Share |
ابريل 1989
1
حقوق الانسان فى السياسة الدولية والعربية: تقديم الملف
المصدر: السياسة الدولية

أصبحت حقوقى الإنسان أحد أهم القضايا على قائمه الاهتمامات الدولية، وأحد أهم المعايير التى يحكم بها على رقى أو تحضر النظام السياسى والشائع فى المعارك الفكرية والسياسية التى دارت حول هده القضية أن الاهتمام الدولى بحقوق الإنسان قد نشى مع إدارة كارتر فى الولايات المتحدة الأمريكية، أى بدءا من عام 1977 وكثيرا ما نسمع أن موضوع حقوق الإنسان هو تصدير أيديولوجى أمريكى وهذه الحجة يرفع لواءها بالذات أنصار السلطوية السياسية بقصد أثاره الحساسية الوطنية ضد طرح قضايا الحريات العامة والمدنية وقضايا التعذيب والعقاب الجماعى ومطاردة الأبرياء بالاعتقالات الجزافية والتعسفية ونحيرها من صور التنكيل بالمواطنين على أيدى حكوماتهم والواقع أن هذه الحجة خاطئة من أساسها، فالغالبية الكبرى من مواثيق حقوق الإنسان والعهود الدولية المعنية بوضع تقنين دولى لهذه الحقوق قد صدرت قبل تولى كارتر لرئاسة الولايات المتحدة ونحن نضع هذا الملف بين أيدى القراء مشاركة فى الاحتفال بمناسبة مرور أربعين عاما على صدور الإعلان العالمى لحقوق الإنسان من الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1948 وكذلك صدر إعلان الأمم المتحدة ضد التعذيب الذى حظر استخدام أى صورة من صور العقوبات البدنية أو الحاطة بالكرامة واعتبر ارتكابها جناية خطيرة يستحق القائمون عليها المحاكمة والعقاب عام 1975 وكذلك صدر العهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية من الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1975 وهكذا، ويمكن القول على النقيض بأن السياسة الأمريكية إبان حكم كارتر قد التقطت قضية حقوق الإنسان واستخدمتها على نطاق واسع للدعاية بسبب ما كان قد تحقق بالفعل من انتفاضة الضمير الإنسانى العالمى ضد ما يحدث على نطاق الكوكب كله من خرق لأبسط مظاهر الحقوق والحريات العامة لملايين من البشر بما فى ذلك حقهم فى الحياة وليس أدل على أن قضية حقوق الإنسان قد أصبحت مسئولية مشتركة للإنسانية من حقيقة أن إقدام الولايات المتحدة فى ظل حكم الرئيس ريجان على نفض أيديها من هذه القضية على الصعيد الرسمى لم يترتب عليه اضمحلال الاهتمام العالمى بها بل إننا نشهد ازدهارا غير مسبوق لقضية حقوقى الإنسان على مختلف المستويات والأصعدة، ولشتى جوانب تلك القضية لم تعد تلك القضية حكرا للتجديدات الأوربية التى أدخلت مؤسسة المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان إلى القانون الدولى بعد صدور الإعلان الأوربى لحقوق الإنسان وبعد ما تضمنته اتفاقية هلسنكى من نصوص خاصة بهذه الحقوق لقد أصبحت قضية حقوق الإنسان لا والتجديدات الفكرية والتشريعية فى دائرتها موضع اهتمام كافة المنظمات الإقليمية إلى جانب المتابعة المستمرة لهذه القضية فى الأمم المتحدة وبفضل جدية وحيوية لجنة حقوق الإنسان التابعة لهذه المنظمة الدولية وتكاثرت بسرعة مذهلة إعلانات ومواثيق حقوق الإنسان التى صدرت عن منظمات إقليمية ومشروعات هذه المواثيق التى تطورت على يد جماعات غير رسمية من المثقفين والمعنيين بدعم حركة حقوق الإنسان وأصبحت المنظمات غير الحكومية المختصة بالدفاع عن حقوق الإنسان على مستويات قومية وإقليمية ودولية أكثر من أن تحصى وعلى المستوى الفكرى، يمكن دراسة حقوق الإنسان كمجال مميز للسياسة الدولية بأكثر من منظور المنظور الأول يرصد تطور حركة حقوق الإنسان باعتبارها حركة فوق قومية وهى تعد بذلك أحد التجديدات المؤسسية الهامة فى النظام الدولى وربما لا تعد هذه الحركة فوق قومية فعلا من حيث