Share |
ابريل 1992
1
الأزمة السياسية فى الجزائر المكونات والصراعات والمسارات
المصدر: السياسة الدولية

تكتسب الأزمة فى النظام السياسى الجزائرى أهمية استثنائية، وخاصة فى ظل مجموعة من المتغيرات الداخلية، والإقليمية والدولية والتى يمكن رصدها على النحو التالى:
(1) إنها تأتى فى ظل تحولات تمس عملية تشكيل النظام الدولى الجديد، وهى مرحلة تتسم بالسيولة، وبدرجات من الفوضى المحكومة سواء عند قمة النظام التى تقودها الولايات المتحدة الأمريكية، وبين القوى المرشحة للصعود، وبين التصورات الأمريكية لإعادة ترتيب الأوضاع فى النظم الإقليمية الفرعية، وخاصة فى الشرق الأوسط وغرب أسيا، وفى جنوب شرق أسيا، وذلك بهدف تهدئة آية توترات، ونزاعات تمس عملية إدارة الولايات المتحدة للنظام الدولى فى مرحلته الانتقالية الأولى وفى ذات المستوى فإن دول المجموعة الأوروبية ـ وعلى رأسها فرنسا، وأسبانيا، وإيطاليا، وبلجيكا، وألمانيا ـ تهتم كل منها بدرجات مختلفة بعملية الاستقرار السياسى فى جنوب المتوسط، وعلى أساس أن هذه المنطقة لازالت تمثل هامشا لسياساتها، ومصالحها، ونفوذها خاصة أن هناك سياسة عربية لأسبانيا، وإيطاليا تجاه منطقة المغرب العربى، وفرنسا تهتم أيضا بالتحولات الداخلية فى هذه المنطقة التى تمثل منطقة ثقافية فرانكفونية، ناهيك عن نفوذها السياسى والاقتصادى هناك فضلا عن أن عدم استقرار الجزائر له انعكاسات مباشرة على وضع الجالية الجزائرية ـ والمغربية عموما ـ فى فرنسا، والبلدان الأوروبية الأخرى، وبالإضافة إلى صعود أصولية إسلامية سنية ذات سمات راديكالية، تؤثر على النفوذ الثقافى، وعلى وضع الجاليات الإسلامية فى فرنسا، وهذه البلدان، وفى ذات المستوى تستقبل المصالح الاقتصادية والمالية الغربية فى الجزائر، وانعكاس أوضاعها على استقرار المنطقة ككل.
(2) وعلى المستوى الإقليمى، تمثل الأزمة الجزائرية عاملا مركزيا من عوامل تحريك عدم الاستقرار الهيكلى ـ وآلياته ـ فى منطقة المغرب العربى، بحكم وضعها الجيوبولوتيكى، فضلا عن وزنها السياسى، كمحور للاستقرار فى المنطقة، فضلا عن أن الإسلام السياسى الأصولى ـ السنى ـ يمثل تحديا سياسيا كبيرا للنظامين التونسى وفى مواجهة حركة النهضة الإسلامية)، والمغربى إزاء جماعتى الشبيبة الإسلامية، والعدل والإحسان (وهما جماعتان محدودتان نسبيا، كانتا ستنشطان فى حال تمكن الإنقاذ من الوصول إلى الحكم عبر صندوق الاقتراع) وفى ذات المستوى فإن وضع الجزائر العربى مؤثر نسبيا على التفاعلات السياسية فى منطقة المشرق العربى، وتكتسب حالة الأزمة مع الجبهة الإسلامية للإنفاذ أهمية خاصة، بالنظر إلى الارتباطات الأيديولوجية والسياسية، والتنظيمية لها مع حركة الأخوان المسلمين فى مصر، والسودان، وبعض الجماعات الأخرى، فضلا عن وجود علاقات مع نظام الأصولية الشيعية الحاكمة فى إيران، وهو ما أظهرته تداعيات الأزمة الداخلية فى الجزائر، ونشوب أزمة فى العلاقات السياسية بين المجموعة الحاكمة فى الجزائر، وبين الصفوة السياسية الحاكمة فى إيران.
(3) وعلى المستوى الداخلى، فإن نجاح جبهة الإنقاذ ووصولها إلى الحكم عبر صناديق الاقتراع، كما كانت تشير إلى ذلك كافة المؤشرات السياسية قبل الانقلاب الدستورى، تمثل حالة يمكن نجاحها فى دول أخرى فى المنطقة، وبوتقة لتفاعلات سياسية داخلية عنيفة، فضلا عن أنها حالة نموذجية لوصول الأصولية الإسلامية السنية عبر آليات الديمقراطية باستثناء حالة الجبهة القومية الإسلامية فى السودان التى تحالفت مع انقلاب عسكرى، أو جاءت إلى السلطة ـ ومن هنا نرى تجربة مرجعية، يتم استلهامها فى المنطقة كلها، وخاصة فى تونس، ومصر، والأردن، سواء فى إدارة العمليات السياسية مع الدولة والجيش، أو فى آليات إدارة العملية الانتخابية، ومن الملاحظ هنا أن تجربة انتخابات 1984 التى تمت فى مصر، هناك مؤشرات حول استخدامها وتطويرها فى تجربة انتخابات ديسمبر 1991 فى الجزائر وانطلاقا من هذه الأهمية الاستثنائية للأزمة السياسية، والدستورية فى الجزائر يمكننا تحليل الوضع هناك، وذلك فى إطار تناول المستويات التالية.
المستوى الأول: العوامل البنائية للأزمة.
المستوى الثانى: إدارة القوى الأساسية فى المجتمع السياسى والدولة للأزمة.
المستوى الثالث: مسارات الأزمة.
المستوى الرابع:ـ بيئة وصيرورة الأزمة التى مهدت للانقلاب العسكرى.
المستوى الخامس: الاحتمالات المختلفة لتطورات الأزمة.
المستوى السادس: الإشكالية السياسية للدولة والمجتمع فى الجزائر.
ثانيا: العوامل البنائية للأزمة السياسية:
يمكننا أن نرصد فى عجالة العوامل البنائية التى تشكل خلفية الأزمة والتى تدور حولها المتغيرات الجديدة، وذلك على النحو التالى:
1 - أزمة الهوية: وتمثل إشكالية الهوية فى الجزائر محورا رئيسيا، فى تحديد اختيارات الجزائريين، والتى لم تتسم بالحدية والمزاجية والسلوكية ـ وهى إحدى سمات الشخصية القومية الجزائرية ـ فالاحتلال الفرنسى الطويل، ساهم فى سحق بعض جذور الهوية من خلال إزاحة اللغة العربية من الساحة الثقافية، واللغوية فالاحتلال اللغوى ـ إذا جاز التعبير وسيادة الثقافة واللغة الفرنسية فى التفاعلات اليومية لعقود عديدة، وفى الإدارة، والعمل، والكتابة، والحديث ـ أدى إلى تفجر إشكالية الهوية الوطنية الجزائرية، إزاء ذاتها، وإزاء فرنسا والغرب، والمنطقة المحيطة بها ومن هنا يمكن تفسير السلوك المزاجى الحاد للشخصية الجزائرية إزاء فرنسا، والدول العربية الأخرى وازدادت هذه الحدة إزاء عمليات النفى الثقافى فى فرنسا للجاليات الجزائرية ومنذ حرب التحرير الوطنية الجزائرية، كان الإسلام أحد أبرز عناصر مقاومة الاستعمار الفرنسى، وأبرز محاور المقاومة السياسية، والكفاحية إزاء الفرنسيين، وبالنظر إلى ظاهرة أن كادرات الدولة، وحزب جبهة التحرير الوطنى الجزائرى كانت تمثل مظهرا للفرنسة الثقافية والسياسية، كانت تمثل استفزازا للقطاعات التقليدية، وأيضا لارتباطها بدوائر الفساد فى الحكم والحزب ولاشك أن الأزمة فى الهوية الجزائرية ـ مع ارتباط العروبة أصلا بالإسلام فى الجزائر والمنطقة المغربية بعكس المشرق العربى ـ وجدت فى الإسلام الوعاء الدينى، والثقافى، والحل النموذجى لها، لتجد الشخصية القومية توازنها، ودفاعاتها فى إطاره وإشكالية الهوية مسألة من الأهمية بمكان وخاصة تزامنها مع صعود نفوذ الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وتعد مسألة هامة وليست عرضا لظهور الأزمة الاقتصادية، والفساد، وتفاقمهما، لأن هذين المتغيرين أساسيين فى حالات الأزمة فى نظم سياسية عديدة ومع ذلك لا تتوافر مقومات الحدية والتطرف والاستقطاب كتلك القائمة فى الحالة الجزائرية سواء فى الأزمات التى ارتبطت بعملية التحول إلى نظام التعددية السياسية، وأثناءها وحتى الآن ـ 2 - أزمة الشرعية السياسية: وتتمثل جذورها فى التصارع بين عدة شرعيات سياسية، وثقافية فى الواقع السياسى، والاجتماعى الجزائرى فهناك الشرعية التاريخية للاستقلال، والتى كان الحكم، وحزب جبهة التحرير الوطنى يرتكزان عليها، وهى أنها القوة التى حققت الاستقلال، ثم تبنت الأيديولوجيا التعبوية الاشتراكية باسم العدالة الاجتماعية، ودور جزائرى قائد فى إطار حركات التحرر الوطنى فى المنطقة العربية، والعالم الثالث، مع خفوت الرافد الإسلامى فى إطار الأيديولوجيا، ونظام الشرعية السائد آنذاك، مع بومدين، ثم الشاذلى بن جديد ـ أحد الضباط السابقين فى الجيش الفرنسى، والذى جاءت به المؤسسة العسكرية ـ، وقد ترتب على ذلك أن القوة الحقيقية فى النظام هى المؤسسة العسكرية، فى ظل تآكل حزب جبهة التحرير، ونشوب الصراعات الداخلية بين كوادره وقياداته وصراعاتهم على الحكم، وتدهور مكانة الأيديولوجيا التعبوية للحزب والنظام فى ظل تطورات الأوضاع الداخلية والإقليمية، والدولية وفى ظل تردى الأوضاع الداخلية، وشيوع الفساد الداخلى فى الإدارة، والحزب، والجيش أدى ذلك إلى تفاعله ـ عند العمق ـ أزمة الهوية، الأمر الذى أدى إلى تحرك المشروع الإسلامى السلفى ـ الذى وجد سنده فى الجذر التاريخى للهوية، ودور المدرسين المصريين المنتمين لحركة الإخوان المسلمين، أو ذوى الميول الإسلامية، وتشجيع السلطة الجزائرية على صياغة نمط إسلامى إخوانى معتدل فى مواجهة أزمة الهوية، قادة بعض الوعاظ من مصر والمشرق العربى ولم يكن مشروع الجبهة السلامية للإنقاذ، سوى تجسيدا لتطورات تاريخية بطيئة ولكنها عميقة لتبلور شرعية تاريخية وجدت ظروف نمو جديدة (الفساد ـ التغريب الثقافى، واللغوى الساحق ـ تآكل الشرعية القديمة وعجز جهاز الحكم عن إدارة البلاد ـ والأزمة الثقافية، وغياب أنتلجنسيا عصرية، شيوع نظام لتكوين الرداءة الثقافية والفكرية ـ وهى الشرعية الإسلامية التى استطاعت أن تفرض توجهاتها لأسلوب إدارة الأزمة السياسية الجزائرية، منذ انتفاضة الجوعى فى أكتوبر 1988، وحتى أزمة قوانين الانتخابات التشريعية فى يونيو 1991 ومع تآكل، وانهيار شرعية حزب جبهة التحرير، والنظام، أصبحت هناك فجوة وأزمة بين شرعيات عديدة، شرعية تهاوت هى لحزب جبهة التحرير والرئيس ـ الذى يعتمد على الجيش ـ وشرعية جماهيرية، وثقافية هى شرعية الإنقاذ الإسلامية، ولم يعد أركان الحكم ـ الرئيسى والجيش، وجبهة التحرير الوطنى ـ يستندون إلى شرعية سياسية بين أوسع الفئات الاجتماعية وهو الأمر الذى أكدته نتائج الانتخابات البرلمانية فى دورتها الأولى، حيث فازت الإنقاذ ب (188) مقعدا فى حين حصلت جبهة القوى الاشتراكية على (26) مقعدا، فى حين أن حزب جبهة التحرير لم يحصل سوى على (16) مقعدا.
