناعية الذى انعقد عام 1982 من ضرورة التعاون مع صندوق النقد الدولى لتعزيز المراقبة متعددة الأطراف للسياسات المالية وأسعار الصرف خاصة بالنسبة للدول التى تشكل عملاتها الوطنية حقوق السحب الخاصة ـ ودعوة تلك الدول ومدير صندوق النقد الدولى إلى مراجعة التطورات الاقتصادية على أساس مجموعة من المؤشرات الاقتصادية الهامة خاصة، معدلات نمو الناتج القومى، معدلات التضخم، الفائدة، معدلات البطالة، معدلات العجز فى ميزان المدفوعات والميزان التجارى، أسعار الصرف الاحتياطيات النقدية ومعدلات نموها
ب‌ ـ دعوة وزراء المالية والبنوك المركزية فى الدول السبع عند القيام بمهمة المراقبة متعددة الأطراف ـ إلى ضرورة التوصل إلى حلول ملائمة فى حالة حدوث انحراف عن السياسات الاقتصادية المستهدفة مع تأكيد الالتزام بما سبق اتخاذه من تعهدات خلال قمة وليمز بورج التى انعقدت عام 1983 للتدخل فى أسواق الصرف كلما كان ذلك مرغوبا فيه ج ـ ضرورة قيام وزراء مالية الدول السبع ببحث تطورات وكيفية تحسين أداء النظام النقدى الدولى، وتحديد السياسات الاقتصادية اللازمة لتحقيق هذا الهدف 6ـ أن الإجراءات السابقة فى الدول المتقدمة الصناعية سوف تدفع معدلات النمو فى الاقتصاد العالمى وتحسن من أوضاع الدول النامية، نظرا لأنها ستؤدى إلى خفض أسعار الفائدة وزيادة احتمالات تدفق الموارد المالية للدول النامية وتعزز عملية نقل التكنولوجيا وإيجاد منافذ لصادرات الدول النامية فى أسواق الدول المتقدمة وأن على الدول النامية ـ خاصة المدينة ـ أن تقوم بإجراء التعديلات الهيكلية اللازمة وتعبئة المدخرات الوطنية وتشجيع الاستثمار الأجنبى المباشر ومنع هروب رؤوس الأموال إلى الخارج وتبنى سياسات لتحرير التجارة
7ـ أن التدفقات المالية الخاصة سوف تتسمر فى القيام بدورها الرئيسى فى توفير احتياجات الدول النامية مع تأكيد أهمية ضمان زيادة التدفقات المالية الرسمية سواء على المستوى الثنائى أو على المستوى متعدد الأطراف كلما كان ذلك ملائما، مع توفير موارد إضافية لوكالة التنمية الدولية وزيادة رأس مال البنك الدولى، كلما كان ذلك ملائما وتشجيع نشاط الوكالة متعددة الأطراف لضمان الاستثمار
8ـ إعادة تأكيد أن منهج دراسة كل حالة على حدة CASE BY CASE APPPROACH هو المنهج الأمثل لمعالجة مشكل مديونية الدول النامية والترحيب بمبادرة الولايات المتحدة الأمريكية فى هذا الشأن المعروفة ببرنامج النمو المطرد التى طرحها جميس بيكر وزير الخزانة الأمريكى أمام الاجتماع المشترك للبنك الدولى وصندوق النقد الدولى الذى انعقد فى سيول فى أكتوبر 1985، وتأكيد أهمية الدور الرئيسى الذى تقوم به مؤسسات التمويل الدولية وبنوك التنمية متعددة الأطراف فى معالجة مشكلة المديونية والترحيب بالتعاون القائم بين تلك الأجهزة خاصة بين البنك الدولى وصندوق النقد الدولى وأن قيام الدول النامية بإجراء التعديلات الهيكلية اللازمة سوف يتطلب استمرارية حصولها على قروض البنوك التجارية وزيادة مرونة إجراءات إعادة جدولة الديون وتوفير ائتمانات التصدير اللازمة
9ـ التأكيد على أن النظام التجارى متعدد الأطراف الحر والمفتوح هو أحد الوسائل الرئيسية لزيادة كفاءة وفعالية الاقتصاد العالمى، وأكدت الدول السبع على ضرورة تعزيز وتقوية النظام التجارى الدولى وزيادة فعالية الجات، والعمل على تطويعه من أجل ضمان استجابته للتطورات الجديدة فى كل من التجارة الدولية والبيئة الاقتصادية الدولية، وأهمية وضع الموضوعات الجديدة ضمن نظام دولى متعدد الأطراف، والالتزام بمكافحة الضغوط الحمائية وكافة القيود الأخرى التى تعرقل التجارة الدولية، وأن الجولة الجديدة للمفاوضات التجارية متعددة الأطراف يجب أن تبحث ضمن أن تبحث ضمن جملة أمور الموضوعات الخاصة بالتجارة فى الخدمات والتجارة المتصلة بحقوق الملكية الفكرية والاستثمار الأجنبى المباشر
10ـ الإعراب عن القلق من جراء توافر فائض هيكلى فى الدول المتقدمة الصناعية من بعض المنتجات الزراعية الهامة، ويرجع ذلك إلى التقدم التكنولوجى إلى التغيرات القائمة فى الأسواق العالمية وإلى السياسات المحلية لدعم وحماية قطاع الزراعة المتبعة فى كافة الدول السبع والتأكيد على أهمية تعاون كافة الأطراف من أجل مواجهة هذه المشكلة والتوصل إلى حلول لها فى إطار العمل الذى تقوم به منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية
11ـ أهمية استمرار التنسيق والتعاون فيما بين الدول السبع من أجل تحقيق استقرار أسواق الطاقة على المدى الطويل، وضمان توافر المعروض منها، والاعتراف بأن أوضاع السوق ـ نتيجة لانخفاض أسعار البترول ـ سوف تمكن بعض الدول من زيادة مستويات المخزون لديها من البترول
12ـ تأكيد أهمية العلم والتكنولوجيا من أجل تحقيق ديناميكى فى الاقتصاد العالمى والترحيب بالتقدم الذى أحرزته الولايات المتحدة الأمريكية فى مجال أبحاث الفضاء والذى حققته أيضا الوكالة الأوروبية للفضاء EUROPEAN SPACE AGENCY وتأكيد ضرورة تبادل المعلومات والخبرات التكنولوجية فيما بين الدول السبع فى هذا المجال
