Share |
يوليو 1988
1
حول مدرسة التبعية وتغيير النظام الدولى
المصدر: السياسة الدولية
بقلم:   د.هاله مصطفى

لم تكن مدرسة التبعية ثورة على الفكر الرأسمالى بإسهاماته المتنوعة التى قدمها ريكاردو أو جون ستيوارت مل أوتوماس لمعالجة قضية التخلف فحسب، وإنما كانت أيضا تمردا على الفكر الماركسى الكلاسيكى فى تناوله لقضايا العالم الثالث، وإن ظلت مخلصة للمنهج العلمى الذى يتبناه الفكر الأخير فلم يقبل مفكرو هذه الدراسة ما أسموه ـ بالنزعة الذاتية الأوروبية ـ عند ماركس فى تعرضه لأزمة تحلف المجتمعات الأوروبية، وفى طرحه لسبل الخروج من هذه الأزمة فقد رأى ماركسى فى توسع الرأسمالية العالمية خارج أوروبا عاملا إيجابيا لتطوير المجتمعات المختلفة حيث أن صدامها مع الأخيرة يؤدى إلى تحم التشكيلات التقليدية الجامدة ويقضى على نمط الإنتاج ما قبل الرأسمالى وفى المقابل فإن هذا الصدام سيساعد على خلق نمط إنتاجى حديث يتسم بالعقلانية فالبرجوازية كما جاء فى البيان الشيوعى لماركس ـ ستقرب جميع الشعوب المختلفة من المدينة وبالتالى تفرض عليها نمط الإنتاج الرأسمالى ـ وكان طبيعى وفق هذا التحليل أن لا يتصور ماركسى كما ورد فى كتابه الشهير ـ رأس المال ـ حدوث تقدم لمجتمعات العالم الثالث إلا من خلال الدور الذى تلعبه الدول المتقدمة وبالتالى فقد افترضت الماركسية الكلاسيكية أن نشأة النظام الإمبريالى سيؤدى إلى تثوير الهياكل الداخلية للمجتمعات المتخلفة وهو ما عارضه بشدة مدرسة التبعية على أساس أنه يؤدى إلى تبرير التغلغل الرأسمالى للدول المتقدمة فى اقتصاديات غيرها من البلدان المتخلفة لذا لما تقدم نظرية لينين عن (الإمبريالية) حلا كافيا ممن وجهة نظر مفكرى هذه المدرسة لمواجهة قضية التخلف منه النظرية الماركسية فيما يتعلق بالأبعاد والآثار الدولية للرأسمالية فى هذا الإطار، قدمت مدرسة التبعية إطارا تحليليا جديدا لدراسة مشكلة التخلف دون أن تتخلى عن الإطار الماركسى كإطار مرجعى كما يشير أغلب كتابها وكانت أهم الإضافات التى جاءت بها هذه المدرسة الدولة والتشكيلات الاجتماعية كلا على حدة لتأخذ النظام العالمى كوحدة تحليلية لها، هذا النظام الذى ينقسم إلى نوعين من التشكيلات الاجتماعية، تضم الأولى الدول الرأسمالية أو الصناعية المتقدمة والتى تشكل ـ المركز ـ للنظام الدولى، أما الأخرى فتتكون من التشكيلات الاجتماعية للدول غير المتقدة وتشكل ـ أطراف ـ هذا النظام كما تتكون من حالة تبعية ـ للمركز ـ هذا باختصار شديد، هو الجوهر الذى يقوم عليه تحليل ومناقشة قضية التخلف والواقع أن الاعتماد على النظام العالمى ـ الذى هو نظام واحد، سمى بالنظام الهيكلى بين التقدم من ناحية والتخلف وعدم النمو من ناحية أخرى، فهاتان العمليتان متلازمتان من وجهة نظر مدرسة التبعية فالتطور الصناعى الذى هو أساس تقدم الدول الرأسمالية (ودول المركز هو النتيجة الطبيعية لإفقار واستغلال اقتصاديات الأطراف من خلال عمليات الاستثمارات الأجنبية المباشرة وعملية نقل التكنولوجيا من الدول المتقدمة إلى العالم الثالث فى هذا الإطار التحليلى يصل مفكرو مدرسة التبعية إلى فرضية أساسية وهى رفض نمط الإنتاج الرأسمالى كحل لواقع التخلف فى الأطراف وعلى عكس ما تقول به التحليلات الماركسية التقليدية لا ترى فى الدور الذى تلعبه الاستثمارات والعلاقات التجارية والتقنية مع دول المركز إلا ترسيخا لواقع التبعية والتخلف فى الأطراف وجنى النمط الرأسمالى للإنتاج الذى قد ينشأ فى أحد التشكيلات الطرفية لا يمكن أن يكون إلا نمطا للرأسمالية التابعة والعاجزة عن أحداث أى تغيير كما يشير سمير أمين ومن هنا فإن الحل الوحيد للخروج من هذا المأزق لن يأتى إلا بالانفصال عن النظام الرأسمالى العالمى، ولن تقوم به إلا دول الأطراف نفسها التى تضطلع بعملية التغير وليست الدول المراكز ولكن إذا كان هناك اتفاق بين كتاب ومفكرى مدرسة التبعية حول حتمية التغيير إلا أن شكل وأسلوب هذا التغيير ظل محل خلاف يرجع ذلك إلى التعددية الفكرية التى ميزت هذه المدرسة فعلى حين يقترح الأستاذ السويدى وعالم الطبيعة جوهان جالتونج، هو أحد منظرى هذه المدرسة، شكلا تدريجيا للتغيير على سبيل المثال، تبدأه الأطراف ويقوم على فكرة إصلاح النظام الدولى للتقليل من الفوارق فى المكانة وفى درجة عدم المساواة بين الدول المراكز والدول الأطراف ترى مجموعة أخرى من أهم منظرى نفس المدرسة وتضم كتابا من العالم الثالث مثل سمير أمين، وجندر فرانك وأوزفالد وسنكل أنه لا بديل عن تقويض دعائم النظام الرأسمالى الدولى الراهن وانفصال دول الأطراف عنه إحداث التغيير ولاشك أن المدرسة الفكرية الليبرالية والإنسانوية Humanism التى انتمى إليها جالتونج قد لعبت دورا فى تحديد إطاره المرجعى وبالتالى فى النتائج التى توصل إليها بعكس المجموعة الأخيرة التى انطلقت من الأرضية الماركسية وشكلت تيارا مراجعا Revesionit للماركسية التقليدية بدائل تغيير النظام الدولى: وفى إطار هذه القضية المحورية التى شغلت أغلب كتاب مدرسة التبعية وهى قضية التغيير، طرحت بالتحديد بدائل ثلاثة أو بمعنى أدق اقترابات ثلاثة لتغيير النظام الدولى تتراوح بينها مواقف مفكرى المدرسة وأن تحيز أغلبهم للاقتراب الأخير
