Share |
ابريل 1988
1
ندوة تحليل السياسات العامة
المصدر: السياسة الدولية

جاءت ندوة "تحليل السياسات العامة" التى نظمها مركز البحوث والدراسات السياسية بكلية الاقتصاد، جامعة القاهرة خلال الفترة من 11 ـ 13 نوفمبر 1987، فى إطار الإستراتيجية البحثية التى يتبعها المركز، والتى تهدف إلى معالجة القضايا ذات الطابع العلمى والعملى، والتى تعد ذات أهمية حيوية بالنسبة لمصر والوطن العربى وتشكل هذه الندوة المرحلة الأولى لمعالجة المركز لموضوع السياسة العامة، إذا ركزت على الجوانب النظرية للموضوع، بينما تتمثل المرحلة الثانية فى الندوة التى يشرع المركز فى تنظيمها أواخر شهر ديسمبر 1987 لمعالجة الجوانب التطبيقية وقد شارك فى الندوة عدد من المتخصصين والبحاثين فى مراكز عملية متنوعة ضمت أقسام الإحصاء والاقتصاد والعلوم السياسية بكلية الاقتصاد، جامعة القاهرة وكذلك أعضاء من قسم العلوم السياسية بكلية التجارة جامعة حلوان ومركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام ويستمد موضوع الندوة أهمية من عدة اعتبارات: أولها: جدة الموضوع، فتحليل السياسات العامة يعتبر الحقل البكر فى التحليل السياسى الحديث، وهو بلا شك أكثر حداثة فى عهده على المؤسسات العلمية المصرية بالمقارنة بغيرها من مراكز البحوث العلمية الأوروبية والأمريكية وثانيها: اتصاله المباشر بعدد كبير من القضايا والاتجاهات الأساسية فى التحليل السياسى مثل المؤسسات التى تصنع السياسة والتى تنفذها، دور القيادة، علاقة البيروقراطية بالسياسة العامة الخ وثالثها: أنه نجح فى إثارة قضية المنهاجية فى العلوم الاجتماعية إن موضوع الندوة قد نجح فى إثارة أذهان المشاركين عند الحديث عن تكييف المنهاجية والوسائل البحثية التى يتم الاسترشاد بها فى دراسة هذه السياسات ويمكن تقسيم الأوراق التى قدمت إلى الندوة خلال جلساتها السبع إلى أربع مجموعات: الأولى: تدور حول المسائل النظرية والمنهاجية، فتناولت التعريف بالسياسة العامة، مراحل صنعها، علاقاتها بالنظام السياسى، أنماطها، حدودها خاصة فى بلاد العالم الثالث، كيفية تقييمها وأدوات ومناهج تحليلها الثانية: ـ وضمت الأوراق التى تعالج محددات السياسة العامة فناقشت الندوة من هذه الزاوية شكل التنظيم الحكومة وعلاقته بالسياسة العامة، أنماط القيادة السياسية العامة، دور الأحزاب وجماعات المصالح والسياسة العامة الثالثة: وتمثلها الأوراق التى تناولت قضية تطبيق، وتقييم السياسة العامة ووسائل وصعوبات ذلك الرابعة: مجموعة من الأوراق الخلفية التى كانت قد نشرت أو شارك كاتبوها من خلالها فى محافل أخرى وارتأت إدارة الندوة إعدادها للمشاركين للاستئناس بها دون أن تكون محلا مباشرا للمناقشة والحوار مثل الورقة التى أعدها د جهاد عودة الخبير بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام عن ـ الأيديولوجيا كأحد محددات السياسة العامة ـ والورقة التى أعدتها د أمانى قنديل عن ـ تحليل السياسات العامة كأحد مداخل دراسة النظام السياسى ـ الورقة التى أعدها د على الدين هلال مدير مركز البحوث والدراسات السياسية بجامعة القاهرة عن دلالة تحليل السياسة العامة للدول النامية ـ وقبل بدء جلسات الندوة قدم د على الدين هلال الإطار العام للندوة فأوضح أن البرنامج البحثى فى السياسات