13ـ إقرار المسئولية المشتركة للحفاظ على البيئة الطبيعية، وتأكيد أهمية استمرار التعاون الدولى لمنع التلوث والحفاظ على الموارد الطبيعية والدعوة إلى توثيق التعاون مع الدول النامية فى هذا الشأن ومن قراءة الإعلان الاقتصادى الصادر عن قمة طوكيو نجد أن الإعلان قد أظهر بصورة جلية منهج الدول المتقدمة الصناعية السبع وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية تجاه كيفية معالجة المشكلات الاقتصادية الدولية، إذ تضمن الإعلان تأكيد الدور الحاسم والفعال الذى تقوم به مؤسسات بريتون وودز وميثاق هافانا الممثلة فى البنك الدولى وصندوق النقد الدولى والجات فى المجالات الخاصة بالنقد والتمويل والتجارة الدولية دون الإشارة إلى الدور الذى يمكن أن تقوم به بعض أجهزة الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة التى تعمل فى المجال الاقتصادى الدولى، هذا مع التمسك بفكرة أن النمو الاقتصادى فى الدول المتقدمة الصناعية سوف يؤدى إلى تنمية الاقتصاد العالمى ككل بما فى ذلك اقتصاديات الدول النامية، وهى الفكرة التى تأكد عدم دقتها أو صلاحيتها من خلال الدراسات التى تقدمت بها العديد من أجهزة الأمم المتحدة خاصة مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الانكتاد) والتمكن من وأد الفكرة الخاصة بعقد مؤتمر دولى للنقد والتمويل يهدف إلى إدخال إصلاحات جوهرية فى النظام النقدى الدولى (وهى الفكرة التى نادت بها دول عدم الانحياز وتحمس لها فى فترة من الفترات الرئيس الفرنسى فرانسوا ميتران)، والتأكيد على أن المنهج المثل لحل أزمة الديون الخارجية للدول النامية يتمثل فى دراسة كل حالة على حدة وليس عن طريق وضع استراتيجية شاملة لمواجهة هذه الأزمة من كافة جوانبها، هذا من تأكيد ضرورة تنسيق السياسات المالية والنقدية للدول المتقدمة الصناعية ووضع معايير وآليات جديدة بالتعاون مع صندوق النقد الدولى لضمان فعالية هذا التنسيق من أجل زيادة معدلات نمو الاقتصاد العالمى كما تضمن الإعلان الاقتصادى لقمة طوكيو أيضا قائمة بأولويات العمل التى يجب التركيز عليها فبالإضافة إلى ضرورة تنسيق السياسات المالية والنقدية أكد الإعلان على ضرورة مواجهة مشكلة البطالة وتفاقم الضغوط الحمائية وتشجيع استيعاب التقدم التكنولوجى وتوسيع التبادل التجارى وزيادة الاستثمار الأجنبى المباشر وضرورة أن تبحث الجولة الجديدة للمفاوضات التجارية متعددة الأطراف الموضوعات الخاصة بتحرير التجارة فى الخدمات والاستثمار والموضوعات المتصلة بحقوق الملكية الفكرية وأهمية مواجهة الآثار السلبية الناتجة عن سياسات دعم المنتجات الزراعية وازدياد الفوائض الهيكلية القائمة فى هذا القطاع وتعزيز التعاون والتنسيق فى مجال الطاقة وأبحاث الفضاء، ونقل التكنولوجيا والحفاظ على البيئة من أخطار التلوث ملامح الأوضاع الاقتصادية فى الدول المتقدمة الصناعية الرئيسية:ـ ومن العرض السابق يمكن أن نتوصل إلى مجموعة من الاستنتاجات الرئيسية الهامة التى تتعلق بملامح الأوضاع الاقتصادية فى الدول المتقدمة الصناعية الرئيسية والتى يمكن أن نحددها فيما يلى:.(13)
1ـ أنه على الرغم من استمرار الانتعاش الاقتصادى فى الدول المتقدمة الصناعية للسنة الرابعة على التوالى ونجاحها فى كباح التضخم بشكل ملحوظ، إلا أنها فى الواقع لم تتمكن من تحقيق معدلات نمو متوازنة ومستقرة فقد انخفض معدل نمو الناتج المحلى الإجمالى فى كافة الدول المتقدمة الصناعية الرئيسية ودون استثناء عام 1985 عما تم تحقيقه عام 1984 أنظر الجدول رقم 1 وسجل معدل نمو الناتج المحلى الإجمالى انخفاضا عنيفا بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية من 72% عام 1984 إلى 25% فقط عام 1985 وذلك على الرغم من بعض التطورات الإيجابية التى شهدها الاقتصاد العالمى، والتى تمثلت فى انخفاض أسعار الفائدة وخفض سعر صرف الدولار الأمريكى بالنسبة لعملات باقى الدول المتقدمة الصناعية الأخرى هذا فضلا على الأثر الإيجابى الذى سيعود على بعض اقتصاديات تلك الدول ـ خاصة اليابان ودول السوق الأوروبية المشتركة ـ من جراء تدهور أسعار البترول.
2ـ أن السياسات المالية المتبعة من قبل بعض الدول المتقدمة الصناعية الرئيسية قد فرضت العديد من الضغوط على إمكانيات نمو الناتج وخفض معدلات البطالة، وأن السياسات الاقتصادية الكلية التى وضعتها كل دولة من الدول خاصة فى مجال النقد والتمويل والتجارة، قد امتد نطاقها ليؤثر فى الاقتصاد العالمى وفى مدى إمكانية دفع معدلات النمو فيه.
3ـ أن تعاظم الاندماج المالى الدولى قد أعطى مزيدا من الأهمية لدور السياسات المالية فى تحقيق الأهداف الاقتصادية، فبعد أن أدركت الإدارة الأمريكية خطورة استمرار ارتفاع سعر صرف الدولار وأسعار الفائدة لما كان لها من آثار سلبية على حجم العجز فى الميزان التجارى وفى الميزانية الأمريكية شرعت الإدارة الأمريكية منذ بداية عام 1985 فى العمل على مواجهة هذه الاختلالات المالية التى يعانى منها الاقتصاد الأمريكى ذاته عن طريق إدخال بعض التغييرات الرئيسية فى سياستها المالية، وفقا لما تقتضيه عملية مواجهة هذه الاختلالات.
