Share |
اكتوبر 1989
1
قضية الاعتماد على الذات فى أفريقيا
المصدر: السياسة الدولية
بقلم:   خالد زغلول

تواجه القارة الأفريقية وضعا حرجا يتسم بالتخلف الاقتصادى الذى يواجه طبيعة للتوسع والنهب الاستعمارى الذى تعرضت له القارة إبان الحقبات الاستعمارية.
وعلى الرغم من أن القارة الأفريقية تتمتع بثروات طبيعية وموارد معدنية وزراعية وبشرية ومائية هائلة تؤهلها لتنمية اقتصادية واجتماعية شاملة تخرجها من دائرتى التخلف والتبعية، إلا أنه ورغم مرور أكثر من عقدين على الاستقلال السياسى لبلدان القارة لم تسطع الأقطار الأفريقية خلالها أن تنتهج سياسة تنموية شاملة لضرب حصار التخلف والخروج من براثن التبعية سواء بالاعتماد الجماعى على الذات أو عن طريق التجمعات الإقليمية، وعلاوة على ذلك نجد أن الاقتصاد الأفريقى شهد تدهورا ملحوظا خلال تلك السنوات فمعدلات النمو الاقتصادى فى هبوط حاد.
إذ انخفض معدل النمو فى الناتج المحلى الإجمالى لأفريقيا جنوب الصحراء من 6.6% خلال الفترة 1965 ـ 1973، إلى 33% من 1973 ـ 1980، ثم هبط بالسالب إلى 1.5% خلال الفترة من 1980 ـ 1984، وشهد عام 1985 ارتفاع معدل النمو السنوى إلى 5.8%، وخلال عامى 1986، 1987 شهدت أفريقيا معدلات نمو الناتج المحلى الإجمالى بمقدار 2.6%، 1.4%على الترتيب (1)، ووصل إلى 2.6% عام 1988 (2).
وقد انعكس ذلك على كافة القطاعات الاقتصادية التى شهدت أيضا تدهورا فى معدلات النمو واشتدت حدة الأزمة الاقتصادية بسبب انخفاض أسعار المواد الأولية والتى تعد الصادرات الرئيسية لبلدان القارة، هذا علاوة على التدهور الشديد فى شروط التبادل التجارى الدولى فى غير صالح البلدان الأفريقية.
وذلك بالإضافة إلى تفاقم أزمة المديونية إذ بلغ إجمالى الدين فى عام 1987 نحو 257 مليار دولار أمريكى (3) كما تعانى القارة الأفريقية أيضا من الزيادة الضخمة فى معدلات النمو السكانى إذا وصلت إلى نحو 3% عام 1988 مما أثر على زيادة الفجوة الغذائية فى أفريقيا تلك هى أهم ملامح الأزمة الاقتصادية فى أفريقيا والتى لن نخوض فيها كثيرا لأن موضع بحثنا لا يتعلق برصد الأزمة الاقتصادية بقد ما يتعلق بتفسيراتها للوصول لمناقشة القضية الأساسية موضع البحث وللإجابة على سؤال محورى وهو هل من الممكن لأفريقيا أن تنتهج استراتيجية الاعتماد على الذات حقا؟.
ولكى تستطيع الإجابة على هذا السؤال يجب أولا أن نبحث فى تفسيرات الأزمة الاقتصادية فى أفريقيا من خلال مناقشة نظرية التبعية والنظرية الكلاسيكية الجديدة فى تفسير الأزمة، ثم نتعرض للمحاولات الأفريقية، وأخيرا تناقش هل تستطيع أفريقيا حقا أن تنتهج استراتيجية تنموية قائمة على الاعتماد الجماعى على الذات.
تفسيرات ظاهرة التخلف:
إن ظاهرة التخلف وأسبابه وإمكانية تجاوزه تعد من أهم القضايا التى تشغل الكثير من الباحثين فى علوم الاقتصاد والاجتماع والسياسة والانتربولوجيا وقد ظهرت العديد من النظريات التى تحاول أن تفسر وتطرح البدائل للخروج من واقع التخلف، ويمكننا تصنيف هذه النظريات إلى الكلاسيكية الجديدة والماركسية الجديدة، وتمتاز الخيرة بالتعددية النظرية فمثلا هناك نظريات الإمبريالية، ونمط الانتاج، ومدرسة الاقتصاد السياسى للتخلف وأخيرا نظرية التبعية، وسوف نكتفى هذا بمناقشة أطروحات مدرسة التبعية.
مدرسة التبعية:
وتمتاز التبعية بالتعددية فى المصادر النظرية الفلسفة مما جعلها تمتلك منهج متكامل وطرق تحليل خاصة تعد تطورا فى الفكر الحديث الذى يتناول قضايا التنمية وتتناول مدرسة التبعية ثلاث أوجه مختلفة للظاهرة يرتبط بعضهم ببعض وهم التبعية الاقتصادية والسياسية والثقافية ولكل منهم سماته المميزة إلا إنهم يتحدوا فى صفة أساسية وهى علاقة التبعية التى تؤدى إلى فقدان الاستقلال الذاتى وتنطلق مدرسة التبعية فى تفسير التخلف من فرضية أساسية وهى وجود نظام عالمى واحد ينقسم إلى نوعين من التشكيلات الاجتماعية حيث يتكون النوع الأول من الدول الرأسمالية الصناعية وتسمى بدول المركز للنظام العالمى الموحد أما النوع الثانى فيتكون من دول العالم الثالث التابعة لدول المركز وتسمى بدول الهامش أو دول الأطراف ويسمى النظام العالمى الموحد بالنظام الرأسمالى الدولى وللتأكيد على وجدود ارتباط عضوى وبنيوى بين كل من دول المركز ودول الأطراف (4).
