Share |
يوليو 1989
1
التحكيم الدولى والتسوية السلمية لقضية طابا : دراسة لقواعد التحكيم وتطبيقاتها فى العلاقات الدولية
المصدر: السياسة الدولية

يعتبر مبدأ التسوية السلمية للمنازعات من المبادئ الأساسية للقانون الدولى المعاصر، وهو يرتبط ارتباطا وثيقا بمبدأ عدم جواز استخدام القوة أو التهديد بها فى العلاقات الدولية
(1) وتأخذ التسوية السلمية للمنازعات فى التطبيق إحدى صورتين: فهناك، من ناحية أولى، صورة التسوية السياسية ويقصد بها تسوية النزاع الدولى بالوسائل السياسية والدبلوماسية كالمفاوضات والمساعى الحميدة والوساطة والتوفيق وهناك، من ناحية ثانية، التسوية القانونية التى تتحقق من خلال اللجوء إلى التحكيم والقضاء الدوليين وإذا كانت الدول عموما لا تزال تفضل القوى السياسة لمنازعاتها الدولية لما تتميز به هذه التسوية من مرونة وقدرة على المساومة وتبادل التنازلات وصولا إلى حلول توفيقية مقبولة من كافة الأطراف، إلا أن ذلك لا يعنى أن التسوية القانونية غير ذات جدوى فى نطاق العلاقات السياسية الدولية فالثابت أن ثمة أنواعا من المنازعات الدولية تعرف بالمنازعات القانونية، كتفسير المعاهدات الدولية، قد لا تجدى معها كثيرا بل وربما قد لا تجدى معها أبدا الوسائل السياسية ولا يصح التعامل معها إلا من خلال الأجهزة القانونية أو القضائية المتخصصة يضاف إلى ذلك من ناحية ثانية، أن التسوية القانونية عادة ما تلائم وضع الدول الصغرى أو الضعيفة فى المجتمع الدولى فى مواجهة الدول الكبرى الأعضاء فى هذا المجتمع، وذلك على خلاف التسوية السياسية التى تعكس ولا شك طبيعة توازن القوى القائم بين الدول المتنازعة (2) ومن ناحية ثالثة، من المعلوم أن التسوية القانونية غالبا ما تكون أكثر فاعلية فى إقناع الرأى العام بجدواها وبعدالتها، وذلك على خلاف التسويات السياسية التى عادة ما ترتبط فى أذهان الرأى العام بفكرة التنازلات والحلول الوسط
(3) وكما نوهنا، تتحقق التسوية القانونية للمنازعات الدولية من خلال اللجوء إلى إحدى وسيلتين: التحكيم الدولى أو القضاء الدولى وتهدف هذه الدراسة إلى إلقاء بعض الضوء على التحكيم بوصفه إحدى الوسائل السلمية لتسوية المنازعات الدولية ولما كان التحكيم الدولى يمثل نظاما متكاملا للتسوية، لذا فإن منهج التحليل سيركز على بيان القواعد العامة التى يقوم عليها هذا النظام مع الإشارة بصفة خاصة إلى تطبيقاتها بالنسبة لقضية التحكيم بشأن طابا وسيتناول التحليل هذه القواعد العامة للتحكيم وتطبيقها بالنسبة لقضية التحكيم بشأن طابا فى نقاط رئيسية ثلاث: النقطة الأولى وهى تمهيدية ونعرض فيها للتحديد بمفهوم التحكيم الدولى مع بيان خصائصه وأنواعه أما النقطة الثانية، فنخصصها للحديث عن اتفاقات التحكيم الدولى ومشارطاته، وهذا الموضوع له أهمية باعتبار أن اتفاق التحكيم هو الدستور أو القانون الأساسى الذى تلتزم به محكمة التحكيم منذ اللحظة الأولى لنظرها النزاع وحتى صدور الحكم الفاصل فيه أما النقطة الثالثة والأخيرة، فنعرض فيها لنظام تنفيذ أحكام محاكم التحكيم الدولية ولا شك أن أهمية هذا الموضوع تكمن فى حقيقة أن الهدف المتوخى من التحكيم الدولى كوسيلة سلمية لفض المنازعات لا يتحقق إلا بتنفيذ أحكامه من جانب الأطراف المعنية المبحث الأول: التحكيم الدولى: تعريفه وأنواعه 1- التعريف بالتحكيم الدولى: يقصد بالتحكيم الدولى، كوسيلة سلمية لتسوية المنازعات الدولية، ذلك الإجراء الذى يمكن بواستطه حل النزاع الدولى بحكم ملزم تصدره هيئة تحكيم خاصة يختارها أطراف النزاع، وانطلاقا من مبدأ تطبيق أحكام القانون واحترام قواعده
(4) ويتميز التحكيم الدولى، بهذا المعنى، بعدة خصائص (5) أ- فأولا، أن القرار الصادر عن هيئة التحكيم ليس قرارا عاديا وإنما هو حكم AWARD يقرر حل النزاع عن طريق تطبيق قواعد القانون الدولى العام أو قواعد العدل والإنصاف أو أية قواعد قانونية أخرى
ب- أن القرار (الحكم) الصادر عن هيئة التحكيم، هو قرار (حكم) ملزم بالضرورة لأطراف النزاع وهذا الإلزام لا يتعارض مع الإرادة الحرة للأطراف المعنية أو مع مبدأ السيادة، وذلك لأنهم أى أطراف النزاع قد قبلوا بمحض إرادتهم اختيار اللجوء إلى التحكيم كوسيلة سلمية لتسوية النزاع القائم بينهم ج أن الحكيم الدولى لا يشترط فيه بالضرورة أن يشمل كل جوانب النزاع المعروض، فقد ترى الدول المتنازعة أن مصلحتها المشتركة تقتضى إحالة النزاع برمته إلى التحكيم للفصل فيه، وقد ترى عكس ذلك ومن ثم تكتفى بإحالة أو بعض جوانبه إلى التحكيم ومن ذلك مثلا، أن مشارطة التحكيم المعقودة فى 11 سبتمبر 1986 بين مصر وإسرائيل بشأن طابا قد قصرت سلطة محكمة التحكيم فقط على تقرير مواضع بعض علامات الحدود الدولية المعترف بها بين مصر وفلسطين تحت الانتداب، ولم تطلب منها مثلا بحث شرعية أو عدم شرعية هذه المواضع من وجهة نظر أى من الطرفين
(6) د- أن الدول عادة ما تحدد على سبيل الحصر الموضوعات التى يمكن أن يكون النزاع بشأن أى منها محلا للتحكيم، مستثنية من ذلك كل ما يتعلق منها بالاستقلال السياسى والشرف الوطنى والمصالح الحيوية وكذا المسائل التى تدخل ضمن نطاق اختصاصها الداخلى (7) ومع ذلك فمن الصعوبة القول بوجود قاعدة عامة فى هذا الشأن، لأن المعول عليه فى التحليل الأخير هو إرادة الدول المتنازعة لذلك فكثيرا ما نجد نزاعا دوليا معينا قد عرض على التحكيم للفصل فيه، على الرغم من تعلقه بالمصالح الحيوية والاستقلال السياسى لكل أو لأحد أطرافه ولعل النزاع حول طابا دليل قوى يمكن أن يساق فى هذا الخصوص، حيث أنه فى جوهره كان يتعلق بتمسك مصر بسيادتها على منطقة طابا فى حين نازعت إسرائيل فى شرعية هذه السيادة انطلاقا من اعتبارات سياسية
(8) 2- أنواع التحكيم الدولى: يأخذ التحكيم الدولى فى التطبيق صورا متعددة يكون لكل منها مسمى خاص، وذلك طبقا للمعيار المستخدم أ‌ فأولا، ومن حيث طبيعة الالتزام باللجوء إلى التحكيم من عدمه: هناك التحكيم الاختيارى، وهناك التحكيم الإجبارى ففى حالة النوع الأول، والذى يمثل القاعدة بالنسبة للتحكيم الدولى عموما، يكون لكل دولة الحق فى قبول أو رفض المثول أمام هيئة تحكيمية، وذلك إعمالا للمبدأ القانونى العام الذى يقضى بأن أية دولة لا يمكن أن تجبر على عرض نزاعها أمام أية جهة دولية لتسوية بأية طريقة كانت (9) أما فى حالة التحكيم الإجبارى (10)، والأصل فيه أيضا إرادة الدول، فإن الدولة متى وافقت سواء بمقتضى اتفاقات خاصة أو بمقتضى نصوص معينة ترد اتفاقات عامة على قبول اللجوء إلى التحكيم بالنسبة لطائفة معينة من المنازعات لفضها سلميا، فهنا لا يكون لهذه الدولة أن ترفض التحكيم فى حالة نشوب نزاع مع دولة أو دول أخرى قبلت التعهد ذاته ومتى كان النزاع داخلا ضمن طائفة المنازعات التى سبق الاتفاق على تحديدها، ويندرج تعهد كل من مصر وإسرائيل بموجب نص المادة 7 من معاهدة السلام المعقودة بينهما عام 1979 باللجوء إلى التحكيم لفض أى نزاع يثور بينهما بشأن تطبيق المعاهدة أو تفسيرها، تحت هذا النوع من التحكيم الإجبارى فطبقا لنص الفقرة الثانية من المادة المذكورة: إذا لم يتيسر حل هذه الخلافات عن طريق المفاوضة، فتحل بالتوفيق أو تحال إلى التحكيم ولعلنا نستطيع فى ضوء ذلك، أن نفهم إصرار مصر على اللجوء إلى التحكيم بشأن طابا، وعدم استطاعة إسرائيل رفض ذلك إطلاقا، بعدما عجزت الدولتان عن التوصل إلى حل للنزاع عن طريق المفاوضات
(11) ب-‌ ومن حيث أطراف النزاع، يقسم التحكيم الدولى إلى نوعين: فهناك، أولا، التحكيم الدولى العام الذى تكون أطرافه دولا متمتعة بكامل الشخصية القانونية الدولية ويكون موضوعه هو النزاع الدولى بالمعنى الدقيق، وهذا النوع من التحكيم هو الذى يعنى أساسا القانون الدولى العام، ومن تطبيقات: تحكيم الحدود بشأن إقليم كوتش بين الهند وباكستان والذى وقعت مشارطته فى 30 يونيو 1965، وتحكيم طابا بين مصر وإسرائيل والذى وقعت مشارطته فى 11 سبتمبر 1986 وهناك، ثالثا، التحكيم الدولى الذى تكون أطرافه إما من غير الدول ولكن تنتمى من حيث الجنسية إلى دول مختلفة، وإما دولا من جانب وأطرافا أخرى من غيرها من جانب أخر ويكون موضوع هذا التحكيم ليس النزاع الدولى بالمعنى الدقيق والذى يعنى نزاعا بين أشخاص القانون الدولى العام وإنما العقود والمعاملات الدولية الخاصة ويدخل هذا النوع من التحكيم الدولى فى نطاق اهتمام القانون الدولى الخاص والقانون الدولى التجارى ج ومن حيث طبيعة الهيئة التحكيمية: هناك التحكيم الذى يتم بواسطة محكم واحدا (12)، وهناك التحكيم الذى يتم بواسطة هيئة تعرف بمحكمة التحكيم يختار أطراف النزاع أعضاءها الذين يشترط فيهم أن يكونوا جميعا أو غالبيتهم من الشخصيات الدولية المحايدة وقد جرى العمل الدولى، منذ تحكيم الالباما الشهير عام 1872 بين بريطانيا