العامة يعتبر جزءا أحدث فى سياق التطور العام للعلم الاجتماعى ويعد هذا الموضوع حلقة للربط بين العلوم الاجتماعية ويعضها البعض، كما أنه يمثل نقطة الالتقاء بين الدولة بسياساتها والمجتمع بتوقعاته، كذلك فإنه يوجه النظر إلى زوال الفواصل بين تأثير العوامل الداخلية والعوامل الخارجية على صنع السياسة وأن قيمة الموضوع تنبع من أن الدراسات السابقة قد ركزت على تحليل مضمون السياسة أو تكلفتها، بينما أن هناك جهدا أقل فى تحليل صنع السياسة وكيفية تطبيقها وتحليل الدور الذى تلعبه القوى الرسمية وغير الرسمية فى هذا الصدد، كما أن قيمة تنبع من أنه يمكننا من تفسير المفارقة بين الأهداف المعلنة والنتائج المتحققة بالفعل وضمت المجموعة الأولى من الأوراق أربع دراسات قدمت إلى الجلسة الأولى للندوة منها ورقتان أعدهما الأستاذ السيد ياسين مدير مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام عن ـ السياسة العامة: القضايا النظرية والمنهاجية ـ والدكتور كمال المنوفى أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة عن ـ السياسة العامة وأداء النظام السياسى ـ أوضحت الورقة الأولى أهمية دراسة السياسة العامة، وعلاقتها بالتغير الاجتماعى والاقتصادى والسياسى، مشيرة فى ذلك كمثال إلى عجز نظام ما قبل ثورة يوليو ـ 1952 عن صياغة سياسات عامة صحيحة وعادلة كعامل أساسى فى اندلاع الثورة، وربطت بين السياسات العامة والأيديولوجية المسيطرة فى المجتمع إذ أن السياسات العامة تتصف بنفس صفات الأيديولوجية السائدة وما إذا كانت ثورية أم إصلاحية تدريجية وانطلق الباحث فى حديثة عن السياسة العامة على أنها هى ذلك الفرع العلمى الذى يبحث مشكلات التطبيق لعدد من القضايا الحيوية فى المجتمع ويتميز ذلك الفرع الجديد بأنه لا يمتلك أدواته المنهاجية الخاصة به إذ يستعير أدوات ومناهج الفروع الأخرى وتتسم السياسة العامة بالنزوع نحو ترشيد القرار، بحكم أنها تستطيع توفير المعلومات اللازمة لدقة القرار كما أنه يمكن النظر إليها على أنها فن وعلى حد سواء، فهى كفن، عادة ما تأخذ شكل برنامج عمل للسلطة الحكومية، وكعلم فى تمثل ما يعرف بعلوم السياسة ـ POLICY SCIENCES وفرقت الدراسة بين سياسة عامة رشيدة أى لها صانع محدد ومنقذ واضح لها وسياسة لا صانع لها، وهى التى يغيب مع غياب معرفة صانعها عنصر المسئولية وأشارت الدراسة أيضا إلى أهمية تحديد الآثار أو النتائج غير المقصودة للسياسة العامة عند التطبيق وإمكانية تحييد هذه الآثار غير المقصودة للأهداف التى كان صانعو السياسة يستهدفون تحقيقها عند صياغتهم لها وتناولت ورقة الدكتور المنوفى السياسة العامة على أنها هى مجموعة الأهداف والقرارات والبرامج التى تتعلق بمجال معين كالصحة التعليم، الدفاع الخ وطرحت الدراسة مجموعة المناهج العلمية التى تفسر السياسة العامة، فحددتها فى المنهج المؤسسى الذى يؤكد على أن أية برامج أو أهداف لا تصبح سياسة ما لم تتبناها مؤسسة وهى الحكومة أساسا، منهج الجماعات وينظر للسياسة على أنها التوازن بين الجماعات الاجتماعية المتعددة، منهج النخبة والذى ينظر إلى السياسة العامة على أنها تفضيل الصفوة لخطة أو برامج محددة، منهج النظم الذى يرى أن السياسة العامة هى منتج النظام السياسى كله بكامل تفاعلاته وتأثيراته وحددت الورقة