وتؤكد مدرسة التبعية على أن تخلف دول الأطراف هو محطة طبيعية لسيطرة دول المركز عليها منذ بداية الفترة الاستعمارية وما صاحب ذلك من نهب ثروات دول الأطراف، بمعنى أن التطور والتخلف هى عمليتان متلازمتان ووجهان لعملة واحدة فالتطور الصناعى لدول المركز يعتمد بالأساس على الاستقلال والنهب الاستعمارى لاقتصاديات دول الأطراف أما من الناحية المنهجية فمدرسة التبعية تؤكد على أهمية البدء من النظام الرأسمالى العالمى كوحدة تحليلية أساسية لكى يتم بعد ذلك استيعاب دور العوامل الخارجية فى التكييف والتأثير على النمو أو عدم النمو الاجتماعى والاقتصادى فى دول الأطراف مع التركيز على الآليات الداخلية والتشويهات البنيوية لتلك الدول والناتجة من الانتشار العالمى للرأسمالية فكل دولة من دول الأطراف تؤدى وظيفة اقتصادية محددة فى النظام الرأسمالى العالمى فى تقسيم العمل الدولى هذه الوظيفة مكيفة بحيث أنها تتجاوب مع احتياجات ومصالح اقتصاديات دول المركز الصناعى.
ولذا فإن النتيجة الطبيعية لذلك هى وجود قيود موضوعية على سياسات التنمية لدول الأطراف ويلاحظ كتاب هذه المدرسة وجود سمات عامة تميز التشكيلات الاجتماعية التابعة وهى (5).
(1) هيمنة الرأسمالية الزراعية فى القطاع الاقتصادى الوطنى.
(2) نمو البرجوازية التجارية الكمبرادورية المرتبطة برأس المال الأجنبى.
(3) تطور القطاع الإدارى والبيروقراطى الحكومى بخصوصيات لا توجد إلا فى الدول الطرفية.
(4) تشوه وعدم اكتمال الطبقة العاملة.
(5) عدم القدرة على إكمال الدورة الاقتصادية.
(6) الاندماج فى دائرة النظام الرأسمالى العالمى.
(7) الاعتماد على التكنولوجيا المستوردة.
(8) افتقاد قطاع صناعى ذاتى ومستقل.
وتؤدى تحليلات التبعية إلى عدة فرضيات أهمها رفض نمط الإنتاج الرأسمالى واشتقاقاته السياسية والحضارية كمخرج وحل لواقع التخلف فى دول الأطراف وتفترض مدرسة التبعية عدم تطابق مصالح دول الأطراف مع الاستثمارات الأجنبية والمساعدات المادية والتنظيمية القادمة من دول المركز الصناعى وتعد هذه الاستثمارات سببا رئيسيا فى عرقلة النمو الذاتى وفى ترسيخ واقع التبعية والتخلف والحل الوحيد للخروج من دائرة التبعية وواقع التخلف فى رأى مدرسة التبعية هو فك الارتباط بالنظام الرأسمالى العالمى وفى نفس الوقت تطبيق نمط الإنتاج الاشتراكى وينبغى هنا أن نشير إلى أن مدرسة التبعية لازالت تعانى من نقص شديد فى تقديم الاقتراحات العملية بالنسبة للبدائل المتاحة أمام دول الأطراف للخروج من واقع التبعية والتخلف فالحل الذى ذكرناه أنفا الذى يتمثل فى تطبيق الاشتراكية خاصة فى ضوء تجارب الاشتراكية والثورات الوطنية فى دول العالم الثالث خلال الخمسينات والستينات.
النظرية الكلاسيكية الحديثة:
يقوم التفسير الكلاسيكى لظاهرة التخلف على أسباب اقتصادية ترجع إلى ضعف مستوى الدخل القومى فى البلدان المتخلفة مما يحد من القدرة على الادخار والاستثمار، وضآلة معدل الاستثمار تعنى تدنى معدل النمو السكانى مما يؤثر بالسالب على متوسط دخل الفرد وهو ما يعرف باسم نظرية الحلقة المفرغة ولا سبيل لكسر تلك الحلقة من وجهة نظر الكلاسيك إلا بوفود المعونات الخارجية وبصفة خاصة الاستثمار الغربى (6).
ولم يقف أصحاب الحلقة المفرغة ليبحثوا نقطة البدء فى التحليل ضعف مستوى الدخل القومى وبيان الأسباب التى أدت تاريخيا إلى قصور فى التراكم الرأسمالى وإنتاجية العمل ولكنهم اكتفوا بالتشخيص الآتى للظاهرة يفترض الكلاسيك أن الطريق الوحيد للخروج من التخلف هو الرأسمالية إذ أن التوزيع المكانى للتقدم ليس ظاهرة سكونية وإنما هى دينامية، فمن خلال التحاور والتفاعل ينتشر التقدم عبر المكان ويغير من حالات التخلف ولن نخوض هنا كثيرا فى تعريف المدارس والنماذج الكلاسيكية الحديثة فموضوع بحثنا لا يتعلق بهذه النظريات الأفريقية.
ويستمد هذا السؤال أهميته من أن أغلب البلدان الأفريقية كانت تمارس صورا من النهج الكلاسيكى الحديث وعلى الرغم من المحاولات التى بذلتها هذه البلدان فإنها أخفقت إلى حد كبير من التقليل من تبعيتها لمستعمريها السابقين هذا علاوة على تنامى نفوذ البنك الدولى وصندوق النقد الدولى فى اقتصاديات أفريقيا وهو تزايد مع اشتداد حدة الأزمة الأفريقية لقد كان النهج الكلاسيكى الحديث منذ الستينات هو الغالب إلى حد كبير على الفكر والاستراتيجيات الإنمائية فى أفريقيا وزيادة الهيمنة السياسية والاقتصادية للغرب على بلدان القارة وتسرب رؤوس الأموال من أفريقيا إذا قدر صافى تدفق رؤوس الأموال إلى الخارج خلال عام 1986 بأكثر من 30 مليار دولار (7).