والولايات المتحدة، على أن يكون تشكيل محكمة التحكيم من عدد فردى عادة ما يكون 3 (13) أو 5 وقد أخذت مشارطة التحكيم بشأن طابا بالنظام الخماسى، حيث اتفق الطرفان على اختيار المحكمين الآتية أسماؤهم: د. حامد سلطان (مصرى)، د. روث لابيدوث (إسرائيلية)، كيربيلين (فرنسى)، ديتريش شاندلر (سويسرى)، جونار لاجرجرين (سويدى)، وقد اختير هذا المحكم الأخير ليكون رئيسا للمحكمة ومحاكم التحكيم نوعان: فهناك، من ناحية أولى، محاكم التحكيم المؤقتة، وهى المحاكم التى يتم الاتفاق على تشكيلها للفصل فى نزاع دولى معين ثم تنقض بعد ذلك، ومثالها محكمة التحكيم التى فصلت فى قضية طابا بين مصر وإسرائيل، وهذا هو الأصل العام بالنسبة لمحاكم التحكيم، غير إنه على الرغم من هذه الطبيعة المؤقتة لمحاكم التحكيم، إلا أن دورها قد لا ينتهى فور إصدار الحكم، وإنما قد تظل المحكمة قائمة فترة معينة بعد ذلك تحسبا لاحتمال قيام أطراف النزاع أو أحدهم بطلب تفسير للحكم أو لإحدى فقراته أو بشأن تنفيذه وفى هذا الصدد، نصت المادة 13 من مشارطة تحكيم طابا على أن أى نزاع بين الأطراف حول تفسير أو تنفيذ الحكم يحال إلى المحكمة لتوضيحه إذا طلب منها ذلك، وتسعى المحكمة إلى تقديم هذه التوضيحات خلال 45 يوما من تاريخ الطلب وهناك، من ناحية ثانية، محاكم التحكيم الدائمة التى لا يرتبط وجودها بقيام نزاع دولى معين، ومثالها محكمة التحكيم الدائمة التى أنشئت بموجب أحكام مؤتمر لاهاى الأول للسلام عام 1899 وما أدخل عليها من تعديلات من جانب مؤتمر لاهاى الثانى للسلام لعام 1907 (14) والحق، أن التحكيم الدولى الدائم يجد حماسا كبيرا له فى عصرنا الراهن فى نطاق التحكيم الدولى التجارى أكثر منه فى نطاق التحكيم الدولى العام د وأخيرا، وليس أخر، ومن حيث طبيعة النزاع موضوع التحكيم، يمكن التمييز بين عدة أنواع من التحكيم الدولى، فهناك، مثلا التحكيم الدولى الذى يتعلق بمنازعات الحدود ومثاله تحكيم الحدود بين مصر وإسرائيل بشأن طابا وهناك، كذلك، التحكيم الدولى الذى يكون موضوعه مطالبات اقتصادية أو مالية معينة ويعتبر النوع الأول، أى التحكيم الدولى لمنازعات الحدود، من أهم وأبرز أنواع التحكيم الدولى وإذا كان ليس هنا مقام التفصيل فيما يتعلق بأسباب منازعات الحدود (15)، إلا أنه قد يكون مفيدا التوكيد على حقيقة أساسية وهى أن التحكيم يعتبر حاليا من أنسب الوسائل السلمية لتسوية هذا النوع من المنازعات، ويعزى ذلك إلى عدة أسباب: فمن ناحية أولى، هناك السبب العام الناتج عن كون أن مسألة قابلية النزاع الدولى أى نزاع دولى للعرض على التحكيم أو القضاء الدوليين من عدمها، هى إلى حد بعيد، مسألة مواءمة أكثر من كونها مسألة محكومة بقواعد قانونية صارمة ومن ناحية ثانية، يلاحظ أن القانون الدولى العام قد نجح إلى حد كبير فى تطوير قواعد قانونية مهمة فيما يتعلق بكيفية التعامل مع منازعات الحدود والعمل على حلها، وصارت هذه القواعد تكون الآن فرعا جديدا من فروع القانون الدولى العام يطلق عليه القانون الدولى لمنازعات الحدود international law of boundary disputes وهذه القواعد تساعد ولا شك فى تيسير عملية التسوية السلمية لمنازعات الحدود بالطرق القانونية ومن ناحية ثالثة، فقد رأينا كيف أن التسوية القانونية تقوم على تطبيق القانون واحترام قواعده، الأمر الذى يجعلها ويجعل نتائجها مقبولة من جانب الرأى العام فى الدول المعنية حتى ولو كانت نتيجتها فى غير صالح الوطن، وبهذا فهى تختلف عن التسوية السياسية التى قد يرفضها الرأى العام الوطنى لأنه قد يرى فيها تنازلا أو تفريطا من جانب حكومته فيما لا ينبغى التفريط فيه أو التنازل عنه يضاف إلى ذلك حقيقة أن التسوية السياسية، خاصة إذا تمت من خلال المنظمات الدولية وبغض النظر عن طبيعة النزاع، كثيرا ما تجعل هدفها الرئيسى منصبا على المحافظة على الوضع الراهن فى نطاق العلاقات المشتركة بين أطراف النزاع أكثر من كونه منصبا على صنع السلام الحقيقى بين هذه الأطراف (16) وبصفة عامة، وأيا كان نوع التحكيم الدولى محل البحث، فلا بد له من اتفاق يعقده أطراف النزاع لتنظيم عملية التحكيم وتحديد خطواتها وإجراءاتها وباختصار تكون أحكامه هى القانون الذى تطبقه المحكمة وتلتزم به منذ لحظة نظرها النزاع وحتى إصدار الحكم (17) فماذا يقصد باتفاق التحكيم؟ وما هى أشكاله أو صوره وما هى العناصر الأساسية التى ينبغى أن يتضمنها وإلى أى مدى روعى كل ذلك فى مشارطة التحكيم المعقودة بين مصر وإسرائيل بشأن طابا؟ نجيب عن كل هذه التساؤلات من خلال المبحث التالى المبحث الثانى: اتفاقات التحكيم الدولى ومشارطاته ماهيتها، صورها، مضمونها، تطبيقها بالنسبة لقضية طابا: يعرض التحليل لهذا الموضوع فى نقطتين: الأولى، تعريف اتفاقات التحكيم وصورها، أما الثانية، فتركز على مضمون هذه الاتفاقات، وفى الحالتين، سنشير إلى مشارطة تحكيم بين مصر وإسرائيل كنموذج تطبيقى
1- تعريف اتفاق التحكيم وصوره: يمكن تعريف اتفاق التحكيم بصفة عامة بأنه ذلك الاتفاق الذى يتم بمقتضاه عرض النزاع الدولى على هيئة تحكيم دولية معينة، يتم تشكيلها لغرض الفصل فيه بحكم ملزم (18) ويأخذ هذا الاتفاق، فى العمل الدولى، إحدى الصورتين الآتيتين (19) : أما صورة الاتفاق السابق على نشوء النزاع وهو ما يعرف بشرط اللجوء إلى التحكيم CLAUSE D ARBITRAGE وأما صورة الاتفاق اللاحق على نشوء النزاع وهو ما يعرف بمشارطة التحكيم COMPROMIS ويلاحظ على اتفاق التحكيم السابق على نشوء النزاع أى الشرط الخاص بالتعهد باللجوء إلى التحكيم إنه إما يرد فى معاهدة عامة معقودة بين أطراف النزاع، كالتعهد المنصوص عليه فى المادة 7/2 من معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية لعام 1979 وإما أن يرد فى معاهدات تحكيم خاصة (معاهدات التحكيم الدائمة) (20) أ‌ حالة ورود اتفاق التحكيم فى معاهدة عامة:
ب-‌ إذا ورد النص على التعهد باللجوء إلى التحكيم فى معاهدة عامة معقودة بين الدول المعنية كمعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، ف نه قد يكون تعهدا خاصا أى مقيدا، وقد يكون تعهدا عاما أى مطلقا (21) ويعتبر التعهد باللجوء إلى التحكيم خاصا أى مقيدا، إذا اقتصر النص على تقرير اللجوء إلى التحكيم لتسوية أنواع معينة من المنازعات الدولية (22) ومن ذلك مثلا نص المادة 7 من معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، حيث أنه قصر اللجوء إلى التحكيم فقط بالنسبة للخلافات التى تثور بشأن تطبيق هذه المعاهدة أو بشأن تفسيرها وذلك دون غيرها من الخلافات ومن ذلك أيضا، نص المادة 17 من الاتفاقية المعقودة فى 3 يونيه 1955 بين فرنسا وتونس (23) ويثير هذا النوع من التعهدات باللجوء إلى التحكيم مشكلة أساسية، تعرف بمشكلة تحديد قابلية أو عدم قابلية النزاع القائم للعرض على التحكيم، بمعنى هل النزاع أو لا يندرج تحت طائفة المنازعات التى سبق الاتفاق على تحديدها (24) فمثلا، هل النزاع بين مصر وإسرائيل بشأن طابا ينطبق عليه نص المادة 7/2 من معاهدة السلام الذى يقضى باللجوء إلى التحكيم أو التوفيق إذا ما أخفقت المفاوضات فى تسويته؟ كان الرأى الراجح فى صدد الإجابة عن هذا السؤال: هو أن نزاع طابا يصدق عليه نص المادة المذكورة، لأنه نزاع يتعلق بتفسير وتطبيق أحكام معاهدة السلام (25) ويعتبر التعهد باللجوء إلى التحكيم عاما أى مطلقا، إذا قصد به انصراف التحكيم إلى كافة المنازعات التى تثور بين الدول المعنية (26) ومن تطبيقات ذلك: نص المادة 15 من معاهدة مكة للصداقة وحسن الجوار المعقودة فى 7 أبريل 1931 بين المملكة العربية السعودية والعراق، وكذا نص المادة 2 من معاهدة بغداد للأخوة التحالف المعقودة بينهما فى 2 أبريل 1936 (27) ومن جهة ثانية، يلاحظ كذلك أن شرط التحكيم الوارد فى معاهدة عامة قد يكون مجرد تعهد بسيط باللجوء إلى التحكيم أى يكتفى فيه فقط بمجرد النص على ذلك، وقد يتجاوز ذلك ليصير شرطا تنظيميا يحدد فيه الأطراف المعنيون شكل هيئة المحكمة التى يريدونها وطريقة تكوينها وقواعد الإجراءات التى تتبعها والقانون الذى تطبقه، إلى غير ذلك من العناصر التى ينبغى أن يتضمنها أى اتفاق للتحكيم كما سنرى (28) ومن تطبيقات التعهد الأول التعهد البسيط نص المادة 7/2 من معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، حيث أنه اكتفى فقط بتسجيل تعهد الطرفين باللجوء إلى التحكيم الدولى لحل ما قد ينشأ بينهما من خلافات سواء بشأن تطبيق المعاهدة أو بشأن تفسيرها، وذلك إذا لم يتيسر حلها من خلال المفاوضات ومن تطبيقات النوع الثانى أى التعهد التنظيمى نص المادة 6 من الميثاق المنشئ للصندوق العربى للإنماء الاقتصادى والاجتماعى، حيث تضمن أحكاما تفصيلية تنظم كيفية اللجوء إلى التحكيم