أيضا خطوات أعداد السياسة العامة، وتتمثل فى الوقوف على المشكلة موضع البحث، جمع الحقائق بشأنها، صياغة السياسات البديلة، إخضاع البدائل للنقاش العام، اتخاذ القرار، تنفيذ السياسة، تقييم السياسة وفيما يتعلق بأنماط السياسة العامة فقد قسمها الباحث إلى سياسات عامة استخراجية تهدف إلى توفير الموارد وتعبئتها سواء مادية أو بشرية (مثل الضرائب والمعونات والخدمة العسكرية والسخرة والعمل التطوعى)، وسياسات عامة توزيعية تهدف إلى إعادة توزيع الثروة والوظائف والحقوق (مثل التعليم، الدفاع الرفاه الاجتماعى)، وسياسات عامة تنظيمية تستهدف ضبط ومراقبة سلوك الأفراد والجماعات ـ(مثل السياسة المتعلقة بالنشاط الاقتصادى أو الأحوال الشخصية أو التنقل أو النشاط الدينى والسياسى)ـ ، والسياسات العامة الرمزية التى تهدف إلى تدعيم إحساس المواطن بالمسئولية والانتماء واهتمت الورقة كذلك بأساليب تقييم السياسات العامة وحددت عددا من المعايير مثل دراسة أثر السياسة على الجماعة المستهدفة، التكاليف المباشرة للسياسة، أثر السياسة على الأوضاع الحالية والمستقبلية غير أن التقييم لازال عملا معقدا لأكثر من اعتبار، أوضحها أن لكثير من السياسات قيمة رمزية بمعنى أنها لا تدخل تغييرا فعليا على أوضاع الجماعات المستهدفة، ومن ثم يصعب قياس تأثيراتها ولخصت المناقشات حول الورقتين فى عدد من الاتجاهات، بعضها تشكك فى وجود سياسة عامة أساسا فى عدد من النماذج لا سيما فى بلاد العالم الثالث، بينما ذكر البعض الآخر أنه لا توجد دولة لا تمتلك قياداتها توجهات وأهداف وبرامج يسعون إلى تحقيقها ومن ثم فهناك سياسات عامة فى كل الدول وإن اختلفت مضامينها وأكدت المناقشة كذلك على أهمية دراسة العلاقة بين السياسة العامة لدولة وامتلاك هذه الدولة لإستراتيجية عامة تساعدها على الحركة وتوضح لها الأهداف وعلق بعض الحضور على قضية مناهج دراسة السياسة العامة وأوضحوا أن أولوية منهج على آخر تتوقف على حالة المجتمع محل الدراسة وفى إطار المجموعة الأولى كذلك قدم الدكتور مراد مجدى وهبة من الجامعة الأمريكية بالقاهرة ورقة عن ـ حدود السياسة العامة فى بلدان العالم الثالث ـ وقدم لدراسته بتوضيح طبيعة الدولة فى العالم الثالث لأن المحددات أسوأ داخلية أو خارجية ترتبط بشكل الدولة خاصة فى فترة ما بعد الاستعمار إذ أنها تعتبر أساسا دولا هامشية فى علاقتها بالدول المركزية الكبرى كما أن بعضها من دول العالم الثالث تمكن من خلق جهاز دولة قويا منذ ما قبل الاستعمار مثل مصر أدى بها إلى أن تصبح دولة متخمة النمو والقوة فى مواجهة المجتمع وحددت الورقة السياسات العامة على أنها الجانب المرئى لوجود الدولة فى المجتمع وهى سياسات اقتصادية وسياسات اجتماعية وقسمت حدود السياسات العامة فى دول العالم الثالث إلى نوعين: الحدود الداخلية والحدود الخارجية وتشعب الحدود الداخلية إلى ثلاثة أنواع، اقتصادية تتمثل فى حجم قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها إزاء المجتمع، وحدود سياسية تتمثل فى عدم اقتناع شرائح من الصفوة الحاكمة بطغيان دور الدولة فى المجتمع، وحدود اجتماعية وهى مثل طبيعة الحدود السياسية ولكنها تنبع من المجتمع أما الحدود الخارجية فهى كذلك اقتصادية تتمثل فى التبعية للخارج وسياسة تتمثل فى التحديات الدولية