ـ 1 ـ النهج الأول: إصلاح النظام الدولى: تسند هذه الإستراتيجية إلى عدد من المصادر والتقاليد الفكرية والسياسية وأول هذه المصادر يعود إلى الجهود التى بذلها عدد من المفكرين والسياسيين الماثلين لتأسيس نظام سياسى دولى جديد يدور بصورة أو أخرى حول مفهوم الحكومة العالمية وقد أثمر هذا الاتجاه فى البداية عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى، ومنظمة الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية ولم تظهر مشكلة التخلف باعتبارها مشكلة عالمية فى هذه التقاليد إلى فى مرحلة لاحقة، فالمشاكل التى حاول هذا الاتجاه مواجهتها كانت بالأساس سياسية تولدت عن القناعة بأن النظام الدولى القائم على السيادة المطلقة للدول يتسم بالفوضى ولا يقدم وسيلة لحل المشكلات بصورة سلمية ومنظمة ومن ثم كان البديل هو تقليص صفة السيادة للدول مقابل إيجاد منظمة عالمية تستطيع حل المشكلات الدولية لصالح البشرية ككل وانطق هذا التصور من افتراض أن هناك كثيرا من القضايا والمشكلات الدولية والداخلية لا يمكن حلها على الصعيد الداخلى لأى دولة وفى نفس الوقت فإن النظام الدولى والتطورات الاجتماعية والاقتصادية التى طرأت عليه تحتم ضرورة الاعتماد المتبادل بين الدول إلا أن فشل هيئة الأمم المتحدة فى حل المعضلات السياسية والاقتصادية والدولية، مثل تحديا جديدا أمام أنصار هذا الاتجاه إذ، اقتصر الإطار الفكرى له على إيجاد ميكانيزمات ومنظمات دولية لحل المنازعات بين الدول دون معالجة مضمون هذا الحل، خاصة وأنه تناول الجانب السياسى للقضايا الدولية دون التطرق إلى المشكلات الاقتصادية والاجتماعية الدولية ومن هنا تطور هذا الاتجاه منذ منتصف الستينات وأصبحت مشكلة التخلف والتنمية أحد المحاور الأساسية التى واجهها هذا التيار ـ ـ فعلى حين اقتصر فى مراحله الأولى على مساهمات عدد من السياسيين مثل الرئيس ويلسون الأمريكى، وعدد من المفكرين خاصة فى مجال القانون الدولى، فإن الاتجاه الجديد لإصلاح النظام الدولى قد تدعم بدخول حركات السلام التى انتشرت فى أوروبا والولايات المتحدة فقد كان مفهوم السلام الدولى فى البداية يدور حول مشكلة منع الحرب، ولكنه تطور بعد ذلك إلى مواجهة أسباب تفجر الحروب والمنازعات الدولية ومن هنا أدخل البعد الاقتصادى والاجتماعى للعلاقات الدولية فى مفهوم السلام، ولم يعد من الممكن المناداة بمنع الحرب دون المطالبة بحل المشكلات التى تفجر الحروب بين الأمم وخاصة مشكلة التخلف وتبلور هذا التقليد الجديد فى أعمال عدد من المفكرين الذين عكفوا عن دراسة طرق إصلاح النظام الدولى وابتكار نماذج مناسبة لهذا الإصلاح على أن الضغوط لإصلاح النظام الدولى تبلورت أكثر فى الإسهامات الحديثة التى قام بها مفكرون ينتمون إلى العالم الثالث بالأساس وقد طرح هؤلاء مشكلة التخلف باعتبارها المشكلة الأساسية للنظام الدولى، كما اعترضوا على جوانب فى نظام العلاقات الدولية الخاصة فى المجال الاقتصادى والثقافى الإعلامى الدولى والتقت هذه الجهود كلها فى إطار فكرى وسياسى يمكن تسميته بإطار المنظومة الدولية ويمكن إيجاز الملامح ا؟لأساسية لهذا الإطار فيما يلى:
ـ 1 ـ من الناحية الفكرية، يقوم هذا الإطار على اعتبار أن مشكلة التخلف لا تهم فقط العالم الثالث وإنما العالم كله فهى مشكلة عالمية تتطلب مسئولية وجهودا عالمية لمواجهتها ويستند هذا الاعتبار عللى ثلاثة مقولات أساسية: الأولى، أن مشكلة التخلف لا يمكن حلها بمعزل عن النظام العالمى، ولكنها تتطلب إصلاح هذا النظام، أى أن العالم الثالث لا يستطيع حل مشكلاته الداخلية بجهوده الذاتية وحدها دون الاستعانة بإنجازات الحضارة العالمية التكنولوجية والعلمية الاقتصادية، والثانية أن التنمية ترتبط بنظام كثيف للاعتماد المتبادل يصعب الخروج منه، والثالثة أن استمرار واقع التخلف فى العالم الثالث ينتهى إلى الإضرار بمصالح الدول المتقدمة أيضا على المدى البعيد ومن هنا تصبح المصلحة فى إصلاح النظام الدولى متبادلة
ـ 2 ـ رغم أن هناك مصلحة متبادلة فى إصلاح النظام الدولى، إلا أن تحقيق هذا الإصلاح يتوقف على جهود العالم الثالث بصورة أساسية ومن هنا تنشأ ضرورة للتضامن الجماعى بين دول العالم الثالث ولهذا الغرض تطور هيكل مؤسسى واسع لحركة هذه الدول وإن لم يكن بالضرورة شاملا أو منسجما تماما فقد ظهرت فى البداية حركة عدم الانحياز منذ منتصف الخمسينات وكان الموضوع الأساسى لها هو إصلاح النظام الدولى من الناحية السياسية وبالتحديد التعبير عن المصالح السياسية للعالم الثالث فى الكفاح ضد الأحلاف العسكرية والنظام السياسى الدولى وإن كانت هذه الحركة قد تطورت بعد ذلك لتتنازل المصالح الاقتصادية البارزة لبلدان العالم الثالث مثل مشكلة المديونية ثم ظهرت مجموعة ال 77 بدءا من المؤتمر الأول للاونكتاد UNCTAD (مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية)، الذى عقد فى الجزائر فى 1963 وتهتم هذه الحركة ـ التى توسعت بعد ذلك لتضم غالبية دول العالم الثالث ـ بإصلاح النظام الاقتصادى الدولى فى مجال التجارة والاستثمارات المباشرة، والقروض والمعونات، ونقل التكنولوجيا وقد ساهمت فى تقديم تصور محدد للإصلاح