(29) ب- حالة ورود اتفاق التحكيم فى معاهدة خاصة: كما أن الاتفاق الذى يتعهد بموجبه الأطراف باللجوء إلى التحكيم كوسيلة سلمية لتسوية المنازعات الدولية قد يرد فى معاهدة عامة على نحو ما رأيناه فى معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية لعام 1979، فإنه قد يرد فى معاهدة مستقلة تعقد خصيصا لهذا الغرض وتعرف بمعاهدة أو معاهدات التحكيم الدائمة وقد تكون هذه المعاهدات ثنائية وهذا هو ما جرى عليه العمل الدولى حتى الحرب العالمية الأولى تقريب (30)، وقد تكون جماعية ومن أمثلتها الاتفاق العام للتسوية السلمية للمنازعات الدولية المعروف باتفاق جنيف لعام 1928، والذى أجرت الجمعية العامة للأمم المتحدة تعديلا عليه عام 1949
2- مضمون اتفاق التحكيم التطبيق على مشارطة تحكيم طابا: إذا كان أطراف اتفاق التحكيم يستطيعون تطبيقا لمبدأ سلطان وبوصفه اتفاقا دوليا أن يضمنوه ما يشاءون من شروط وعناصر تشكل فى مجموعها القانون العام الذى تلتزم به هيئة التحكيم وذلك فى حدود ما تسمح به المبادئ القانونية العامة والقواعد القانونية الآمرة، إلا أن الملاحظ فى ضوء الخبرة التاريخية أن ثمة عناصر أساسية جرى العمل الدولى على ضرورة تضمينها فى كل اتفاق للتحكيم (بطبيعة الحال نقصد هنا باتفاق التحكيم مشارطة التحكيم أى الاتفاق اللاحق على نشوء النزاع، وكذا اتفاق التحكيم السابق على نشوء النزاع والذى يكون له طابع تنظيمى بالمعنى المشار إليه) وتشمل هذه العناصر ما يلى
(31) أ- التحديد الدقيق لموضوع النزاع الذى ستتولى هيئة المحكمة الفصل فيه فإذا كان النزاع مثلا نزاعا بشأن الحدود، فإنه يجب التحديد بدقة بجزء الحدود المتنازع عليه أو بعلامات الحدود المراد معرفة مواضعها الصحيحة إذا كان النزاع متعلقا بمسائل اقتصادية أو مالية، وجب تحديد هذه المسائل بأكبر قدر من الدقة وتطبيقا لذلك، نجد أن مشارطة التحكيم المعقودة بين مصر وإسرائيل بشأن طابا قد حددت بوضوح شديد أن النزاع المطلوب من هيئة التحكيم الفصل فيه هو فقط: تقرير مواضع علامات الحدود الدولية المعترف بها بين مصر وفلسطين تحت الانتداب (32) وقد حدد الملحق المرفق بالمشارطة هذه العلامات بأنها تشمل فقط العلامات: 7،14،15،17،27،46،51،52،56،85،86،87،88،91 بل أن المادة 5 من الملحق المذكور قد قررت صراحة أنه: ليس من سلطة المحكمة أن تقرر علامة الحدود بخلاف تلك المقدمة من مصر وإسرائيل والتى تم تسجيلها فى المرفق أ (وهى العلامات) الأربع عشرة السابق الإشارة إليها) ، كذلك ليس من سلطة المحكمة أن تنظر فى مواضع علامات حدود أخرى غير تلك المذكورة فى فقرة أ (33) وهذا بالتحديد الدقيق لعناصر النزاع موضوع التحكيم يعتبر ضروريا للغاية، ليس فقط لأنه يكشف ولا شك عن جدية الأطراف فى التوصل إلى حل سلمى للنزاع من خلال التحكيم، وإنما أيضا لأنه يعين هيئة التحكيم فى أن يأتى حكمها واضحا لا لبس فيه ولا غموض وغير متجاوز لحدود اختصاصها
(34) ب- يجب أن يتضمن اتفاق التحكيم أيضا ذكر القواعد الخاصة بطريقة تشكيل هيئة التحكيم وسلطاتها وعدد المحكمين الذين تتكون منهم ويلاحظ، بالنسبة لتعيين المحكمين، أن أطراف النزاع قد يتفقون على تعيين محكم واحد، وقد يتفقون على الأخذ بنظام هيئة التحكيم ذات التشكيل الثلاثى أو الخماسى أو غير ذلك وقد رأينا كيف أن المادة 1/1 من مشارطة التحكيم بشأن طابا قد نصت على الأخذ بالتشكيل الخماسى ويذكر فى الاتفاق، عادة، الأحوال التى تؤدى إلى فقدان المحكم لأهليته كمحكم، وكذلك حالة انسحابه أو رده أو عجزه عن القيام بمهامه، وكيفية مواجهة كل ذلك كما قد يتضمن الاتفاق الإشارة إلى كيفية مواجهة حالة امتناع أو تباطؤ أحد أطراف النزاع عن الاشتراك فى تشكيل هيئة التحكيم، كما لو امتنع عن تعيين المحكم الوطنى أو المحكمين المحايدين منه تعيينهم (35) وقد أشارت المادة 1/2 من مشارطة تحكيم طابا إلى بعض هذه الأمور، فذكرت مثلا أنه يظل تشكيل المحكمة بعد إنشائها دون تغيير حتى صدور الحكم ومع ذلك وفى حالة ما إذا كان أو أصبح عضو معين من حكومة لأى سبب غير قادر على أداء مهامه تعين هذه الحكومة بديلا خلال 21 يوما من نشأة هذه الحالة وإذا كان رئيس المحكمة عضو محايد فيها أصبح لأى سبب غير قادر على أداء مهامه، يجتمع الطرفان خلال سبعة أيام ويحاولان الاتفاق على بديل خلال 21 يوما (36) والحق، أن هذا النص قد جاء قاصرا لأنهه لم يحدد طريقة حسم الخلاف فيما لو لم يتفق الطرفان على تحديد شخصية رئيس المحكمة أو العضو المحايد الذى أضحى لآى سبب غير قادر على أداء مهامه (37) ج- يحدد الأطراف، كذلك القانون الذى ستتولى محكمة التحكيم تطبيقه على النزاع: وهل يكون هذا القانون هو القانون الدولى العام، أم قواعد العدل والإنصاف، أم أية قواعد قانونية أخرى (38) أما إذا لم يتضمن اتفاق التحكيم تحديدا للقانون الذى تطبقه المحكمة، فإنها تطبق من تلقاء نفسها قواعد القانون الدولى العام المشار إليه فى نص المادة 38/1 من النظام الأساسى لمحكمة العدل الدولية (39)، أخذه بعين الاعتبار ما يكون الأطراف قد اتفقوا عليه من شروط وأحكام ضمنوها اتفاق التحكيم أو مشارطته والواقع، أن سكوت اتفاق التحكيم وعدم إشارته إلى قواعد القانون الدولى العام، لا يعنى الاستبعاد الكامل لهذه القواعد من نطاق القانون الذى تطبقه المحكمة على النزاع المعروض فناهيك عن حقيقة أن اتفاق التحكيم ذاته هو اتفاق دولى يندرج ضمن نطاق المصادر الشكلية الثلاثة التى أشارت إليها المادة 38/1 سالفة الذكر، تشكل قواعد القانون الدولى العام حتى فى حالة عدم الإشارة إليها الإطار القانونى المرجعى الذى يحيل إليه القاضى الدولى كلما أعوزته الضرورة إلى ذلك وكذا كلما كان فى حاجة ماسة إلى أدلة يؤسس عليها حكمه لعدم قطعية أدلة الإثبات التى يقدمها كل طرف من أطراف النزاع ولعل هذا الاستنتاج يصدق تماما على محكمة تحكيم طابا، وندلل على ذلك مثلا بما يلى: فمن ناحية أولى، يلاحظ أن هذه المحكمة قد أخذت بالرأى الراجح فى الفقه والعمل الدوليين فيما يتعلق بدور الخرائط كأدلة إثبات وبوصفها ذات قيمة استدلالية فقط ولا يمكن أن تنهض بذاتها كدليل إثبات قوى وتأسيسا على ذلك رفضت المحكمة القبول بالخرائط التى تقدمت بها إسرائيل لتبرير ادعاءاتها بشأن مواضع بعض علامات الحدود المتنازع عليها (41) ومن ناحية ثانية، عولت المحكمة على قاعدة السلوك اللاحق كدليل إثبات قوى يصل فى قوته الاثباتية إلى حد تعديل النص الاتفاقى (42)، وذلك لكى تخلص إلى نفى ادعاءات إسرائيل بوجود تناقض بين مواضع بعض علامات الحدود وبين نصوص اتفاقية عام 1906 المعقودة بين مصر وتركيا بشأن تحديد الحدود بين مصر وفلسطين
(43) د- كذلك، يجب أن يتضمن اتفاق التحكيم أو مشارطته الإشارة إلى الإجراءات التى يتعين اتباعها أمام المحكمة وأثناء نظر الموضوع، فيحدد مثلا هل تكون المرافعات شفوية أم مكتوبة أم تجمع بين النوعين، كما يشار إلى طبيعة الجلسات من حيث السرية أو العلانية (44) وفى هذا الخصوص، أشارت المادة 8/3 من مشارطة تحكيم طابا إلى أ، الإجراءات تشتمل على المذكرات المكتوبة والمرافعات الشفوية والزيارات للمواقع التى تعتبرها المحكمة وثيقة الصلة (45) أما مسألة سرية الجلسات أو علنيتها فلم تشر إليها المشارطة المذكورة، حيث اقتصرت إشارتها فقط فى المادة 12/2 على تقرير صدور الحكم فى جلسة علنية (46) كما قد تشير الأطراف إلى لغة العمل أمام المحكمة، مثلما هو الحال فى نص المادة 10 من مشارطة تحكيم طابا حيث نصت على أن تكون المذكرات المكتوبة والمرافعات الشفوية وقرارات المحكمة وكافة الإجراءات الأخرى باللغة الإنجليزية (47) ولكنهم قد يتركون للمحكمة سلطة اختيار لغة العمل التى تراها (48) ، وقد ينص على حرية كل طرف فى اختيار اللغة التى يريدها كما فى تحكيم جزيرة بالماس بين الولايات المتحدة وهولندا عام 1925
(49) ه- وأخيرا، وليس أخر، يتعين أن يشار فى اتفاق التحكيم إلى القواعد التى يجب أن تراعى عند إصدار الحكم فتحدد مثلا الطريقة التى يصدر بها من حيث الإجماع أو الأغلبية، وعما إذا كان يصدر مسببا أم بدون تسبب، والمدة التى يجب أن يصدر خلالها، وتطبيقا لذلك، نجد أن مشارطة التحكيم بشأن طابا قد نصت فى المادة 4/3 منها على أن تتخذ القرارات بما فى ذلك الحكم عند غياب الإجماع بأغلبية أصوات الأعضاء وقد جمع الحكم الذى أصدرته المحكمة فى 29 سبتمبر 1988 بين الإجماع والأغلبية، وذلك على النحو التالى (50): بالنسبة للمجموعة الأولى من علامات الحدود المتنازع عليها، وهى العلامات التسع الواقعة فى الجزء الشمالى من خط الحدود من جهة البحر المتوسط وفى اتجاه الجنوب