أنها قد أصبحت تشكل فاعلا دوليا، بقدر ما تعد كذلك من حيث غرضها إذ أن حركة حقوق الإنسان تنبثق من الاعتقاد بأن مسئولية الدفاع عن حقوق الإنسان فى أى مكان فى العالم هى مسئولية دولية مشتركة، وأنه إذا كان قد ثبت أن الحكومات مجتمعة لا تستطيع القيام بها بسبب ما يسود السياسة الدولية الرسمية من تقاليد سياسة القوة والمصالح الأنانية المباشرة للدول، فإنها ينبغى أن تصبح مهمة يضطلع بالقيام بها الرأى العام المتعلم والمنظم فى حركات قومية وفوقى قومية ومن المثير لم أن نرى أن هذا المدخل للكفاح من أجل حماية حقوق الإنسان قد أثمر ثمرات طيبة لم يكن متوقعا أن يجود بها فى بداية نشوء تلك الحركة والمنظور الثانى يستمر فى تفضيل دراسة قضية حقوق الإنسان كأحد موضوعات السياسة الدولية: أى التفاعل بين الدول وتكتلات الدولى فى النظام الدولى القائم عل السيادة القومية وعلاقات القوة والمصلحة ويركز هذا المتطور على الطبيعة المنافقة والمزدوجة للتلاعب بقضية حقوق الإنسان لتحقيق مصالح أنانية من قبل بعض الدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وفى كثير من الأحيان تتم الدراسة من هذا المنظور بقدر كبير من حسن النية وبقصد الكشف عن طبائع الدول وسلوكها وأسباب ودوافع تحركها الدولى والخطاب السياسى الدبلوماسى الذى تستخدمه فى الساحة الدولية وفى أحيان أخرى لا تفتقد تلك الدراسات قدرا من سؤ النية إذ تقصد إلى تسريب إيحاء غامض بأنه ليس فى الأمر جديد وأن علينا أن نجتنب إثارة قضايا حقوق الإنسان حتى لا نقع فريسة التلاعب الدولى المنظم بهذه الفضية، وأن نستدعى تدخل الأقوياء فى الشئون الداخلية للدول الضعيفة والواقع أن هذه المقولة بها بعض الصدق، ولكن ليس الصدق كله فحتى على المستوى الرسمى، لا تملك بعض الحكومات سوى أن تعكس بعض التقاليد الراسخة فى ثقافتها الخاصة وهى تقاليد تحرسها حركات وقوى اجتماعية وسياسية لاشك فى قدرتها على التأثير المباشر وغير المباشر على السياسات العامة، بما فى ذلك السياسة الخارجية وهنا يمكننا أن نقارن الحملة الراهنة الخاصة بحقوق الإنسان فى الغرب بتلك المجهودات البطولية والنبيلة من اجل مكافحة العبودية وتجارة العبيد فى القرن التاسع عشر وإذا كانت تلك المجهودات قد أفادت من التلاؤم العرض لمبادئها مع مصالح اقوى دولة فى النظام الدولى فى ذلك الوقت: أى بريطانيا،ومن إقدام هذه الدولة على مكافحة تجارة العبيد طوال القرن التاسع عشر، فإنه ليس ثمة ما يشينها فى ذلك ومن نفس المنطلق، فإن إفادة الحملة الراهنة للدفاع عن حقوق الإنسان باعتباره مسئولية مشتركة للبشرية من قوة هذه الدولة أو تلك، أو من قدرة المنظمة الدولية الرئيسية أى الأمم المتحدة على استخدام هامش استقلالها النسبى عن الدول الأعضاء لنصرة حركة حقوق الإنسان، فإن ذلك لا يغير من تقديرنا لحقيقة أن هذه الحركة تنبعث فعلا من الضمير العالمى الذى يستجيب له ويشارك فى تطويره فئات من المثقفين والمناضلين من جميع أركان الكرة الأرضية أما المنظور الثالث فهو بالضرورة منظور يقوم على الفلسفة والثقافة السياسيتين ويتبلور هذا المنظور فى إدراك موحد بأن احترام حقوق الإنسان لم يعد حكرا للسياسة الدولية وإنما قد أصبح جزءا لا يتجزأ من السياسة الداخلية لمختلف المجتمعات، وأنه بذلك يتحول إلى معيار أمين للمشروعية والمصداقية السياسيتين وفوق ذلك، فإنه إذا كان مبدأ احترام حقوق الإنسان أحد أهم معايير الحكم على الشرعية والمصداقية للنظم السياسية، فإن علينا أن نقلب فى اوجه التشابك والتداخل بين ديناميكية التطور السياسى وخصائص وطبيعة الدولة من ناجية، وثقافة حقوق الإنسان من ناحية أخرى وهنا يدلف هذا المنظور إلى