4ـ أن عملية إجراء التعديلات الهيكلية اللازمة فى اقتصاديات الدول المتقدمة الصناعية ـ وفقا للتغير المستمر فى المزايا النسبية ـ مازالت تواجه العديد من العقبات والعراقيل نظرا لارتفاع النفقة الاجتماعية التى لا يمكن تحملها مع استمرار ارتفاع معدلات البطالة فيها، والتى وصلت فى بعض الدول مثل المملكة المتحدة وفرنسا إلى أكثر من 10%.
5ـ أن هناك اختلالات حادة فى أوضاع الميزان التجارى فيما بين الدول المتقدمة الصناعية، خاصة بين الولايات المتحدة الأمريكية واليابان من ناحية وبين الولايات المتحدة ودول السوق الأوروبية المشتركة من ناحية أخرى وأن عملية تصحيح هذه الاختلالات قد تفرض مزيدا من الضغوط على النظام التجارى الدولى وعلى الاقتصاد العالمى التبادل التجارى الدولى:ـ مما لا شك فيه أن الاختلالات التجارية القائمة بين الدول التجارية الرئيسية وهى الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا الاتحادية واليابان وعدم استقرار أسعار الصرف، وتفاقم أعباء خدمة المديونية الخارجية للدول النامية وتزايد حدة تبنى السياسات الحمائية من قبل المتقدمة الصناعية تعتبر من أهم العوامل الرئيسية التى تعرقل توسع ونمو التبادل التجارى الدولى ووفقا لتقديرات الجات عن أوضاع التجارة الدولية خلال العامين 85-1986.(14) انخفض معدل نمو التجارة الدولية من 9% عام 1984والذى كان أكبر معدل لنمو التجارة الدولية منذ عام 1976 إلى 3% عام 1985، وسجل التبادل التجارى الدولى فى كل من المعادن والوقود والمنتجات الزراعية والسلع المصنعة انخفاضا ملحوظا عن المعدلات التى تم تحقيقها خلال عام 1984 ويوضح الجدول رقم (3) النمو فى التجارة والناتج العالمى من السلع خلال الفترة من عام1960 إلى عام 1985 ويعتبر تزايد الاختلالات التجارية فيما بين الدول التجارية الرئيسية (الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا الاتحادية واليابان) من الظواهر التى تدعو إلى القلق نظرا لانعكاساتها الدولية ككل ومن الملاحظ أن العجز فى الميزان التجارى الأمريكى قد استمر للسنة الخامسة على التوالى ليصل عام 1985 إلى ما يقرب من 141 بليون دولار تعادل 2/31% من الناتج القومى الإجمالى هذا فى نفس الوقت الذى حققت فيه كل من اليابان وألمانيا الاتحادية فائضا فى الميزان التجارى بمعدلات تصل إلى 35% و 41% على التوالى من الناتج القومى الإجمالى ويوضح جدول رقم (4) أوضاع الميزان التجارى فى السلع لكل من الولايات المتحدة الأمريكية واليابان وألمانيا الاتحادية بالمقارنة بالناتج القومى الإجمالى فيها فقد شهد عام 1985 نموا فى إجمالى الإنفاق الأمريكى بمعدلات أسرع من نمو الناتج القومى فى الولايات المتحدة الأمريكية، هذا على عكس ما تحقق بالنسبة لكل من اليابان وألمانيا الاتحادية، وقد ساعد هذا العامل فى نمو الاختلالات التجارية فيما بين هذه الدول وعلى الرغم من خفض سعر صرف الدولار بالنسبة للين اليابانى والمارك الألمانى، إلا أن هذا التطور لم يثبت بعد قدرته على تصحيح الاختلالات التجارية القائمة إذ أن تحقيق هذا الهدف يتطلب فى المقام الأول معالجة الأسباب التى أدت إلى ظهور هذه الاختلالات أساسا (15) وعلى الرغم من بعض التطورات الإيجابية التى حدثت فى الاقتصاد العالمى، والتى تمثلت فى انخفاض أسعار الفائدة، وخفض سعر صرف الدولار الأمريكى بالنسبة لعملات باقى الدول المتقدمة الصناعية الرئيسيةونجاح تلك الدول فى التحكم فى معدلات التضخم هذا فى نفس الوقت الذى ساعد انخفاض أسعار البترول على تحسين الأداء الاقتصادى لعدد كبير من الدول المتقدمة الصناعية، إلا أن معدل نمو التجارة الدولية خلال عام 1986 قد بلغ 3% فقط وهو نفس المعدل الذى تم تحقيقه خلال عام 1985 ويمكن أن نرجع استمرار ضعف أداء التجارة الدولية خلال عام 1986 إلى مجموعة معقدة ومتشابكة من العوامل تتمثل فيما يلى:
1ـ تزايد حدة القيود الحمائية والتمييزية التى تفرضها الدول المتقدمة الصناعية على صادرات الدول النامية، وتزايد صعوبة توفير مداخل لمنتجات الدول النامية فى الأسواق الدولية.