(العلامات: 7، 14، 15، 17، 27، 46، 51، 52، 56)، صدر الحكم فيها بالإجماع وعلى الوجه الآتى: بالنسبة للعلامات الخمس التالية: 7، 17، 27، 51، 52 كان الإجماع لصالح مصر وبالنسبة للعلامات الأربع المتبقية وهى العلامات 14، 15، 46، 56 كان الإجماع فيها لصالح إسرائيل أما بالنسبة للمجموعة الثانية من علامات الحدود والتى شملت العلامات الأربع التالية: 85، 86،87،88 والتى تقع فى المنطقة التى تعرف برأس النقب فقد صدر الحكم فيها بأغلبية 4 أصوات ضد صوت واحد (هو صوت القاضية الإسرائيلية روث لابيدوث) وكان لصالح مصر وأخيرا وبالنسبة للعلامة 91 فقد صدر الحكم فيها أيضا بأغلبية 4 أصوات ضد صوت واحد (وهو أيضا صوت القاضية الإسرائيلية روث لابيدوث) وكان لصالح وجهة النظر المصرية بشأن تحديد موضع العلامة المذكورة أما عن التسبيب، فقد أشارت المادة 12/1 من المشارطة إلى ضرورة أن يتضمن الحكم الأسباب التى استند إليها (51)، وهو ما راعته المحكمة فى كل فقرات الحكم الذى أصدرته (52) وإذا روعيت كل هذه الأحكام والشروط التى ينبغى أن تتضمنها مشارطة التحكيم، فإن دور محكمة التحكيم ينتهى بصدور الحكم، ولكن صدور هذا الحكم لا ينتهى عملية التحكيم تماما إذا تبقى بعد ذلك مسألة تنفيذ الحكم الصادر، وهذا ما سنتناوله فى المبحث الثالث والأخير من هذه الدراسة المبحث الثالث: تنفيذ أحكام محاكم التحكيم الدولية: غنى عن البيان القول بأن التحكيم الدولى بوصفه وسيلة سلمية لتسوية المنازعات لا يحقق الغرض المتوخى منه، أى تسوية النزاع الدولى المعروض، إلا بتنفيذ الحكم الذى تصدره محكمة التحكيم فى شأن هذا النزاع وغنى عن البيان كذلك القول بأن تردد إسرائيل فى تنفيذ حكم محكمة التحكيم الصادر بشأن طابا فى 29 سبتمبر 1988، قد أثار بعض التساؤلات ليس فقط حول جدوى اللجوء إلى التحكيم لفض المنازعات الدولية سليما وكذا حول إمكانية الاستفادة منه مستقبلا فى تسوية منازعات أخرى بين العرب وإسرائيل وإنما أيضا حول سلطة الدولة صاحبة الحق فى تنفيذ حكم محكمة التحكيم مصر فى حالتنا هذه فى اتخاذ إجراءات معينة يكون من شأنها إرغام الدولة التى صدر هذا الحكم ضدها وهى إسرائيل على الامتثال للقانون والنزول على مقتضيات أحكامه ونجيب عن هذه التساؤلات من خلال تناول نظام تنفيذ أحكام محاكم التحكيم الدولية طبقا لقواعد القانون الدولى العام ويمكن القول، فى هذا الخصوص وطبقا لما جرى عليه العمل الدولى، بأن ثمة طريقتين لتنفيذ أحكام محاكم التحكيم الدولية على اختلاف أنواعها الأولى وهى طريقة التنفيذ التلقائى أو الاختيارى لهذه الأحكام من جانب الدول المدينة بالالتزام، أى الدول التى تصدر ضدها هذه الأحكام والثانية، وهى الطريقة القسرية التى تقوم بموجبها الدولة الدائنة بالالتزام أى الدولة التى صدر الحكم لصالحها باللجوء إلى أساليب قسرية معينة لحمل الدولة المدينة بهذا الالتزام على الوفاء به وفى الحالتين قد تلعب القدرة التساومية والتفاوضية لكل طرف من أطراف النزاع ونجاحه فى توظيف واستثمار ما هو متاح له من مصادر القوة دورا مهما فى تحديد الطريقة النهائية التى يتم بها تنفيذ حكم التحكيم وحدوده هذا التنفيذ، ومن ثم فقد تنجح الدولة الدائنة بالالتزام فى حمل الدولة المدينة به على تنفيذ الحكم الذى أشار إليه منطوق الحكم نصا وروحا، وفى المقابل قد تخفق دبلوماسية هذه الدولة أى الدولة الدائنة بالالتزام سواء لاعتبارات موضوعية أو لاعتبارات تتعلق بالأداء الدبلوماسى ذاته فى ممارسة أى ضغط حقيقى على الدولة المدينة فيتم فض النزاع الناشئ عن عدم تنفيذ الحكم بطريقة توفيقية تحقق لكل طرف مكاسب يرضى عنها أ‌ التنفيذ الاختيارى لأحكام محاكم التحكيم الدولية: يعرف التنفيذ الاختيارى، فى نطاق الالتزامات القانونية بوجه عام، بأنه الوفاء الذى يقوم به المدين اختيارا (53) وطبقا لما تكشف عنه الخبرتان التاريخية والمعاصرة فى مجال التحكيم الدولى، فإن التنفيذ الاختيارى أو التلقائى لأحكام محاكم التحكيم الدولية هو القاعدة وأن الاستثناء هو أن يتم هذا التنفيذ قسرا فقد جرى العمل الدولى على قيام الدول المعنية بتنفيذ هذه الأحكام بصورة تلقائية وبمجرد صدور الحكم دون إجراءات لاحقه اللهم إلا ما قد يتعلق منها بتفسير غموض معين فى الحكم وذلك على خلاف الحال تماما وكما هو مشاهد بالنسبة لتنفيذ القرارات الصادرة عن الأجهزة الدولية غير ذات الطابع القضائى كالأجهزة السياسية للأمم المتحدة (54) وثمة أسباب موضوعية عديدة تفسر قبول الدولة التى صدر ضدها الحكم القيام بتنفيذه اختيارا ومن هذه الأسباب: أ-‌ أن الالتزام بتنفيذ حكم محكمة التحكيم هو جزء لا يتجزأ من عملية التحكيم ذاتها فالتحكيم بطبيعته، ومن واقع تعريفه السابق الإشارة إليه، يعنى أصلا تسوية النزاع الدولى سلميا بحكم نهائى وملزم
(55) ب‌-أن اللجوء إلى التحكيم هو عمل إرادى بحت، بمعنى أن الدول هى التى تقرر بمحض إرادتها وإعمالا لمبدأ السيادة الموافقة على اللجوء إلى التحكيم كوسيلة سلمية لفض منازعتها وتأسيسا على ذلك، فطالما أنها قد قبلت بإرادتها الحرة التى لا يشوبها أى عيب من عيوب الرضا اللجوء إلى هذه الوسيلة التى تعلم أنها ملزمة بالطبيعة فإنها بذلك تكون قد ألزمت نفسها مقدما وبإرادتها المنفردة بالامتثال لما تصدره هيئة التحكيم من أحكام حتى ولو كانت ضد مصلحتها
(56) ج- وإضافة إلى ما سبق، فإنه قد ينص فى اتفاق التحكيم أو مشارطته على تعهد أطراف النزاع بقبول الحكم الصادر باعتباره نهائيا وملزما ويجب تنفيذه بحسن نية وهذا ما نجده مثلا فى نص المادة 14 من مشارطة التحكيم بشأن طابا، والتى نصت على أن:
1- تتفق مصر وإسرائيل على قبول حكم المحكمة بوصفه نهائيا وملزما لهما
2- يتعهد الطرفان بتنفيذ الحكم بأسرع ما يمكن وبحسن نية وفقا لمعاهدة السلام، كما أشارت ديباجة المشارطة إلى نفس هذا المعنى أيضا (57) ومثل هذا النص، وأن أمكن اعتباره تزيدا لا مبرر له لأن الحكم كما بينا يكون نهائيا وملزما دون حاجة إلى موافقة خاصة من أطراف النزاع، إلا أنه مع ذلك لا يخلو من فائدة حيث أنه يوجد التزام تعاقدى أخر فى مواجهة أطراف النزاع بقبول نتيجة التحكيم والامتثال لها بحسن نية عملا بالمبدأ الذى يقضى بأن العقد شريعة المتعاقدين وعليه، فإن مخالفة هذا الالتزام التعاقدى ترتب بدورها مسئولية دولية فى مواجهة الطرف المخالف، ما لم يكن رفضه تنفيذ الحكم راجعا إلى ظروف استثنائية كحالة الضرورة أو حالة القوة القاهرة أو حالة اتفاق الأطراف أنفسهم على غير ذلك (58) وهذا الاستنتاج يصدق تماما على إسرائيل فيما لو رفضت الامتثال لحكم محكمة التحكيم الصادر ضدها بشأن طابا، بالنظر إلى الالتزامات التعاقدية التى التزمت بها فى مواجهة مصر سواء طبقا لمعاهدة السلام أو طبقا لأحكام المشارطة د هناك، كذلك، حقيقة أن الدول المعنية قد قامت قبل موافقتها على اللجوء إلى التحكيم كوسيلة لفض منازعتها سلميا بحساب التكلفة المتوقعة من جراء قبول هذه الوسيلة، وهى تضع فى اعتبارها ولا شك إمكانية أو احتمال أن تخسر معركة التحكيم ويتصل بذلك أيضا حقيقة أن النزاع موضوع التحكيم قد يكون محدود الأهمية، الأمر الذى يعنى أن تحمل خسارة معركة التحكيم ربما يكون أخفف وطأة من التضحية بأمور أخرى قد تكون أكثر أهمية بالنسبة للعلاقات المشتركة وعلى ذلك، فلنا أن نتصور مثلا أن استعداد إسرائيل لتحمل خسارة معركة التحكيم مع مصر بشأن طابا كان يفوق ولا شك استعدادها لتحمل خسارة معركة السلام والتطبيع معها ومعنى ذلك، أن مراوغة إسرائيل وترددها فى تنفيذ الحكم لا يخرجان عن كونهما مجرد محاولة للضغط على المفاوض المصرى أملا فى الحصول على تنازلات منه لمصلحتها، بحيث إذا ثبت لها صلابة موقف هذا المفاوض فلن يكون أمامها الانصياع امتثالا للقانون وحفاظا على العلاقات المشتركة، وهو ما تحقق بالفعل على ما يبدو ولو إلى حد معين قد لا يصل إلى درجة الالتزام الكامل بمنطوق الحكم الصادر عن المحكمة ه وهناك أيضا الأسباب المتعلقة بالسمعة والمكانة الدوليتين فالدولة التى صدر ضدها الحكم قد تنصاع له وتقوم بتنفيذه اختيارا، ليس انطلاقا من اعتبارات قانونية معينة، وإنما خوفا على سمعتها ومكانتها بين الدول فالهند، مثلا، لم تقتنع بحكم محكمة التحكيم الصادر فى قضية إقليم كوتش عام 1966 بينها وبين باكستان، بل دفعت ببطلانه ووصفته بأنه ليس حكما award وإنما هو جائزة reward أهدتها المحكمة إلى باكستان، ومع ذلك أعلنت أى الهند انصياعها له وقامت بتنفيذه حفاظا على سمعتها وعلى مكانتها الدولية
(59) وتأسيسا على ذلك، لنا أن نتساءل هل: وإلى أى مدى كان حرص إسرائيل على سمعتها الدولية أحد العوامل التى حدت من مراوغتها وحملتها فى نهاية المطاف على قبول تنفيذ الحكم الصادر عن محكمة التحكيم بشأن طابا (60)؟ إذا سلمنا بوجود علاقة بين حرص الدولة أية دولة على سمعتها وعلى مكانتها الدولية وبين احترام هذه الدولة لقواعد الشرعية الدولية والنزول على مقتضيات أحكامها، لقلنا دون تردد بأن العامل المذكور لم يكن له أى دور فى حمل إسرائيل على تنفيذ الحكم الصادر ضدها بشأن طابا، وحسبنا أن ندلل على ذلك بالموقف الإسرائيلى الرافض باستمرار لقواعد هذه الشرعية الدولية متمثلة فى قرارات الأمم المتحدة