3 - الأزمة الاقتصادية، والاجتماعية، وانعكاساتها المختلفة:
على الرغم من أن الجزائر دولة بترولية ـ وتمتلك مصادر أخرى للثروة ـ إلا أنه ومنذ انخفاض أسعار الطاقة فى النصف الثانى من عقد الثمانينيات ووصول سعر برميل النفط إلى 10 دولارات ـ بعد صعوده ووصوله إلى 40 دولارا فى السنوات النى أعقبت حرب أكتوبر 1973 ـ وقد كان لهذا الوضع الجديد انعكاسات سلبية ـ أن لم تكن خطيرة ـ على النظام الجزائرى، إذ أدى ذلك إلى ارتفاع معدلات المديونية الخارجية ـ وتصاعد وشيوع ظواهر الكساد، والتضخم، وارتفاع معدلات البطالة مليونا عاطلا عن العمل ـ التى وصلت إلى 25% وفى هذا الإطار كانت ملامح الفساد السياسى، والتكنوقراطى تتفاقم، ووصلت معدلات العمولات ونهب المال العام إلى رقم يتراوح ما بين 25، 26 مليار دولار، وامتدت الاتهامات إلى أركان الحكم السابقين وحلفائهم من التكنوبيرواقراط ـ وورثة سوناطراك والإدارة الفرنسية ـ ووصلت إلى الرئيس الجزائرى الشاذلى بن جديد وآل بيته، وأصدقائه، وعلى رأسهم زوجته وهى سيدة أعمال ذات نفوذ سياسى كبير، فرضت عليه بقاءه فى الحكم بعلاقاتها برجال السياسة، والجيش من أركان مؤسسة الفساد التى كانت تدير الجزائر وترافق مع اتهامات الحكم، والجيش، والتكنوبيروقراط بالفساد، كان النمو والانفجارات الديموجرافية ووصول عدد السكان إلى 26 مليون نسمة ـ فى ظل تناقض الدخل القومى من 52 مليار دولار عام 1987، إلى 30 مليار دولار فقط عام 1991 وتناقض متوسط الدخل الفردى من 2500 دولار فى نفس الفترة إلى 1200 دولار سنويا، ووصول الدين الخارجى إلى 26.8 مليار دولار، منها نسبة 71.6% مستحقه لبنوك تجارية (عبدالله حمود:ـ الشرق الأوسط العدد الصادر فى 1992 وتصل معدلات خدمة الدين بين 75،8 مليارات دولار سنويا أى ما بين 60، 80% من إيرادات الصادرات الجزائرية للعالم الخارجى وليس ثمة من شك لدينا فى أن المكون الاقتصادى فى بنية الأزمة الجزائرية شكل البيئة الملائمة التى نمت فوقها جماعات، وظواهر الغضب السياسى ـ الاجتماعى الذى اكتسب سمات خاصة، وعنيفة من طبيعة الشخصية القومية التى تتسم بالحدية والمزاجية وعدم الانفتاح، وفى سياق يتسم بغلبة سمات شبابية على طبيعة التكوين الجيلى ـ الجزائرى من حيث مستويات السن، وشرائحه، إذ تبلغ نسبة الذين تقل أعمارهم عن 35 سنه إلى 70% من السكان، والذين تقل أعمارهم عن 14 عاما إلى 44% من السكان وهى فئات لم تعش مرحلة حرب التحرير الوطنى ـ وهذه التركيبة العمرية، التى تعاملت فى الجزائر مع البيروقراطية وقمع أجهزة الأمن السياسى والفساد، وأزمة الهوية، تستمد رفضها السياسى، والثقافى من البيئة الثقافية الإسلامية، خاصة فى ظل موجة عنصرية ثانية فى أوروبا ضد المسلمين، والجزائريين تحديدا، الأمر الذى يدفع من مسألة الهوية إلى الواجهة السياسية داخليا، وخارجيا، وفى المجتمعات الغربية شمال المتوسط كل هذه الظروف والإختلالات، مع غياب قيادات ذات وزن تاريخى أو كاريزمى، مثلت بيئة مواتية لتحرك جبهة الإنقاذ، وخاصة فى أوساط القادمين من الريف إلى الجزائر العاصمة والمدن ـ بحثا عن عمل فى إطار ظواهر الاستقطاب الحضرى ـ واستطاعت أن تستوعب فى مشروعها، ومن خلال كوادرها النشطة هذه القوى التى لم تجد أية فرص حقيقية فى الصعود السياسى، والإدارى فى ظل نظام التعبئة السياسية الذى قادت حزب جبهة التحرير الوطنى، والجيش والبيروقراطية والذى أستند الترقى فغيه على معايير الولاء السياسى والأمنى، لأعلى معايير الكفاءة، والموهبة ولاشك أن تفاعلات أية أزمة اجتماعية ـ اقتصادية مع الأزمة السياسية ترتبط أساسا بالبيئة السياسية ـ الثقافية العامة ومنها تكتسب سماتها، وخصائصها النوعية الفارقة عن غيرها من الحالات وفى حالة الجزائر ذات المزاج الجماعى المتوتر، والحاد تأخذ هذه الأزمة فى الاشتعال والغضب المتوقد، بالنظر إلى تاريخ كفاحى عريق، ومديد كانت حصيلته مليون شهيد فى مواجهة محاولة شرسة لاستعمار العقل والمخيلة والروح والأرض أن إدارة أزمة على هذا النحو من التداخل فى عواملها، ومتغيراتها المتعددة، تحتاج إلى مستوى عال من الكفاءة السياسية، والحس السياسى الرفيع، الذى يستند على العلم، والخبرة، والموهبة وفهم لأبعاد الشخصية القومية الجزائرية وسوف نلاحظ غياب هذا البعد الهام فى إدارة الأزمة من القوى الرئيسية على الساحة السياسية الجزائرية.
ثالثا: إدارة الأزمة فى الجزائر:
أن تحليل مناهج إدارة الأزمة السياسية فى الجزائر، تكشف إلى أى مدى ارتكبت القوى السياسية الرئيسية، والحكم أخطاء فادحة ساهمت فى وصول الجميع إلى المأزق السياسى الراهن وسنتناول القوى الأساسية التى مثلت مفاتيح العملية السياسية منذ انتفاضات الجوعى فى أكتوبر1988 وهى الرئيس، الجيش، حزب جبهة التحرير، وجبهة الإنقاذ، وجبهة القوى الاشتراكية، وذلك تباعا على النحو التالى:
(1) رئيس الجمهورية:
رئيس الجمهورية فى النظام الدستورى الجزائرى، يمثل محور النظام السياسى، ويتمتع بنظام للاختصاصات والصلاحيات الدستورية والسياسية تماثل ذلك الممنوحة لرئيس الجمهورية الفرنسية، دون ضمانات وقيود الدستور الفرنسى، وخاصة تلك الصلاحيات المنصوص عليها دستوريا، لمواجهة حالة الضرورة المنصوص عليها فى المادة 16 من دستور الجمهورية الخامسة الفرنسية ومنذ تسلم هوارى بومدين بين السلطة، وحتى اختيار المؤسسة العسكرية الجزائرية للشاذلى بن جديد رئيسا للجمهورية، لعب رئيس الجمهورية دورا مركزيا، ومتعاظما فى الحياة السياسية ولكن بن جديد ـ وبحكم تكوينه الشخصى، وولعة بالحياة المترفة ـ خضع لعدة ضغوط منها عدم خبرته السياسية وخضوعه لضغوط وموازنات المؤسسة العسكرية وكبار الضباط، وتأثير عقيلته عليه، واتساع نفوذها المالى، والسياسى، وتداخلها المصلحى مع رجال السياسة والإدارة الكبار ناهيك عن افتقاره للخيال السياسى الوثاب مع نزعة براجماتية عارمة كل هذه الأبعاد سيطرت على رؤيته، وقراءته للخريطة السياسية، ومكونات الأزمة وعناصرها.
أ - ففى مواجهة الأزمة السياسية التى نشبت فى أعقاب انتفاضة الجوعى فى أكتوبر 1988، أتسم سلوك الرئيس بالبطء، والتردد، ثم سلوك رد الفعل إزاء تطورات الواقع الجزائرى فلم تكن هناك سياسة للانتقال من التنظيم السياسى الواحد إلى التعدد الحزبى، وذلك فى إطار منهج لإدارة عملية الانتقال، ويبدو أن هذا الانتقال الفورى إلى التعددية، أدى إلى انفجار البنية الاجتماعية، والعرقية فى البلاد إلى بنية سياسية متناثرة وإلى شظايا حزبية، وسياسية تصل إلى 58 حزبا سياسيا وهذا السلوك الذى جاء استجابة للضغوط الاجتماعية والسياسية فى أكتوبر 1988، بعكس سمة رد الفعل لدى الرئيس وأركان حكمه دونما رؤية، وتصورات للخريطة السياسية وإعادة هيكلة للنظام السياسى فى إطار التعددية الحزبية والسياسية، وفى إطار يلبى تطلعات فئات اجتماعية، وعرقية إلى الديموقراطية.
ب - فى إطار تنامى الحركة الإسلامية الأصولية ـ الجبهة الإسلامية للإنقاذ وحماس بصفة أساسية ـ قام بمواجهة الخطاب الإسلامى الأصولى، من خلال توظيف نمط من الخطابات الإسلامية الإعتدالية نسبيا مستمد من المصادر الإخوانية لمواجهة الأصولية الراديكالية، وللتأكيد على هوية النظام والمجتمع فى الإطار الإسلامى، ولإثبات أن نظام بن جديد يختلف عن نظام بومدين الاشتراكى التعبوى، ثم تطويق صعود الإنقاذ، وبدء سيطرتها على أقسام واسعة من الشباب الجزائرى فى المدن، والأرياف، وتحت ضغوطها قام بمواجهتها عبر تبنى دعوتها إلى التعريب، وإصدار قانون رسمى فى هذا الإطار، رغم معارضة بعض الأحزاب العلمانية كحزب جبهة القوى الاشتراكية وغيره من الأحزاب التى تستند على قاعدة أثنيه بربرية، وثقافة فرانكفونية، ومع تزايد الانتقادات ضد حزب جبهة التحرير الوطنى الحاكم، من كافة القوى السياسية، وظهور الصراعات والمنافسات السياسية على السطح، لم يستطع أن يواجه هذه الصراعات ـ مثال الصراع بين مولود حمروش وعبد الحميد مهرى الأمين العام للجبهة والسفير السابق فى باريس ضد مجموعة التكنوقراط بقيادة سيد أحمد غزالى ـ ويحسمها، أو يديرها سياسيا، وتركها للتفاعلات التلقائية، دونما اهتمام، أن لم نقل بلا مبالاة، بل أنه وفى غمرة اهتمامه ببقائه رئيسا قرر أن يترك قيادة الحزب الحاكم حتى يبعد موقعه الرئاسى عن تناقضات جبهة التحرير، والانتقادات السياسية العنيفة الموجهة لها، ولقياداتها.