لأية سياسات طموحة لدول العالم الثالث واجتماعية تتمثل فى تأثيرات المجتمع الدولى على قبول أو رفض سياسة عامة لدولة ما من الدول وأكدت المناقشات على ضرورة مراجعة مفهوم العالم الثالث وأنه أصبح ينقسم إلى عدة عوالم فى داخله، وتنعكس اختلافاته بالتأكيد على أنماط السياسات العامة المتخذة أشير كذلك إلى أن دول العالم الثالث تتسم بأن مجتمعاتها لا تتفق على ما تريد، ويؤدى ذلك إلى تقوية دور الدولة فى مواجهة المجتمع ومن ثم عدم تعبير السياسات العامة بالضرورة عن الفئات الجماهيرية العريضة إحدى القضايا التى دار حولها النقاش كانت علاقة الديمقراطية فى العالم الثالث بالسياسة العامة، وهل أن الأول شرط لازم لنجاح الثانية أو لا؟ وظلت الإجابة معلقة بين التأكيد والنفى أما موضوع التعبئة فقد حظى هو الآخر بحظ من النقاش وأشير إلى أن التبعية ليست هى ترك الغير يصنع القرار إنما أن دول العالم الثالث تعمل فى ظل مساحة من البدائل المحددة هيكليا من قبل دول المركز المتقدمة واستكمالا لأوراق المجموعة الأولى قدم الدكتور السيد عبد المطلب غانم أستاذ العلوم السياسة بجامعة القاهرة ورقة بعنوان ـ الاقترابات والأدوات الكيفية والكمية فى تحليل السياسات العامة ـ الهدف منها هو الإجابة على السؤال بأى الطرق ندرس السياسات العامة؟ وهنا تحدثت الورقة عن مجموعتين الأولى اقترابات عرفها الباحث بأنها كيفية أى لازالت معظم صياغاتها لفظية والثانية اقترابات عرفها بأنها كمية أى أنها تلجأ إلى صيغ كمية ورياضية وتضم المجموعة الأولى (اقتراب تحليل النظم، الاقتراب المؤسسى اقتراب الفاعل السياسى والذى يدرس دور الجماعات الاجتماعية المختلفة أو دور الصفوة السياسية، واقتراب قواعد اللعبة والذى يحدد الأسس التى يجرى وفقا لها صنع السياسة العامة وهذه القواعد إما أن تكون قاعدة الرشادة ووفقا لها فإن السياسة العامة تسعى إلى تعظيم المنافع وتقليل التكاليف أو قاعدة الاختيار المرضى ووفقا لها لا يتم كل السياسات وإنما تلك التى من المعروف أو المتوقع أن النتيجة التى ستقود إليها ستكون مختلفة عن الوضع القائم، واقتراب العملية ويهتم بتحديد محتوى السياسة وأهم البدائل التى تضمنتها عملية التشاور بين صانعى السياسة والتنبؤ بعواقب كل بديل) أما الاقترابات الكمية فقسمها الباحث إلى اقترابات الاختيار الأمثل واقترابات الأداء الأكفأ الأولى: لا تفرض قرارا وإنما ترشح أفضلها وأكثرها مثالية وجوهرها تحليل المنفعة وتضم هذه الاقترابات تحليل التكلفة/ العائد، تحليل القرار والثانية تسعى إلى تحسين الأداء وإيجاد أفضل السبل للتطور إن استخدام أى من الطريقين مرهون بعدة عوامل منها موضوع السياسة قيد الدراسة والبيانات المتاحة ودرجة مصداقيتها ودرجة التطور العلمى الذى يسمح بالتحليل وأثارت الورقة نقاشا حول جدوى ودقة استخدام الأرقام والإحصاءات والأساليب الكمية فى دراسة السياسة العامة خاصة وأنها قد تكون مضللة وخادعة بالذات فى بلاد العالم الثالث كما أن بعضا من هذه الأدوات والمناهج متقدمة لا يمكن استخدامها فى دراسة السياسة العامة فى دول العالم الثالث بدون خلق قاعدة بيانات أساسية، لكن ذلك لا يعنى كما ذكر المناقشون أن تتحول الأساليب الكمية إلى مجرد رفاهية علمية يمكن الاستغناء عنها ذلك لأن أهداف السياسة العامة فى النهاية