2- التنفيذ الجبرى لأحكام محاكم التحكيم الدولية: إذا افترضنا أن إسرائيل قد تمادت فى مراوغتها ورفضت الامتثال للحكم الصادر عن محكمة تحكيم طابا، فهل لمصر الحق فى اتخاذ إجراءات معينة لحملها على ذلك قسرا؟ نجيب عن هذا السؤال من خلال استعراض موقف القانون الدولى العام فيما يتعلق بالتنفيذ الجبرى أو القسرى لأحكام محاكم التحكيم الدولية
(61) فطبقا لما استقر عليه الفقه والعمل الدوليان، يجوز للدولة التى تصدر الحكم لمصلحتها اتخاذ إجراءات معينة لحمل الدولة التى تصدر ضدها هذا الحكم على الانصياع له وتنفيذه وهذه الإجراءات عديدة، ويمكن تصنيفها إلى ثلاث طوائف
(62) : فأولا، هناك الإجراءات التى تندرج تحت ما يسمى بأساليب المساعدة الذاتية self help، وهى الأساليب التى تلجأ إليها الدولة باستقلال يكاد يكون كاملا عن أى تعاون أو تدخل من جانب أية أطراف ثالثة وهناك، ثانيا، الإجراءات التى تندرج تحت ما يسمى بأساليب المساعدة المتبادلة، حيث تعول الدولة فيها على تعاون أطراف ثالثة معها من أجل حمل الدولة المخالفة على الامتثال لحكم القانون وقد تقوم هذه الأطراف الثلاثة أو الطرف الثالث أيا كان بدور الوساطة بين الدولتين المتنازعتين أملا فى التوصل إلى حل يكفل تنفيذ الحكم موضوع النزاع وثالثا، هناك الإجراءات التى تتمثل فى سعى الدولة صاحبة الحق فى تنفيذ الحكم فى اللجوء إلى المنظمات الدولية، فى محاولة من جانبها لإحلال العمل الدولى الجماعى والمنظم محل العمل الفردى والجماعى المحدود اللذين أثبتا عدم جدواهما أ‌ التنفيذ الجبرى عن طريق المساعدة الذاتية: يمكن تعريف المساعدة الذاتية، فيما يتعلق بموضوع البحث، بأنها مجموعة الإجراءات أو الوسائل التى تقرر الدولة صاحبة الحق فى تنفيذ الحكم اتخاذها متى كانت تدخل فى نطاق اختصاصها وفى حدود إمكاناتها بهدف حمل الدولة التى تصدر ضدها الحكم على تنفيذه، وبعد أن رفضت القيام بذلك من تلقاء نفسها وحسبما تقضى به القواعد العامة لنظام التحكيم الدولى
(63) وبصفة عامة تقوم المساعدة الذاتية على دعامتين هما: أعمال الرد أو المعاملة بالمثل retorison، وأعمال الانتقام reprisals، أما الأولى، فيقصد بها تلك الإجراءات غير الودية التى تتخذها إحدى الدول دون الخروج على الأصول والقواعد القانونية المرعية ردا على تصرفات غير قانونية اتخذتها ضدها دولة أخرى
(64) وتدخل هذه الإجراءات ضمن النطاق العام لاختصاص الدولة التى قررت اللجوء إليها، ولذلك فلا محل للدفع بعدم شرعيتها ومن تطبيقات ذلك: خفض مستوى تمثيلها الدبلوماسى لدى الدولة المخالفة، تجميد أو قطع العلاقات الدبلوماسية، وقف أو إلغاء التسهيلات المالية أو الجمركية التى كانت قد منحتها لهذه الدولة أما الثانية، أى أعمال الانتقام، فيقصد بها كل ما تقوم به الدولة صاحبة الحق فى تنفيذ الحكم من أعمال الإكراه، التى لا تصل إلى حد الاستخدام الفعلى للقوة المسلحة وإن كانت أشد إكراه من أعمال الرد أو المعاملة بالمثل، فى مواجهة دولة أخرى ارتكبت ضدها أى ضد الدولة الأولى أعمالا غير مشروعى، وذلك بقصد حملها على العدول عن ممارسة هذه الأعمال غير المشروعة
(65) وعلى خلاف أعمال الرد أو المعاملة بالمثل، تعتبر أعمال الانتقام أعمالا غير مشروعة بحسب الأصل، إلا أن استخدامها ضد الدولة المخالفة لأحكام القانون الدولى العام برفضها مثلا الامتثال لحكم محكمة التحكيم الدولية يحيلها فى حدود معينة وفى إطار معينة فكرة الضرورة التى تبررها إلى أعمال وتصرفات مشروعة
(66) شريطة أن يتحقق التناسب بين المخالفة التى تجسدها الأعمال غير المشروعة الصادرة عن الدولة المخالفة وبين هذه الأعمال الانتقامية بوصفها من قبيل أعمال الدفاع أو قياسا عليها
(67) ولكن فى كل الأحوال يستثنى من هذه الأعمال الانتقامية الاستخدام الفعلى للقوة المسلحة فى أغراض الإكراه أو حتى مجرد التهديد بها، حيث أن ذلك يتعارض مع صريح نص المادة 2/4 من ميثاق الأمم المتحدة أما ما عدا ذلك من أعمال الانتقام، كتجميد الأرصدة المالية مثلا، فيخرج عن نطاق الحظر الذى أوردته المادة المذكورة (68) وسواء كيفت المساعدة الذاتية على أنها أعمال رد أو معاملة بالمثل أو أعمال انتقام فإنها تأخذ فى التطبيق صورا متعددة أهمها الصورتان الآتيتان: الضغوط الدبلوماسية من جانب، والضغوط الاقتصادية من جانب أخر الضغوط الدبلوماسية: قد يكون أمرا طبيعيا أن تلجأ الدولة صاحبة الحق فى تنفيذ حكم محكمة التحكيم إلى استخدام الوسائل والطرق الدبلوماسية، كالمفاوضات المباشرة وغير المباشرة والاحتجاج الدبلوماسى أو خفض مستوى التمثيل الدبلوماسى أو حتى تجميد أو قطع العلاقات الدبلوماسية، من أجل حمل الدولة المخالفة على الانصياع وقبول تنفيذ هذا الحكم، وذلك لأن اللجوء إلى أساليب قسرية أشد إيلاما قد لا يكون متاحا بسهولة كما أنه قد لا يكون مرغوبا فيه فى بادئ الأمر ولعل مطالبة الحكومة المصرية للولايات المصرية القيام بدور الوساطة وممارسة ضغطها على إسرائيل لقبول تنفيذ حكم محكمة تحكيم طابا وهو ما استجابت له الحكومة الأمريكية بالفعل هى إحدى صور هذه الضغوط الدبلوماسية
(69) كما أن محاولة مصر الربط بين مسألة الاستمرار فى عملية تطبيع العلاقات مع إسرائيل وبين حل مشكلة طابا، حتى من قبل صدور حكم المحكمة التحكيم، هى أيضا من قبيل هذه الضغوط الدبلوماسية
(70) والملاحظ، أن فعالية الضغوط الدبلوماسية فى تحقيق الهدف المتوخى منها، وهو إرغام الدولة المخالفة على الانصياع وقبول تنفيذ حكم التحكيم، تختلف من حالة إلى أخرى فمثلا، المشاهد أن أقدام الدولة صاحبة الحق فى تنفيذ الحكم على اتخاذ خطورة معينة لتجميد أو قطع العلاقات الدبلوماسية أو حتى تخفيض مستوى التمثيل الدبلوماسى مع الدولة المخالفة، قد ينظر إليه بوصفه البديل الأخير الذى لا بد منه لمواجهة إخفاق الأساليب الأخرى ومن جهة ثانية، يمكن القول بأن فعالية هذه الضغوط ترتبط، إلى حد كبير، بمستوى الأداء الدبلوماسى بصفة عامة فى الدولة المعنية وبقدرة أجهزتها المختصة بشئون السياسة الخارجية على حسن استثمار وتوظيف إمكاناتها الذاتية لتعزيز مقدرتها التفاوضية، انطلاقا من فهم صحيح للظروف والمعطيات الدولية المحيطة ومن جهة ثالثة، فإن الثابت عملا هو أن خطوة معينة كخطوة تجميد أو قطع العلاقات الدبلوماسية أو خفض مستوى التمثيل الدبلوماسى يمكن أن تكون فعالة إذا ما توافرت لها ظروف موضوعية معينة، كأن تكون الدولة المخالفة لها مثلا مصالح معتبرة فى الدولة الدائنة بالالتزام يهددها ولا شك اتخاذ مثل هذه الخطوة، أو أن يكون الإبقاء على العلاقات المذكورة وفى مستوى معين يشكل مطلبا ضروريا للغاية من وجهة نظر الدولة المخالفة
(71) وتطبيقا لذلك، يحق لنا أن نتساءل: هل أدركت الدبلوماسية المصرية فى مفاوضتها مع إسرائيل من أجل تنفيذ حكم محكمة التحكيم أن الإبقاء على العلاقات الدبلوماسية مثلا مسألة مهمة للغاية من وجهة النظر الإسرائيلية وبالتالى يمكن الاستفادة منها لصالح مصر، وبعبارة أخرى، هل كان الاقتناع بأهمية الإبقاء على العلاقات الدبلوماسية بين مصر وإسرائيل من وجهة نظر هذه الأخيرة على افتراض ثبوت هذا الاقتناع يمثل ورقة رابحة فى قائمة حسابات المفاوض المصرى فيما يتعلق بمفاوضات تنفيذ حكم محكمة التحكيم بشأن طابا؟ وإلى أى مدى نجح هذا المفاوض فى استخدام هذه الورقة وغيرها من أجل حمل إسرائيل على تنفيذ الحكم نصا وروحا لتبقى له صفته كحكم تحكيمى ملزم وليس كقرار توفيقى يستجيب لمصالح أطرافه؟ تساؤلات تطرحها دون الإجابة عليها، لسببين: الأول، أن موضوعنا ليس هو تقديم دور الدبلوماسية المصرية خلال عملية المفاوضات مع إسرائيل بعد صدور حكم محكمة التحكيم بشأن طابا فى 29 سبتمبر 1988 ويقصد تنفيذ هذا الحكم، وإنما هو الإجابة عن السؤال الآتى كما أسلفنا إلى أى مدى روعيت القواعد العامة للتحكيم الدولى بوصفه وسيلة سلمية لتسوية المنازعات فى قضية التحكيم بشأن طابا منذ توقيع مشارطة التحكيم وحتى تنفيذ الحكم أما السبب الثانى، فيتعلق بتعذر الوصول إلى المادة العلمية الوثائق والمستندات والمحاضر الخاصة بسير عملية المفاوضات والتى لم يكشف عنها النقاب بعد الضغوط الاقتصادية: بادى ذى بدء، يتعين بأن هذه الضغوط الاقتصادية تنتج أثرها بالنسبة لمختلف أنواع أحكام محاكم التحكيم الدولية التى يثور الخلاف بشأن تنفيذها، ولكن فعاليتها بدرجة أكبر بالنسبة للأحكام التى ترتب التزامات مالية وتشمل الضغوط الاقتصادية أساسا: الاستيلاء على الممتلكات التى تحص الدولة والموجودة فى إقليم الدولة صاحبة الحق فى تنفيذ حكم محكمة التحكيم ويتم هذا الاستيلاء إما فى صورة نزع للملكية وإما فى صورة مصادرة لها