ـ 3 ـ يفترض فى هذا الإطار، أن تحقيق الإصلاح يمكن أن يتم من خلال المفاوضات الجماعية بين دول العالم الثالث من ناحية وبينها وبين الدول المتقدمة من ناحية أخرى وتأخذ عملية التفاوض الجماعى صورا مختلفة بعضها يتم داخل إطار المنظمات الرسمية الدولية خاصة منظمات الأمم المتحدة، وبعضها يخرج عن هذا الإطار ومن أمثلته ـ مؤتمر باريس للحوار بين الشمال والجنوب فى ـ 1975 ـ وقد ضم هذا المؤتمر مجموعة مختارة من دول العالم الثالث وعددا كبيرا من الدول الغربية المتقدمة وناقش عددا من المشكلات الاقتصادية الدولية منها مشكلة الطاقة، ومشكلة التجارة الدولية خاصة فى المواد الأولية وغيرها أما داخل الأمم المتحدة فقد كانت أهم المنظمات وأكثرها جهدا فى إصلاح النظام الدولى هى منظمة الاونكتاد فى الجانب الاقتصادى ومنظمة اليونسكو فى الجانب الثقافى والإعلامى، وشاركت الجمعية العامة للأمم المتحدة فى صياغة المبادئ العامة لإصلاح النظام الدولى كما أن المجلس الاقتصادى والاجتماعى للأمم المتحدة قد سعى لخدمة هذا الاتجاه بإنشاء مراكز متخصصة للدراسة والمعلومات مثل مركز الشركات عابرة القومية وإلى جانب هذه المنظمات الرسمية فهناك جهود عدد من المفكرين والكتاب الذين عملوا من خلال منظمات غير رسمية مثل نادى روما CLUB OF ROME كما أن هناك عددا من المجالات المتخصصة التى قدمت إسهاما آخر فى هذا المجال مثل مجلة التنمية الدولية وتعتبر أهم الإنجازات العملية لهذا الاتجاه ما يتعلق بمحاولة إنهاء الأنماط الاستعمارية القديمة لاستغلال الموارد الطبيعية فى العالم الثالث وإن كان هذا الإنجاز قد تحقق بأعمال منفردة إلى حد كبير لا بأسلوب التفاوض الدولى ويتبقى الإنجاز الأساسى، فى مجال إصدار إعلانات عالمية لإنشاء نظم عالمية جديدة، أهمها الإعلان حول إنشاء نظام اقتصادى عالمى جديد الذى أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة فى مايو 1974 والدعوة لإقامة نظام إعلامى عالمى جديد، والتى صدرت عن الإعلان الأول إلى قسمين أساسيين: يتصل الأول بالمبادئ الأساسية التى اشتمل عليها، والثانى يحتوى على برنامج العمل فى المجالات النوعية للعلاقات الاقتصادية الدولية أى التجارة فى المواد الأولية، والتجارة السلعية عامة ونظام النقد الدولى، وتمويل التنمية فى البلدان النامية ونقل التكنولوجيا وتنظيم الرقابة على أنشطة الشركات الدولية والتضامن فى مجال معالجة الأزمات الاقتصادية للبلاد الأقل نموا ويمكن تلخيص المبادئ الأساسية للنظام الاقتصادى العالمى الجديد كما ورد فى الإعلان على النحو التالى:
أ ـ مبدأ المساواة فى السيادة بين الدول لتحقيق أقصى درجة من التعاون بين جميع الدول على أساس المساواة، والسعى للتغلب على الفوارق السائدة ب ـ المشاركة الفعالة والكاملة على أساس المساواة لكل الدول لحل المشكلات الاقتصادية الدولية من أجل الصالح العام لجميع البلدان مع اعتبار ضرورة ضمان التنمية المتسارعة لجميع الدول النامية وتركيز الانتباه على عدد من الإجراءات الخاصة لصالح الدول النامية الأكثر فقرا
ج ـ حق كل دولة فى تبنى النظام الاقتصادى والاجتماعى الذى تراه مناسبا لنموها
د ـ السيادة التامة والدائمة لكل دولة على مواردها الطبيعية وعلى جميع الأنشطة الاقتصادية فيها إلى جانب المطالبة بأسعار عادلة لصادرات الدول النامية وحقها فى الحصول على معونات خارجية مناسبة، وحق تعويض الدول التى استنزفت مواردها فى ظل أنظمة استعمارية أو عنصرية وحق الدول النامية فى معاملة تفضيلية فى النظام الاقتصادى الدولى أما الدعوة لإقامة نظام إعلامى عالمى جديد، فقد تم تضمينها فى الإعلان الخاص لليونسكو لعام 1978 والمتعلق
ب: ـ مساهمة وسائل الإعلام فى دعم السلم والتفاهم الدولى وصيانة حقوق الإنسان، ومقاومة التمييز العنصرى، والتحريض على الحرب ـ ويمثل هذا الإعلان أول وثيقة رسمية للأمم المتحدة تشتمل على الدعوة إلى إنشاء نظام إعلامى جديد وقد أشار الإعلان إلى مختلف جوانب الاختلال فى النظام الإعلامى والثقافى العالمى لصالح الدول المتقدمة، ومنها عدم المساواة فى موارد المعلومات والهيمنة الفعلية والرغبة فى السيطرة على المعلومات المتاحة فى دول العالم الثالث وبقاء نوع من الاستعمار السياسى والثقافى وأكد الإعلان على عدد من المبادئ الإنسانية منها: تحقيق التوازن بين الحقوق الفردية وحقوق المجتمع فى مجال الإعلام والثقافة وحرية الإعلام، وإعادة توزيع الموارد الإعلامية، وحق السيادة الإعلامية لدول بما يخدم جهودها التنموية مع عدم الإخلال بحق المعلومات وحرية تدفقها ونزع الطابع الاستعمارى للإعلام عموما