ينبغى أن تترجم إلى شكل كمى أما المجموعة الثانية من أوراق الندوة فقد بدأت تتعامل مع عوامل محددة تترك تأثيرها على السياسة العامة، فقدمت أوراقا عن التنظيم الحكومى، القيادة، والأحزاب السياسية وجماعات المصالح فعن ـ التنظيم الحكومى وعلاقته بالسياسة العامة ـ تحدث الدكتور أحمد رشيد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، فذكر أن العلاقة بين السياسة العامة والتنظيم الإدارى الحكومى هى علاقة الغاية بالوسيلة فالأولى غاية والثانية أهم وسائل تحقيقها وعلى ضوء ذلك فالحكومة هى صانعة السياسة العامة ومحددة الأهداف والجهاز الإدارى هو منفذ ولكن ينبغى عدم استبعاد التأثير السلبى للبيروقراطية على تحقيق أهداف السياسة العامة ويزداد دورها كلما ضعفت المؤسسات السياسية وقلت يقظتها ولذلك ليس من الهام النظر إلى ما تقوم به مؤسسات الحكومة فقط وإنما أيضا كيف تقوم به ويستلزم الأمر من الحكومة وهى ترسم السياسة العامة التى ستنفذها البيروقراطية ليس فقط رسم غايات واضحة ويمكن فهمها وإنما كذلك غايات ممكنة يسهل للجهاز الإدارى التعامل معها وتشير الدراسة إلى أهمية دراسة العلاقة بين قمة القيادة الإدارية ومؤسسات الحكم صانعة السياسة العامة فالقيادة الإدارية تساهم فى تحديد الأهداف المبتغى تحقيقها، وتساهم فى وضع البدائل، وهى التى تتابع البديل الموضوع فى إطار التنفيذ وهناك عدد فى إطار المنظمات الإدارية التى تباشر عملية تنفيذ السياسة العامة، وهى المنظمات المصلحية وتهتم بجوانب المرافق والخدمات، والمؤسسات العامة ولها طابعها الإنتاجى، والمحليات وهى تقوم بتنفيذ أهداف السياسة العامة فى مناطق الدولة المختلفة وتناقش المشاركون حول علاقة القيادة الإدارية بالسياسة وأن ضعف ثقة الجماهير فى كفاءة الجهاز الإدارى ينبغى وضعه فى الإطار العام، وهو ضعف الثقة فى كل رموز الريادة والتوجيه وكذلك ثار الحديث حول تحديد أشكال العلاقة بين الحكم والإدارة وأنها ليست بالضرورة علاقة تعاون وإنما قد تكون علاقة توتر واضطراب أن واحدة من النقاط الهامة التى أثارها المتناقشون هى لفت الأنظار إلى أنه ليس بالضرورة أن يعهد للمؤسسات العامة بتنفيذ كل أهداف السياسة العامة بل يمكن إفساح المجال أمام دور ما يلعبه القطاع الخاص وقدمت د سلوى شعراوى من الجامعة الأمريكية ورقة عن "أنماط القيادة والسياسة العامة" تطرقت فيها إلى دور الأفراد فى صنع السياسة العامة وتنفيذها وحددت مسئوليات القيادة إزاءها على إنها الإسهام فى ترتيب أولويات السياسة العامة، رسم السياسات العامة، ثم تنفيذها وفرقت بين القيادة الإدارية والقيادة السياسية وفقا لعدد من المعايير منها عملية التجنيد الوظيفى، فالإداريون يتولون مناصبهم بالتعيين ويخضعون للتدريج الوظيفى أما السياسيون فيصلون فى الغالب بالانتخاب، ومنها معيار النمط السلوكى فالقيادة الإدارية تهتم أساسا بالمستقبل الوظيفى وبالتفكير المحدود فى إطار اللوائح والقوانين وتجنب المغامرة بينما القيادة السياسية تتسم بدرجة عالية من الطموح وبروح المغامرة والإقدام، أن الاختلاف بين أنماط القيادة يترك أثاره على السياسة العامة، فالسياسيون خاصة فى النظم الديمقراطية غالبا ما يسعون إلى تلبية حاجات الجماهير كما أنهم أكثر سرعة من الإداريين فى قبول التغيير والمناشدة