(ج) وساهم الرئيس أيضا ـ بتردده وعدم تبلور رؤى سياسية لإعادة هيكلة الحزب، والدولة، وغياب منهج لإدارة الأزمة السياسية فى استفحال الأزمة، وإشاعة عدم الاستقرار الهيكلى فى الدولة، وجهاز الحكم، وذلك بالخضوع للضغوط الناتجة من التجمع المدنى والسياسى ـ لا يوجد ما يسمى بالمجتمع ـ المدنى بالمفهوم الغربى فى دولة كالجزائر ـ وذلك عبر منهج تقليدى يتمثل فى التغيير الحكومى والوزارى، فتم تعيين قاصدى مرباح، ومولود حمروش، ثم أخيرا سيد أحمد غزالى الذى كان متحالفا مع الجيش دونما فهم منه لعمق هذا التحالف، وهذه التغييرات فى التشكيلات الوزارية منذ 1988، حتى ديسمبر 1991، تمثل مؤشرا هاما على عدم الاستقرار الهيكلى للنظام السياسى وبداهة أن ذلك شكل بيئة اضطراب سياسى، ساهمت فى زعزعة شرعية النظام، وجبهة التحرير الوطنى لصالح جبهة الإنقاذ الأصولية فى الأساس وفى ذات الوقت انعكست هذه السياسة على المكانة السياسية للجزائر إقليميا ودوليا.
(د) افتقر الرئيس ـ ومستشاروه ـ للقدرة على صياغة تحالفات أوسع من جبهة التحرير تمكن من إعادة التوازنات السياسية بين الرئاسة والدولة، والتجمع المدنى ـ السياسى.
(هـ) كان فى إمكان الرئيس، والجيش الاستمرار فى إطار صيغة للتعايش السياسى مع الإنقاذ فى حالة فوزها فى الجولة الثانية واستكمال النسبة المطلوبة للحصول على الأغلبية المطلقة من الأصوات ولكن مع إدارة سياسية رفيعة، وحركة إصلاح فى حزب جبهة التحرير، ونمط تحالفات مع قوى سياسية أخرى، تتيح له إعادة هيكلة الحياة السياسية، ولكن استقالته وتداعيات سيطرة الجيش على الحكم بالتعاون مع بعض التكنوقراط، ومحمد بوضياف أحد القادة التاريخيين للثورة الجزائرية كشفت عن عقم العقل السياسى السائد ومناهج فى العمل والحركة السياسية سائدة فى الحكم والجيش والإدارة.
(و) غياب تنسيق سياسى، وتكامل بين السلوك والأداء السياسى بين أركان الحكم الجزائرى ـ الرئيس ـ الوزارة ـ الجيش وظهور تنافس غير معلن بين تحالف غزالى ـ الجيش وبين الرئيس وبين محاور حزب جبهة التحرير الوطنى وهو الأمر الذى يشير إلى أن ضغوط هذا التحالف قد أزداد إلى درجة إجبار الرئيس بن جديد على تقديم استقالته فى اللحظة الأخيرة وكما أشار إلى ذلك أغلب المراقبين السياسيين للوضع الجزائرى، الأمر الذى أدى إلى تفاقم الأزمة السياسية والدستورية فى البلاد، وحدث الانقلاب الدستورى وتشكيل المجلس الأعلى للدولة الخ.
(ز) منع استخدام المساجد فى الدعاية السياسية والإسلامية.
(2) حزب جبهة التحرير الوطنى:ـ أستند هذا الحزب ـ كما أشرنا سلفا ـ إلى شرعية المقاومة الوطنية ضد فرنسا، وشهدت ساحته مجموعة من الصراعات، والتصفيات السياسية ـ مع الصراعات العديدة على السلطة، ولكنه لعب دورا سياسيا تعبويا فى عهد بومدين وفى دعم الخطاب السياسة الرسمى بتوجهاته الراديكالية، ونزعته الاشتراكية، وتسويغ رؤية بومدين حول دور بارز للجزائر فى إطار دول القارات الثلاث، وعالم عدم الانحياز وبوفاة بومدين، ودعم المؤسسة العسكرية لبن جديد، ظهرت التناقضات بين بقايا العناصر الراديكالية ـ بقيادة محمد شريف مساعديه ـ وبين بيروقراطية الحزب، ولم تستطع قيادة الحزب أن تدير عملية الانتقال إلى التعددية بكفاءة وخيال واقتدار فى إطار استشراف لطبيعة التحولات النوعية إقليميا ودوليا، والتى تتمثل فى انحسار المد الراديكالى ذى الطبيعة الاشتراكية والتعبوية، وظلت قيادة الجبهة تتبنى خطا سياسيا متشددا فى القضايا والإشكاليات الإقليمية، أو فى إطار عملية التحول الديموقراطى وإعادة هيكلة القطاع العام، وفتح المجال أمام القطاع الخاص المحلى لمزيد من الأدوار فى مجال الاستثمار، ووقفت عناصر من الجبهة ضد هذه الاتجاهات، وتمت تصفية العناصر ذات الوجوه الغربية كعبد العزيز بوتفليقة وزير الخارجية السابق وآخرين مع ضلوع عناصر عديدة من كوادرها فى دوائر الفساد الإدارى، والوظيفى،والسياسى ومن هنا لم تستطع الجبهة، أن تعيد هيكلة الحزب، وكوادره، فى إطار توجهات متوازنة تسمح له بالانتقال التدريجى فى الأداء السياسى، وفى الخطاب، واللغة يتفق وطبيعة التغيرات الإقليمية، والدولية، والداخلية، وتجعله ساحة للانتقال إلى النظام التعددى ـ بدءا من الحزب ذاته ـ أو من خلال تهيئة الأجواء السياسية لانتقال سلس، ومرن للتعددية الحزبية فضلا عن غياب رؤية لتجديد الحزب، ونظام أفكاره، وإعادة تأهيل كوادره تسمح له بالاستمرار فى المعترك السياسى لطرف فاعل وكفء ومع الانتقال إلى التعددية الحزبية، وصياغة دستور جديد فى أعقاب أحداث العنف التى جرت فى أكتوبر 1988، كانت الجبهة وترهلها.
ـ وبيروقراطيتها وفساد كوادرها، وارتباطها بالأجهزة القمعية للدولة، موضوعا للنقد العنيف من القوى السياسية البازغة فى الجزائر، والأخطر من ذلك تمثل فى الصراعات الضارية بين قيادات الجبهة، وكوادرها، ولعل أخطرها الصراعات الأجنحة المتعددة والمتناقضة وأبرزها الصراع بين جناح مولود حمروش، وعبد الحميد مهر، وبين جناح سيد أحمد غزالى رئيس الحكومة، والذى تحول إلى انتقادات علنية واضحة، وهو ما شكل عام مساعدا فى إضعافها وفى نفس الوقت، بادرت الجبهة فى ضوء بيئة سياسية تتسم باليأس السياسى لقيادات الجبهة، وقيل إجراء الانتخابات البرلمانية بالدعوة من خلال تصريحات الأمين العام لها ـ عبدالحميد مهرى ـ إلى تشكيل ائتلاف حكومى من أحزاب عديدة على أساس أن ذلك ما يتطلبه الوضع الجزائرى للخروج بالبلاد من المأزق السياسى ـ الاقتصادى الذى تعيشه ولاشك أن هذه التصريحات أشاعت ورسخت سيكولوجية اليأس داخل الحزب وكوادره وأعطت مساحة واسعة للهجوم السياسى للإنقاذ، وجبهة القوى الاشتراكية وبقية الاتجاهات السياسية الأخرى وثمة ملاحظة أخرى هامة فى هذا المجال وهى أن كوادر الجبهة الأخرى ساهمت ق أضعافها من خلال الهجوم عليها أثناء المعركة الانتخابية، بهدف تجنب أثار الإرث السياسى السلبى لها لدى جماعة الناخبين، ولتقوية هامش مناورة لهم مع قوى المعارضة السياسية، وكل ذلك ساهم فى تكريس الضعف السياسى لحزب جبهة التحرير ـ ناهيك عن أن تحالف التكنوقراط، والجيش، كان التنسيق يتم بينهما بعيدا عن الحزب السياسى المفترض أنه يتولى الحكم فى الجزائر ولم تستطع الجبهة أن تواجه هذا التحالف فى البرلمان قبل حلة، تمهيدا لأجراء الانتخابات النيابية وأثناء مناقشة التعديلات الخاصة بقوانين الانتخابات ظهر التناقض بين حكومة غزالى، والجبهة، وتحولت المناقشات البرلمانية إلى ساحة صراع علنى بين الجبهة والوزارة، وفى ذات الوقت استخدمت الوزارة، والحزب آلية التشريع فى صياغة التشريع الانتخابى بهدف تحجيم المعارضة الإسلامية ولكن التجربة أثبتت أن هذا التشريع كان أداة لهزيمتها السياسية الساحقة.