هذا بالإضافة إلى اتساع نطاق التبعية للغرب ككل وقد تحقق توسيع نطاق التبعية وتعميمها من خلال آليات مثل مؤتمر القمة الاقتصادى للدول الغربية المتقدمة والجماعة الاقتصادية الأوروبية، وهيئات كبرى خاضعة للنفوذ الغربى كالبنك الدولى وصندوق النقد الدولى بوجه خاص ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية الأفريقية أخذت تبعية هذه الاقتصاديات تزداد اتساعا نتيجة لتدهور القدرة على المساومة وضعف القوة التنافسية لأفريقيا ويتجلى هذا بوضوح فى إطار الدور الجديد الذى أخذ يضطلع به البنك الدولى وصندوق النقد الدولى اللذان يملكان) باعتبارهما الصوت المعبر عن رأس المال الغربى (القدرة على فرض الشروط على حكومات أفريقيا (8).
محاولات الخروج من الأزمة الراهنة:
إن التدهور المستمر للوضع الاقتصادى والاجتماعى وتفاقم الأزمة الأفريقية جعل الأفارقة يبحثون عن مخرج للأزمة وقد بدأ الاهتمام الأفريقى للخروج من الأزمة فى بداية السبعينات من خلال الإعلان الأفريقى عن التعاون والتنمية والاستقلال الاقتصادى الصادر عن المؤتمر الوزارى بالتعاون بين منظمة الوحدة الأفريقية واللجنة الاقتصادية لأفريقيا والبنك الأفريقى للتنمية وذلك فى 25 مايو 1973 بأديس أبابا إذ خرج المؤتمر بالقرارات والتوصيات التالية: (9).
التأكد على عدم فاعلية الإجراءات التى اتخذت خلال السنوات العشر الماضية) 1963 ـ 1973 (لمكافحة التخلف، وعجز المجتمع الدولى عن خلق ظروف مناسبة لتنمية أفريقيا بل ورغبته فى الاحتفاظ فى أفريقيا بصفة خاصة بمناطق نفوذه السياسى والاقتصادى ولذلك تم تحديد المبادئ الأساسية للعمل الجماعى والفردى الذى تقوم به جميع الدول الأفريقية بشأن التعاون والتنمية الشاملة لبلدان القارة من خلال تعبئة الموارد البشرية الهائلة فى القارة بطريقة تتناسب مع الاحتياجات الأفريقية وتخدم أهداف التنمية، وتعبئة الموارد الطبيعية الضخمة فى القارة عن طريق مسح منظم لجميع الموارد الأفريقية بهدف استعمالها واستغلالها أمثل ومشترك للتعجيل بتنمية القارة وثم التركيز أيضا على التعاون والنهوض بمجالات الزراعة والنقل والخدمات الأساسية والاتصالات والمواصلات السلكية واللاسلكية والتصنيع ومجال النقد والمجالات المالية والبيئة والسياحة وتشجيع التجارة بين الدول الأفريقية والتعاون فى عمليات تمويل المشروعات التنموية.
وقد عقب ذلك عدة مؤتمرات أصدرت العديد من التوصيات التى تهدف إلى دعم التعاون الاقتصادى بين بلدان القارة بهدف التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة فهناك توصيات مؤتمر كينشاسا فى ديسمبر 1976 بشأن التنمية الاقتصادية والتعاون الاقتصادى ووثيق المجلس الوزارى لمنظمة الوحدة الأفريقية رقم 1983 (د - 33) يشأن التنمية والتكامل الاقتصادى لأفريقيا وتوصيات الدورة الرابعة عشر للجنة الاقتصادية لأفريقيا بشأن استراتيجية التنمية لأفريقيا فى عقد التنمية الثالث وقد توجهت تلك الجهود فى يوليو 1979 باستراتيجية منروفيا الخاصة بالتزام رؤساء دول وحكومات منظمة الوحدة الأفريقية باتباع توجيهات وإجراءات الاكتفاء الذاتى القومى والجماعى، فى مجال التنمية الاجتماعية والاقتصادية من أجل إقامة نظام اقتصادى دولى جديد والتى تم من خلالها التأكد على أن تقوم الدول الأفريقية على المستويين الفردى والجماعى بإعادة هيكلة استراتيجيتها وبرامجها الاقتصادية والاجتماعية بغية تحقيق التغير الاجتماعى والاقتصادى السريع وإنشاء قاعدة أفريقية للتنمية والنمو الاقتصادى المعتمدين على الذات واللذين لا يحتاجان إلى دعم خارجى.
وتم التأكد أيضا على أن النظام السياسى الذى يحمى الحقوق الإنسانية الأساسية والحرية والديموقراطية شرط جوهرى لتعبئة القدرات الخلاقة للشعوب الأفريقية نحو التنمية الاقتصادية السريعة بما فيها الجديد فى مجالات العلوم والتكنولوجيا وأخيرا قرر المؤتمرون أن التمسك بهذه الالتزامات تؤدى إلى إتاحة إطارات قومية وشبه إقليمية وإقليمية لاقتصاد أفريقى ديناميكى قائم على التكافل ويمهد السبيل لإنشاء سوق أفريقية مشتركة تقوم على أساسها الجماعة الاقتصادية الأفريقية (10).