به وأكثر ميلا لتبنى قرارات مثالية أما الإداريون فيأخذون بالأسلوب التدريجى فى اتخاذ القرارات ويكونون أكثر ميلا إلى تبنى قرارات عملية واقعية ما طرحته الباحثة فى ورقتها أثار عددا من النقاط تلخصت فى أهمية اعتماد معيار العقلية وليس المنصب فى التفرقة بين القيادات الإدارية والسياسية أى النمط السلوكى الذى تتصرف به وليس موقعها كذلك أشارت بعض الملاحظات إلى أهمية دراسة أنماط القيادات تفصيليا عند التعرض للعالم الثالث مثل نمط القيادة الكاريزمية، القيادات العسكرية، والقيادات القبلية وتأثيراتها على مسار السياسة العامة كذلك ذكرت بعض الآراء أن القيادة بالانتخاب قد لا تحقق الصالح العام خاصة إذا ما أخذت عملية الانتخاب أبعاد صورية ومزيفة أما آخر المحددات التى ناقشتها الندوة فكان ـ دور الأحزاب وجماعات المصالح فى السياسات العامة ـ والذى كان موضوع البحث الذى أعدته د. أمانى قنديل من المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية فعن دور الأحزاب استخدمت الباحثة تضيف النظم السياسية إلى ديمقراطية وشمولية وسلطوية لقياس تأثير الأحزاب فى كل منها على رسم السياسة العامة وتنفيذها ففى النظم الديمقراطية تقع الأحزاب فى قلب عملية صنع السياسة العامة، إذ أنها أداة التعبير عن المصالح وتجميعها كم أنها تمارس دورا رقابيا على تنفيذ السياسات كما أن البيئة الديمقراطية تتح للأحزاب الاتصال بالبيروقراطية وتشكيل لجان مشتركة فى صناعة البدائل وتطرح الاقتراحات المتعلقة بالسياسة أما النظم الشمولية التى تتسم بوجود قوة سياسية واحدة فهى الحزب الواحد، فإن الأمر يختلف عن البيئة الديمقراطية من حيث اختفاء الأحزاب المتنافسة عند رسم السياسة ولكن ذلك لا ينفى أن يؤدى الحزب الواحد نفس دور الحزب فى النظم الديمقراطية ولكن بطريقة أداء مختلفة، فهو الذى يحدد أهداف النظام وهو الذى يشرف على تحقيقها فيعبئ المجتمع وراء الأهداف ويتميز دور الأحزاب فى السياسات العامة فى النظم السلطوية والتى تتصف بوجود تعددية سياسية مقيدة بأنه دور متقلص فدور الحزب فى تحديد توجهات السياسة وطرح البدائل يتم اختزاله إلى دائرة محدودة يشغلها القائد والنخبة بحيث تتحول ممارسة الحزب لوظيفة تعبئة الجماهير من أجل تحقيق الأهداف إلى عملية تعبئة التأييد للقيادة والنخبة ويكاد الحديث عن دور جماعات المصالح فى النظم السياسية المختلفة وعلاقتها بالسياسة العامة يتطابق مع الحديث عن دور الأحزاب وذلك مع استثناء وظيفتى الجامعة فى طرح نفسها كبديل مطلق فى صياغة السياسة وتنفيذها كما تفعل الأحزاب ولجماعات المصالح القدر المعلى فى ظل النظم الديمقراطية حيث تسمح لها الظروف السياسية بممارسة حرياتها فى الاقتراح والتأثير على عملية صنع السياسات العامة بما يتفق ومصالحها أو الضغط من أجل عدم اتخاذ سياسات عامة تضر تلك المصالح كما أن هذه الجماعات تجد شبكة اتصالية قوية تمكنها من التأثير على عملية تنفيذ السياسات من خلال الجهاز الإدارى والمجالس التشريعية وكذلك فإنه بحكم امتلاكها للموارد والمعلومات يمكنها التأثير فى تنفيذ هذه السياسة وتحتل جماعات المصالح فى النظم الشمولية دورا محدودا فى صنع السياسة العامة والتأثير عليها كما ترى الباحثة إلا أن ذلك لا ينفى دورها خاصة كلما تعقدت القضية موضع السياسات العامة