2ـ استمرار تدهور أسعار السلع الأساسية والمواد الخام التى تتخصص فى إنتاجها الدول النامية والذى أدى إلى حدوث نقص خطير فى حصائل صادرات الدول النامية خاصة الدول الأفريقية وعدم توافر مصادر النقد الأجنبى لتمويل الواردات اللازمة لبرامج التنمية 3ـ استمرار تفاقم أزمة المديونية الخارجية للدول النامية وتزايد أعباء خدمة هذه الديون وفى الواقع أنه على الرغم من انخفاض أسعار الفائدة بالقيم الاسمية، إلا أن أسعار الفائدة الحقيقة مازالت مرتفعة للغاية بالمقارنة بالأسعار التى كانت سائدة خلال الستينات والنصف الأول من السبعينات.(16)
4ـ تزايد حدة المنازعات التجارية القائمة فيما بين الدول المتقدمة الصناعية خاصة بين الولايات المتحدة الأمريكية والسوق الأوربية المشتركة والتى تحولت إلى ما يمكن وصفه بالحرب التجارية التى تتضمن إجراءات انتقامية وتتركز هذه الخلافات بدرجة رئيسية حول سياسة دعم الصادرات الزراعية التى تتبعها دول السوق الأوروبية المشتركة والتى تعتبرها الولايات المتحدة الأمريكية إجراءات غير قانونية مخالفة لقواعد الاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة (الجات) هذا بالإضافة إلى أنها تخل بقواعد المنافسة الدولية وتغلق السواق الأوروبية أمام الصادرات الزراعية الأمريكية، الأمر الذى يؤدى إلى إلحاق أضرار بالغة بالاقتصاد الأمريكى وتشير قائمة المصدرين والمستوردين الرئيسيين فى العالم الموضحة فى الجدول رقم 5 إلى بعض التغييرات الرئيسية فى التبادل التجارى الدولى خلال عام 1985بالمقارنة بعام 1973 وتتمثل هذه التغيرات فيما يلى:(17)
1ـ استمرار تمتع كل من الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا الاتحادية واليابان بمركز الدول التجارية الرئيسية فى العالم
2ـ انضمام كل من كوريا الجنوبية وهونج كونج وتايوان وأسبانيا إلى قائمة أكبر عشرين دولة مصدرة فى العالم
3ـ انضمام لكل من الصين وكوريا الجنوبية وسنغافورة إلى قائمة أكبر عشرين دولة مستوردة فى العالم 4ـ تحسن المكانة التصديرية لكل من المملكة المتحدة والاتحاد السوفيتى وإيطاليا والصين فى قائمة أكبر عشرين دولة مصدرة فى العالم هذا مع تناقص رتبة كل من فرنسا وكندا وهولندا وبلجيكا ولكسمبورج والسويد وسويسرا والبرازيل وألمانيا الديمقراطية فى هذه القائمة
5 ـ أن الولايات المتحدة الأمريكية قد حققت أكبر ارتفاع فى نسبة وارداتها إلى إجمالى الواردات العالمية من 124% عام 1973 إلى 173% عام 1985 على عكس ما حققته كل من ألمانيا الاتحادية واليابان فى الواقع أنه على الرغم من انعقاد المؤتمر الوزارى للأطراف المتعاقدة فى الجات فى مدينة بونتادل استا بالاورجواى خلال الفترة من 15 ـ 19 سبتمبر 1986 للإعلان عن بدء جولة جديدة للمفاوضات التجارية المتعددة الأطراف، إلا أن سبيل نجاح هذه الجولة فى تحقيق تحرير وتوسيع التجارة الدولية، وتعزيز الثقة فى النظام التجارى متعدد الأطراف سيتوقف بدرجة أساسية مدى توافر الإرادة السياسية لدى الدول المتقدمة الصناعية على احترام قواعد الجات ومعالجة أزمة التنمية فى الدول النامية الاتجاهات الحديثة فى الاقتصاد العالمى:
تشكل التغيرات الهيكلية فى أنماط الإنتاج والتجارة جزءا رئيسيا من التطور الذى يشهده الاقتصاد العالمى منذ أوائل الثورة الصناعية، وظهور ما يعرف بالنمو الاقتصادى الحديث فكانت عملية تحويل الموارد الإنتاجية بين القطاعات الإنتاجية المختلفة من الأسباب الرئيسية للتقدم الاقتصادى الذى تم تسجيله عبر القرنين الماضيين (18) وسوف نركز عند طرح الاتجاهات الحديثة فى الاقتصاد العالمى على ثلاث تغيرات رئيسية تتمثل فيما يلى:ـ أولا: تدهور أسعار المنتجات الغذائية وتضاؤل الأهمية النسبية للسلع الأساسية والمواد الخام فى عملية الإنتاج فى الدول المتقدمة الصناعية:ـ وفى الواقع أن تدهور أسعار السلع الأساسية الذى يشهده الاقتصاد العالمى منذ عام 1977، وانخفاض الطلب العالمى عليها قد جاء مخالفا لما توقعه CLUB OF ROME منذ أكثر من عشر سنوات والذى كان تنبأ بأن أسعار كافة السلع الأساسية سوف تشهد ارتفاعا حادا ومستمرا حتى عام 1985، وقامت إدارة الرئيس الأمريكى كارتر عام 1980بناء على توقعات CLUB OF ROME فى تقديرها المعروف باسم GLOBAL 2000 REPORT TO THE PRESIDENT ENTER ING THE TWENRY FIRST CENTURY بالتوصل إلى إسقاطات مفادها أن الطلب على المنتجات الغذائية سوف يشهد ارتفاعا مستمرا طوال العشرين عام المقبلة، وأن إنتاج الغذاء سوف ينخفض فى كافة مناطق العالم باستثناء الدول المتقدمة الصناعية وأن أسعار المواد الغذائية سوف تتضاعف (19) وعلى الرغم من كافة هذه التنبؤات والاسقاطات، فقد زاد الإنتاج العالمى من المنتجات الزراعية والغذائية بمقدار الثلث خلال الفترة من عام 1972 إلى عام 1985، وأن غالبية تلك الزيادة حتى مع تدهور الأوضاع الزراعية فى بعض الدول الأفريقية من جراء الجفاف قد جاءت نتيجة لنمو الإنتاج الزراعى فى الدول النامية فقد حدثت زيادة كبيرة بالفعل فى الطلب العالمى على