(3) الجيش الجزائرى كشفت تطورات الأحداث فى الجزائر، منذ الاستقلال، وحتى وصول بن جديد إلى الحكم، على أن مؤسسة الحكم الأساسى فى الجزائر، هى الجيش، ولكن هذا الدور كان مقيدا فى البداية ببيئة حرب التحرير والاستقلال والمزاج النفسى الجزائرى الحاد، الذى تمت بلورته واستيعابه فى إطار نظام للتعبئة السياسية، حول التنمية والاستقلال، والتحرر الوطنى، والدور الجزائرى الإقليمى، والعالم الثالث، وهى شعارات بدأت فى التآكل فى نهايات حكم القائد الجزائرى الوطنى هوارى بومدين وهو أمر يمثل إحدى سمات تحول الثروات الوطنية ضد الاستعمار الأجنبى إلى نظام للحكم، وسيطرة البيروقراطية الحزبية، والتكنوقراطى، على مقاليد السلطة الإدارية والحزبية، ويبدأ الفساد الإدارى، والسياسى فى التشعب، وتكوين مراكز للقوة عبر شبكاته الممتدة، وغالبا أن لم نقل مؤكدا ـ يتداخل مع فساد المؤسسة العسكرية، عبر صفقات السلاح، ومقاولات التوريد بالتموين والغذاء، والملابس، وكافة احتياجات الجيش وهذا التداخل يؤدى إلى محورية دور المؤسسة العسكرية، باعتبارها مركز قوة النظام، وشبكات المصالح السياسية ـ الاقتصادية وارتباط هذه الشبكة مع الصفوة الاستراتيجية للنظام ـ الرئيسى وأركان الحكم ـ تجعل التوازن السياسى، والقرار رهينا بتوازنات دقيقة بين دوائر النفوذ والمصالح، وهو ما يشل فى النهاية القدرة على المبادرة، أو على استشراف المتغيرات السياسية المحيطة بالنظام، وبيئة عمله الداخلية على وجه الخصوص ومنذ وصول بن جديد إلى سدة الحكم، كان ذلك تكريسا للدور البارز للمؤسسة العسكرية فى النظام الجزائرى، باعتبار أن دورها كان حاسما فى اختياره رئيسا للدولة، وظلت هى السند الرئيسى له حكمة ومن ثم كانت تمثل أحد ابرز القيود على حركته السياسية، لاسيما، وأنه كان يفتقر إلى الملكات السياسية التى تسمح له بإعادة رسم التوازنات السياسة فى النظام، بما يسمح بخلق هوامش مستقلة لحركته، بناء على بنائه لمراكز دعم جديدة، سواء فى الحركة السياسية، أو القوى الاجتماعية المختلفة حتى يستند النظام إلى ظهير اجتماعى يمده بالدعم، والتأييد، والمساندة السياسية والاجتماعية ولكن الجيش الجزائرى ظل ضالعا فى مؤسسة الحكم، ومفتقرا إلى رؤية سياسية تسمح له بتجاوز الرؤية المستندة إلى قوة الردع العسكرى كأداة أخيرة لحسم الأزمات السياسية ـ شأن كافة المؤسسات العسكرية فى الدول المتخلفة ـ ومن هنا جاء تحالف الجيش مع التكنوقراط ذوى الميول الغربية والفرنسية بقيادة غزالى، ودعمه حتى تسلم مقاليد الوزارة الجزائرية، مما أدى إلى خلق فجوات داخل أركان الحكم بين جبهة التحرير من ناحية والرئيس من ناحية ثانية، والجيش والوزارة من ناحية ثالثة هذه الفجوات وصراعاتها ـ ساهمت فى زعزعة هيبة ومصداقية الحكم وجعلته نهبا للانتقادات، والاحتقار السياسى سواء من الجبهة الإسلامية للاتقاد، أو القوى الديموقراطية، والعلمانية فى المجتمع، وبين الفئات الاجتماعية والعرقية فى البلاد، التى غالبا ما لعب الخطاب السياسى والإنتقادى العنيف دورا هاما فى إشباعها النفسى ـ السياسى ولم يستطع الجيش ـ وزير الدفاع ورئيس الأركان ووزيرا الداخلية ـ تقديم أية رؤية سياسية للخروج من الأزمة السياسية، والدستورية، سوى اللجوء فقط إلى سيناريو الانقلاب الأبيض ـ ويبدو أن قيادة الجيش أسرعت بإجبار الشاذلى بن جديد إلى الانقلاب انطلاقا من معرفة مواقع نفوذه لدى القيادات العسكرية، للفرق، من نشرة التغييرات السنوية حسبما أوضحت ذلك، بعض المصادر الغربية ولتطويق وصول الإنقاذ للحكم، وهو الأمر الذى يفتح المجال أمام إقصائهم عن مواقعهم، وتقديمهم لمحاكمات بتهمة الفساد المالى والوظيفى على نحو ما ألمح إلى ذلك بعض عناصر الإنقاذ فى تصريحاتهم المنتشية بالانتصار فى الجولة الأولى للانتخابات البرلمانية.
(4) الحكومة الجزائرية بقيادة غزالى:
جاءت حكومة غزالى تعبيرا كل تحالف بين الجيش، والتكنوقراطى ـ ورثة سوناطراك ـ بقيادة سيد أحمد غزالى، وذلك باعتبارها نقطة توازن بين الجيش، والرئيس، وحزب جبهة التحرير، ويبدو أن التحالف بين غزالى، والجيش ـ وزير الدفاع خالد نزار ورئيس الأركان ثم وزير الداخلية العربى بالخير كان يحاول خلق توازنات تسمح لهما بالانفراد بالحكم فى النهاية، ولكن التطورات السياسية أكدت أن هذا المشروع لا يقود سوى إلى فوز الإنقاذ، والمعارضة، وأضعاف مراكز القوة المتعددة فى الحكم، أو إلى الانقلاب العسكرى السافر الذى لا يجد أى غطاء دستورى، أو سياسى لتحركه ويمكن لنا رصد مكونات مشروع غزالى ـ الجيش استخلاصا من المتابعة الراصدة لوقائع ومتغيرات الحكم الجزائرى فيما يلى:
(أ) الهجوم على حزب جبهة التحرير، وقياداته، والتلويح الضمنى حينا والصريح حينا أخر بفسادهم ناهيك عن عجزهم السياسى.
(ب) محاولة خلق قوة ثالثة بين جبهة التحرير، وجبهة الإنقاذ تتكون من عناصر من الحزب الحاكم، وعناصر مستقلة، تمكن غزالى من إمكانية تشكيل حكومة ائتلافية، تكون مرحلة فى إعادة صياغة الخريطة السياسية، والبرلمانية قبل الانتخابات الرئاسية، تسمح بعد ذلك بإعادة التوازن إلى البرلمان، وتطويق جبهة الإنقاذ.
(ج) إعداد عدة قوانين للانتخابات، تساهم فى تعقيد العملية الانتخابية أمام جماعة الناخبين من مؤيدى الجبهة السلامية للإنقاذ من خلال منع تصويت الرجال بالوكالة عن زوجاتهم.
(د) القبض على قيادات جبهة الإنقاذ بعد أحداث يونيو 1991، لخلق فجوة بين قيادة الإنقاذ وجسم الجبهة، يؤدى إلى إختلالات، وفوضى داخلية، الأمر الذى يؤدى إلى ضعف أدائها السياسى، وفى نفس الوقت محاولة خلق صدع بين القيادات التالية لعباس مدنى وعلى بالحاج، من خلال مجموعة جديده تلعب فى إطار اعتدالى مع الدولة، الأمر الذى يسمح بعد ذلك بالتصفية السياسية والتنظيمية لمشروع الإنقاذ الأساسى ولكن هذا المشروع تم إحباطه سياسيا من خلال جبهة الإنقاذ، ولعل أبرز ما تم فى هذا الإطار، هو أن الحكومة، والرئيس، وجبهة التحرير وقعوا فى إطار سياسة رد الفعل، لقائمة الأعمال السياسية لجبهة الإنقاذ الأمر الذى أدى فى النهاية إلى فشل مشروع الجيش الأساسى مع حكومة غزالى ونجاح الإنقاذ الكبير فى الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية يعقبها جبهة القوى الاشتراكية بقيادة حسين آية أحمد أحد القادة التاريخيين للثورة الجزائرية.
(5) الجبهة الإسلامية للإنقاذ:ـ تتميز الجبهة الإسلامية للإنقاذ، بكونها تمثل أحد أبرز نماذج الإسلام السياسى الطرفى، وهذا النمط الذى ساد منذ نهاية السبعينيات فى السودان، وتونس، والجزائر، وهو نمط أنتشر انطلاقا من مرجعية تاريخية تتمثل فى حركة الأخوان المسلمين فى المركز (مصر) وتميزت العلاقة بين إسلام المركز والأطراف، بالضمور الفكرى، وتآكلها الذاتى على مستوى بنية الأفكار السياسية، والاجتماعية فى المركز، وبالحيوية، والتمدد فى الأطراف، فعل حين أن الكوادر القيادية فى المركز تتسم بالشيخوخة ـ العمرية والسياسية تتسم عناصر فى القيادة فى الأطراف، بالتكوين الثقافى المتميز فى مستوياته العليا، وبالتفاعل الخصب بين الجماعات والقيادات السياسية فى الأطراف، وتقل الخبرات التنظيمية، وصياغة الخطاب السياسى الإسلامى الجديد أن أبرز هذه الأمثلة تتمثل فى العلاقة بين حركة النهضة الإسلامية فى تونس ـ الاتجاه الإسلامى سابقا وبين الجبهة القومية الإسلامية فى السودان ـ وأبرز مؤشراتها الأولى تمكنت فى المحاضرات المشتركة التى كان يلقيها راشد الغنوشى فى ندوات اتحاد طلاب جامعة الخرطوم مع حسن الترابى ـ وأيضا العلاقة بين المجموعتين وبين جبهة الإنقاذ الإسلامية فى الجزائر ـ وفى نفس الوقت يلاحظ طبيعة التكوين العلمى والثقافى لهذا النمط من القيادات (عباس مدنى ثقافته ثلاثية المكونات انجلوفون وفرانكفون وعربية ودكتوراه فى التربية من إنجلترا وحسن الترابى دكتوراه فى القانون الدستورى عن الظروف الاستثنائية فى النظامين الفرنسى والإنجليزى ومعرفة بالشريعة الإسلامية على مستوى رفيع ـ راشد الغنوشى فرانكفون، وثقافة عربية إسلامية تلقاها فى دمشق)، ناهيك عن الأجيال الشابة من الجيل القيادى الثانى الذى يتميز بكونه أحد أبناء المدارس الحديثة (مثال عبد القادر حاشانى مهندس بترول) ، وتميز الإسلام الطرفى فى إنتاجه الأيديولوجى بخطاب مختلف وحديث، ونظام لغوى يختلف عن خطاب ولغة المركز التقليدية التى تجاوزها خطاب الإسلام السياسى الراديكالى (الجهاد مثل) ويمكن استثناء بعض الإنتاج الفكرى لعناصر فى الإنقاذ لأزال إطارها المرجعى، والأيديولوجى تقليديا وربط الإسلام الطرفى ببن البنية التنظيمية المتماسكة، وبين القطب الحديث، والمشروع الاجتماعى ـ الاقتصادى، وذلك نقلا عن التطوير الذى أدخله حسن الترابى على تجربة الأخوان التاريخية فى مصر وأتسم السلوك السياسى بالمرونة، والتشدد فى الحركة، والقدرة على المناورة السياسية، وهى أساليب قد تجد جذرها لدى حسن البنا، ولكن تعكس خبرات وثقافة، ومتابعة الأجيال المتعاقبة للحركة الإسلامية فى الأطراف انطلاقا من الإطار الجيوبولوتيكى، والأيديولوجى الذى تتحرك فيه الإنقاذ يمكن رصد حركتها السياسية فى سبيل الوصول إلى السلطة على النحو التالى:
(1) استفادة من بيئة نمو الغضب الاجتماعى، والسياسى فى المدن، والتى تتمثل مكوناتها فى البطالة ـ الشباب ـ والتضخم وأزمة الإسكان ـ وهو ما جعلها تملك زمام السيطرة شعبيا وسياسيا فى الجزائر العاصمة مثلا، وفى الأرياف، على نحو ما أشارت إليه المظاهرات، واتجاهات التصويت فى الجولة الأولى.
(2) الاستفادة من أن أجيال الشباب الجزائرى لم تعايش تجربة الاستقلال، ولم تر تضحيات الزعامات التاريخية ـ والمجاهدين ـ أمام الاستعمار الفرنسى، وفقدانها للثقة فى قيادات النظام من خلال فجوة المصداقية السياسية التى تكرست من خلال عجز النظام وأجهزته الأيديولوجية والقمعية ومن ثم ساهمت عملية تجنيدها، وإعدادها أيديولوجيا، وتعبئتها سياسيا ضد النظام الحكم فى المدارس والجامعات والأحياء، ومن خلال الانتشار داخل النظام التعليمى (لاحظ تجربة السودان فى هذا الصدد).
(3) استغلال، وتوظيف الخطاب الدينى الذى تسانده الدولة عبر وسائل الإعلام، والتعليم فى البناء عليه، وتطويعه نحو خطاب الجبهة الإسلامية للإنقاذ، انطلاقا من أن سيادة وشيوع البيئة والرموز والأسانيد الدينية للخطاب الحديث يؤدى إلى إضعافه وقوة الخطاب الدينى.
(4) استغلال المساجد فى التعبئة، والتنشئة الدينية العقيدية، وتجنيد الكوادر حيث استطاعت السيطرة على 8 آلاف مسجد من بين 10 آلاف مسجد فى الجزائر.
(5) الاهتمام بوجود كادر قيادى وسيط قادر على ملء الفراغ القيادى فى حالة اعتقال القيادات العليا.