خطة عمل لاجوس من أجل التنمية الاقتصادية لأفريقيا (1980 ـ 2000):
شهد عام 1980 خلال الدورة الاستثنائية الثانية لرؤساء دول وحكومات منظمة الوحدة الأفريقية الذى عقد فى لاجوس خلال الفترة من 28 ـ 29 أبريل 1980 إقرار خطة عمل تفصيلية لتنفيذ إعلان منروفيا المذكور أنفا، والتى سميت خطة عمل لاجوس من أجل التنمية الاقتصادية لأفريقيا وقد تضمنت خطة لاجوس فصل تمهيدى تم من خلاله توصيف وتشخيص عام للحالة الاجتماعية والاقتصادية الراهنة للقارة وتحديد الإمكانيات والقدرات الاقتصادية المتاحة للانطلاق لتحقيق الأهداف المرجوة من خطة لاجوس والمتمثلة فى إعادة تشكيل القاعدة الاقتصادية للقارة بشكل جذرى يمكن من انتهاج سياسات تنموية تقوم على أساس الاعتماد الجماعى على الذات لإقامة السوق الأفريقية المشتركة بهدف الوصول إلى قيام الاتحاد الاقتصاد الأفريقى ثم تناولت خطة لاجوس فى ثلاث عشر فصلا الأوضاع التفصيلية للقطاعات الاقتصادية المختلفة.
وتم تحديد الأساليب والأدوات اللازمة لتنمية كل قطاع فى إطار تنسيقى بين القطاعات بهدف تحقيق الأهداف المرجوة وتضمنت البنوك البنود الرئيسية للخطة مايلى(11).
(1) إعطاء مكانة هامة لميدان تنمية الموارد البشرية بدءا بالقاهرة على بالقضاء على الأمية.
(2) تسخير العلم والتكنولوجيا لخدمة التنمية لدعم القدرة الذاتية فى هذا الميدان.
(3) تحقيق الاكتفاء الذاتى الغذائى فى مجال الإنتاج والتموين.
(4) التنفيذ الكامل لبرنامج عقد الأمم المتحدة للنقل والمواصلات فى أفريقيا.
(5) تحقيق التنمية الصناعية المحلية دون الإقليمية والإقليمية.
(6) التعاون فى ميدان السيطرة على الموارد الطبيعية واستكشافها. واستخراجها واستعمالها لتنمية اقتصادياتها وإنشاء المؤسسات المناسبة لتحقيق هذه الأهداف.
(7) تنمية القدرات المحلية اللازمة لإدارة المنشآت والقوى العاملة الفنية والقدرات التكنولوجية لتمكين الشعوب الأفريقية من الاضطلاع بقدر أكبر من المسئولية لتحقيق الأهداف الإنمائية على المستوى الفردى والجماعى
(8) التعاون فى صون وحماية وتحسين البيئة الطبيعية.
(9) ضمان أن تعكس السياسات الإنمائية القيم الاجتماعية والثقافية الأفريقية بدرجة كافية من أجل تعزيز الذاتية الثقافية.
(10) مراعاة البعد الخاص بالمستقبل لدى وضع الخطط الإنمائية، بما فى ذلك الدراسات والتدابير الرامية إلى تحقيق تحول اجتماعى اقتصادى سريع للدول الأفريقية.
(11) لبد من استخدام موارد أفريقيا الهائلة أساسا للوفاء باحتياجات شعوبها وتحقيق 4 أهدافها.
(12) لابد من تغيير اعتماد أفريقيا شبه الكامل على تصدير المواد الأولية وبدلا من ذلك يتعين تأسيس تنمية أفريقيا على مزيج من موارد أفريقيا الطبيعية الكبيرة وقدرتها التنظيمية والإدارية والتقنية وأسواقها) التى يعاد تشكيلها وتوسيعها (لتكون فى خدمة سكانها.
(13) لابد من قيام أفريقيا بتنمية مبدأ الاعتماد على الذات ولا يعنى ذلك أن تعزل القارة نفسها كلية من المساهمات الخارجة، بل ينبغى لهذه المساهمات أن تقتصر على تكملة الجهود الأفريقية ولا يجب أن تكون العصب الرئيسى للتنمية.
(14) التأكد على أن تقوم كل دولة أفريقية بمتابعة النشطة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الشاملة والتى من شأنها تعبئة قوى البلد كافة وضمان الاقتسام العادل للجهود المبذولة فى التنمية والثمار الناتجة منها.
(15) التأكد على متابعة الجهود الرامية إلى التكامل الاقتصادى الأفريقى لإيجاد إطار على مستوى القارة للتعاون الاقتصادى اللازم من أجل التنمية القائمة على أساس الاعتماد الجماعى على الذات.
تلك هى أهم الملامح الرئيسية لخطة لاجوس والتى لم تخوض فى تفصيلات تلك الخطة بقدر ما يهمنا تقييم الخطة وإنجازاتها والوقوف على المعوقات والعقبات التى تحول دون إنجاز مهامها خطة لاجوس الإجراءات والعقبات: تميزت خطة لاجوس بكونها خطة طموحة تسعى إلى إقامة تنمية اقتصادية واجتماعية شاملة فى القارة الأفريقية إذ تضمنت برنامجا تفصيليا لكافة القطاعات الاقتصادية ذات أهداف سريعة قصيرة الأجل، وأخرى متوسطة وطويلة الأجل، وأخرى متوسطة وطويلة الأجل تعتمد بالأساس على تنسيق بين القطاعات الاقتصادية ذات أهداف سريعة قصيرة الأجل، وأخرى متوسطة وطويلة الأجل.
وأخرى متوسطة وطويلة الأجل تعتمد بالأساس على التنسيق بين القطاعات المختلفة، والتنسيق على الأصعدة الوطنية ودون الإقليمية للوصول إلى خلق اقتصاد أفريقى مترابط يعتمد على الذات الأمر الذى يتطلب أن تترجم تلك الإستراتيجيات إلى الواقع من خلال الخطط الوطنية للتنمية فى البلدان الأفريقية، وهو ما لم يتم تنفيذه فى الواقع الأفريقى ويجدر الإشارة إلى أن هناك جهودا قد بذلت لمواجهة الاختلال الكبير فى القطاعات الاقتصادية، وعلى الأخص فيما يتعلق بالزراعة والتغذية ومكافحة الجفاف والتصحر ومحو الأمية والصناعية، إلا أنها تعد جهودا خارج الالتزامات التى نادت بها خطة لاجوس هذا من جهة ومن جهة أخرى فقد تم فى إطار خطة لاجوس إنشاء المجموعات الاقتصادية التالية(12).