(72) وقد استقر الفقه القانونى الداخلى والدولى على السواء على تكييف إجراء نزع الملكية على أنه عمل مشروع يدخل فى نطاق الاختصاص الإقليمى للدولة، فى حين كيفت المصادرة على أنها كمبدأ إجراء غير قانونى ما لم يوجد سند مشروع يسوغها
(73) كما يدخل فى نطاق الضغوط الاقتصادية كذلك محاولات الدولة صاحبة الحق فى تنفيذ حكم محكمة التحكيم التأثير فى النشاط التجارى والاقتصادى العادى للدولة المحالفة ولعل المثال النموذجى الذى يمكن أن يساق فى هذا الشأن، هو ذلك الذى يتعلق بقضية شركة لينا للذهب بين بريطانيا وروسيا فقد حدث أن ترددت الدولة الأخيرة فى تنفيذ الحكم الصادر ضدها لصالح الشركة المذكورة، فقامت بريطانيا تطبيقا لمبدأ الحماية الدبلوماسية بالربط بين مسألة تنفيذ الحكم وبين استمرار المفاوضات التجارية التى كانت دائرة وقتذاك بين الدولتين، وقد نجحت بريطانيا فى ذلك، حيث رضخت روسيا وقامت بتنفيذ الحكم موضوع النزاع
(74) ب- التنفيذ الجبرى عن طريق المساعدة المتبادلة: قد تطالب الدولة صاحبة الحق فى تنفيذ حكم محكمة التحكيم من الدول الأخرى مساعدتها والوقوف إلى جانبها، فى محاولة لتكتيل بعض الجهود الدولية الجماعية لحمل الدولة المخالفة على تنفيذ هذا الحكم وإذا كان المبدأ القانونى العام فى مختلف النظم القانونية يقضى بأن أحدا لا ينبغى أن يؤيد تصرفا مخالفا للقانون، وإلا اعتبر هذا التأييد يشكل هو أيضا مخالفة الأمر الذى يرتب مسئولية قانونية فى مواجهة الطرف الذى صدر عنه ولصالح الطرف المضرور
(75)، إلا أنه لا يوجد فى المقابل ما يلزم أية دولة بالتعاون مع الدولة صاحبة الحق فى تنفيذ الحكم من أجل الضغط على الدولة المخالفة لحملها على القيام بتنفيذه
(76) مع ذلك، هناك من يرى عن حق أن مثل هذا التعاون يكون مطلوبا ومرغوبا فيه طالما أنه لا يرتب أية مسئولية دولية فى مواجهة الدولة التى تتعاون مع الدولة التى صدر الحكم لصالحها
(77) وتكمن ضرورة هذا التعاون الذى لا يرتب أية مسئولية دولية فى مواجهة من يقوم به فى كونه أحد لزوميات حسن إدارة العدالة الدولية وكذا حسن انتظام العلاقات الدولية بوجه عام، على اعتبار أنه لا توجد أية سلطة عليا فى المجتمع الدولى تستطيع أن تفرض على أعضائه احترام قراراته وأحكامه ويتحقق مبدأ تعاون دولة أو دول ثالثة مع الدولة صاحبة المصلحة فى تنفيذ حكم محكمة التحكيم الدولية بطرق شتى، لعل من أبرزها القيام بمحاولة الوساطة بين الدولتين المتنازعتين من أجل وضع الحكم موضع التنفيذ وتقديرنا، أن محاولات الوساطة وما شابهها تكون مجدية إلى حد كبير فى إنتاج الأثر المتوخى منها إذا توافر لها شرطان: الأول، أن تكون الدولة الوسيط قد اضطلعت بدور إيجابى ملموس فى الوساطة بين الدولتين المتنازعتين خلال المراحل الأولى للنزاع والتى انتهت بتوقيع اتفاق أو مشارطة التحكم كحالة الوساطة الأمريكية بين مصر وإسرائيل قبل وبعد صدور محكمة التحكيم بشأن طابا أما الشرط الثانى، فيتمثل فى ضرورة كون الدولة الوسيط لها كقاعدة عامة قدرة على التأثير على طرفى أو أطراف النزاع انطلاقا من اعتبارات موضوعية، كان تكون هذه الأطراف مستفيدة تماما من علاقاتها بهذه الدولة أو تنظر إليها باعتبارها الضامن فى عملية السلام، أو لأن كل طرف من أطراف النزاع يحرص على تحسين علاقاته مع تلك الدولة
(87) ولعل هذا يصدق أيضا على دور الوساطة الأمريكية بين مصر وإسرائيل فيما يتعلق بقضية طابا، حيث أنه ليس بخاف أن الولايات المتحدة قد اضطلعت بدور معتبر فى المفاوضات التى جرت بين الطرفين سواء قبل توقيع مشارطة التحكيم أو حتى خلال المفاوضات التى جرت بشأن تنفيذ الحكم
(79) ج- اللجوء إلى المنظمات الدولية: إذا أخفقت محاولات الدولة صاحبة الحق فى تنفيذ حكم محكمة التحكيم الدولية، سواء من خلال تعاون وسائلها الذاتية الدبلوماسية والاقتصادية أو من خلال تعاون دولة أو دول ثالثة معها، فى حمل الدولة المخالفة على الامتثال للحكم الصادر ضدها، فإنها أى الدولة الأولى قد تقرر اللجوء إلى المنظمات الدولية وكقاعدة عامة يمكن القول بأنه فيما عدا منظمة الأمم المتحدة، لا يكون اللجوء إلى أية منظمة دولية بالنسبة لهذا الموضوع ميسورا إلا إذا نصت مواثيقها المنشئة على ذلك وعليه، فسنقصر حديثنا هنا على محاولات تنفيذ أحكام محاكم التحكيم الدولية من خلال اللجوء إلى منظمة الأمم المتحدة
(80) اللجوء إلى الأمم المتحدة لتنفيذ أحكام محاكم التحكيم الدولية: لم يتحدث ميثاق الأمم المتحدة صراحة عن نظام تنفيذ أحكام محاكم التحكيم الدولية، إذا ما رفضت إحدى الدول المدينة بالالتزام الامتثال للحكم الصادر ضدها فالإشارة الوحيدة التى أوردها الميثاق، فى هذا الخصوص، تقتصر فقط على بيان نظام تنفيذ الأحكام التى تصدرها محكمة العدل الدولية، وهى كما هو معلوم محكمة قضاء دولى وليست محكمة تحكيم دولى
(81) وتأسيسا على ذلك، ذهب جانب من الفقه إلى القول وبحق بأن ميثاق الأمم المتحدة قد جاء أضعف بكثير من عهد عصبة الأمم فيما يتعلق بهذه المسألة
(82) ولكن حيث أن النزاع بشأن تنفيذ حكم صادر عن محكمة تحكيم دولية هو نزاع سياسى لا قانونى، بالنظر إلى أن دور هذه المحكمة ينتهى بصدور الحكم وذلك ما لم يكن رفض التنفيذ مرجعه الدفع بالبطلان أو اختلاف وجهتى نظر الدولتين المتنازعتين بشأن تفسيره أو لإصرار الدولة المخالفة على إعادة النظر فى الموضوع لتكشف وقائع جديدة جوهرية لذا فإنه يمكن تصور حالتين لتدخل الأمم المتحدة فى هذا النزاع وهنا تبحث المنظمة هذا النزاع بالطرق العادية ومن خلال أجهزتها المختصة شأنه فى ذلك شأن أى نزاع أخر يعرض عليها، مع ملاحظة أنه إذا ثبت أن النزاع المعروض ليس نزاعا سياسيا وإنما هو نزاع قانونى فإن مجلس الأمن يوصى أطرافه بعرضه على محكمة العدل الدولية للفصل فيه وذلك تطبيقا لنص المادة 36/3 من الميثاق، أما الحالة الأولى، وهى الحالة التى تتقدم فيها الدولة صاحبة الحق فى تنفيذ الحكم (مصر بالنسبة لتحكيم طابا) بشكوى إلى الأمم المتحدة لبحث النزاع الناشئ عن عدم تنفيذ الحكم الحالة الثانية، فهى حالة تدخل المنظمة من تلقاء نفسها، ويكون ذلك فى حالة ما إذا كان النزاع بين الدولتين بشأن تنفيذ الحكم قد تطور على نحو يهدد السلم والأمن الدوليين، ويكون تدخل المنظمة فى هذه الحالة واجبا أعمالا لنص المادة 39 من الميثاق ولما كان احتمال تحول النزاع الناشئ عن عدم تنفيذ حكم محكمة التحكيم إلى نزاع من النوع الذى يهدد السلم والأمن الدوليين هو احتمال غير وارد أو بعيد الوقوع خاصة وإن الموضوعات التى تقبل الدول عموما اللجوء إلى التحكيم بشأنها قد تكون كقاعدة عامة محدودة الأهمية، وأيضا لما كان لجوء الدولة صاحبة الحق فى تنفيذ الحكم إلى الأمم المتحدة قد لا يوفر لها ضمانه أكيدة لحمل الدولة المخالفة على الانصياع، لذا فالمشاهد هو عزوف الدول عن اللجوء إلى هذه المنظمة الدولية فى مثل هذه الأحوال مؤثرة عليها الاعتماد على وسائلها الذاتية وعلى تعاون الدول الأخرى معها فى هذا الشأن والواقع، أن مصر لم تكن استثناء من هذه القاعدة العامة التى استقر عليه عرف الدول فيما يتعلق بتفضيل الحلول الدبلوماسية بغية حمل الدولة المخالفة على تنفيذ حكم محكمة التحكيم فقد عولت الدبلوماسية المصرية على أسلوب المفاوضات الثنائية أساسا بالإضافة إلى تلك التى تمت بحضور ودعم أمريكيين فى تناولها لمسألة تنفيذ حكم محكمة التحكيم الصادر فى 29 سبتمبر 1988 بشأن طابا وقد بدأت هذه المفاوضات عقب انتهاء فترة ال30 يوما التى حددتها المادة 13 من مشارطة التحكيم لإمكانية قيام أى من الطرفين بإحالة نزاع إلى محكمة التحكيم يتعلق بتفسير أو تنفيذ الحكم، وكان من أولى نتائجها التوصل إلى عقد ما سمى باتفاق روما التنفيذى فى 29 نوفمبر 1988 والذى نص فيه على تحديد علامات الحدود الأربع عشرة وفقا للحكم الصادر عن محكمة التحكيم وعلى الانسحاب الإسرائيلى من الأرض المصرية إلى ما وراء هذه العلامات فور تحديدها
(83) أما النتيجة النهائية للمفاوضات فقد تمثلت فى الاتفاق الذى أصبح نافذا ابتداء من 15 مارس 1989 والذى تحقق بموجبه سحب إسرائيل لكامل قواتها من منطقة طابا التى أعيدت إلى السيادة المصرية، فى مقابل ترتيبات معينة التزمت بها مصر وشملت التعويض عن المنشآت السياحية التى آلت ملكيتها إليها وبهذه النتيجة يكون التحكيم الدولى قد حقق الهدف المتوخى منه وهو التوصل إلى تسوية سلمية للنزاع وهذا الاستنتاج ينبغى التسليم به، حتى ولو اختلفت وجهات النظر فيما يتعلق بتقويم هذه التسوية واتفاقها أو عدم اتفاقها مع الأسانيد القانونية التى حاول كل من طرفى النزاع مصر وإسرائيل تأسيس ادعاءاته عليها
الهوامش:ـ