(6) القدرة على تحريك الكوادر، فى إطار انضباط تنظيمى صارم، يشهد عليه أداء فريضة الجمعة فى مسجد السنة بحى باب الوادى فى العاصمة الجزائرية على سبيل المثال لا الحصر.
(7) كان أبرز تعبير عن نجاح الإنقاذ، هو انتصارها الساحق فى الانتخابات البلدية.
(8) إعداد قائمة ـ الأعمال السياسية للحركة بمهارة ودقة، ومحاولة فرضها على الدولة والحكم، والقوى السياسية الأخرى، لتكون الإنقاذ هى المبادرة بالقائمة، والفعل المواكب لها، وتكون القوى الأخرى، وعلى رأسها الحكم بمثابة رد الفعل لمبادرات الإنقاذ، وسلوكها السياسى وهو الأمر الذى يؤدى إلى إرباك الخصوم السياسيين، وعدم قدرتهم على بلورة رؤية سياسية مخططه قادرة على المبادرة وكان موقف الإنقاذ من الانتخابات، التشريعية يتسم بدرجة ومستوى من المناورة السياسية الرفيعة، فقد بدأت هجومها السياسى برفض الإلية الانتحابية لبناء الدولة الإسلامية، تحت شعار إلى الدولة الإسلامية فورا، والدولة الإسلامية فريضة ولا تحتاج إلى صندوق اقتراع، وبدأ توزيع الأدوار، وبعضه يمكن إرجاعه إلى المنافسات السياسية بين الجناح الراديكالى بقيادة بالحاج، ثم محمد سعيد وعبد القادر مغنى، والاتجاه الاعتدالى نسبيا وعلى رأسه مدنى، وعبد القادر حاشانى وهى عناصر ترى أن الإسلام السياسى الجزائرى يتميز بسمات وخصائص تختلف عن التجارب المصرية والسودانية والسعودية، والإيرانية، وهو تيار يصغه البعض بجرأة الحركة الإسلامية السياسية دلالة على الخصوصية فى الواقع الاجتماعى وقد ترتب على هذا الموقف اضطراب الجهاز السياسى الحاكم، فى ظل تعبئة سياسية من طراز فريد وبدأت المناورة، من خلال بروز اتجاه يرى إمكانية تحقيق الدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة الإسلامية عبر صناديق الاقتراع، والاحتكام لجماعات الناخبين وقد لعبت هذه المناورة دورا هاما فى التقاط الجيش ـ والتكنوقراط رسالة مراوغة تتمثل فى إمكانية اللجوء إلى سياسة للمواجهة تتضمن المكونات التالية:
(أ‌) التصدى بالقوة لمحاولات الخروج على ما يسمى بقيم النظام ـ الجمهورى ـ وهو تعبير يجد مرجعيته فى التجربة الفرنسية، وليس التجربة الجزائرية بخصوصيتها لتحجيم كوادر الإنقاذ.
(ب) ترك التناقضات ـ بعد اعتقال مدنى وبالحاج ـ تستفحل داخل الاتجاهين الرئيسيين فى الجبهة، ومحاولة ـ استمالة التيار المعتدل، ثم الحوار مع حركة حماس ـ بقيادة نحناح ـ وهى حركة اعتدالية بالمقارنة مع الإنقاذ ولم يستطيع غزالى أن ينجح فى تحقيق هدفه، وذلك لأن اعتقال مدنى عزز اتجاها عاما يرى أنهما ضحايا القمع السلطوى، وفى ذات الوقت أدى إلى توحيد الإنقاذ لمواقفها السياسية، وحركتها، تحت قيادة المكتب التنفيذى المؤقت الذى قاده باقتدار عبد القادر حاشانى ـ مهندس البترول الشاب الذى يبلغ الرابعة والثلاثين من عمره ـ قبل اعتقاله الذى وحد الحركة، وضبط إيقاعها فى مهارة، ومناورة عالية المستوى، فى حين أن ترى مدنى، وبالحاج، كان سيفتح المجال لإمكانية استغلال خطابهما السياسى الاعتدالى والراديكالى ـ فى إشاعة الاضطراب ـ والانقسامات بين قيادات الجماعة.
(ج) فتح المجال أمام حوار وطنى بين كافة الاتجاهات السياسية، بخصوص قانون الانتخابات، وذلك حتى يمكن وضع الجوانب والضوابط الإجرائية، وتقسيم الدوائر الانتخابية لتحجيم الوزن التمثيلى المحتمل للإنقاذ ولكن وقع فى هذا المجال أسيرا لأطروحات ومطالب الإنقاذ ـ وبقية القوى الأخرى ـ بضرورة تغيير القوانين الانتخابية ووضع ضمانات للعملية الانتخابية، وقد ارتدت هذه المناورة إلى عقب الحكومة والرئيس، بتحويلها لأداة ـ ومناسبة ـ للانتقادات الحادة للحكومة والنظام.
(9) طرحت الإنقاذ مطالبها بإمكانية الدخول إلى اللعبة الانتخابية، كآلية للوصول إلى الحكم، وتطبيق الدولة والشريعة الإسلامية، ولكن شريطة الإفراج عن قيادتها المعتقلة، وضرورة إجراء الانتخابات الرئاسية قبل الانتخابات البرلمانية، وهو الأمر الذى دفع بن جديد، وغزالى إلى ضرورة صباغة قانون انتخابى متوازن نسبيا فى إطار عدة ضمانات، ويبدوا أن بن جديد قبل إجراء انتخابات نظيفة فى إطار قانون انتخابى ـ متوازن وذلك لتجديد شرعيته، على أساس أنه أجرى انتخابات حرة فى إطار ضمانات للمرة الثانية بعد الانتخابات البلدية، وأنه أرسى نظام التعددية السياسية والحزبية فى الجزائر، ولكن تطور الأوضاع كشف عن أن هذا الموقف كان وراءه رغبة فى الاستمرار، والتعايش السياسى مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ فى حال فوزها فى الانتخابات البرلمانية، ولكن دونما رؤية سياسية رصينة قادرة على الإدارة السياسية للصراعات الداخلية.
(10) استمرت الإنقاذ فى مناوراتها، ومطالبتها، وتشكيكها فى نزاهة الحكم وفى ضمانات الانتخابات، وتركت موقفها غامضا أمام النظام فى حين أعدت كوادرها، واستراتيجيتها لخوض الانتخابات العامة، التى كشفت عن تنظيم دقيق، وإعداد جيد، تميز بإعداد دورات تدريبية للناخبين، خاصة الأميين للاقتراع لمرشحى الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وذلك بعد أن أعطت تعليماتها بحلق اللحمى، وتغيير نظام الزى، حتى يشفع انطباع خادع مؤداه تقلص شعبية الجبهة، وتراجعها تحت وطأة التدخل العسكرى فى يونيو 1991 ولابد هنا من الإشارة إلى أن عبد القادر حاشانى نجح فى ضبط جماعته فى المرحلة الأولى وقبل اعتقاله، وفى إعطاء الانطباع بالتراجع، والمهادنة سواء فى لفة الخطاب السياسى، أو فى نمط السلوك اليومى لكوادر الحركة، بينما كان العمل السياسى قائما على قدم وساق فى وسط الجبهة، وبين الجماهير، على نحو ما أظهرته نتائج الجولة الأولى وقد قام حاشانى بإدارة جيدة ومناورة بعد حصول الجبهة على 188 مقعدا فى الجولة الأولى، وأرسل رسائل فى جميع الاتجاهات إلى الغرب وفرنسا باحترام الاتفاقيات الدولية، والمواثيق العالمية فى حالة الوصول إلى الحكم عبر أغلبية برلمانية، وإشارة إلى الرئيس فحواها إمكانية التعايش السياسى والتراجع عن مطلب إجراء الانتخابات الرئاسية فورا، وإشارة إلى الجيش تتضمن احترام الجبهة لدوره الوطنى، وللتقاليد الجمهورية ووقع تحت وطأة الضغط، والإعتقالات، والاستفزاز السياسى بين الحكم والجيش وقوى المعارضة العلمانية والعرقية فى بعض الأخطاء السياسية، وفى تغيير لغة خطابه السياسى، مما سهل عملية القبض عليه لحرفة القانون حينما تم اعتقاله بعد ذلك.
(11) وقعت الجبهة أسيرة الاستفزاز السياسى للقوى العلمانية الأخرى ومطالبتها بإلغاء نتائج الجولة الأول ـ وخاصة القوى التى تستند إلى قاعدة أثنيه بربرية، وبعض عناصر الحركة النسوية ـ وبدأ الاضطراب والتناقض يسود قيادتها، فظهرت تصريحات ـ محمد سعيد ـ التى طالب فيها الجزائريين بالاستعداد لتغيير عاداتهم اليومية فى نظام المأكل والمشرب، والزى والعلاقات الاجتماعية، وأن من صوت للقوى الأخرى غير الإنقاذ يعد كافرا، وسيدخل النار، وتابعه فى هذا الخط عبد القادر مغنى الأمر الذى كشف عن بدء الصراعات الداخلية التى تحاول تطويق قيادة حاشانى المعتدلة ـ نسبيا ـ الأمر الذى دفع الأخير إلى الدخول فى دائرة المزايدة فى التطرف كما أشرنا سلفا ـ وذلك من خلال توصيفه للصراع فى الجزائر بأنه بين حزب الله، وحزب الشيطان وبالطبع ليست هذه الحماسة، واللغة العنيفة والحادة هى سبب الانقلاب، ولكن التحالف الانقلابى، استغلها ووظفها فى فرض الاستقالة على بن جديد، وفى نفس الوقت كانت وفودا فى عملية تهيئة الرأى العام، والغرب ـ فرنسا، والولايات المتحدة، وبعض القوى الإقليمية للتحرك العسكرى الانقلابى بصفة عامة اكتسبت جبهة الإنقاذ، ومعها الحركة الإسلامية الطرفية العربية خبرة واسعة من خلال تجربة الإنقاذ، بصرف النظر عن نتائجها الآتية.
(6) جبهة القوى الاشتراكية:
أسس حسين أية أحمد أحد القادة التاريخيين للثورة الجزائرية، هذه الجبهة بعد عودته من منفاه الباريسى، واستهدف تعبئة القوى العلمانية والاشتراكية تحت عباءة الجبهة، وعلى أن تكون ركيزتها وقاعدتها الجماهيرية بربرية، ويستقطب من حولها القوى الأخرى والهدف من ذلك هو سهولة تعبئة البربر تحت وطأة أن الإنقاذ، والقوى الأخرى، إذا ما وصلت إلى الحكم، سوف ترتكز على قاعدة عربية، وهذا قد يؤدى إلى الإجحاف بالحقوق البربرية، وفى ذات الوقت توظيف الخوف البربرى فى خلق ترابط بينه، وبين قاعدته الاثنية، واستخدام الخطاب العلمانى فى الدفاع عن حقوق البربر، ودورهم، وهو ما سوف يلقى اهتماما فى الأوساط الغربية فى إطار اهتمام الغرب بالأقليات الاثنية والقومية والدينية فى الدول العربية، وهو ما يترافق مع صدور خطاب حقوق الإنسان ليغدو خطابا عالميا، مع سقوط الكتلة السوفيتية وتفض الاتحاد السوفيتى، وبدء عملية تشكل النظام الدول الجديد بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وقد تمكن حسين أية احمد من توظيف تاريخه السياسى كأحد قادة حرب التحرير الوطنى ضد فرنسا، وخطابه العلمانى فى سحق القوى الأخرى التى تنازعه الخطاب والأساس الاثنى لقاعدته السياسية فى مناطق القبائل واستطاع جذب الحركة النسوية، والقوى الديمقراطية والعلمانية بعد الجولة الأولى التى حصل فيها على (26) مقعدا فى البرلمان محققا المكانة الثانية بعد الإنقاذ، وتلاه حزب جبهة التحرير الوطنى واستطاع حشد مظاهرة واسعة لتعبئة مناصريه ـ وصلت تقدير عددها ما بين 100 ألف متظاهر إلى 300 ألف متظاهر ـ واستطاع تغيير بعض تكتيكاته السياسية من بروز اللغة العربية فى الشعارات، واللغة، بديلا عن الفرنسية، والبربرية التى كانت تستخدم من قبل كإحدى آليات تعبئة كوادره، وقاعدته الاثنية ـ السياسية وعلى الرغم من نجاح حسين أية أحمد فى الجولة الأولى، إلا أن إمكانية أن يلعب دورا محوريا فى الحياة السياسية الجزائرية لازالت تحول دونه أمور عديدة، على رأسها أثنيه، وخطابه فى بيئة إسلامية الهوية تمثل مسألة محورية فيها فى ظل إشكالية النزاعات على الهوية الجزائرية، وفشله فى أن يشكل القوة الموازنة فى الخريطة السياسية الجزائرية، للجبهة الإسلامية للإنقاذ يمكن أن يلعب دورا فى أى ائتلاف سياسى مستقبلى.