مؤتمر تنسيق التنمية للجنوب الأفريقى، ومنطقة التجارة التفضيلية لدول شرق أفريقيا والجنوب، والمجموعة الاقتصادية لدول وسط أفريقيا وتم أيضا تدعيم المجموعات القائمة مثل الدول غرب أفريقيا، والاتحاد الجمركى والاقتصادى لوسط أفريقيا وعلاوة على هذا فقد بذلت الكثير من المنظمات الأفريقية والدولية جهودا من أجل تنفيذ الخطة أما بالقيام ببرامج مشتركة مع أمانتى منظمة الوحدة الأفريقية واللجنة الاقتصادية لأفريقيا، وأما عن طريق برامج فردية على مستوى البلدان ومن بين أهم تلك البرامج والأنشطة تدعيم إنشاء مجموعة اقتصادية أفريقية، والأنشطة فى قطاع الاتصالات، وتعزيز تنفيذ البرنامج المشترك لعقد التنمية الصناعية لأفريقيا.
بالإضافة إلى الخدمات الاستشارية وتدعيم المنحويبقى أن نشير إلى أنه وعلى الرغم من مرور 9 سنوات على إقرار خطة لاجوس لم تقم البلدان الأفريقية بأية إنجازات حقيقية فى طريق تنفيذ الأهداف المرجوة منها رغم أن الإستراتيجية الأساسية للتنمية القائمة على الاعتماد على الذات والدعم الذاتى لاتزال صالحة للتنفيذ إلا أنه يوجد بعض العقبات وأوجه القصور نذكر أهمها فيما يلى (13).
واجهت البلدان الأفريقية صعوبات جمة فى تغيير الهياكل الاقتصادية لبلدانها والموروثة من الفترة الاستعمارية وقد ساعد على تفاقم الوضع بعض العوامل الدولية ذات الصلة بتبعية أفريقيا مثل انهيار أسعار المواد الأولية والركود الاقتصادى، وانخفاض حجم المسعدات التنموية، وارتفاع أسعار الفائدة تتميز خطط التنمية الوطنية للبلدان الأفريقية بسوء تخصيص الموارد المحلية وذلك بتخفيض نصيب المجالات ذات الأهمية الإستراتيجية مثل الزراعة والصناعة وتنمية الموارد البشرية مقابل ارتفاع نصيب مجالات استيراد السلع الاستهلاكية وإنشاء المشاريع الاستثمارية غير المنتجة وما إلى غير ذلك مما يعمق من تبعية الاقتصاد الأفريقى كما أن تلك الخطط لم تأخذ خطة لاجوس فى الاعتبار.
فتوجد بعض الشواهد تدل على الجهل بمتطلباتها أو على القصور الذاتى أو افتقار الإدارة السياسية أو الثلاث معا بدرجات متفاوتة ضعف المجموعات الاقتصادية التى أنشئت فى إطار خطة لاجوس وعدم فاعليتها وقصور إنجازاتها للمهام المنوطة بها فى تحقيق التكامل الاقتصادى القائم على الاعتماد على الذات، ولم تحقق سوى إنجازات متواضعة فى مجالات هامة الآثار الاقتصادية التى واجهتها البلدان الأفريقية نتيجة لعوامل الجفاف والتصحر وغزو الجراد وما إلى غير ذلك من عوامل طبيعية طارئة أصابت اقتصاديات القارة وبالإضافة إلى ما سبق توجد العقبات السياسية المتمثلة فى النزاعات الإقليمية، وعدم الاستقرار السياسى، وضعف الإرادة السياسية، وزعزعة الاستقرار من قبل حكومة جنوب أفريقيا ضد بلدان خط المواجهة الأفريقية وما إلى غير ذلك يتضح مما سبق أنه توجد عقبات هيكلية داخلية تنبع من قصور البنى الأساسية للاقتصاد الأفريقى وتنم عن عمق تبعيته وينبغى أن تقوم البلدان الأفريقية بالتصدى لها بشكل جماعى وفردى لتتمكن من تنفيذ استراتيجية التنمية القائمة على الاعتماد الجماعى على الذات.
وأيضا توجد عقبات خارجية لا تستطيع البلدان الأفريقية مواجهتها مما يتطلب تضافر الجهود الدولية لدفع التنمية الأفريقية وأخيرا أن نود نؤكد على أن تنفيذ خطة لاجوس سيظل التحدى الذى يواجه الأفارقة خلال السنوات القادمة مما يتطلب بذلك كافة الجهود الممكنة على المستويات الوطنية ودون الإقليمية والإقليمية ولتكن الخطوة الأولى فى سبيل ذلك إنشاء آلية مناسبة تابعة لمنظمة الوحدة الأفريقية تخول لها مهام وسلطات لتنفيذ متابعة خطة لاجوس.
مؤشرات التبعية الأفريقية:
إن علاقات التبعية كما ذكرنا أنفا هى علاقات تاريخية وجدلية نشأت نتيجة للسيطرة والتفاعل والترابط والصراع بين الدول الرأسمالية فى المركز للدول الأفريقية فى الأطراف وقد استخدمت دول المركز الرأسمالية آليات معاصرة للتبعية تؤدى إلى استمرار علاقات التبعية وتجددها وتعمقها، فمعظم البلدان الأفريقية لم تزل ترتبط بنيويا بالسوق الرأسمالى العالمى الدولى التى هى جزء لا يتجزأ منه ويعتمد رأس المال الدولى فى المرحلة المعاصرة على آليات ذلك السوق وعلى الأجهزة الأخرى المعاونة فى تأكيد واستمرار سيطرتها واستغلالها للبلدان الأفريقية ومن خلال نظرة فاحصة على اقتصاديات القارة الأفريقية نجد أن مظاهر التبعية ومؤشرات تتجلى واضحة فى كافة المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية.