دراسة مضمون حقوق الإنسان، بما فى ذلك التى نصت عليها الإعلانات والمواثيق الدولية، دراسة نقدية ويعضد من هذا الاتجاه بروز إشكاليه مدى التناغم بين مضمون نصوص هذه المواثيق والعهود من ناحية والثقافات السياسية والظروف الموضوعية التى تميز المرحلة الراهنة من تطور مجتمعات العالم الثالث وقد رأينا أن نجمع فى الملف الحالى بين تلك المنظورات الثلاثة لدراسة حقوق الإنسان فى السياسة الدولية فهناك بداية دراسة نظرية عن الأساس الفكرى لحركة حقوق الإنسان وإشكالية الجمع بين عالمية القضية التى هى لصيقة بصفة الإنسان وخصوصية الثقافات والتجارب والظروف القومية التى ينبغى أن تطبق هذه الحقوق على ساحاتها والمقصود هنا هو تبين نوع المدخل أو المنهجية التى يمكن بها تطبيق هذه الحقوق على تنوع الظروف القومية وتباينها وهناك ثانيا دراستان عن حقوق الإنسان فى السياسة الدولية أولاها: تتناول الموضوع من جوانبه النظرية وثانيتها تعمد إلى الكشف عن ميكانيكية هذه السياسة الدولية الخاصة بحقوق الإنسان فى حالة محددة هى حالة العلاقات بين الشرق والغرب: أو بين دوله الكتلة الشرقية ودول الكتلة الغربية ويل ذلك دراسة تنطلق من منظور الحركة فوق القومية وتكشف عن أوجه نشاط وتنظيم وأداء أحد المنظمات فوقى القومية العاملة فى حقل الدفاع عن حقوق الإنسان على صعيد عالمى وهى منظمة العفو الدولية ويأتى أخيرا نصيب المنظور الثالث: أى دراسة حقوق الإنسان فى التطور السياسى الملموس وقد رأينا أن نركز هذه الدراسة على حالة وطننا العربى باعتباره محور الاهتمام الرئيس والمباشر لمثقفينا،ولمجلتنا وقد حفزنا على ذلك أيضا أن دراسة حقوق الإنسان فى الوطن العربى هى من أقل الدراسات الإقليمية فى هذا الميدان خصوبة وأكثرها فقرا من ناحية توفر المعلومات وموضوعية ومنهجية الدراسة ورقى مرتكزاتها النظرية والفكرية: وقد يعود ذلك أساسا إلى أن الموضوع لا يزال فريسة للخطاب الأيديولوجى، وخاصة الخطاب الأيديولوجى الرسمى ولذلك فقد كان مدخلنا إلى تلك الدراسات التطبيقية قائما على التأصيل فبدأنا بدراسة ترمى لاستشراف علاقة احترام حقوق الإنسان بمحددات التطور السياسى وإشكالياته فى العالم الثالث، وخاصة إشكاليات تطور الدولة العربية ثم عرضنا فى دراسة أخرى لتطور الأداء الحركى والتنظيمى، خاصة على يد المنظمة العربية لحقوق الإنسان التى لا تزال مجهولة من غالبية المثقفين العرب وأخيرا عرضنا لأعمال المؤتمر الفكرى الأول لحقوقى الإنسان الذى عقد فى القاهرة احتفالا بالعيد الأربعين لصدور الإعلان العالمى ويركز هذا المؤتمر على حالة حقوق الإنسان فى مصر، وهى الحالة التى يتوفر عنها أفضل المعلومات ويتوفر عليها عدد من افضل، المهارات الفكرية والبحثية وأخيرا لم يكن من الممكن أن نغلق الملف بدون تناول القضية الأولى فى اهتماماتنا العربية الآن ولفترة طويلة فى المستقبل وهى القضية الفلسطينية وقد فضلنا أن تأتى مشاركتنا فى صورة تقدير لإمكانية استخدام منظور حقوق الإنسان فى الكفاح من أجل انتزاع الاستقلال الفلسطينى وفقا لمبدأ حق تقرير المصير الذى يأتى فى البند الأول من كل من العهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية، وللحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ولمجمل نصوص هذه العهود والمواثيق الدولية، إضافة إلى القانون الدولى المستقر بصدد معاملة السكان فى وقت الحرب أو تحت الاحتلال وكان من المناسب أيضا أن تضم دراسة تقارن بين موقف الحكومات العربية من التصديق على المواثيق والعهود الدولية التى تمت صياغتها بإشراف الأمم المتحدة وصدرت عن جمعيتها العامة، بموقف إسرائيل من نفس هذه المواثيق والعهود .