ـ 2 ـ النهج الثانى: تثوير النظام الدولى: فى مقابل الاتجاه الإصلاحى السابق، ظهر اتجاه آخر يميل إلى الاعتقاد بأن مشكلة التخلف يجب حلها فى إطار النظام الدولى ولكن فقط بعد تثويره لا إصلاحه ويرى هذا الاتجاه أن المشكلة لا تمكن من وجود تفاعلات دولية بحد ذاتها، وإنما فى الرأسمالية باعتبارها قاعدة النظام الدولى ويستند هذا الاتجاه على مصدرين أساسيين: يرجع الأول إلى التقاليد الماركسية الكلاسيكية والتى تبلورت فى أعمال تروتسكى ومفهوم الثورة العالمية، والثورة الدائمة أما المصدر الثانى، فيرجع إلى أعمال بعض مفكرى مدرسة التبعية خاصة اتباع مدخل النظام العالمى فقد تضمنت الماركسية الكلاسيكية مبدأ وحدة المصير البشرى واعتبرت أن الرأسمالية تخلق قوة دافعة لتوحيد العالم، ولكنها لا توحده إلا بأسلوب السيطرة والاستغلال ومن هنا رأت أن التوحيد الحقيقى للعالم لن يتأتى إلا من خلال تضافر الطبقة العاملة فى جميع أنحاء العالم، وبهذا المعنى فقد كانت الماركسية سباقة إلى الاهتمام بالطابع الأممى وعندما قامت الثورة البلشفية فى روسيا فى 1917 شكل ذلك مأزقا أمام الماركسيين فالافتراض الأساسى هنا أن الاشتراكية يمكن أن تتحقق فقط فى البلدان المتطورة من الناحية الرأسمالية، ولهذا اعتقد قطاع كبير من البلاشفة أن الثورة الاشتراكية لن تصمد فى روسيا المتأخرة وأملوا فى ذلك أن تمتد الثورة إلى بلدان أوروبا وأمريكا بحيث ينشأ نظام اشتراكى عالمى يقوم على قواعد الأممية العادلة، وعلى حين اعتقد القطاع الأساسى من الماركسيين الروس (أنصار ستالين) أن فشل الثورة فى البلاد الرأسمالية المتقدمة يحتم بناء الاشتراكية فى بلد واحد هى روسيا كقاعدة للثورة العالمية، أكد قطاع آخر (اتباع تروتسكى) أن روسيا يجب أن تعمل كشرارة للثورة العالمية وأن إنقاذ روسيا المتخلفة لن يتم إلا فى سياق نظام اشتراكى عالمى وتعتبر أعمال بعض مفكرى التبعية من أنصار تحليل النظام العالمى هى الإسهام المكمل لهذا الاتجاه فوفقا لهؤلاء الكتاب كان العالم دائما يشكل وحدة واحدة ظهرت فى البداية من خلال نظام الإمبراطوريات العالمية، ثم بعد ذلك من خلال النظام الرأسمالى العالمى الذى تأسس بدءا من النصف الثانى من القرن السادس عشر واتسم تطور هذا النظام بوجود مراكز للسيطرة تتنافس فيما بينها على الامتيازات التى يمكن تحقيقها من هامش هذا النظام وتضمن هذا المنطق التأكيد على أمرين: الأول: أن النظام العالمى يتغير فقط عندما تتغير المراكز الحاكمة له أى أن التغيير فى محيط أو أطراف هذا النظام لا يضمن تغيير النظام ككل بل أ، التغيير فى الأطراف يكاد يكون مستحيلا بدون التغير فى المراكز أما الثانى: فهو أن النظام الدولى الحالى يتيح فرصة محدودة للتحول والتنمية فى الأطراف طالما استمرت قاعدة النظام رأسمالية ومن هنا فإن الحل الحقيقى لمأزق التنمية فى العالم الثالث يكمن فى التحول إلى نظام اشتراكى عالمى ولاشك أن لهذا الاتجاه سلبيات واضحة، فهو يعلق آمال العالم الثالث فى تجاوز مأزق التخلف على أحداث تحول جذرى فى البلدان الرأسمالية المتقدمة وهو أمر لا تستطيع شعوب العالم الثالث أن تؤثر فيه كثيرا ومع ذلك فإن لهذا الاتجاه جاذبية تكمن فى محاولته لتجاوز الاتجاه الإصلاحى الذى تثمر محاولته لتأسيس نظام عالمى جديد عن الكثير، بل أن تحليلات مدرسة التبعية تقود فى أغلبها إلى الاعتبار أن هدف إنشاء نظام عالمى جديد ليس سوى محاولة لتجديد صور التبعية وتعميق التخلف فى العالم الثالث وليس تجاوزا لها فيرى سمير أمين على سبيل المثال أن هناك اتجاها داخل المراكز الرأسمالية لإعادة رسم التخصص وتقسيم العمل الدولى تحت تأثير الثورة التكنولوجية الراهنة فهناك عدد من الصناعات التى لم تعد مرغوبة فى المراكز نتيجة لطبيعتها الملوثة للبيئة ومن حيث استخدامها لعمالة كثيفة، ومحدودة القيمة المضافة التى تخلقها وقد أصبح التوسع الاقتصادى فى هذه الدول مرتبطا بالتخصص فى الصناعات الجديدة وخاصة صناعة المعلومات والإلكترونيات وصناعات الفضاء، وتلك المرتبطة بتكنولوجيا وصناعات الفضاء، وتلك المرتبطة بتكنولوجيا الهندسة الوراثية الخ ويحتم هذا الاتجاه نقل الصناعات التقليدية إلى بلدان العالم الثالث عن طريق توسيع سيطرة الشركات متعددة الجنسية على اقتصاديات الأطراف ويشير سمير أمين إلى أن هذا التطور هو النتيجة الطبيعة التى يؤدى إليها الاتجاه الإصلاحى (World Order)وهى نتيجة لا تتفق مع مصلحة شعوب العالم الثالث فى إيجاد حل جذرى لمشكلات التخلف والهيمنة السياسية عليها
ـ 3 ـ النهج الثالث: الاعتماد على الذات (أو الانفصال عن النظام الرأسمالى العالمى: ظهرت ملامح هذا البديل الإستراتيجى الثالث فى مرحلة متأخرة من مساهمات مدرسة التبعية فعلى الرغم من أن مشكلة التخلف كانت قد تحددت بصورة واضحة باعتبارها مشكلة تخلف هيكلى ناتج عن الخضوع لمراكز النظام الرأسمالى العالمى فإن الخروج من هذا النظام باعتباره حلا لمعضلة التخلف لم يكن أمرا مقبولا من الجميع، إلا أن الإستراتيجية قد بدأت فى التبلور فى المرحلة الرابعة من تطور مدرسة التبعية وخاصة تحت تأثير التجربة الصينية فى التنمية وهناك مدخلان أساسيان لإستراتيجية الاعتماد على الذات الأول، ثقافى حضارى، والثانى اقتصادى اجتماعى فمن المنظور الثقافى والحضارى يعتقد عدد كبير من كتاب العالم الثالث أن مشكلة التخلف والتبعية ترجع فى جذورها إلى قبول النموذج الحضارى الغربى بكافة عناصره فى العالم الثالث، والانقطاع الذى سببه إقحام النموذج فى ذلك العالم مما أدى إلى فقدانه هويته وأصالته الحضارية ويشير جى مارتان إلى أن المجتمعات الإنسانية دائما ما تتواءم مع ظروف متباينة، وقد تكون لها تنظيمات اجتماعية سياسية مختلفة، وتستخدم وسائل تقنية متعددة، وأنها دائما ما تعمل على تكيفها مع الظروف الخاصة بها أى أنها أنتجت لإشباع احتياجات هذه المجتمعات، التى قامت بتحديدها بنفسها) وانتهى إلى أنه على كل مجتمع، وحضارة أن تجد طريقها بنفسها، وأن تبحث فى تقاليدها، وقيمها