وسوف نكتفى هنا بعرض المؤشرات على سبيل المثال وليس الحصر لاستمرار وتطور تبعية الدول الأفريقية لدول المركز الرأسمالى ولعل تطور مؤشرات التبعية الغذائية والفجوة الغذائية تمثل أوضح صورة لاعتماد الاقتصاد الأفريقى على الخارج فقد بلغ نصيب الفرد من الإمداد اليومى للسعرات الحرارية فى أفريقيا جنوب الصحراء عام 1965 ـ 2098 سعرا مقابل 2097 سعر عام 1985 (14).
ويتضح ضعف نصيب الفرد من خلال ثباته النسبى خلال عقدين من الزمان مما كان له أكبر الأثر على ارتفاع حجم الواردات الغذائية من الحبوب فى أفريقيا جنوب الصحراء إذ كانت الواردات عام 1974 ما يقارب 3931 ألف طن ارتفعت إلى 8730 ألف طن عام 1986 هذا بالإضافة إلى معونة الغذاء من الحبوب التى ارتفعت من 910 ألف طن إلى 3655 ألف طن من نفس الفترة (15) وقد انخفضت قدرة أفريقيا فى الاكتفاء الذاتى من الحبوب من حوالى 83% فى منتصف السبعينات إلى حوالى 76% عام 1985 (16).
وقد انعكس ذلك بوضوح فى عدم القدرة على مواجهة الاحتياجات الضرورية من الغذاء، وهو ما أدى لظهور المجاعات بالصورة المأساوية التى سادت شرق أفريقيا وبعض دول الغرب الأفريقى فى الثمانينات ومن جهة أخرى فإن الزيادة الكبيرة فى أسعار استيراد البلدان الأفريقية للسلع الصناعية والمواد الغذائية مقابل التدهور الكبير فى أسعار المواد الأولية والتى تعد الصادرات الرئيسية للدول الأفريقية، إذ تعتمد على حصيلتها يشكل رئيسى لتمويل خطط التنمية واستيراد احتياجاتها من السلع والخدمات يجعلها تلجأ إلى أسواق رأس المال الخارجى للاقتراض لسد العجز وتمويل عمليات الاستيراد فقد وصل إجمالى حجم الدين الخارجى لأفريقيا حوالى 257 مليار دولار أمريكى كم ذكرنا أنفا وبلغت نسب استهلاك الدين ومدفوعات الفائدة إلى صادرات السلع والخدمات نحو 29.3% (17).
هذا علاوة على ارتفاع حجم المساعدات الإنمائية الرسمية لأفريقيا جنوب الصحراء مما يناهز 6971 مليون دولار عام 1980 إلى ما يقرب من 10018 مليون دولار فى عام 1986 إذ مثلت نحو 62% من الناتج القومى الإجمالى (18).
وأخيرا فإن استمرار التبعية وتجددها فى المرحلة الحالية يستند بصفة أساسية إلى الاعتماد المتزايد للدول الأفريقية على التجارة الخارجية وزيادة اندماجها فى السوق الرأسمالى العالمى والسيطرة الكاملة لدول المركز الرأسمالية المتقدمة على هذه الأسواق سواءا فى ذلك أسواق السلع أو الخدمات المتعلقة بالتجارة الخارجية أو سوق رأس المال، والمال بما فى ذلك الاستثمارات الخارجية والقروض والتسهيلات المصرفية والمعونات الخارجية، والسيطرة شبه الكاملة للدول الرأسمالية على التكنولوجيا المتقدمة، وعلى مجالات الاتصالات الخارجية والمعلومات والخدمات الاستشارية وغيرها تلك هى أهم ملامح مؤشرات التبعية الأفريقية والتى تعد المعوق الرئيسى لاستراتيجيات التنمية فى القارة سواء على المستوى الوطنى أو على المستوى الجماعى.
أفريقيا والاعتماد الجماعى على الذات:
ظهرت مقولة الاعتماد على الذات فى العقد السابع من القرن الحالى فى أدبيات التنمية كمقولة مضادة للاعتماد على الغير وللتبعية، ويعكس مكن خلالها نظرة جديدة للتنمية القائمة على أساس حشد وتعبئة الموارد الذاتية المتاحة والممكنة ووضعها فى خدمة التنمية الموجهة إلى الوفاء بالمتطلبات والحاجات الأساسية بمعنى أن الاعتماد على الذات يعنى القضاء على علاقات التبعية والاستغلال والتبادل اللامتكافئ فى العلاقات مع الاقتصاد الرأسمالى العالمى، وإقامة تنمية مستقلة من خلال صياغة مشروع حضارى شامل يهدف إلى استغلال كل الموارد المتاحة والممكنة، المالية والبشرية والطبيعية، ووضعها فى خدمة بناء هيكل اقتصادى متقدم يتحقق فيه شروط التراكم الذاتى، وتتوزع فيه ثمار العمل الاقتصادى بعدالة فيما بين مختلف الطبقات والفئات الاجتماعية التى يضمها الاقتصاد القومى (19).
وبهذا المعنى نكون إزاء استراتيجية تنموية يحتاج إنجازها إلى بذل جهود ضخمة على الأصعدة العالمية والمحلية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية كما أن الاعتماد على الذات له بعد تضامنى وتعاونى على المستويات الإقليمية والدولية وعلى مستوى دول العالم الثالث إذ أن نجاحه يتطلب تضافر الجهود لتحقيق الاعتماد على الذات على المستوى الوطنى، فمعظم أقطار العالم الثالث دول صغيرة محدودة الموارد مما يجعل جهود التنمية المستقلة فى الإطار الوطنى أمر غاية الصعوبة مما يستدعى وجود أشكال جديدة من التعاون والترابط بين مجموعة البلدان المتجاورة إقليميا من جهة، وبلدان العالم الثالث فى مجموعها من جهة أخرى، لتحقيق التنمية المستقلة القائمة على الاعتماد الجماعى على الذات والتحرر من الاعتماد على الاقتصاد الرأسمالى العالمى (20) ويتطلب الاعتماد على الذات تحولات جذرية وهيكلية فى البنيان الاقتصادى والاجتماعى للدولة، وتتم تلك التحولات من خلال توافر الشروط التالية (21).