(1) أنظر، على سبيل المثال، نص المادة 3/2 من ميثاق الأمم المتحدة، حيث يقضى بأن:ـ ـ بفض جميع أعضاء الهيئة منازعاتهم الدولية بالوسائل السلمية، وعلى وجه لا يجعل السلم والأمن والعدل الدولى عرضة للخطر
(2) أنظر فى القول بملائمة التسوية القانونية لأوضاع الدول الصغرى:ـ د إبراهيم شحاته، محكمة العدل الدولية ومتطلبات تطوير نظامها، مجلة السياسة الدولية، 1973، العدد 31، ص ص 44 ـ 45
(3) jully,L,arbitration and judicial settlement:ـ recent trends, ajil 1954, vol48, no, 3,p386 ـ
وعلى ذلك، فإن الجوانب المتعلقة بنشأة وتطور مشكلة طابا ـ سواء فى مطلع هذا القرن أو فى ظل الاحتلال الإسرائيلى لسيناء بعد عام 1967 وكذا تلك المتعلقة بتقويم دور الدبلوماسية المصرية فى معالجة هذه المشكلة سواء قبل اللجوء إلى التحكيم أو أثنائه أو فيما يتصل بمفاوضات تنفيذ الحكم، هى من الأمور التى تخرج عن نطاق هذه الدراسة اللهم إلا بالقدر الذى تقتضيه ضرورات التحليل العلمى السليم ـ (4) Rousseau,Ch,Droit International Public (9 Eme edition:ـ Dalloz, 1979,p305 ـ (5) Ibid,pp305 ـ 306,pp315 ـ 318 ـ (6) راجع نص المادة 2 من مشارطة التحكيم بشأن طابا، وأنظر كذلك نص المادة 5 من الملحق المرفق بهذه المشارطة والذى يقرر صراحة أنه ليس من سلطة المحكمة أن تقرر موضع علامة حدود بخلاف تلك المقدمة من مصر أو إسرائيل والتى تم تسجيلها فى المرفق أنظر:ـ ديونان رزق (جمع وتقديم) وثائق السيادة المصرية على طابا، مجلة السياسة الدولية،1989، العدد 95،ص 300وص 302 وقد شملت هذه العلامات 14 علامة من مجموع 91 علامة هى كل علامات الحدود بين مصر وفلسطين تحت الانتداب من البحر المتوسط وحتى خليج العقبة (7) ROUSSEAUCH, OPCIT,PP311 ـ 312 وهذه الاستثناءات هى التى يسميها أستاذنا الدكتور عز الدين فوده ـ التحفظات اللزومية ـ فى اتفاقات التحكيم واتفاقات اللجوء إلى المحاكم القضائية الدولية وانطلاقا من ذلك، عارض الأستاذ الدكتور فوده اللجوء إلى التحكيم بشأن طابا خشية صدور حكم فى غير صالح مصر خاصة وأن مسألة فساد هيئة التحكيم التى يناط بها الفصل فى النزاع المعروض ليست أمرا مستبعدا تماما راجع:ـ
د:ـ عز الدين، القضاء الدولى، (مذكرات على الألة الكاتبة) ، جامعة القاهرة، 1975، ص ص 15 ـ 20،ولنفس المؤلف لا للتحكيم فى طابا، الأهرام الاقتصادى، العدد 837،28 يناير 1985،ص ص 12 ـ 14 ـ (8) أهداف إسرائيل من وراء السيطرة على طابا عديدة، منها كسر مبدأ الانسحاب إلى الحدود الدولية، إدراكها لأهمية طابا الاستراتيجية وسيطرتها على ميناء ايلات، الحصول على تنازلات من مصر فيما يتعلق بتطبيع العلاقات كسب حقوق فى المنطقة سواء فيما يتعلق بالاستعمار أو بالنشاط السياحى راجع:ـ الأهرام الاقتصادىالعدد 837، المرجع السابق،ص17، د. على الدين هلال، طابا قضية قانونية أم سياسية، الأهرام الاقتصادى، العدد 917،11 أغسطس 1986، ص98، خالد الفيشاوى، طابا، الأرض المصرية فى متاهات الحلول السلمية، مجلة الفكر الاستراتيجى العربى، العددان 17/18، يوليو/ أكتوبر، 1986، ص ص 429 ـ 430 (9) KELSEN,HPEACE THROUGH LAW, CHAPEL HILL:ـ UNIVERSITY OF NORTH CAROLINA PRESS, 1944,P130 ـ (10) حول مفهوم التحكيم الإجبارى وخصائصه وتطوره، أنظر:ـ ANAND, R, COMPULSORY JURISDICTION OF THE INTERNATIONAL COURT OF JUSTICE LONDON:ـ PUBLISHING HOUSE 1961 ـ (11) المعروف أن إسرائيل ظلت ترفض بشدة ـ منذ بداية النزاع حول طابا قبيل إتماما الانسحاب النهائى لقواتها من سيناء فى 25 أبريل 1983 ـ قبول مبدأ التحكيم، إلا أنها اضطرت لقبول ذلك أمام إصرار مصر عليه راجع:ـ الأهرام الاقتصادى، العدد ـ 1030، 10 أكتوبر 1988،ص 18
الهوامش:ـ (12) وقد كان هذا النوع من التحكيم شائعا فى الماضى، أما فى العصر الحديث فقد أصبح اللجوء إليه أمرا نادرا وأن لم يلغ تماما راجع:ـ WETTER Q, THE INTERNATIONAL ARBITRAL PROCESS:ـ PUBLIC AND PRIVATE, VOL1, NEW YORK:ـ OCEANA PUBLICATIONS, INC, ـ 1979,P21 ـ (13) كما فى تحكيم إقليم كوتش السابق الإشارة إليه بين الهند وباكستان عامى 1965 ـ 1966 فقد عنيت باكستان الدبلوماسى الإيرانى نصر الله انتظام، وعينت الهند القاضى اليوغسلافى اليش ببلر، وقام الأمين العام للأمم المتحدة إزاء خفاق للدولتين فى الاتفاق على العضو الثالث بتعيين القاضى السويدى جونار لاجرين (الذى رأس محكمة تحكيم طابا) ثالثا ورئيسا للمحكمة أنظر أمثلة أخرى:ـ IBID, PP252 ـ 253 (14) راجع، بصفة عامة، فيما يتعلق بهذه المحكمة:ـ FRANCOIS, M,LA COUR PERMANENTEE D ـ ARBITRAGERECDES ـ COURS (DE PACADEMIE DE LA HAYE) ـ 1955TOME 37,PP457 ـ 553
(15) حول أسباب منازعات الحدود راجع بصفة عامة د فيصل عبد الرحمن طه، القانون الدولى ومنازعات الحدود ـ أبو ظبى:ـ شركة أبو ظبى للطباعة والنشر، 1982، ص ص 67 ـ 73 وأيضا:ـ LUARD, EFRONTIER DISPUTES IN MODERN INTERNATIONAL RELATIONS IN, LUARD,E (EDITOR) , THE INTERNATIONAL REGULATION OF ـ FRONTIER DISPUTES, LONDON:ـ THAMES AND HUDSON, 1970 PP9 ـ 10 (16) وهذا نابع من كون أن وظيفة المنظمة الدولية ـ السياسية خاصة تكمن أساسا فى المحافظة على السلام (PEACE ـ KEEPING) وليس صنع هذا السلام (PEASCE ـ MAKING) ومن هنا نرى لماذا مثلا حرصت منظمة الوحدة الأفريقية على جعل مبدأ قدسية الحدود الموروثة عن الاستعمار أحد المبادئ الأساسية التى تحكم العلاقات فيما بين الدول الأفريقية راجع:ـ د بطرس بطرس غالى، العلاقات الدولية فى إطار منظمة الوحدة الأفريقية، ط1 القاهرة:ـ مكتبة الانجلو المصرية، 1974،ص ص 112 وما بعدها أنظر أيضا:ـ ABOU ـ EL ـ WAFE, AARBITRATION AND ADJUDICATION OF INTERNATIONAL LAND BOUNDARY DISPUTES, REVITE EGYPTIENNE DE ـ INTERNATIONAL, 1986,VOL42PP103 ـ 108 ـ (17) أنظر نص المادة 8/1 من مشارطة التحكيم بشأن طابا ـ (18) أنظر فى هذا المعنى، د سامية راشد، التحكيم فى العلاقات الدولية الخاصة، الكتاب الأول:ـ اتفاق التحكيم القاهرة:ـ دار النهضة العربية،1984، ص ص 75 وما بعدها
(19) ROUSSEAU CJ, OP CIT PP309 ـ 310
(20) DINH, N ET AUTRES, DROIT INTERNATIONAL PUBLIC, (2 EME EDITTION) , PARIS:ـ LGDJ, 1980,P814 ـ (21) ROUSSEAU, CH, OPCIT, P309 ـ (22) DINH, N OP CIT, P 814
(23) ROUSSEAU, CH, OP, CIT, P 309 ـ CHAPAL, pH, L ـ ARBITRABILITE DES DIFFERENDS
(24) راجع، بتفصيل أو فى، فيما يتعلق بهذه المشكلة:ـ INTERNATIONAUX, PARIS:ـ EDITION A PEDONE, 1968,PP24 ـ ET SEQ
(25) عائشة عبد الغفار، طابا وسيناريو العودة إلى الوطن:ـ حوار مع د. بطرس بطرس غالى:ـ الأهرام الاقتصادى، العدد ـ 1030،10 أكتوبر 1988، ص21
(26) DINH, N OP CIT, P 815
الهوامش:ـ
(27) مشار إلى ذلك فى:ـ FODA, EZZELDINE, THE PROJECTED ARAB COURT OF JUSTICE THE Hague:ـ MARTINUS NIJHOFF, 1957,PP32 ـ 35
(28) راجع أيضا فيما يتعلق بهاتين الصورتين من صور التعهد باللجوء إلى التحكيم الدولى:ـ د. إبراهيم العنانى، اللجوء إلى التحكيم الدولى، القاهرة:ـ دار الفكر العربى، ط1، 1973، ص ص 141 ـ 143
(29) مشار إليه فى د مفيد شهاب، التحكيم التجارى الدولى فى العالم العربى المجلة المصرية للقانون الدولى، 1985المجلد ـ 41، ص28 ـ 29
(30) ROUSSEAU CJ, OPCITP310
(31) راجع، بتفصيل أكبر، فيما يتعلق بهذه العناصر:ـ لائحة إجراءات التحكيم النموذجية التى أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1958، وبصفة خاصة نص المادة الثانية منها ـ WETTER G, THE INTERNATIONAL ARBITRAL PROCESS:ـ PUBLIC AND PRIVATE, VOL5, NEW YORK:ـ DECANA PUBLICATIONSING,1979,P233
(32) المادة 2 من المشارطة
(33) وقد فصلت المادة 2 من ملحق المشارطة وجهة نظر كل من الطرفين بالنسبة لمواضع هذه العلامات الأربع عشرة، مع التركيز بصفة خاصة على موضع العلامة 91 والتى كانت وجهتا نظر الطرفين بشأنها كالآتى:ـ فبالنسبة لمصر فقد حددت موضع هذه العلامة عند النقطة التى كانت توجد بها بقايا علامة الحدود الأصلية التى أزالتها الإسرائيليون قبل انسحابهم من سيناء فى 25 أبريل 1982 أما إسرائيل، فقد حددت موضعين للعلامة 91:ـ الأول:ـ عند ما يسمى بالصخرة الجرانيتية وفى أسفل نتوئها الغربى، والثانى عند بئر طابا فى قاع الوادى راجع:ـ د يونان لبيب رزق، المرجع السابق:ـ ص 2،3 ـ (34) fox, h, arbitration, in, luard,e op Cit,p171
(35) راجع نص المادة 3/2 من لائحة إجراءات التحكيم النموذجية السابق الإشارة إليها