المنتجات الغذائية كما توقع بذلك CLUB OF ROME وتقرير ال GLOBL 2000 إلا أن معدلات الزيادة فى العرض كانت أكبر بكثير من معدلات الزيادة فى الطلب وقد أدى ذلك بالطبع إلى تدهور أسعار السلع الغذائية بشكل ملحوظ ويمكن أن نرجع العوامل التى أدت إلى زيادة عرض المنتجات الغذائية إلى الأسباب الآتية:ـ السبب الأول، ويتمثل فى أن الخوف من حدوث عجز فى الإنتاج الغذائى العالمى قد دفع كافة الدول خاصة الصناعية إلى زيادة إنتاجها من الغذاء، وقامت الولايات الأمريكية، ودول السوق الأوروبية المشتركة بدعم الإنتاج الزراعى بمبالغ هائلة، وأصبحت دول أوروبا الغربية تعانى حاليا من تعاظم المخزون لديها من كافة أنواع المنتجات الغذائية خاصة من منتجات الألبان والقمح واللحوم وجاءت الزيادة المطلقة فى إنتاج الغذاء فى بعض الدول النامية خاصة الهند ودول جنوب شرق آسيا هذا بالإضافة إلى الصين ويرجع السبب الثانى إلى النجاح الذى حققته كافة الدول فى تقليل نسبة الفاقد من الإنتاج الزراعى وعلى سبيل المثال فقد انخفضت نسبة الفاقد من إنتاج الحبوب فى الهند من 80% عام 1950 إلى اقل من 20% حاليا وذلك نتيجة إلى التوصل إلى أساليب فعالة فى التخزين والتقدم فى استخدام المبيدات هذا بالإضافة إلى الميكنة الزراعية وتطو إنتاج وانتشار استخدام الأسمدة الكيمائية، والى الأساليب الحديثة فى الزراعة والرى إذ يشهد الإنتاج الزراعى حاليا ثورة هائلة فى BIOTECHNOLOGY التى تساعد على زيادة إنتاجية المحصول واستباط أنواع جديدة من البذور عالية الإنتاج خاصة بالنسبة للرز والقمح وفى الواقع، أنه على الرغم من دول أوروبا الغربية تحتل حاليا مركز المصدر الرئيسى للمنتجات الغذائية فى العالم، إلا أن هناك العديد من الدلائل التى تشير إلى أن الصين وسوف تحتل هذا المركز كمصدر رئيسى للمنتجات الغذائية عام 2000 (20) هذا فى نفس الوقت الذى انضمت فيه الهند إلى قائمة الدول المصدرة للقمح، كما انضمت كل من البيرو والبرازيل إلى قائمة الدول المنتجة للأرز عالى الجودة نتيجة لنجاحها فى استخدام الأسمدة الكيمائية ومن كل الدول المتقدمة الصناعية لم يتبق سوى اليابان وحدها كمستورد رئيسى للمنتجات الغذائية حيث تعتمد على استيراد ثلث احتياجاتها من المنتجات الغذائية من الخارج وبصفة خاصة من الولايات المتحدة الأمريكية ومن المنتظر أن تحتل كل من إندونيسيا وكوريا الجنوبية وتايلاند بدلا من الولايات المتحدة الأمريكية مركز المورد الرئيسى لاحتياجات اليابان من المنتجات الغذائية خلال الأعوام القليلة القادمة ويتمثل السبب الثالث فى أن الاتحاد السوفييتى مازال يحتل مركز المستورد الرئيسى للمنتجات الغذائية فى العالم، ونظرا لأن المخزون العالمى من المنتجات الغذائية والذى يتركز بصفة خاصة فى دول السوق الأوروبية المشتركة يكفى فى الواقع لسد احتياجات الاتحاد السوفييتى من خمس إلى ثمانى مرات، فقد أدى هذا العامل أيضا إلى خفض أسعار المنتجات الغذائية نتيجة للتنافس القائم بين الدول المصدرة خاصة الولايات المتحدة الأمريكية واستراليا ونيوزيلندا والأرجنتين ودول السوق الأوروبية المشتركة على كسب السوق السوفيتى أما بالنسبة لباقى السلع الأساسية خاصة المعادن بكافة أنواعها، فقد سجل الطلب العالمى عليها انخفاضا حادا على عكس ما توقعه CLUB PF ROME ويمكن أن نرجع أسباب النقص فى الطلب العالمى إلى تزايد الأهمية النسبية لقطاع الخدمات فى اقتصاديات الدول المتقدمة الصناعية بشكل ملحوظ خاصة قطاع البنوك والتأمين والنقل بكافة أنواعه والخدمات الاستشارية وعمليات انتقال المعلومات وخدمات الاتصال الخ هذا بالإضافة إلى التغيرات الهائلة فى الفن الإنتاجى وتغير نمط الاستهلاك والتقدم التكنولوجى الذى تشهده كافة ميادين النشاط الاقتصادى ويمكن القول أن الإنتاج الصناعى فى الدول المتقدمة الصناعية قد تحول من الاعتماد المكثف على المواد الخام إلى الاعتماد المكثف على التكنولوجيا المتقدمة والمتطورة، ويكفى أن نذكر أن إجمالى المواد الخام المستخدمة فى إنتاج وحدة من الحاسب الآلى لا تشكل فى الواقع إلا نسبة تتراوح من 1 إلى 3% فقط من تكلفة المنتج النهائى وقد أدى التوسع فى استخدام لدائن البلاستيك إلى تقليل نسبة الصلب التى كانت تستخدم فى صناعة السيارات وحدها إلى اقل من 40% هذا فى نفس الوقت الذى أصبح فيه 100 رطل من الأسلاك المصنوعة من الألياف الزجاجية FIBRE GLASS تقوم بنفس الوظيفة التى كانت تتطلب أكثر من طن واحد من أسلاك النحاس (21)، وقد انعكس ذلك بشكل مباشر على استخدام الطاقة فى الدول المتقدمة الصناعية إذ يحتاج إنتاج 100 رطل من الأسلاك المصنوعة من الألياف الزجاجية حوالى 5% فقط من الطاقة الواجب استخدامها لإنتاج طن واحد من الأسلاك النحاسية وفى الواقع أن البترول أيضا كمصدر رئيسى من مصادر الطاقة ـ لم يسلم من هذه التغيرات فقد انتشرت محطات الطاقة النووية فى كافة الدول المتقدمة الصناعية وبعض الدول النامية وظهرت مصادر بديلة متعددة للطاقة منها طاقة باطن الأرض الرياح الطاقة الشمسية الأنهار