1ـ السيطرة على الموارد والثروات الطبيعية للبلاد.
2ـ توافر النمط الإنتاجى المؤهل لقيادة التنمية.
3ـ تعبئة الفائض الاقتصادى ومركزته.
4ـ تحقيق الثورة الزراعية.
5ـ التصنيع الموجه لإشباع الحاجات الأساسية للسكان.
6ـ المشاركة الشعبية.
7ـ اختيار التكنولوجيا الملائمة.
وسوف نعرض بصورة موجزة وسريعة لتلك الشروط السيطرة على الموارد والثروات الطبيعية للبلاد:
لكى تتحقق تنمية مستقلة لابد أن تكون هناك سيطرة وطنية على الموارد والثروات الطبيعية للبلاد لنفى التبعية للخارج وتحقيق التحرر الاقتصادى للحصول على حرية القرار الوطنى فى استخدام وتوزيع الموارد والثروات بما يتفق ومتطلبات النمو الاقتصادى والاجتماعى، وللحفاظ على الفائض الاقتصادى بالداخل ووضعه فى خدمة التنمية.
توافر النمط الإنتاجى المؤهل لقيادة التنمية:
إن التنمية المعتمدة على الذات لابد أن تكون من خلال نمط إنتاجى قائد يتمكن من خلال ما يملكه من سلطة وموقع وقوة فى التشكيلة الاجتماعية السائدة أن يخطط للتنمية ويقود مسيرتها ولتحقيق ذلك فى بلدان العالم الثالث يجب توافر شرط وجود الدولة الوطنية القوية التى تستطيع أن تستخدم شتى الإمكانيات التى تساعدها فى أداء وظيفتها الاقتصادية لإنجاز مهمة التنمية.
تعبئة الفائض الاقتصادى ومركزته:
إن تحقيق نموذج للتراكم الذاتى القادر على إنجاز مهام التنمية يعد من أكبر المشاكل التى تواجهه التنمية المستقلة المعتمدة على الذات ولذا يجب أن يقوم المجتمع بابتكار الأساليب الاجتماعية والنقدية والمالية الفاعلة لتحقيق تعبئة الفائض الاقتصادى للمجتمع ووضعه تحت سلطة الدولة الوطنية لتوجهه إلى أنماط الإنتاج التى تخدم بناء التنمية المستقلة.
تحقيق الثورة الزراعية:
من غير المتصور أن تكون هناك تنمية مستقلة دون أن يحدث تغير جذرى فى القطاع الزراعى وذلك عن طريق التوسع الرأسى والأفقى لزيادة الإنتاج الزراعى للوفاء بالاحتياجات الأساسية الغذائية للسكان وتوفير المواد الخام اللازمة للصناعات المحلية وتوفير فائض للتصدير هذا من جهة ومن جهة أخرى استيعاب فائض العمل الريف وتوفيره للقطاعات الأخرى مع تذويب الفوارق بين الريف والحضر عن طريق تنمية الصناعات والحرف الريفية وزيادة الخدمات الموجهة إلى الريف.
التصنيع الموجه لإشباع الحاجات الأساسية للسكان:
إن نجاح النمط التصنيعى القائم على إشباع الحاجات الأساسية للسكان يتطلب تعبئة كافة القدرات والموارد المحلية، وإعادة توجيه عناصر الإنتاج القائم نحو إنتاج السلع والخدمات لتلبية الاحتياجات الاستهلاكية المحلية الأساسية بدلا من تلبية احتياجات قطاع التصدير وذلك فى إطار التكامل بين القطاعين الزراعى والصناعى بحيث يتمكن القطاع الأول من إطعام السكان وتوفير المدخلات اللازمة للقطاع الثانى هذا من جهة أخرى يوفر القطاع الصناعى الرأسمالية والاستهلاكية اللازمة لتحسين الزراعة وتلبية الاحتياجات الأساسية لمجموع السكان.
المشاركة الشعبية:
يقصد بالمشاركة الشعبية التى تكفل التنمية المستقلة أن تبذل الجماهير كافة الجهود لنجاح معركة القضاء على التخلف والخروج من براثن التبعية لتحقيق تنمية مجتمعهم من خلال قناعتهم وثقتهم من أن ثمار التنمية تعود عليهم وليس لمجرد الوفاء احتياجات أقلية أو طبقة من هذا المجتمع.
اختيار التكنولوجيا الملائمة:
إن التكنولوجيا الملائمة التى تتطلبها التنمية المستقلة يجب أن تكون ذات كفاءة اقتصادية ومرتبطة بطبيعة الموارد الاقتصادية المتاحة وبالمشاكل الاقتصادية والاجتماعية التى تتصدى لها، ويتحقق ذلك عن طريق أن تقوم البلاد المعنية بخلقها من خلال الفهم للواقع الاقتصادى والاجتماعى وبطبيعة المشكلات السائدة فيه، وعدم ازدراء التكنولوجيا التقليدية المحلية التى كان لها باع طويل فى تقديم الكثير من الحلول لهذه المشاكل تلك هى أهم الشروط الواجب توافرها لتحقيق الاعتماد على الذات والتحرر من روابط الاستغلال الاستعمارى وقيود التبعية.