الذاتية، وتجاربها السياسية الخاصة قبل الاستعمار، عن هذا الأساسية لانطلاقها نحو إقامة نظام اجتماعى، وسياسى واقتصادى وثقافى متجانس نظام يستمد أصوله أساسا من المجتمع نفسه ومن واقعه كما يشير إبراهيم ديالو إلى أن مفهوم التنمية الحالى يقوم على أيديولوجية مستقاة تماما من الحضارة الغربية فرغم تعدد المساهمات الحضارية الغربية فإن السمة المميزة لهذه الأخيرة هو طبيعتها التوسعية القائمة على السيطرة التى تحطم وتنفى قيم الحضارات الأخرى من أجل أن تدعم نظرية التنمية السائدة تؤدى إلى الاغتراب النابع من اختلاف الوعى عند شعوب العالم الثالث عنه عند شعوب المجتمعات الصناعية المتقدمة ومن هذا المنطلق ـ فعلى شعوب العالم الثالث أن تقتحم مجالا جديدا للمشروعات الحضارى الخاص بها والذى يوفق بين الإنجازات الحديثة وأفضل مبادئ حضارتها القديمة ـ أما بالنسبة إلى أنور عبد الملك، فإن نهب موارد العالم الثالث الاقتصادى وتعميق خضوعه للمراكز الاقتصادية المتقدمة، كان مصحوبا باضمحلال أصالته الحضارية لصالح الرؤية الوحيدة التى اعتبرها الغرب الصورة، المقبولة للمجتمع أى الرؤية الغربية المتمحورة حول الذات Ethno ـ Centrism وفى مواجهة ذلك فإن التنمية فى العالم الثالث تتوقف على العودة إلى مفهوم الخصوصية الحضارية هنا مستويات ثلاثة: المستوى الأول، يتمثل فى نمط العلاقة المتبادلة بين أربعة عوامل تكوينية لكل مجتمع وهى أسلوب الإنتاج، والحياة الأسرية والنظام الاجتماعى (أى السلطة والدولة) والعلاقة مع الأديان والفلسفات بصورة خاصة المستوى الثانى، حركة هذا النمط عبر التطور التاريخى فى إطاره الجغرافى المحدد أما المستوى الثالث، فيتعلق بالتفاعل الجدلى بين عوامل الاستمرار وعوامل التغير فى كل نمط حضارى أما المنظور الاقتصادى لإستراتيجية الاعتماد على الذات فقد تبلور من خلال أعمال عدد من المفكرين الذين انطلقوا من نظرية التبعية وخاصة فى أفريقيا ويبدأ هذا المنظور من النتائج المتواضعة التى حققتها استراتيجيات النمو القائمة على الاندماج فى النظام الرأسمالى العالمى ومحاولة إصلاح النظم الاقتصادى الدولى فاستراتيجية الاعتماد على الذات فى هذا الإطار ليست هى فلسفة للخروج من الفقر، وإنما لإزالة التشوهات الهيكلية التى أحدثتها حالة التبعية، ويشير سمير أمين إلى ثلاثة أنماط من التشوهات تشكل فى رأيه جوهر التخلف والتبعية، وهى: التحيز لصالح أنشطة التصدير والأنشطة الخفيفة، وضخامة قطاع الخدمات مقارنة بالقطاعات السلعية، يؤكد أن هذه التشوهات تمثل عائقا أمام النمو المتوازن ومن ثم فلا يمكن تحقيق تنمية حقيقية بدون الانفصال عن الرأسمالى العالمى، وخلق قاعدة من النمو تتمركز أساسا حول الذات أى نابعة من الإمكانيات القومية الداخلية ومن هنا يمكن القول أن مفكرى مدرسة التبعية قد تبنوا مفهوم التنمية المستقلة كاستراتيجية جديدة تنفى أسس استراتيجيات التنمية الرأسمالية فإذا كانت علاقات السيطرة والتبعية قد تشكلت خلال مرحلة طويلة عن طريق الغزو السياسى والعسكرى، فإنها تتغلغل الآن فى البنية التحتية للمجتمع المتخلف مما يفقده القدرة على تسيير ذاته ومن هذا المنظور فإن الاعتماد على الذات يصبح دعوة لاسترداد الذاتية الحضارية وللتوازن الاقتصادى وتصبح التنمية فى الجوهر قائمة على إرادة وطنية تعتمد على الوعى بالاحتياجات الشاملة للذات وإمكانياتها الموضوعية، وفى هذا الإطار يدخل مفهوم الاعتماد على الذات إلى مجال الدراسات السياسية إذ أن من الخطأ اختزاله إلى مجرد صيغة للهيكل الاقتصادى كما أن مضمونه لا يتحقق بمجرد اللحاق بالدول المتقدمة أوسد الفجوة بينها وذلك لسببين: أن قبول مبدأ اللحاق بهذه الدول يتضمن تبنى نفس الأهداف التى وضعتها هذه المجتمعات لنفسها مما يمثل نفيا للذاتية والخصوصية الحضارية ومن ناحية ثانية فإن مبدأ اللحاق بها يفترض أعمال نفس العقلية القائمة على الاستغلال والسيطرة أى أن تطبيقه دائما ما يتم على حساب الدول الأخرى، وعلى النقيض فإن هذا المفهوم يتجسد فى مجموعة الأصول التى تعيد لتنظيم المجتمع هويته وقدرته على النمو المتوازن من الداخل ويدخل مفهوم الاعتماد على الذات كما يطرحه أصحاب هذا النهج فى إطار الحديث عن تنمية أخرى بديلة وبداية يجب التميز بين معنيين أساسيين لهذا المفهوم: الأول: اقتصادى فنى محدد، ويعبر عن حالة التوازن فى ميزان المدفوعات بمعنى أن تكون حصيلة الصادرات مساوية لنفقات الاستيراد، وعبء الديون ومن ثم لا يحتاج الاقتصاد الوطنى إلى مساعدة خارجية وبذلك يمكن القول أنه يحقق اعتمادا ذاتيا وهذا التعريف يقترب من مفهوم النمو الداخلى ـ Self ـ Sustaining Growth ـ والثانى: له معنى يرتبط بإستراتيجية كاملة للتنمية، ويركز على التغيرات البنائية والهيكلية على الصعيد الداخلى والخارجى للمجتمع وبذلك يتضمن ما هو أكثر من التوازن فى مجال التجارة الخارجية فالدول النامية قد تحقق نموا بدون مساعدة خارجية ولكن ذلك فى حد ذاته لا يتضمن التغيير البنائى الشامل فحيث لا يوجد عدل اجتماعى، أو حيث لا تستثمر الموارد الطبيعية الموجودة استثمارا كافيا، وحيث لا توجد مشاركة عامة فى عملية التنمية وحيث لا تسعى الدولة إلى إقامة أنماط متكافئة فى علاقاتها الاقتصادية الدولية فليس هناك مجال للحديث عن