والبحار الخ كما أدخلت تعديلات كبيرة على أساليب الإنتاج تهدف بدرجة كبيرة إلى ترشيد استخدام الطاقة خاصة فى صناعات ابتداء من صناعة السيارات والطائرات إلى صناعة الحديد والصلب والألومنيوم والفحم والأسمدة والبتروكيماويات ويعتبر تضاؤل الأهمية النسبية للسلع الأساسية والمواد الخام فى عملية الإنتاج فى الدول المتقدمة الصناعية ـ خاصة فى الصناعات غير العسكرية من أهم التغيرات الهيكلية الحديثة التى يشهدها حاليا الاقتصاد العالمى والتى ستؤثر سلبيا بالطبع فى اقتصاديات الدول النامية التى تعتمد على تصدير المواد الخام كمصدر رئيسى من مصادر دخلها القومى، وتعتبر اليابان هى المستفيد الأول من هذا التغير نظرا لعدم وجود العديد من المواد الخام فى أراضيها، وهى لذلك تقوم بتطوير الفن الإنتاجى والتكنولوجيا على هذا الأساس وفى الواقع أن هذا التغير سوف يحدث تغييرات أساسية فى العديد من النظريات التى يقوم عليها التبادل التجارى العالمى وتقسيم العمل الدولى، كما أنه سيفتح الباب أمام وضع نظريات جديدة تأخذ فى الاعتبار ما سيترتب على هذا التغير من آثار ثانيا:ـ تحول الإنتاج الصناعى فى الدول المتقدمة من الاعتماد على صناعات كثيفة العمالة إلى صناعات تعتمد بدرجة رئيسية على كثافة المعرفة:ـ يشهد الإنتاج الصناعى فى الدول المتقدمة تغيرات هيكلية ديناميكية هائلة (22) تتنوع من الآلية الكاملة FULL AUTOMATION إلى ما يعرف مجازا بالإنسان الآلى ROBOTIZATION إلى إدخال أساليب جديدة فى إدارة الإنتاج، ويمكن القول أن الإنتاج الصناعى فى تلك الدول أصبح يرتكز بشكل متزايد على ـ كثافة المعرفة ـ KNOWLEDGR INTENIVE وأن هذه التغيرات سوف تحدد بدرجة رئيسية القدرة التنافسية للمنتج النهائى فى النهائى فى الأسواق الدولية فنفقة إنتاج الحاسب الآلى ترجع 70% منها إلى قيمة البحوث والتطوير والتجربة RESEARCH, DEVELOPMENT AN TESTNG (RD& T) فى حين أن اليد العاملة لا تمثل سوى 12% فقط من تكلفة المنتج النهائى وفى صناعة الأدوية تمثل نفقة البحوث والتطوير والتجربة حوالى 50% واليد العاملة أقل من 15% فقط من تكلفة المنتج النهائى، وبالنسبة لصناعة السيارات ومع استخدام الآلية الكاملة، فإن نفقة اليد العاملة لا تمثل سوى 20% فقط من إجمالى تكليف الإنتاج وأصبحت المعرفة والخبرة والقدرة على الاختراع والتطوير والتجربة خاصة فى صناعات وسائل الاتصال والحاسبات الإليكترونية وأدوات تحليل المعلومات وصناعة الأدوية والبلاستيك والبتروكيماويات هى العنصر الحاسم فى تحديد القدرة التنافسية للمنتج النهائى فى الأسواق الدولية وقد صاحب ذلك بالطبع تغيرات مماثلة فى عملية إدارة الإنتاج خاصة بعد أن حققت صناعة الصلب المتوسطة الحجم وليست الكبيرة العملاقة ـ فى كل من اليابان والولايات المتحدة الأمريكية والسويد وأكبر الأرباح خاصة من إنتاج أنابيب ووسائل حفر آبار البترول من المنتظر أن يتغير أيضا هيكل العمالة فى القطاع الصناعى فى الدول المتقدمة الصناعية حيث سيزداد عدد من الخبراء والعلميين والفنيين الذى يعملون فى إدارات البحوث والتطوير والتجربة عن عدد العاملين التقليديين أو ما يعرف THE BLUECOLLAR WORKERS ومن المقدر أن تحدث طفرة هائلة فى عملية تصدير المعرفة والفن الإنتاجى والتكنولوجيا وقد دفع ذلك بالإدارة الأمريكية منذ بداية عام 1985 إلى إدراك أهمية التجارة غير المنظورة INVISIBLE TRADE ودعوتها إلى ضرورة أن تقوم الجولة الجديدة للمفاوضات التجارية متعددة الأطراف فى الجات بتحرير التجارة الدولية فى الخدمات ورفع كافة القيود التى تعرقل انسياب التبادل التجارى الدولى فى هذا القطاع خاصة بعد أن شهدت العديد من الدول المتقدمة الصناعية تزايدا فى حصائل الصادرات من التجارة غير المنظورة عن معدل زيادة حصائل الصادرات من السلع وتسعى الولايات المتحدة الأمريكية فى نفس الوقت إلى ضرورة أن يقوم الجات بوضع حد لتجارة السلع المقلدة أو المغشوشة وهى التى تنتج بدون تراخيص أو تصاريح من الشركات الكبرى فى الدول الغربية وسوف يترتب على هذه التغيرات الهيكلية تضاؤل الأهمية النسبية لليد العاملة الرخيصة فى تحديد تكلفة المنتج النهائى فى الأسواق الدولية، ومن الملاحظ أنه بعد إدخال بعض التغيرات الجوهرية على صناعة المنسوجات فى الولايات المتحدة الأمريكية وتطبيق الآلية الكاملة ـ فى بعض المصانع فى جنوب كارولينا، أصبحت منتجات هذه المصانع أقل تكلفة من صناعة المنسوجات التى تقوم على أساس اليد العاملة الرخيصة والقائمة فى بعض الدول مثل تايلاند وكوريا الجنوبية وسنغافورة وتايوان وقد ساعدت أيضا زيادة درجة الآلية فى بعض المصانع الأمريكية المنتجة لأجهزة التليفزيون والراديو إلى زيادة قدرتها التنافسية بشكل كبير فى مواجهة منتجات بعض الدول التى تعتمد على اليد العاملة الرخيصة وفى الواقع أن تحول الإنتاج الصناعى فى الدول المتقدمة من الاعتماد على صناعات كثيفة العمالة إلى صناعات كثيفة المعرفة يعتبر من أهم التطورات الحديثة فى الاقتصاد العالمى التى ستؤثر فى أنماط