ولذا فإنه من الخيال أن تتوقع دول العالم الثالث أن الدول الاستعمارية الرأسمالية ستساعدها عبر مساعداتها وقروضها من أن تنهج طريقا تنمويا يخلصها من علاقات التبعية والاستغلال التى تربها بها، فيجب أن نتذكر أن النظام الرأسمالى العالمى قائم على استغلال دول العالم الثالث وأن كل تعامل معه يحتوى على قدر من عدم التكافؤ.
ومن ثم فإن تخفيض حجم التعامل معه يعد ركنا أساسيا فى استراتيجية التنمية المستقلة ومن هنا تبرز أهمية الاعتماد الجماعى على الذات فى تضافر جهود العالم الثالث فى مواجهة النظام الرأسمالى العالمى عن طريق أشكال مختلفة من التعاون، ومن بين أشكال التعاون المرجوة:
تنمية إنتاج الأغذية وتبادلها فيما بينها، التعاون والتكامل فى التنمية الصناعية وتبادل المعلومات فى جهود البحث العلمى والتكنولوجى، تشكيل أنواع مختلفة من اتحادات المنتجين والمستهلكين تتعامل فيها بشكل جماعى مع الدول الصناعية بغية تحسين معدلات التبادل التجارى وغيرها من أنواع التدفقات الدولية، التنسيق الإعلامى وتبادل الخبرة والمعلومات لمواجهة الإعلام الغربى وتأثيره السلبى على مجموع الهيكل الاجتماعى والاقتصادى وما إلى غير ذلك من أشكال التعاون المشترك (22).
ويبقى أن نذكر أن نذكر أن التكامل الإقليمى هو الطريق الطبيعى لتطبيق سياسة الاعتماد الجماعى على الذات على مستوى مجمعات من بلدان العالم الثالث تجمعها روابط خاصة كالجوار الجغرافى أو التماثل الكبير فى الظروف الاقتصادية أو الانتماء الحضارى المشترك، ولعل خير نموذج على ذلك هو دول القارة الأفريقية إذ أنها مهيئة تماما لتطبيق استراتيجية تنمية تضم كل الدول المتجاورة والواقعة فى إقليم واحد، خاصة أن الحدود غير مرئية بين هذه الدول وضعتها القوى الاستعمارية وعلاوة على هذا فإن أفريقيا تمتلك موارد طبيعية وبشرية هائلة تصلح كقاعدة للانطلاق إلى التنمية المستقلة إذ أنها تملك نحو 97% من احتياطات العالم من الكروم و 85% من الاحتياطى العالمى من البلاتين و64% من الاحتياطى العالمى من المنجنيز و25% من اليورانيوم و13% من النحاس، ناهيك عن البوكسيت والنيكل والرصاص و 20% من تجارة النفط العالمية (إذا استبعدنا الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى) و70% من الإنتاج العالمى من البن و 50% من إنتاج زيت النخيل وهذا على سبيل المثال لا الحصر (23).
يتضح مما تقدم أن القارة الأفريقية تستطيع حقا أن تنتهج استراتيجية تنموية قائمة على الاعتماد الجماعى على الذات شريطة أن تتضافر الجهود الأفريقية للعمل على إنجاز التحولات اللازمة لتحقيق شروط الاعتماد على الذات وأخيرا يبقى أن ننوه أن تنفيذ خطة عمل لاجوس من أجل التنمية الاقتصادية لأفريقيا والتى تعد نموذجا متكاملا لإستراتيجية تنموية قائمة على الاعتماد الجماعى على الذات سيظل كما ذكرنا سلفا التحدى المطروح أمام الأفارقة فى السنوات القادمة.
الهوامش:
1ـ البنك الدولى تقرير عن التنمية فى العالم 1988 ص 217.
2ـ بنك التنمية الأفريقى ـ التقرير السنوى لعام 1988.
3ـ د. إسماعيل صبرى عبد الله وآخرون كثافة ديون أفريقيا الخارجية ـ بحث مقدم إلى الندوة الدولية حول الموقف الأفريقى الموحد بشأن أزمة الديون.
4ـ د. إبراهيم سعد الدين النظام الدولى وآيات التبعية المستقبل العربى أغسطس 1986.
5ـ د. عبد الخالق عبدالله التبعية والتبعية السياسية المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ـ الطبعة الأولى 1986 ـ ص 57.
6ـ د. إسماعيل صبرى عبد الله التنمية المستقلة محاولة لتحديد مفهوم مجهل المستقبل العربى مرجع سابق.
7ـ كلود إيك مستقبل الاقتصاد السياسى للتنمية المجلة الدولية للعلوم الاجتماعية نوفمبر 1988.
8ـ المرجع السابق.
9ـ وزارة الخارجية المصرية الدبلوماسية المصرية خلال اثنى عشر عام ـ القاهرة 1989 ص 477.
10ـ المرجع السابق ـ ص 488.
11ـ المرجع السابق ـ ص 491 إلى ص 571.
12ـ منظمة الوحدة الأفريقية إعلان بشأن الوضع الاقتصادى فى أفريقيا ـ أديس أبابا.
13ـ المرجع السابق مباشرة.
14ـ البنك الدولى مرجع سبق ذكره.
15ـ المرجع السابق.
16ـ أناتولى جروميكو أفريقيا اليوم التقدم الصعاب الأفاق أكاديمية العلوم السوفيتية 1984 ص 83.
17ـ بنك التنمية الأفريقى مرجع سابق.
18ـ البنك الدولى مرجع سابق ذكره.
19ـ د رمزى زكى الاعتماد على الذات دار الشباب للترجمة والنشر الكويت 1987 ص 113.
20ـ اتريك أوتيزا وآخرون الاعتماد على الذات ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب 1985 ص 18.
21ـ د رمزى زكى مرجع سابق ذكره ص 115.
22ـ اتريك أوتيزا وآخرون مرجع سابق ذكره ص 21.
23ـ وزارة الخارجية ـ مرجع سابق ذكره ص 492.