حيث يدفع ذلك الوضع إلى إيجاد الوسيلة التى تؤثر بها الجماعات على السياسة وهذه الجماعات مؤسسية فى الغالب مثل الجيش، البوليس، البيروقراطية وتتسم علاقة جماعات المصالح بالسياسات العامة هذه الجماعات دورا فى إرساء واستقرار سياسات جديدة وهو ما يدفع النظم السلطوية إلى الاستجابة لها وتقويتها كما إنها قد تلعب دورا سلبيا من خلال عدم الاستجابة لسياسات بعينها مثل ما تنظمه نقابات العمال من إضرابات وعن المناقشات حول الورقة برزت الدعوة إلى أهمية مراجعة التصورات التقليدية الموروثة عن النظم الشمولية فى ظل التغييرات الحالية التى تشهدها الكتلة الاشتراكية بصفة عامة والاتحاد السوفيتى بصفة خاصة مرة أخرى ثارت قضية عالمية وخصوصية المفاهيم فهل ينطبق مفهوما الحزب وجماعات المصالح على تلك التكوينات الموجودة فى العالم الثالث بمعنى التأكيد على جغرافية المفاهيم دار النقاش كذلك حول علاقة عدد الأحزاب، وفاعلية صنع السياسة العامة فمثلا هل أن نظام الحزبين أكثر فعالية من نظام الحزب الواحد باعتبار أن الأول يوفر قنوات للرقابة أختلف المتناقشون كذلك حول علاقة الديمقراطية التى من مظاهرها وجود الأحزاب وجماعات المصالح بالسياسات العامة وإلى أى مدى تعتبر الحياة الديمقراطية شرطا لازما لسياسات عامة ناجحة أما المجموعة الثالثة من الأوراق والتى تناولت قضية تقييم السياسة العامة ووسائل وصعوبات ذلك فقد تمثل فى الاسهامين اللذين قدماهما د هبه نصار أستاذة الاقتصاد فى جامعة القاهرة و د على الدين هلال وتتشابك الورقتان وتترابطان من زاوية التعرض لوسائل السياسة العامة وأهم ما يورد عليها من صعوبات أن تقييم السياسة العامة إما أن يكون مراقبة لتطبيق السياسة أو أن يكون وسيلة لتغيير نظام السياسات العامة ككل وتبدأ عملية تقييم السياسات العامة بتقييم عملية ترجمة أهداف النظام السياسى إلى خطوط وبرامج محددة واقترحت ورقة د على الدين هلال عددا من المعايير التى تساعد فى تقييم السياسات العامة مثل درجة وضوح الهدف، شكل الجماعة المستهدفة من السياسة، نسبة الجماعة المستهدفة إلى إجمالى السكان، حجم التجانس أو الاختلاف داخل الجماعة المستهدفة، القدرات التنظيمية وراء السياسة، الموارد المالية المخصصة أن الحديث عن تقييم السياسات العامة يرتبط بثلاثة تعبيرات ـ(الفاعلية، النجاح، الرشادة)ـ هى تعبيرات تستهدف قياس الأهداف المتحققة بالأهداف المعلنة وقياس نسبة العائد إلى التكلفة أن واحدة من المحاذير التى أكدت عليها هذه المجموعة من الأوراق هى البداية الزمنية لتقييم السياسة العامة: فهل تبدأ عملية التقييم بعد انتهاء تنفيذ السياسة أم أنها تجرى بمجرد طرح البدائل والتصورات، والاتجاه الأكثر رشادة هو عدم الفصل بين التقييم والتطبيق إذ يمكن إجراء تقييم السياسة مع المراحل الأولى لصنعها لفتت ورقة د. هلال الأنظار كذلك إلى تمييز دقيق بين أن يتم التقييم للسياسة العامة من على أرضيتها أو أن يتم من خارجها بمعنى أن يتم التقييم فى الحالة الأولى وفقا لمطابقة الأهداف والغايات التى حددتها السياسة لنفسها بالغايات والأهداف التى حققتها بالفعل، كأن يتم تقييم سياسة الانفتاح الاقتصادى فى مصر تبعا لما أعلنه مخططو السياسة من أهداف أما الحالة الثانية فتعنى أن يتم التقييم باستخدام معايير أخرى بخلاف ما أعلنه