الاعتماد على الذات فرغم أن التعريف الأول يعتبر هاما وحيويا إلا أنه ليس سوى أحد مكونات الاعتماد على الذات لأن تحقيق التوازن فى ميزان المدفعات فى حد ذاته، وعدم الاحتياج إلى مساعدات خارجية لا يعنى تحقيق الاعتماد على الذات فتوفير العملة الصعبة وإن كان يمثل عنصرا هاما للتنمية إلا أن كيفية استخدامها وتوظيفها يصبح عاملا أكثر أهمية خاصة وأنه لابد وأن يقترن بتحول اجتماعى جذرى يتجاوز التعريف الفنى الضيق للمفهوم ولعل المثال الأوضح على ذلك هى البلاد التى تعتمد على تصدير سلعة واحدة، والتى تحصل على وفورات هائلة نتيجة لذلك مثل دول النفط البترولية، ورغم ذلك تعتمد إلى حد كبير على الخارج خاصة لحاجاتها التكنولوجية والغذائية وبالتالى فإن الاعتماد على الذات فى التحليل النهائى لا يعد مفهوما تجرديا أو نظريا وحسب وإنما هو أيضا جزء من عملية تاريخية تتضمن نضالا من أجل القضاء على الهياكل والأبنية التابعة، وهو طريق آخر لبناء هياكل وأبنية أخرى تشمل المجتمع كله على أساس جديد ويتضمن مفهوم الاعتماد على الذات على مستوى النظام الدولى عددا من المعانى الرئيسية:
ـ 1 ـ أن الاعتماد على الذات ليس نموذجا محددا، فهو يرفض فكرة النماذج الجامدة للتنمية وأنه ليس هناك نمط عام شامل وكامل أو يصلح للتطبيق بالصيغة نفسها فى جميع مجتمعات العالم الثالث وإنما يطرح مفهوم الاعتماد على الذات شروطا أساسية أولية ينبغى توافرها إذا ما أرادت أى دولة أن تسير فى هذا الاتجاه فى تنميتها، ومن أهم هذه الشروط أن عملية التنمية يجب أن ترتبط بالظروف المحلية الخاصة بكل مجتمع على حده والتى تشمل إلى جانب العوامل الاقتصادية والبيئية، الظروف الهيكلية والثقافية
ـ 2 ـ يرتبط مفهوم الاعتماد على الذات بإحياء القدرة والطاقة الذاتية الخلاقة فى المجتمع لتجاوز قضية نقل التكنولوجيا التى تجعل من البلد المستورد لها مجرد متلقى للعلم والتقنية المتقدمة وليس مبتكرا لها، والتى تتيح الفرصة للدول المصدرة لهذه التكنولوجيا تحديد النمط الإنتاجى والاستهلاكى للدولة المتلقية وللخروج من هذا الأسر الذى فرضه النظام العالمى، يطرح الاعتماد على الذات كمفهوم مغاير مبدأ إحياء الثقافة الذاتية والثقة بالقدرة الذاتية على الابتكار بحيث يتم الوصول إلى صيغة ملائمة لتكنولوجيا تخضع للظروف المحلية وتكون أقل تكلفة من التكنولوجيا المتقدمة
ـ 3 ـ يعيد الاعتماد على الذات طرح فكرة التعاون المتبادل على أساس متكافئ وبالتحديد يعلى من أهمية التعاون الأفقى مع دول على نفس المستوى من النمو فالمساعدة المتبادلة بين تشكيلات الأطراف (أى بلدان العالم الثالث) يجب أن تحل محل التعاون الرأسى مع دول ما يحقق التجانس فى النهاية فى العلاقات الخارجية للدول النامية، على أن يرتبط هذا التعاون برؤية شاملة لتحقيق الاعتماد على الذات
ـ 4 ـ الاعتماد على الذات ليس هو الاكتفاء الذاتى ـ Self ـ Sufficiency ـ فالأخير يعنى فى التحليل النهائى، أن ينتج كل بلد ما يلزمه ولا يستهلك إلا ما ينتجه وبذلك يمتنع عن علاقات التبادل الدولى أما الاعتماد على الذات فهو يستلزم درجة عالية من الوعى بالذات، والثقة فى قدرات الشعب إلا أنه لا يعنى الانغلاق على الذات الذى يكون له عادة تكلفة اجتماعية عالية وبالتالى فإن مفهومى الاعتماد على الذات والاكتفاء الذاتى لا يعبران عن مضمون واحد، وإن كان الاعتماد على الذات قد يتطلب فى بعض الحالات والمراحل تحقيق نوع من الاكتفاء الذاتى، خاصة فى المجالات الحيوية فى الدولة مثل (توفير الغذاء) بمعنى آخر قد يكون تحقيق نوع من الاكتفاء الذاتى فى المجالات الاقتصادية مقيدا فى ظل ظروف سياسية داخلية وخارجية معينة ولكن الاكتفاء الذاتى الاقتصادى ليس مرادفا للتنمية المعتمدة على الذات (حالة بورما على سبيل المثال)فالاعتماد على الذات هو مفهوم أوسع وأشمل من الاكتفاء الذاتى
ـ 5 ـ يعتب إشباع الحاجات الأساسية واحدا من أهم جوانب مفهوم الاعتماد على الذات وهذا يعنى على مستوى السياسات توافر شرطين أساسيين: الشرط الأول سياسى: ويقوم به النظام، وتتلخص مسئوليته فى إعادة رسم أهداف الدولة إلى إشباع الحاجات الأساسية، وليس الاستهلاكية، ثم إعادة بناء المؤسسات السياسية والاجتماعية بحيث تتمكن من إشباع الحاجات غير المادية للمواطنين أما الشرط الثانى فهو اقتصادى حيث تتطلب هذه الإستراتيجية وتحويل الطاقة البشرية إلى قوة عمل، فضلا عن اعتماده عن استراتيجية إحلال الواردات التى تتوجه أساسا للخارج ولكن لا يعنى التوجه نحو السوق الداخلى التخلى تماما عن التصدير وإنما جعله مرتبطا بالحاجة إلى الاستيراد التى ستقل بدورها نتيجة الحرص على الاستخدام الكامل للموارد المحلية والاستقلال المنظم للطاقة الموجودة، إلى جانب تغيير قيم الاستهلاك الترفى نتيجة التوجه لإشباع الحاجات الأساسية، وبذلك تقل الحاجة إلى التكنولوجية المتقدمة ـ ـ لاشك أن المشكلة الرئيسية التى تواجه تحليلات مدرسة التبعية وخاصة أنصار الاتجاه الأخير القائل بالاعتماد على الذات تظل هى تلك المتعلقة بنقص إطار طرح القرضيات النظرية يضاف إلى ذلك مشكلة بها إلى محو كل خصوصية للجزء (وهو هنا البلدان النامية أو أطراف النظام الدولى كما يسميه كتاب هذه المدرسة) لصالح الكل وهو النظام الدولى وهو ما يقود