واتجاهات وشروط التبادل التجارى الدولى، وأن زيادة درجة نمو الإنتاج الصناعى وتوسعه فى الدول المتقدمة سوف لا تعنى بالضرورة زيادة اليد العاملة (23) فى هذا القطاع، وإنما ستتوقف على تطوير برامج التعليم والتدريب من أجل توفير وخلق التقدم التكنولوجى المستمر واللازم لدفع الفن الإنتاجى فى القطاع الصناعى ونظرا لأن هذا التغير سوف يترتب عليه من الآثار الاجتماعية الضارة لا سيما معدل البطالة ـ فقد شرعت العديد من الحكومات إلى زيادة رؤوس الموال المخصصة لتقديم ما يعرف بإعانة البطالة هذا فى نفس الوقت الذى دعت فيه العديد من الأجهزة الاقتصادية فى الدول المتقدمة الصناعية إلى ضرورة الحد من التطور التكنولوجى الذى يضع الآلة محل العامل البشرى المتمثل فى اليد العاملة وفى الواقع فإن التطور التكنولوجى قد خلق معادلة صعبة بالغة التعقيد هى محل دراسة مستمرة من كافة الأجهزة السياسية ونقابات العمل فى الدول المتقدمة الصناعية وتتمثل هذه المعادلة فى كيف يمكن السماح باستمرار التقدم التكنولوجى وزيادة فرص العمالة فى نفس الوقت ثالثا:ـ هيمنة التدفقات النقدية وتغير اتجاه العلاقة بين التجارة والتمويل:ـ عندما أنشئ النظامان التجارى والمالى لفترة ما بعد الحرب العالمية كانت العملات المستقرة والقابلة للتحويل تعتبر شرطا أساسيا لانتعاش التجارة الدولية وتوسعها والاستقرار النظام التجارى متعدد الأطراف وكانت التجارة الدولية تعتبر محركا للنمو وكان التمويل الدولى بما فى ذلك المعونة الخارجية المباشرة وسيلة لتمويل برامج التنمية ودفع معدلات النمو (24) وخلال الأعوام القليلة الماضية انعكس اتجاه العلاقة بين التجارة والتمويل انعكاسا هائلا فحجم التدفقات الدولية لرؤوس الأموال الذى يتم على أساس يومى أصبح أكبر من التدفقات التجارية بعدة أضعاف خاصة إذ أدخلت فيه التغيرات البحتة للمضاربة وتغطية العمليات الآجلة وهكذا فإن تدفقات ضخمة تتم فى الواقع كرد فعل على مظاهر الاختلافات فى سياسات الاقتصاد الكلى فى الدول المتقدمة الصناعية فتسبب فى تغيرات هائلة فى أسعار الصرف وتؤثر تأثيرا هائلا بنفس الدرجة على التدفقات التجارية فقد لعبت التجارة الدولية فى السلع والخدمات خلال العقود السابقة دور القاطرة الدافعة للنمو فى الاقتصاد العالمى، إلا أن هذا الوضع قد تغير بدرجة كبيرة منذ ظهور التعويم المعمم للعملات الرئيسية فى عام 1973، فأصبحت تدفقات رؤوس الأموال والتعامل فى أسواق الصرف وتدفق الائتمانات تتم بكميات هائلة تتفوق بكثير عن قيمة التجارة العالمية ككل من السلع والخدمات ففى الوقت الذى بلغت فيه قيمة التجارة العالمية ما يقرب من 25 إلى تريليون دولار، فقد بلغ حجم التعامل فيما يعرف ب London eurodol larmarket حوالى 300 بليون دولار فى كل يوم من أيام العمل الرسمية أى حوالى 75 تريليون دولار سنويا ويمثل هذا الرقم فى الواقع 25 مرة قيمة التجارة العالمية ككل من السلع والخدمات ويضاف إلى ذلك أن حجم التعامل فى أسواق الصرف ـ خاصة فيما يتعلق بالدولار الأمريكى والين اليابانى والمارك الألمانى قد بلغ ما قيمته 150 بليون دولار فى كل يوم من أيام العمل الرسمية أى حوالى 35 تريليون دولار سنويا ويمثل هذا الرقم حوالى 12 مرة قيمة التجارة العالمية ككل من السلع والخدمات (25) وترجع هذه الطفرة الهائلة فى انتقال رؤوس الأموال وتحركاتها المستمرة إلى ظهور نظام التعويل المعمم للعملات الرئيسية فى عام 1973، الذى أدى إلى زيادة المضاربة على أسعار الصرف (على الرغم أن الهدف الرئيسى من هذا النظام كان عكس ذلك تماما)، وأيضا إلى ارتفاع أسعار البترول خلال الصدمة الأولى ولأسعاره عام 1973، والصدمة الثانية عام 1979، ويمكن أن نضيف إلى هذه العوامل أيضا عاملا آخر يتمثل فى تزايد حدة العجز فى الميزانية الأمريكية، وحرص الإدارة الأمريكية على جذب المدخرات العالمية من خلال رفع أسعار الفائدة ومن التطورات التى تدعو إلى القلق البالغ حدوث تحويل صاف للموارد من الدول النامية إلى الدول المتقدمة الصناعية وهو ما يعرف بالنقل العكسى للموارد ويرجع ذلك ضمن جملة أمور إلى تفاقم أزمة مديونية الدول النامية وصعوبة وصولها إلى الأسواق الدولية لرؤوس الأموال ونقص مساعدات التنمية الرسمية، وتدهور حصائل صادراتها من السلع الأساسية، وارتفاع أسعار السلع المصنعة وشبه المصنعة التى تنتجها الدول المتقدمة الصناعية وتزايد القيود الحمائية المفروض على صادرات الدول النامية وقد أدى ذلك إلى تدهور أوضاع موازين المدفوعات وموازين التجارة فى غالبية الدول النامية بشكل متزايد ومن الملاحظ أن كلا من نمو التجارة الدولية وتزايد التدفقات النقدية والتعامل فى أسواق الصرف قد أصبح يتم بصورة مستقلة وإن درجة الارتباط بينهما فى تناقص مستمر ويؤكد هذا التغير أنه على الرغم من نمو العجز التجارى فى الولايات المتحدة، إلا أنها فى ذات الوقت قد نجحت إلى حد ما فى التحم فى معدلات التضخم كما أنها تتمتع بأقل معدلات للبطالة بالمقارنة بباقى الدول المتقدمة الصناعية الرئيسية الأخرى.