ثالثا: الأزمة الدستورية:
تمثلت الأزمة الدستورية، فى غياب تصور سياسى لدى تحالف التكنوقراط، والجيش لما يمكن أن تسفر عنه الانتخابات من نجاح للإنقاذ، وعجز حزب جبهة التحرير عن تحقيق نسبة من المقاعد، تكفى لأن يشكل حكومة ائتلافية ـ مع قوى أخرى ـ تسمح باستمرارية النظام، ولكن الهزيمة القاسية، للحزب الحاكم، وإمكانية التعايش، ومخاطرها بين الإنقاذ، والرئيس، أدت إلى ممارسة الضغط على الشاذلى للاستقالة، وفى ذات الوقت خلقت الاستقالة، وضعا فريدا، حيث لا ينص الدستور الجزائرى الجديد على تنظيم لحالة فراغ فى المؤسسات الدستورية تتمثل فى حل البرلمان، واستقالة الرئيس، وإنما نظم فقط حاله حل البرلمان ووفاة الرئيس وهنا يتولى منصب الرئاسة المؤقتة رئيس المجلس الدستورى، ويدعو إلى انتخابات رئاسية خلال مدة 45 يوما ويبدو أن قادة التحالف الانقلابى ـ غزالى، الجنرال خالد نزار وزير الدفاع، ورئيس الأركان، والجنرال العربى بالخير وزير الداخلية رأوا أن تفسير النصوص الدستورية من خلال القياس على حالة وفاة الرئيس التى تتيح ـ فى ظل حل البرلمان ـ لرئيس المجلس الدستورى تولى رئاسة الجمهورية بالنيابة، لا تؤدى إلى تحقيق هدف عملية الانقلاب، وهو عدم وصول الإنقاذ إلى الفوز بالأغلبية، بل قد يتيح هذا الأجراء الفرصة لتحقيق هدف جبهة الإنقاذ، من المبادرة بترشيح إحدى الشخصيات السياسية الموالية أو القريبة من توجهاتها السياسية والأيديولوجية من هنا الاضطراب الذى حدث، والذى بحثت المجموعة المسيطرة على جهاز الدولة، عن غطاء دستورى للخروج منه، فتولى عبدالمالك بن حبليس رئيس المجلس الدستورى المنصب لمدة 24 ساعة، ثم يبدو أنه أثر هو والمجلس الدستورى الابتعاد عن المشكلة وعدم التصدى لها بالتفسير الدستورى، ومن ثم عهد المجلس الدستورى إلى ما اسماه ـ المؤسسات المخولة صلاحيات دستورية ـ وهو تعبير غامض ـ مهمة السهر على استمرارية الدولة وإيجاد الظروف الضرورية لعمل المؤسسات والنظام الدستورى فى شكل طبيعى ولم يكن أمام الجيش والوزارة سوى اللجوء إلى أطر مغايرة تتمثل فى دعوة مجلس الأمن الأعلى للانعقاد، وهو مجلس استشارى وليست له صلاحيات دستوريه وترتب على هذا الإجراء إنشاء ما يسمى بالمجلس الأعلى للرئاسة ـ وهو كيان غير منصوص طيه دستوريا ـ تولاه محمد بوضياف أحد القيادات التاريخية الخمسة للثورة الوطنية الجزائرية وقد ترتب على هذا الوضع عدة أمور: (1) أن هناك تصادما وتناقضا بين شرعية دستورية ممثلة فى نجاح الإنقاذ، وجبهة القوى الاشتراكية فى الانتخابات العامة، وهناك سلطة فعلية، بمؤسسات غير دستورية، أى تناقض بين شرعيه دستورية، وسلطة فعلية، ناهيك عن شرعية سياسية منتصرة عبر الاقتراع، وشرعية تاريخية هزمت من خلال العملية الانتخابية.
(2) ظهور تناقضات، ورفض من جناح عبد الحميد مهرى الأمين العام لجبهة التحرير، وبين السلطة الفعلية، وبدء حوار بين الجبهة، والإنقاذ وجبهة القوى الاشتراكية فى مواجهة الانقلاب على الدستور فى بداية عملية تشكيل المجلس الأعلى للدولة.
(3) أن سيد أحمد غزالى ـ المهندس السياسى للانقلاب الدستورى ـ لم يدخل ضمن مجلس الرئاسة، حتى يعد نفسه لأوضاع ما بعد الأزمة فى حالة استمرار الأوضاع، وإجراء انتخابات رئاسية فى ديسمبر 1993 .
(4) أن هناك مؤشرات على أن هناك حوارات أجريت ـ سرا ـ بين المحكومة الفرنسية، وبين كوادر من الإنقاذ فى طهران، بعد الجولة الأولى.
(5) أن الولايات المتحدة، وفرنسا ـ على الرغم من تناقضات وتذبذب مواقفهما إزاء الانقلاب ـ يبدو أنهما تؤيدان ما حدث، وأبرز المؤشرات على ذلك، هو تأييد المملكة العربية السعودية، ومن ثم دول الخليج للسيد/ محمد بوضياف رئيس المجلس الأعلى للرئاسة، ثم نشاط فرنسا فى إطار المجموعة الأوروبية لدعم الجزائر اقتصاديا، واستقبالها لوزير الخارجية الجزائرى، لمناقشة الأوضاع الداخلية السياسية، والاقتصادية والواقع أن تحليل مواقف القوى والأطراف الداخلية للأزمة بعد الانقلاب تشير إلى تفاقم مكوناتها، وذلك على نحو ما سوف نشير إليه فى الجزء الرابع من هذا التقرير التحليلى، والذى يتناول المسارات التى اتخذتها الأزمة الداخلية منذ استلام محمد بوضياف لرئاسة المجلس الأعلى وتداعيات الوضع الداخلى الذى أدى إلى صدور قرارات بإعلان الحالة الاستثنائية، والطوارئ، ثم حل جبهة الإنقاذ، والتحرك السياسى الإقليمى والدولى لطلب الدعم السياسى للنظام ومحاولة إيجاد حلول عاجلة للأزمة الاقتصادية، والسعى داخليا إلى إنشاء بعض المؤسسات السياسية الجديدة لملء الفراغ السياسى وهو الأمر الذى سوف نتناوله على النحو التالى:
رابعا بيئة، وصيرورة الأزمة السياسية والدستورية الممهدة للانقلاب العسكرى:
أولا: كشفت الدورة الأولى لانتخابات المجلس الوطنى الشعبى عن الثقل السياسى والاجتماعى للجبهة الإسلامية للإنقاذ، وأن كافة المؤشرات تشير إلى أنها يمكن أن تحصل على كتلة تصويتية كبيرة تمكنها من الحصول على أكثر من ثلثى مقاعد البرلمان، وذلك بالمقارنة بالقوى الأخرى كالجبهة الاشتراكية بقيادة حسين أية أحمد، وجبهة التحرير الوطنى، وخاصة بعد أن كشفت اتجاهات التصويت فى الدورة الأولى عن أن الانفجار فى البنية السياسية الذى كانت أبرز ملامحه هو العدد الكبير من الأحزاب السياسية وعدد المرشحين المستقلين 500 ألف مرشح مستقل كشف عن هشاشة البنية السياسية، وعدم ارتكازها على قاعدة اجتماعية راسخة، وأن هذه الأحزاب، والأشخاص يفتقرون إلى جذور حقيقية فى الهيكل الاجتماعى الجزائرى، بفئاته الاجتماعية المختلفة ولعل هذه النتيجة الحاسمة، كانت وراء تداعى، بل واستدعاء لمكونات الأزمة البنائية، فضلا عن الهواجس المستقبلية، ومواقع كافة الجماعات، والقوى فى بناء القوة الذى تتم إعادة صياغته من خلال الآليات الانتخابية، والبيروقراطية، وأن ثمة شرعيه قائمة على أساس اجتماعى ـ ثقافى، ومؤسسى من طراز جديد فى طريقها للتشكيل والتبلور، وهو الأمر الذى شكل ضغوطا عديدة على المؤسسة العسكرية ـ المدنية فى الجزائر، للمسارعة بالتحرك الانقلابى ولاشك فى أن موقف جبهة الإنقاذ من المؤسسة العسكرية، الذى صاغته فى برنامجها السياسى، بالإضافة إلى إدراكها لعمق الترابط بين النظام الجمهورى، والمؤسسة العسكرية، والتكنوقراط الذى تشكل، وترسخ على أسس سياسية فى النظام منذ عهد هوارى بومدين، سوف تجعل من الجيش ـ فى حال بقائه كما هو ـ أداة تهديد لجبهة الإنقاذ، فضلا عن مشروعها السياسى لبناء دولة إسلامية، وهو ما يعنى تفكيك، وإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية، وإجراء جراحات سياسية واسعة، ومفاد ذلك أن فى قيادات المؤسسة ستكون على قائمة الضحايا السياسيين فى حال وصول الإنقاذ إلى الحكم عبر حصولها على ثلثى المقاعد البرلمانية فى الدورة الثانية وقد تزايدت حدة المخاوف السياسية لدى قادة الجيش، من خلال الأنباء التى ترددت كثيرا، من أن رئيس الجمهورية انتوى عزل قادته ـ ـ وزير الدفاع والأركان، وبعض قادة الوحدات الأساسية ـ ، وأن ثمة حوارا يدور حول التعايش بين الرئيس، وبين الإنقاذ، وهو ما كان يرمى به، ويشير خطاب الإنقاذ السياسى قبل، وبعد الدورة الأولى ويبدو أن قادة المؤسسة العسكرية قد حزموا أمرهم بالاتفاق الكامل مع رئيس الوزراء سيد أحمد غزالى على ضرورة التحرك الفورى للسيطرة على لحكم، وإجبار الشاذلى بن جديد على الاستقالة وفى هذا الإطار تم توظيف مجمل الوقائع، والظواهر السياسية التى تمت على الساحة السياسية الداخلية، فى إظهار حالة الاضطراب وارتفاع معدلات عدم الاستقرار السياسى، وذلك أمام بعض قوى المعارضة السياسية التى تلهج بالخطاب العلمانى وأيضا تجاه دول المنطقة، وذلك على أساس أن وصول الإنقاذ إلى الحكم يعنى أن الحركة الإسلامية السياسية ذات التوجهات الراديكالية فى طريقها إلى الحكم فى هذه البلدان، وفى ذات المستوى رسالة إلى الدول الغربية ـ الأوروبية وخاصة فرنسا وإيطاليا وأسبانيا ثم الولايات المتحدة الأمريكية ـ أن وصول الإسلام السياسى الراديكالى إلى السلطة يعش عدم الاستقرار فى جنوب المتوسط، والشرق الأوسط، وتوظيف هذه الرسالة فى إطار سعى الغرب لوضع الإسلام السياسى ـ والإرهاب فى موضع العدو للغرب، وللنظام الدولى الجديد الذى يتشكل تحت قيادة الولايات المتحدة الأمريكية ويمكن لنا رصد الوقائع السياسية التى تم توظيفها فى هذا الإطار على النحو التالى:
1 - تزايد ضغط القوى المعارضة لإلغاء نتائج الدورة الأولى وعدم، إجراء الدورة الثانية، وفى هذا المجال برزت مطالبات حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية بقيادة سعيد سعدى، وهو حزب بربرى، لم يستطع الحصول على أى مقعد فى الدائرة الأولى وطالب بوضوح بحشد مؤيدى الديمقراطية لقواهم لوقف العملية الانتخابية بنفس الطريقة التى قامت بها ـ الإنقاذ ـ فى يونيو ـ 1991 ودعا أيضا جبهة القوى الاشتراكية، وجبهة التحرير لعدم الاشتراك فى الدورة الثانية (التى كان مقررا لها يوم ـ 1991/1/16) ثم تشكلت أيضا لجنة وطنية لإنقاذ الجزائر أسسها الاتحاد العام الجزائرى للشغل، وانضمت إليها ست منظمات، من بينها منظمات تمثل أصحاب العمل والمديرين فى الشركات الخاصة والحكومية، وإحدى جماعتين لحقوق الإنسان، وذلك بهدف إقامة جبهة لمواجهة جبهة الإنقاذ التى ترفض الطابع الجمهورى للدولة فى الجزائر وهى قوى ساهمت فى رفع حدة الصراع السياسى، ولكن دون فعالية حقيقية كما أثبتت الأحداث وفى ذات المستوى، كانت هناك مظاهرة حزب القوى الاشتراكية الفائز





الثانى فى الدورة الأولى ـ من عدد يتراوح بين 100 ألف إلى 300 ألف فى أكثر التقديرات ـ وذلك للتظاهر ضد القوى التوتاليتارية ورفض حتمية الجمهورية الإسلامية وأعقبتها المظاهرات النسوية ـ التى قامت بها الجمعيات النسوية المؤيدة لحقوق المرأة الجزائرية ـ ضد وصول الإنقاذ للحكم، وإقامة مشروعها السياسى للدولة الإسلامية ـ 2 ـ تقديم عدد كبير من الطعون الانتخابية ـ (بلغ أكثر من 341 طعنا فى نتائج 140 مقعدا، وقد انقسمت الطعون التى قدمت إلى المجلس الدستورى الأعلى 44 ولاية على النحو التالى:ـ ـ 1_ جبهة التحرير الوطنى 174 طعنا ـ 2_ الحركة من أجل الديمقراطية فى الجزائر 34 طعنا ـ 3_ جبهة القوى الاشتراكية 30 طعنا ـ 4_ المستقلون 22 طعنا ـ 5_ حزب العمل الاشتراكى 4 طعون ـ 6_ التجمع هن أجل الثقافة والديموقراطية 8 طعون ـ 7_ الحركة الجزائرية من أجل العدالة والتنمية (مجد) 5طعون ـ 8_ الجبهة الإسلامية للإنقاذ 17 طعنا ـ 9_ الحزب الاجتماعى الديمقراطى 4 طعون وبقية الطعون موزعة على أحزاب صغيرة، وبأعداد قليلة جدا ـ الحياة 5/1/1992 ص 5 ـ ) والمجلس الدستورى الأعلى دوره استشارى كما سبق أن أشرنا إلى ذلك ـ وإثارة مجموعة كبيرة من التكهنات حول الفصل فى صحة هذه الطعون، وأن بإمكان المجلس إلغاء الانتخابات فى دوائر عديدة، وانتهاء بإلغاء الدورة الأولى كلها وقد ترافق هذا الجو من التكهنات مع تصاعد دعوة إلغاء الانتخابات من قوى أخرى كحزب الطليعة الاشتراكية وهو الحزب الشيوعى الجزائرى القديم وارتبط ذلك بدعوات واضحة من بعض القوى التى أفشلت فى الدورة الأولى للجيش بالتدخل المباشر، وهو ما يثير مسألة ما إذا كان ذلك أمرا متفقا عليه، أم أنها تعبيرات سياسية صارخة للهزيمة، والخوف من سيطرة الإنقاذ على البرلمان، وإمكانية إحداث تغييرات هيكلية فى بنية النظام ومؤسساته حال تمكنها من ذلك مستقبلا ـ 3_ بروز تناقضات داخل جبهة الإنقاذ، وهو ما أظهرته انفلات موجه من التصريحات من بعض أركان القيادة المؤقتة كشفت عن النوايا السياسية المضمرة لدى الجبهة فى احدث تغييرات جذرية فى بنى الدولة، وفرض نظام للحياة مختلف عما درج عليه الجزائريين طيلة عقود عديدة وكانت حدة لغة هذا الخطاب عنصرا فى عملية تهيئة الأجواء السياسية ـ دوليا وإقليميا وداخليا ـ للتحرك من قبل الجيش وذلك على الرغم من استعادة عبد القادر حاشانى رئيس المجلس التنفيذى المؤقت للإنقاذ ـ لقدرته على ضبط أداء الحركة وذلك من خلال تصريحاته التى دعت إلى الهدوء وضبط النفس، حتى لا يسهل على السلطة الفعلية بعد الانقلاب اتخاذ السلوك العنيف والاتصالات السياسية لكوادر الإنقاذ ذريعة لإعلان حالة الطوارئ، وحل الجبهة، أو اعتقال قياداتها، وكوادرها النشطة، وامتداد حملة الإعتقالات لإعداد واسعة من الأعضاء ويبدو أن سلوك حاشانى قد جاء متأخرا، ولم يكن مستوعبا لمعنى دخول الجيش مباشرة إلى السلطة فى تحالف مع بعض التكنوقراط، وهو ما سوف نشير إليه تباعا فقد ترتب على عملية تصاعد اللهجة المتشددة فى الخطاب الإسلامى، واعتراض بعض الكوادر الصغرى على مظاهرات القوى العلمانية، وإثارة بعض الشغب إلى إعطاء ذريعة أخرى فى مجال تهيئة المناخ السياسى للتحرك العسكرى وذلك بصدور قرارات باعتقال 35 عضوا من الإنقاذ، وتقديمهم للمحاكمة بتهمة القيام بأعمال شغب وقدم عبد القادر حاشانى إلى المحاكمة مع بدء الحملة الانتخابية للدورة الثانية بتهمة الإساءة إلى سمعة وزارة الدفاع، وذلك بادعاء أنه نسب وقائع وهمية وخطيرة إلى القوات المسلحة وسلطاتها فيما يتصل بهجوم وقع فى شهر ديسمبر ـ تشرين الثانى ـ على موقع لقوات أمنية بالقرب من الحدود مع تونس (السفير 6/1/1992) ـ 4_ استغل الجيش ـ الحكم عملية قامت بها الحركة الإسلامية المسلحة فى مدينة قمار فى جنوب شرق الجزائر وقتلت ثلاثة جنود واستولت على أسلحة من الموقع، وردت قوات الجيش على ذلك بملاحقة المسلحين وقتلت 13 منهم مع بدء الحملة الانتخابية رسميا بوقت قليل، أى مع بدء الدورة الأولى وقد تم توظيف هذا الحادث سياسيا سواء فى النزاع بين الإنقاذ والحكم والجيش، أو استغلال الجيش له مع بدء الجولة الثانية، حيث ربط وزير الدفاع الجزائرى ـ الرجل القوى ـ الجنرال خالد نزار بين المسلحين وجبهة الإنقاذ وفى هذا الإطار يتعين الإشارة إلى واقعة ذات دلالة فى استغلال خطاب الجبهة الإسلامية للإنقاذ فى عملية تهيئة المناخ ـ إذا جاز التعبير ـ للتدخل المباشر من الجيش، وهو واقعة اتهام حاشانى من قبل بدعوته، وحثه للجنود على عدم إطاعة أوامر ضباطهم الذين لا يحترمون الإسلام وأمضى حاشانى شهرا فى السجن العام، وأفرج عنه بعد أن رفض قاض النظر فى التهمة وهذه الوقائع استغلت كأخطاء ارتكبتها الاتقاد فى إطار حركتها اليومية السياسية ـ 5 ـ بدء موجة من التصريحات تشير إلى نتائج عدم رضا الحكومة ورئيسها غزالى ـ ومن ثم الجيش ـ عن الدائرة الأولى، وذلك بقوله ـ الحياة 7/1/1992 ـ أن الانتخابات لم تكن حرة ونظيفة وأن حكومته كانت صادقة وجدية، ولكن الأطراف الأخرى المشاركة فى العملية الانتخابية لم تكن كذلك وأشار إلى التجاوزات فى عملية الاقتراع، ولاسيما شطب أسماء مواطنين يحملون بطاقات انتخابية من لوائح البلديات التى تسيطر عليها الجبهة الإسلامية ـ 65% من البلديات فى الجزائر ـ وعدم توزيع 900 ألف بطاقة انتخابية، وإلغاء مليون بطاقة، والضغوط النفسية التى مارستها الكوادر الإسلامية على الناخبين وأشار غزالى إلى أن الكلمة بعد الشعب أصبحت فى أيدى المجلس الدستورى الذى قدمت إليه الطعون فى 341 حالة تزوير ومخالفة تشمل 145 دائرة فاز فيها أحد الأطراف أو لم يحسم فيها الأمر لمصلحة أى طرف فى الجولة الأولى وأشار ـ فى وضوح لمسار الأحداث ـ بقوله أن نتائج الدورة الأولى هى صرخة من أعماق الشعب ليعبر عن إرادته بتغيير النظام جذريا لكن هذه الإرادة تجد نفسها فى فخ ومعرضة للانحراف وأن مستقبل الجزائر والوحدة الوطنية والديمقراطية التى جعلت إرادة التغيير ممكنة، مهددة بأخطار عديدة وحقيقية ووصف هذا الوضع بأنه مفارقة مؤلمة وأعرب عن اعتقاده بأنه من أجل ضمان العملية الديمقراطية يجب على الجزائريين الإقبال على أصواتهم فى الدورة الثانية ـ 6 ـ يبدو أن الرهان على نتائج الفصل فى الطعون، فى التبرير لإلغاء نتائج الدورة الأولى، أو على الأقل إحداث تغيير فى خريطة نتائج الانتخابات المحتملة بما يسمح بإجراء تحالفات جديدة، لم يكن رهانا يمكن أن تستند إليه السلطة السياسية فى الجزائر خاصة فى ظل النزاعات بين غزالى وبين قادة حزب جبهة التحرير الوطنى الحاكم، التى حملت رئيس الحكومة جزءا كبيرا من فشلها السياسى فى الانتخابات وقد ترتب على هذه البيئة السياسية غير المستقرة، والتى تفتقر إلى قواعد راسخة للعبة السياسية من قبل كافة الأطراف، إلى تفجير إشكاليات أكثر عمقا تمس هيكل النظام السياسى، ومؤسسات الحكم، وحدود النظام، وأطرافه، وأساليب عمله، وهو الذى جعل الأمر فى النهاية، وقبل بدء عملية الاقتراع فى الدورة الثانية إلى ممارسة الجيش، حكومة غزالى للورقة الأخيرة، وهى القوة للانقضاض على المجتمع السياسى ـ نقولها تجاوزا ـ وذلك من خلال الانقلاب الدستورى وهو ما كشف عن هذه العملية ذات