فى النهاية إلى نوع من التعميم المخل وعلى المستوى السياسى فإن مثل هذه التحليلات، خاصة تلك المتعلقة بمقولة الاعتماد على الذات، تضخم من حجم التوقعات الخاصة بتغيير النظام الدولى أو بتقويض دعائمه دون أن ترسم طريقا عمليا لتحقيقه وفى هذا الإطار تثار إشكاليتان أساسيتان جديرتان بالمناقشة الأولى خاصة بمبدأ تقسيم العمل الذى يقوم عليه النظام الدولى والأخرى تتعلق بقضية التفاعل مع الخارج أولا: إشكالية التخصص وتقسيم العمل: يقوم مفهوم المجتمع الحديث على مبدأ تقسيم العمل والاستفادة من مزايا التخصص والإنتاج الكبير وقد تعرض هذا المبدأ لهجوم ونقد شديدين على أيدى مفكرى تيار الاعتماد على الذات من زاويتين: الأولى، تتعلق بجمود هذا النظام حيث تضيق مجالات تخصيص بلدان العالم الثالث، ويتم حصرها فى أدوار معينة مثل إنتاج وتصدير المواد الأولية بل ويشير سمير أمين إلى أنه مع افتراض تطور هذا النظام فإن المجتمعات النامية ستظل تعانى من عدم التكافؤ فى توزيع الأدوار إذ ستفرض عليها الدول المتقدمة بما تملكه من تكنولوجيا وقدرة على الاحتكار التخصص فى صناعات معينة وبالتحديد الصناعات التقليدية التى عادة ما تسبب تلوثا للبيئة أو تستلزم وفرة فى العمل أو عمالة رخيصة، وترى معها هذه الدول أنه من الأفضل والأوفر لها تركها إلى بلدان العالم الثالث وعلى هذا النحو تتخصص الدول المتقدمة فى إنتاج الصناعات الدقيقة المتقدمة مثل المرتبطة بالإلكترونيات والحسابات الآلية الدقيقة والسلاح النووى الخ، وبحيث تضمن التفوق الساحق والمستمر على البلدان النامية وينتهى ذلك إلى تركيز النشاط الاقتصادى فى عدد محدود من السلع فى هذه البلدان النامية وتختلف مواقف الكتاب أدبيات ـ التبعية ـ فهناك من يرفض النمط السائد حاليا لتقسيم العمل الدولى، وإن كان لا يلغى أهمية النظام نفسه، حيث يعتبر تقسيم العمل أمرا حيويا للتنمية الاقتصادية ويركز مجال اعتراضه الأساسى حول مجالات تطبيق هذا النظام (أنصار الاعتماد الجماعى على الذات) فإذا كان نظام تقسيم العمل مع المراكز الرأسمالية المتقدمة غير عادل بالضرورة، فإن البديل الأمثل كما يراه أنصار هذا التيار هو خلق نظام جديد لتقسيم العمل ولكن بين بلدان العالم الثالث، بل وهناك مجموعة منهم تقصيره على أقاليم معينة مثل أفريقيا (برنامج لاجوس للعمل)ـ، أو العالم العربى (استراتيجية العمل الاقتصادى العربى الموحد)وفى المقابل، هناك فريق آخر يفترض ضمنا أو صراحة أن فكرة تقسيم العمل الدولى بحد ذاتها ليست ضرورة للنمو الاقتصادى، ويرى بضرورة إلغائها سواء على المستوى الدولى أو الداخلى ويعول هذا الرأى على أن التقسيم الدولى للعمل يؤدى إلى تشويه الهيكل الاقتصادى الداخلى للعمل فيؤدى بالضرورة إلى تفكك القطاعات الإنتاجية، فضلا عن أنه يؤدى إلى الاغتراب ويقضى على تكامل الشخصية الإنسانية ومن هنا فالانتقاد لا يقتصر على نمط تقسيم العمل وإنما على الفكرة ذاتها ويسوق هذا الفريق النموذج الصينى فى عهد ماو كمثال واضح على نبذ فكرة تقسيم العمل والتخصص سواء داخل الدولة أو بالتقليل الشديد من تعاملها مع المحيط الخارجى تثور الإشكالية هنا لصعوبة الجمع بين فكرة إلغاء تقسيم العمل والتخصص وبين متطلبات التنمية صحيح أن تقسيم العمل على الصعيد العالمى له آثاره السلبية على بلدان العالم الثالث نتيجة للتبادل غير المتكافئ وهبوط شروط التجارة، بالإضافة إلى التقليل من التكامل الداخلى، ولكن الاستغناء عنه يؤدى فى المقابل إلى عدم الفعالية وانخفاض مستوى الإنتاجية بل ويفتح الباب لاحتمالات الركود الاقتصادى وهناك اعتبارات عديدة لذلك منها صغر حجم الغالبية العظمى من بلدان العالم الثالث بحيث يصبح الخيار الأخير شبه مستحيل بالنسبة لها، ففك ارتباطها بالنظام الدولى وإلغاء مبدأ تقسيم العمل يتطلب حشد حجم هائل من الموارد لإشباع حاجة العدد الضخم من القطاعات والفروع التى تضطلع بعملية التنمية، وهو أملا لا تقدر عليه معظم هذه الدول هذا بالإضافة إلى أهمية تقسيم العمل بالنسبة للنمو الاقتصادى وللتنمية بصورة عامة ويرجع ذلك إلى سببين: الأول: أنه يصعب تحقيق زيادة فى إنتاجية العمل بدون توزيع الأدوار والتخصصات والثانى: أن بناء المؤسسات فى المجتمع يقوم على فكرة تقسيم العمل وإعادة الدمج بين الأدوار يضاف إلى ذلك أن التنمية تتطلب الدخول إلى مجالات جديدة للإنتاج فى شتى المجالات وهذا يزيد من تعقيد العملية ويحتم الأخذ بمبدأ تقسيم العمل والتخصص والفارق فى النهاية بين المجتمع البسيط البدائى والمجتمع النامى المتطور يكمن بصورة أساسية فى هذه الخاصية، وبالتالى فإن إلغاءها يتضمن بالضرورة تدنى مستوى الأداء وفى المقابل، فإن قصر عملية تقسيم العمل على مستوى العالم الثالث كما يطرح أنصار الاعتماد الجماعى على الذات، لا يخلو من مشكلة، لأن معظم هذه الدول تتسم بتكوينات أو هياكل اقتصادية متشابهة فضلا عن التناقضات السياسية بينها مما يجعل فكرة الاعتماد الجماعى على الذات نفسها مشروعا طويل المدى، هذا يعنى استحالة الخروج المباشر والسريع من إطار النظام العالمى أو من التفاعل مع الدول الرأسمالية المتقدمة والبديل الذى يطرحه أنصار استراتيجية الاعتماد على الذات للخروج من هذا المأزق على سبيل المثال هو تقليص الحاجات