باستثناء اليابان بما فى ذلك ألمانيا الاتحادية التى تسجل نموا مطردا فى صادراتها من السلع المصنعة وزيادة فى الفائض التجارى الذى تحققه بمعدلات أسرع من معدلات نمو الصادرات ونمو الفائض التجارى الذى يحققه الاقتصاد اليابانى ذاته (26) وتسعى الإدارة الأمريكية الحالية إلى اتخاذ الخطوات اللازمة للحد من عجز الميزانية، وعجز الميزان التجارى ومحاولة تحقيق التوازن فيها على بداية التسعينات ومن الأمور التى تثير القلق لدى العديد من الدوائر الاقتصادية الدولية تزايد النزعة الحمائية داخل الكونجرس الأمريكى ذاته وظهور العديد من الدوائر الاقتصادية الدولية تزايد النزعة الحمائية داخل الكونجرس الأمريكى ذاته وظهور العديد من الآراء التى تنادى بضرورة تكثيف القيود الحمائية ضد صادرات الدول الأخرى خاصة اليابان ودول السوق الأوروبية المشتركة، وبعض الدول النامية حديثة التصنيع وفى الواقع أن الشروع فى الحد من عجز الميزان التجارى الأمريكى عن طريق تكثيف القيود الحمائية المفروضة على صادرات الدول الأخرى سوف يفرض العديد من الضغوط على النظام التجارى متعدد الأطراف كما أنه سيقلل من مصداقية الدعوة الأمريكية إلى تحرير التجارة الدولية ويحد من إمكانية قيام جولة المفاوضات التجارية التى بدأت بالفعل فى إطار الجات بتوفر حلول للعديد من المشاكل التى تواجه التبادل التجارى الدولى وفى الواقع أنه يصعب تصور ما سيكون عليه وضع الاقتصاد العالمى فى المستقبل فهناك مخاوف عديدة ترجع إلى استمرار تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية فى الدول النامية وهناك مخاوف ترجع إلى تركيز الدول المتقدمة الصناعية على فرض العديد من القيود الحمائية، وما لذلك من آثار على النظام التجارى متعدد الأطراف، وهناك مخاوف من استمرار ما يعرف بالحرب التجارية بين الشركاء التجاريين الرئيسيين، خاصة بين الولايات المتحدة الأمريكية والسوق الأوروبية المشتركة من ناحية وبين الولايات المتحدة الأمريكية واليابان، وهناك مخاوف من عدم استقرار الأسعار العالمية خاصة أسعار الصرف وأسعار الفائدة، وأسعار السلع الأساسية وهناك مخاوف من الآثار السلبية للثورة التكنولوجية الجديدة التى تشهدها كافة أوجه النشاط الاقتصادى خاصة فى الدول المتقدمة وتأثيرها على أوضاع العمالة وأسس التبادل التجارى العالمى وتقسيم العمل الدولى، وهناك أيضا مخاوف ترجع إلى حجم رؤوس الأموال الهائل المخصصة لإنتاج وتطوير الأسلحة التقليدية وأسلحة الدمار الشامل وسوف يشهد النصف الثانى من عام 1978 العديد من المؤتمرات الاقتصادية الهامة فبالإضافة إلى استمرار الاجتماعات الخاصة بالجولة الجديدة للمفاوضات التجارية متعددة الأطراف فى إطار الجات القائمة حاليا فى جنيف من المنتظر أن تعقد الدول الصناعية السبع مؤتمر قمة فى روما كما سيشهد شهر يوليو 1987 مؤتمر الانكتاد السابع وما سيسبقه من مراحل تحضير مكثفة سواء على مستوى مجموعة ال 77 ككل، أو على مستوى المجموعات الإقليمية المختلفة الأفريقية والآسيوية واللاتينية يضاف إلى ذلك اجتماعات منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) ومن المنظر أن يكون لتلك الاجتماعات والمؤتمرات تأثيرها على الاقتصاد العالمى وأن دراسة التطورات التى تحدث على الساحة الاقتصادية الدولية تستأهل منا كدولة نامية كل مراقبة وتقييم ومشاركة إيجابية فى المنظمات والتجمعات التى ننتمى إليها من أجل خدمة قضية التنمية والاستقرار والعدالة، وتحقيق التوازن المطلوب فى الاقتصاد العالمى.
المراجع:
(1) The World Bank Annual 1986 UNITED NATIONS:ـ WORLD ECONOMIC SURVEY 1986, CURRENT AND POLICIES IN THE WORLDD ECONOMY, NEW YORK, 1986 (3) THE WORLD BANK ANNUAL REPORT 1986 (4) ROBERT D HORMATS, THE WORLLD ECONOMY UNDER STRESS, FOREIGN AFFAIRS, VOL 64, NO 3, 1986 (5) لمزيد من المعلومات أنظر:
(6) الجات والجولة الجديدة للمفاوضات التجارية متعددة الأطراف ـ عمرو مصطفى كمال حلمى مجلة السياسة الدولية العدد 86 ـ أكتوبر 1986 ص ص 1088 ـ 1097 STATEMENT OF THE HONORAVLE JAMES BAKER III, SECRETARY OF THE TREASURY OF THE US BEFORE THE JOINT ANNUAL MEETING OF IMF AND WORLD BANK, OCTOBER 8, 1985, SEOUL, KOREA.
(7) لمزيد من المعلومات أنظر:ـ
مبادرات حل أزمة مديونية الدول النامية ـ عمرو مصطفى كمال حلمى مجلة السياسة الدولية العدد 87 يناير 1987 ص ص 189 ـ 303.
(8).NUITES NATIONS WORLD ECONOMIC. SURVEY 1986. (9)
THE WHITE AND CONGRESS BATILE TO CUT A TRILLION DOLLA BUDGET, ECONOMY AND BUSINESS, TIME MAGAZINE NO 2 JANUARY 1987, P 34. ـ 36
(10) المصدر السابق.
(11) لمزيد من المعلومات أنظر:ـ Tokyo Economic Declaration, Tokyo 6-4May 1986. (12) لمزيد من المعلومات أنظر:ـ الإعلان الاقتصادى لقمة طوكيو ومدى نجاح الدبلوماسية الأمريكية عمرو مصطفى كمال حلمى الأهرام الاقتصادى، العدد 911 بتاريخ 30 يونيو 1986 ص ص 55 ـ 57.
(13) UNITED NATIONS CONFERENCE ON TRANDE AND DEVELOPMENT (UNCTAD) , TRADE AND DEVELOPMENT REPORT, 1986, UN NEW YORK, 1986, PAGE 26 (14)
GENERAL AGREEMENT ON TARRIFFS AND TRADE (GATT) , INTERNATIONAL TRADE 1985 ـ 1986,
GENVA (15) المصدر السابق.
(16) المصدر السابق.
(17) المصدر السابق.
(18) UNITED NATIONS CONFERNCE ON TRADE AND DEVELOPMENT (UNCTAD), PRO TECTIONISM AND STRUCRAL ADJUSTMENT IN WORLD ECONOMY, TD/B/888/REV1 NEW. YORK 1982. (19)
PETER F DRUCKER, THE CHANGED WORLD ECONOMY, FOREICH AFFAIRS, VOL64, NO 4 SPRING 1986 (20) المصدر السابق.
(21) المصدر السابق.
(22) UNITED NATIONS CONFERNCE ON TRADE AND DEVELOPMENT (INCTAD) NOTES ON DEVELOPMENTS IN THE TRAIDING SYSTEM, TEPORT THE UNCATS SECRETARIAT. TD/B/11012 JULY 1986. (23)
JUAN RADA "ADVANCED TECHNOLOGIES AND DEVELOPMEN" T UNCTAD REVIEW, SALEM NO E/F84/11 D8 GENEVA 1984. (24)
UNCTAD, NOTES ON DEVELOPMENT IN THE INTERNATIONAL TRADING SYSTEM ID/B/1101, 2 JULY 1986 (25)
PETER F DRUKER, THE CHANGED WORLD ECONOMY, FOREIGN AFFSIRS, VOL64 NO4 SPRING 1984 . (26)
GATT, INTERNATIONAL TRADE 1985, GENVA 1986.