(36) د يونان لبيب رزق، المرجع السابق، ص 300 (37) وقد جرى العمل الدولى على تحويل هذه السلطة لرئيس محكمة العدل الدولية أو الأمين عام إحدى المنظمات الدولية أنظر مثلا نص المادة 37 من الميثاق المنشئ للصندوق العربى للإنماء الاقتصادى والاجتماعى حيث خول السلطة المذكورة للأمين العام لجامعة الدول العربية د مفيد شهاب، المرجع السابق، ص ـ (38) على سبيل المثال نصت مشارطة تحكيم ارامكو بين السعودية وشركة ارامكو والذى صدر الحكم فيه فى 1958/8/23على أن تفصل المحكمة ـ فيما يتعلق بالمسائل التى تدخل فى نطاق اختصاص المملكة السعودية ـ طبقا للقانون السعودى الذى قصد به أحكام الشريعة الإسلامية طبقا للمذهب الحنبلى راجع:ـ Wetter,q, opcit, (vol1) , p411 (39) المادة 10 من لائحة الإجراءات النموذجية للتحكيم والسابق الإشارة إليها (40) راجع بصفة عامة فى القيمة الاستدلالية للخرائط كأدلة إثبات:ـ weissherg,q,maps as evidence in international boundary disputes:ـ a reappraisal, ajil 1963,vol57,no4
(41) وثيقة الحكم بشأن طابا (ملخص) د يونان لبيب رزق، المرجع السابق، ص 319
(42) وغنى عن البيان أن قاعدة السلوك اللاحق هى إحدى القواعد المهمة فى تفسير المعاهدات الدولية، راجع مثلا:ـ أحمد حسن الرشيدى، الوظيفة الإفتائية لمحكمة العدل الدولية رسالة دكتوراه غير منشورة، جامعة القاهرة/ كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 1987، ص ص 406 ـ 407
الهوامش:ـ
(43) د يونان لبيب رزق، المرجع السابق، ص ص 319 ـ 320 ومن القواعد القانونية الأخرى التى عولت عليها المحكمة فى إصدار حكمها:ـ قاعدة التقادم المكسب، قاعدة المعانى الطبيعية والعادية فى تفسير المعاهدات الدولية، مبدأ التوارث الدولى وآثاره بالنسبة لمعاهدات الحدود راجع:ـ ملخص وثيقة الحكم، المرجع السابق، ص ص 318 ـ 321 ـ (44) المادة 15 من لائحة إجراءات التحكيم النموذجية السابق الإشارة إليها ـ (45) ، (46) ، (47) د يونان لبيب رزق، المرجع السابق، ص ص 301 ـ 302 ـ (48) المادة 13 من لائحة إجراءات التحكيم النموذجية السابق الإشارة إليها ـ (49) wetter,q opcit, (vol1) pp192 ـ 193 ـ (50) g Kats:ـ op vitpp190 ـ 191 ـ (51) khalil shikaki:ـ op Citpp86 ـ 87 ـ (52) أمين هويدى:ـ مرجع سابق، ص125 ـ (53) أنظر بعد أبعاد هذا التقييم فى:ـ Ted Greenwood:ـ citpp57 ـ 60 كذلك يتداخل مع موضوع ضمانات القوتين موضوعان آخران مرتبطان وهما موقف كل من القوتين الأعظم من الخيار النووى الإسرائيلى والعربى، (الصمت الغامض تجاه تطور الأول، وفرض القيود المباشرة وغير المباشرة على الثانى) ، وكذلك تطور استخدام أدوات المساعدة الاقتصادية والعسكرية التقليدية كمحاضر ضد الانتشار وسنعرض لهذين الموعين فى موضع لاحق مع المحددات ـ (54) Jenks, w the prospects of international adjudication, London:ـ Stevens& sons> 1964,p 663 ـ (55) وذلك ما لم يكن أطراف النزاع قد اتفقوا على غير ذلك، راجع:ـ ـ Brierly, j the law of nations, London:ـ oxford, ـ 1963,p277 ـ Schachter, q, the enforcement of international judicial and arbitral decisions, ajil 1960,vol54, vol1p1 ـ (57) راجع:ـ د يونان لبيب رزق، المرجع السابق، ص 300و302 ـ (58) فى هذا المعنى:ـ د. إبراهيم العنانى:ـ المرجع السابق، ص 121 والحق، أنه فى حالة اتفاق الأطراف المعنية على غير ما تقضى به الطبيعة الإلزامية لأحكام محاكم التحكيم الدولية فإن الحالات الاستثنائية المشار إليها فى المتن لا تصدق على حكم محكمة التحكيم بشأن طابا، وإنما تصدق على الأحكام التى تتضمن التزامات مالية ـ (59) Anand, r, studies in international adjudication, Delhi:ـ vikas house, 1969,p218 ـ (60) بطبيعة الحال ينبغى أن يكون مفهوما أن القول بالتزام الدولة التى صدر ضدها الحكم إسرائيل أو غيرها ـ بتنفيذه لا يعنى سلبها حقها القانونى فى التمسك بالدفع ببطلان هذا الحكم أو طلب إعادة النظر فى موضوع النزاع إذا وجدت المبررات التى تسوغ ذلك، مع ملاحظة أنه لما كانت أحكام التحكيم الدولية تصدر نهائية وغير قابلة للاستئناف لذا فليس ثمة من طريقة لبحث مسألة بطلانها إلا من خلال عرض الحكم المطعون فيه على محكمة تحكيم جديدة يشكلها الأطراف أو تشكلها محكمة العدل الدولية أن تعذر علمهم ذلك
(61) فكرة التنفيذ الجبرى أو القسرى فى نطاق القانون الدولى العام تعنى ال enforcement، ولا تعنى ذات المعنى الذى يشير إليه القانون الداخلى:ـ راجع فى تعريف التنفيذ الجبرى فى القوانين الداخلية د فتحى والى، المرجع السابق، ص ص:ـ 130
(62) Schachter Q, opcit, pp618
الهوامش:ـ
(63) أنظر مثلا فى تعريف عام للمساعدة الذاتية:ـ Dictionary of international law, Moscow:ـ progress publishers 1982p223
(64) Starke, j, an international to international law, (8th edition) , London:ـ butterworths, 1977,p520
(65) Ibid
(66) Nantwi, c, the enforcement of international judicial decisions and arbitral awards in public international ـ law, (sec, edition) , leyeden:ـ sijthoff, 1967,p146
(67) Starke, j, opcit, p 550 وأيضا:ـ د حامد سلطان، القانون الدولى العام فى وقت السلم، القاهرة دار النهضة العربية، 1962، ص ص 319 ـ 320
(68) جدير بالذكر، أن القانون الدولى التقليدى كان يعرف أشكالا أشد إيلاما للأعمال القسرية كالحصار البحرى السلمى وضرت من البحر راجع:ـ ـ schachter ,q,opcit,p14
(69) بطبيعة الحال مثل هذه الوساطة الأمريكية يصعب تكيفها بأنها تدخل تماما ضمن نطاق المساعدة الذاتية، وإنما هى إجراء وسط بين المساعدة الذاتية والمساعدة المتبادلة
(70) وقد أوضح الرئيس المصرى عن هذا الموقف فى مناسبات متعددة، ففى خطابه فى عيد العمال عام 1985 ـ مثلا ـ أعلن الرئيس مبارك أن عودة السفير المصرى إلى تل أبيب ـ والتى سحب منها فى أعقاب غزو إسرائيل للبنان عام 1982 ـ يرتبط بتحقيق أمور ثلاثة أولها حل مشكلة طابا راجع:ـ الأهرام الاقتصادى، العدد 1030،10 أكتوبر 1988،ص 18
(71) حول فعالية الضغوط الدبلوماسية عموما كوسيلة للضغط على الدولة المخالفة، راجع:ـ Nantwi, copcit,p146
(72) Ibid, pp137 ـ 138
(73) Ibid, p 138 ومن تطبيقات العمل الدولى فى شأن الاستيلاء على الممتلكات لحمل الدولة المخالفة على تنفيذ الحكم، موقف بريطانيا فى قضية مضيق كورفو الذى أصدرته محكمة العدل الدولية حكما بشأنها فى 15 ديسمبر 1849، والذى قضى بأن تدفع ألبانيا تعويضا لبريطانيا مقداره 947و843 جنيه إسترلينى، وإزاء رفض ألبانيا ذلك، فكرت بريطانيا فى الاستيلاء على الممتلكات الألبانية الموجودة على الأرض البريطانية، غير أنه تبين عدم وجود أية ممتلكات لألبانيا فى بريطانيا وبالتالى لم تترجم إلى خطوات عملية راجع:ـ Ibid, pp138 ـ 139
(74) Ibid, pp140 ـ 141 وقد تقرر الدولة صاحبة الحق فى تنفيذ الحكم الالتجاء إلى محاكمها الداخلية للحصول منها على سند قانونى (exequatur) يسوغ لها القيام بالاستيلاء على ممتلكات الدولة المخالفة لموجودة على أرضها، غير أن المحاكم الداخلية قد ترفض إعطاء مثل هذا السند القانونى مراعاة منها لمبدأ حصانة الدول الأجنبية أمام المحاكم الوطنية للدول الأخرى راجع:ـ ـ Ibid, pp 143 ـ 145
(75) Jenks, c, opcit,p704
(76) Nantwi, c, opcit, pp174 ـ 175 فالالتزام الوحيد الذى يقضى بوجوب تعاون الدول مع بعضها البعض هو ذلك الذى يتم فى نطاق منظمة الأمم المتحدة ومن أجل تحقيق أهداف ومقاصد هذه المنظمة (المادة 2/5 من الميثاق) ومع ذلك، يمكن اعتبار نص المادة 2/5 المذكورة يوجد أيضا ـ ولو بطريقة غير مباشرة ـ التزاما على الدول كافة بالتعاون حتى خارج نطاق الأمم المتحدة متى كان ذلك لا يتعارض مع أحكام الميثاق
(77) Ibid
الهوامش:ـ
(78) راجع، بصفة عامة، فى الشروط التى تجعل الوساطة الدولية مقبولة ومثمرة:ـ Touval, sand zartonan,w, (editors) ,international mediation in theory and practice, prager:ـ 1985,pp9 ـ 10
(79) راجع ـ مثلا ـ حول هذا المعنى:ـ الأهرام الاقتصادى، العدد 1030،10 أكتوبر 1988، ص ص 14 ـ 17 ـ (80) أنظر فيما يتعلق باللجوء إلى المنظمات الدولية الإقليمية والمتخصصة بهدف حمل الدولة المخالفة على تنفيذ الحكم الصادر ضدها، وتطبيقات ذلك:ـ Nantwi, c,opcit,pp168 ـ 172
(81) راجع نص المادة 94 من ميثاق الأمم المتحدة وحول الفارق بين محكمة التحكيم ومحكمة القضاء، أنظر مثلا:ـ Starke, jopcit, pp521 ـ 522
(82) Schachter, q, opcit,pp17 ـ 18 فالملاحظ، وكما يستنتج الأستاذ شاستر وبحق، أن عهد العصبة قد أشار صراحة إلى تعهد أعضائها بتنفيذ أى حكم أو قرار يصدر فضلا عن أنه الزم مجلس العصبة باقتراح الحلول التى تكفل تنفيذ الحكم أو القرار الدولى، إلى جانب تحويله سلطة التدخل من تلقاء نفسه لبحث النزاع، وذلك على خلاف الحال تماما بالنسبة لميثاق الأمم المتحدة
(83) د. بطرس بطرس غالى الدبلوماسية المصرية فى عام 1988، مجلة السياسة الدولية، 1989، العدد 95، ص12.