الداخلية بدرجة كبيرة بحيث يمكن الاستغناء عن التفاعل الخارجى وبالتالى الانسلاخ عن نظام تسيم العمل الدولى، أو الاستقلال بقاعدة التراكم الدامية ولاشك أن الخيار الأول قد يصبح من الناحية الاجتماعية باهظ الثمن، ولذلك فهو يتوقف أساسا على مدى قدرة المجتمع على تحمل أعباء هذا الخيار أما الخيار الثانى فهو يتضمن تحقيق نوع من الاكتفاء الذاتى لأن التراكم لا يتعلق برأس المال فقط وإنما يعبر دورة كاملة من الإنتاج والتوزيع وإعادة الإنتاج، ومن ثم فالاستقلال بقاعدة التراكم ينتهى إلى الاكتفاء الذاتى فى أغلب الأحيان وفى هذا الإطار يمكن القول أن الخيارات الحدية يصاحبها بالضرورة تكلفة عالية سواء كانت اقتصادية أم اجتماعية، فالتخصص الشديد والاندماج الكامل فى السوق العالمية يفتح الباب لعلاقات استغلال شديدة وبالمثل فإن نبذ التخصص والاعتماد الكامل على الذات قد يفضى إلى عدم الكفاءة الإنتاجية أو الركود، وقد لا يكون من الممكن تحقيق نوع من النمو بدون قبول درجة معينة من التخصص وتقسيم العمل وانطلاقا من ذلك، يمن القول أنه من الصعب طرح المشكل على أنها اختيار بين الأخذ بالتخصص وتقسيم العمل أو عدم الأخذ به وإنما تثار القضية على مستوى القرار السياسى بمعنى تحقيق نوع من التناسب فى اختيار نم تقسيم العمل، وتحديد الحجم المناسب من التخصص فى مجال معين من مجالات الإنتاج سواء على الصعيد الداخلى أو الخارجى فالأمر يصبح إلى أى حد يجب أن يتحقق التكامل الداخلى، وإلى أى مدى يجب الأخذ بمبدأ التخصص ولاشك أن حل هذه القضايا يتوقف إلى حد كبير على تبلور ووضوح المشروع القومى لمجتمع من المجتمعات ولا يقف عند حد الظروف الخارجية المؤثرة عليه، فحيوية هذا المشروع وقدراته على الاختيار ستكمن الدولة فى النهاية من تحقيق نوع من التوازن فى المجتمع، دون أن تفقده مزايا التخصص وتقسيم العمل فالمشكلة ليست مبدأ التخصص فى حد ذاته، وإنما المستوى أو الحد الذى يقف عنده والإطار الذى يتم فيه والأهداف التى يخدمها ويتم توظيفها لتحقيقها ثانيا: إشكالية التفاعل مع الخارج: رغم حرص أنصار استراتيجية الاعتماد على الذات من الناحية النظرية على التمييز بين الاعتماد على الذات والاكتفاء الذاتى ـ ـ Autarky ـ إلا أنهم كثيرا ما يقعون فى محظور تفسير الاعتماد على الذات وكأنه نوع من الانغلاق ورغم أن قضية الانفتاح الخارجى من أشد القضايا الخلافية فى أوساط مفكرى العالم الثالث إلا أن الانتهاء إلى رفض كل ما هو أجنبى يشكل أزمة حقيقية فى الفكر التنموى القائل بالاعتماد على الذات ولهذه القضية شقان، الأول اقتصادى ويتعلق بمسألة التكنولوجيان والآخر ثقافى ويثير إشكالية التفاعل الحضارى إذ تقلل أدبيات الاعتماد على الذات بصفة عامة من أهمية البعد التكنولوجى فى التطور الاقتصادى وهو ما يتنافى م الحقائق الأساسية فى تاريخ الحضارة الحديثة حيث تعتبر هذه الحضارة فى جانب أساسى منها نتاجا للتطور التكنولوجى ومع التسليم بالافتراض القائل بإمكانية خلق وتطوير تكنولوجيا محلية بالاعتماد على الذات، تصبح هناك إشكالية أخرى وهى أن هذا الإبداع يكاد يكون مستحيلا بدون القبول بفكرة التبادل العالمى فالأفكار والموارد والمعلومات وجميع مستلزمات التكنولوجيا، لا يمكن أن توفرها دولة واحد مهما بلغ حجمها بالاعتماد على إمكانياتها الذاتية وحدها وإذا كان هذا القول صحيحا بالنسبة للدول المتقدمة فإن الأمر يصبح أكثر إلحاحا فى بلدان العالم الثالث صحيح أن النظام الدولى الراهن يتضمن درجة عالية من الظلم والتبادل اللامتكافئ إلا أن ذلك لا يعنى التقليل من أهمية التفاعل من حيث المبدأ وفى هذا الإطار تصبح القضية الأساسية التى قد تواجهها مجتمعات العالم الثالث هى فى وجود قاعدة داخلية قادرة على استيعاب التكنولوجيا المستوردة وتكيفها مع الواقع المحلى بما يلائم الاحتياجات القومية وذلك لتلافى السلبيات الراهنة التى يعرفها النظام الحالى لنقل التكنولوجيا وبعد ذلك يأتى دور التجديد التكنولوجى على المستوى المحلى، وهى مسألة تطرح ولاشك ضرورة توافر بنية تنظيمية فعالة لدمج الموارد وتوجيه الجهود ولا يعنى ذلك الاستغناء عن التفاعل الخارجى فى مجال التكنولوجيا، وإنما تعظيم الاستفادة منه لصالح البلدان النامية وإذا انتقلنا إلى المجال الثقافى، فالقضية تصبح أشد تعقيدا إذا أدت الأنماط الراهنة إلى تعريض البلدان النامية لمخاطر طمس الهوية الثقافية القومية وفى المقابل شاع فى أدبيات الاعتماد على الذات نوع من الرفض لجميع مظاهر التفاعل الثقافى من الخارج، فقد أعلن بعض المفكرين عن عملية تمجيد الماضى والالتزام الفكرى والحضارى وهى نزعة قد تصبح أشد خطرا على الثقافة القومية من مشكلات الاختراق الثقافى الخارجى، إذ كثيرا ما تتضمن ولو بطريقة غير مباشرة بعض الدعوات السلفية والركود الفكرى وبالتالى، فإن حل المشكلة لا يكون فى الانعزال الثقافى فالأمر ليس خيارا بين التقليد الساذج للحداثة والمعاصرة، وبين الانكفاء التام على الثقافة الذاتية، وإنما فى تحقيق التوازن بين الأصالة أى عمليات التجديد الثقافى العالمية فليس هناك تطور حضارى بدون تفاعل بين مختلف الثقافات والحضارات، ولم يشهد التاريخ القديم أو المعاصر تجديدا حضاريا بدون تفاعلات خارجية أو احتكاك بالحضارات الأخرى.