راسمو السياسة من أهداف كتقييم سياسة الانفتاح الاقتصادى أيضا ليس باتفاق نتائجها مع أهدافها المعلنة، وإنما بمعايير الاتفاق والملاءمة مع ظروف المجتمع المصرى وأخيرا ينبغى مراعاة خصوصية العالم الثالث عند تقييم السياسات العامة إذ أن عملية التقييم تجرى فى ظل ندرة الموارد، فى ظل غياب استراتيجية توجيه شاملة، وفى ظل غياب الرضاء العام وحول مجموعة الأوراق التى قدمت إلى الندوة منذ بدايتها جرى نقاش عام يمكن بلورته فى النقاط التالية: أولا: موضع الأيديولوجية فى السياسات العامة، فيبغى، أن نأخذ فى اعتبارنا أن درجة التوافق أو الصراع الأيديولوجى تؤثر كثيرا فى السياسة العامة فكثرة الأيديولوجيات المتنافسة فى المجتمع يمكن أن تؤدى بنا إلى وضع مضطرب يتمثل فى وجود عدد من السياسات الخاصة التى قد تحيد أثار السياسة العامة نفسها ثانيا: اقتراح تصور عن طبيعة البحوث والدراسات التطبيقية التى يمكن إجراؤها فى حقل السياسة العامة فى مصر والمنطقة العربية فهناك من يرى أخذ سياسات عامة بأكملها كدراسة السياسة الصحية، السياسة التعليمية، سياسة كالطاقة، سياسة الغذاء الخ وهناك من يرى الاكتفاء بدراسات حالة محددة مثل سياسات المفاعلات الذرية كجزء من السياسة العامة للطاقة، سياسة القمح كجزء من السياسة العامة للغذاء، سياسة الكتاب كجزء من السياسة العامة للثقافة الخ وبصفة عامة يمكن الجمع بين الرؤيتين فدراسات الحالة المحددة توفر المعلومات اللازمة للدراسات الكلية كما أن الدراسات الكلية للإحدى السياسات العامة تفيد فى التصرف على الإطار العام الذى تصنع فى ظله سياسة محددة ثالثا: بالنسبة لموضوع تقييم السياسات العامة اتفقت الآراء على أن محلل السياسة العامة فى الغرب لا يجد صعوبة فى تقييم السياسات العامة لدولته، فالغرب قد حسم القضية حينما أصبحت الحكومات تحصل على رخصة من الشعب ومن ثم فإن ما تضعه وما تنفذه الحكومات هو أساسا ما يرتضيه الشعب إن موضع التقييم يؤكد أهمية التدقيق فى استخدام المؤشرات الكمية عند تطبيقها على العالم الثالث ووجه المتناقشون الدعوة إلى بعضهم البعض وإلى العاملين فى مجال العلوم الاجتماعية بإحياء وتعزيز موضع الملاحظة كأداة للبحث العلمى لحيويتها ولأهميتها فى جمع المعلومات وعلى الرغم من الطبيعة النظرية الجافة المتوقع أن تكون عليها الأبحاث المقدمة للندوة، إلا أن النقاش كان ثريا والحوار كان ممتعا، ومع ذلك يلاحظ أنه بالرغم من معالجة الندوة لمحددات السياسات العامة إلا أنها لم تعالجها كلها فعلى سبيل المثال كان يمكن أن تشتمل الأوراق على بحوث عن نمط الثقافة السياسية السائد والسياسات العامة، علاقة الشرعية السياسية والاستقرار السياسى بدقة ونجاح السياسات العامة، كما أن دور العامل الخارجى وتأثيراته على السياسة العامة صنعا وتنفيذا، بل وتقييما من الأمور التى لم تحظ بدراسة وافية إن تحليل السياسات العامة يعد مخلا حديثا فى تحليل العلوم السياسية، وهو مدخلا لازال فى حاجة إلى مزيد من التدعيم والإضافة من جانب المتخصصين وبقدر التراكم فى هذا المجال بقدر ما يمكننا القول بأن لدينا مدرسة لتحليل السياسات العامة تساعد على فهم كثير من أبعاد الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية فى منطقتنا العربية وتقديم ما يفيد فى تطوير هذه الجوانب.