الطابع الصفرى التى مورست، كانت فى جزء أساسى منها محسوبة، ولكن فى ذات الوقت كشفت عن أن انهيار القوى السياسية التى يستند إليها الحكم فى شرعيته ـ ولو شكليا ـ وهو جبهة التحرير الوطنى أوقع الجميع فى مأزق سياسى حقيقى، دفعهم دفعا للخيار الأخير وهو الانقلاب وتكشف ممارسات السلطة الفعلية، من دعوة المجلس الأعلى للأمن، ورفض رئيس المجلس الدستورى الاستشارى لإدارة شئون البلاد وتولى الرئاسة بالوكالة لغياب نص دستورى يسوغ ذلك، عن الاضطراب، وعدم التخطيط السياسى لدى الجيش ـ والحكومة فى حال اللجوء إلى خيار اللحظة الأخيرة، وهو القوة الانقلابية ثانيا:ـ خيارات السلطة الفعلية بعد السيطرة المباشرة على الحكم:ـ من خلال هيكل الوقائع، والمعلومات المتاح بعد العملية التى قام بها الجيش مع رئيس الوزراء سيد أحمد غزالى، يمكننا إعادة رسم خريطة خيارات السلطة الفعلية، بعد استيلائها على الحكم، وذلك على النحو التالى:ـ أ ـ سياسة اليد الحديدية تجاه الإنقاذ:ـ لجأت السلطة الفعلية ممثلة فى الجيش، وقوات الأمن إلى الأداة التقليدية فى حال اللجوء المباشر للقوة، وهو حملات الاعتقال لقادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ، ولكوادر، وسيطة بهدف خلق فجوة بين الكادر القيادى، والوسيط، وبين القاعدة الأمر الذى يؤدى إلى اضطراب، وشلل، أو إلى رعونة الفعل السياسى العنيف، أو العشوائى، الذى يمكن للسلطة الحاكمة من التصدى بالقوة الحديدية للجبهة، وتصفيتها، وتحطيم هياكلها وهو ما قامت به السلطة الفعلية، ولكن فى إطار مناورات الإنقاذ وانسحابها عن العمل العلنى، ويبدو أنها اختارت الأسلوب السرى، والانسحاب إلى الأطراف ثم الهجوم بعد ذلك، ولكن هذه مجرد توقعات لسلوكها وفى مجال سياسة اليد الحديدية تزايدت أرقام الكوادر التى تم اعتقالها ـ وبلغت حوالى تسعة آلاف معتقل ـ وعلى رأسها عبد القادر حاشانى الذى اتهم بتهمة تحريض الجيش على التمرد، ثم عناصر عديدة فى القيادة وقد حاولت الجبهة انتهاج تكتيك فى العمل مع الجيش والأمن من خلال الدفع بالفتيان والأطفال إلى المواقع الأمامية لضرب قوات الأمن بالحجارة، وإطلاق اسم انتفاضة الحجارة على ذلك ـ لاحظ وقارن ذلك مع انتفاضة الحجارة فى الأراضى المحتلة ضد إسرائيل بكل دلالات هذه التسمية على الصعيد الرمزى ـ وذلك بهدف إحراج السلطات، وفى حال التصدى لهم يثور أهالى الأطفال، وتحدث تعبئة ضدها، وفى نفس الوقت يساهم فى الإساءة إلى صورة الجيش والسلطات فى الغرب ولكن يبدو أن هذا التكتيك قد تم التراجع عنه من قبل الإنقاذ تحت وطأة الملاحقات الأمنية الأمر الذى، يدفع إلى الاعتقاد لا باحتمالات الانسحاب إلى الأطراف، وبدء العمل السرى وفى إطار سياسة اليد الحديدية، قامت السلطات الحاكمة بإغلاق مقار جبهة الإنقاذ ب ـ إعلان حالة الطوارئ:ـ ويبدو أن إعلان نظام الطوارئ، كشف عن المأزق الدستورى، والسياسى الذى واجه السلطة الفعلية فى الجزائر، بعد سيطرتها على الحكم، وفشل اللجوء إلى المجالس الاستشارية فى الدستور ـ كالمجلس الدستورى، والمجلس الأعلى للأمن ـ وأن تطبيق سياسة اليد الحديدية، يتطلب إطارا مرنا يسمح بالعمل خارج إطار الضوابط الدستورية والقانونية العادية، ومن ثم لم تجد ثمة مفرا سوى اللجوء إلى إعلان حالة الطوارئ، الذى يعطى للسلطات القائمة على الطوارئ صلاحيات استثنائية واسعة، ومرنة وذلك فى إطار خطاب سياسى لبوضياف ـ رئيس المجلس الأعلى للدولة ـ على أن حالة الطوارئ، والإجراءات التى يقوم بها الحكم لن تمس المسار الديمقراطى وحرية التعبير والحريات الفردية وذلك للتخفيف من خطورة الطوارئ، والحالة الاستثنائية التى تمنح رئيس الجمهورية سلطات وصلاحيات خطيرة منها تعطيل العمل بالدستور وحل الأحزاب السياسية وهو ما يؤكد على أن أحد أهداف إعلان الحالة الاستثنائية هو حل الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وهو ما تم فعلا وخاصة بعد الإعتقالات الواسعة التى تمت فى صفوفها، ولجوء القادة المحليين إلى المبادرات الفردية لعمل ما يراه كل منهم مناسبا مع الوضع السائد فى منطقته، كمساندة المناطق الثائرة عن طريق التحرك بكل الوسائل من الاضطرابات المفتوحة، والتظاهر، والعصيان المدنى (الحياة 10/2/1992) ، وهو أسلوب استخدم على نحو غير ملحوظ، ولم يحقق حتى لحظة كتابة التقرير أية نجاحات فى مواجهة الجيش والأمن الذى يبدو أنه مسيطر حتى الآن على مقاليد الأمور خاصة بعد حل الجبهة الإسلامية للإنقاذ رسميا، وذلك نظرا لمخالفات القانون المتكررة التى ارتكبتها الجمعية قررت السلطات العمومية أن تطبق ضدها إجراء التوقيف والحل المنصوص عليه فى المواد 33 و 34 و 36 من القانون الرقم 89 ـ 11 المؤرخ فى5 يوليو 1989 والخاص بالجمعيات ذات الطابع السياسى وقررت وزارة الداخلية فى قرارها أن هذا الإجراء يأتى بعدما أصبح جليا أن الجمعية ذات الطابع السياسى المذكورة تسعى بواسطة أعمال مخربة إلى تحقيق أهداف تهدد بشكل خطير النظام العمومى ومؤسسات الدولة ـ وقد منح إعلان حالة الطوارئ وزير الداخلية العربى بالخير وولاة الولايات الحق فى اتخاذ تدابير عديدة نرصدها على النحو التالى:ـ ـ 1 ـ تحديد أو منع مرور الأشخاص والسيارات فى أماكن معينة ـ 2 ـ تنظيم تداول وتوزيع المواد الغذائية والمنافع ذات، الضرورة الأولى ـ 3 ـ تعيين مناطق لإقامة منظمة لغير المقيمين ـ 4 ـ المنع من الإقامة، أو وضع تحت الإقامة الجبرية، كل شخص يتضح أن نشاطه مضر بالنظام العام أو بسير المصالح العمومية ـ 5 ـ مصادرة العمال للقيام بنشاطهم المهنى المعتاد فى حال إضراب غير مأذون، أو غير شرعى وتشمل هذه المصادرات المؤسسات العمومية أو الخاصة بغرض الحصول على تقديم الخدمات ذات المنفعة العامة ـ 6 ـ الأمر استثنائيا بالتفتيش نهارا وليلا ـ 7 ـ منح وزير الداخلية والولاة الحق فى إغلاق قاعات العروض الترفيهية والأماكن الاجتماعية مهما كانت طبيعتها ومنع كل تظاهره يحتمل فيها الإخلال بالنظام العام ـ 8 ـ منح الحكومة الحق فى تعليق أى نشاط اوحل أى مجالس محلية أو هيئات تنفيذية بلدية وفى هذه الحال تعين السلطة الوصية مندوبات تنفيذية على مستوى الجماعات الإقليمية المعنية إلى أن تجدد هذه الأخيرة من طريق الانتخاب ـ 9 ـ وفرض قرار إعلان حالة الطوارئ وزير الداخلية الحق فى الطلب من السلطات العسكرية قيادة استتباب الأمن على المستوى المحلى أو على مستوى الدوائر الإقليمية، وإحالة الجرائم ضد أمن الدولة، مهما كانت صفة المحرضين والفاعلين فيها إلى المحاكم العسكرية ـ (الحياة11/2/1992) ولاشك فى أن هذه الصلاحيات الواسعة ساهمت فى سرعة وفعالية التحرك الذى قام به الجيش ـ نسبيا ـ فى السيطرة على زمام الأوضاع فى الجزائر، وفى مواجهة مجموعة الطيب الأفغانى ـ الراديكالية ـ والتى تنسبها السلطات إلى جبهة الإنقاذ ج_ تشكيل حكومة جديدة لمواجهة الأزمة السياسية، والاقتصادية:ـ وفى 22/2/1992 تم تشكيل حكومة جزائرية جديدة بقيادة سيد أحمد غزالى واللواء خالد نزار وزيرا للدفاع، واللواء العربى بالخير وزيرا للداخلية، وهى الترويكا الحاكمة فعلا فى الجزائر واتسم التعديل الوزارى بتقليص اعدد الوزارات، ودمج بعضها، وإدخال شخصيات جديدة إلى الحكومة وذلك بهدف بث الدينامية، والفاطمية، والكفاءة فى آلة الحكم فضلا عن تعيين اثنين من الوزراء الستة الجدد ـ وهم من الشبان لكسر الهوة بين الأجيال فى الجزائر بين جيل المؤسسة الحاكمة الذى عاصر حرب الاستقلال وجيل الشباب من العناصر القريبة من الحركة الأصولية هما سعيد جيوشى، وسآسى العمورى وجيوشى عضو مؤسس فى الجبهة الإسلامية للإنقاذ وانشق عنها فى العام الماضى والعمورى وهو أمام مسجد له صلات بالجبهة (السفير24/2/1992) وتمثل صيغة التشكيل الوزارى ـ فى رأى المراقبين ـ صيغة وسطا بين المجلس الأعلى للرئاسة بقيادة محمد بوضياف، ورؤية غزالى التكنوقراطية لطبيعة التشكيلة الوزارية، فى إطار خطة الإنعاش الاقتصادى التى طرحها لتجاوز الأزمة الداخلية الاقتصادية ـ ـ الاجتماعية وهى صيغة كما نلاحظ يغلب عليها الطابع الفنى، وأقرب إلى صيغة، الائتلاف الوطنى، بين عناصر فنية، وعناصر سياسية منشقة على بعض الأحزاب القائمة، كما يستفاد من تعبين العضوين الأصوليين، وعضوين منشقين كل جبهة القوى الاشتراكية (الشرق الذى عين وزيرا للعمل وثابت هاشمى الذى عين وزيرا لشئون الاجتماعية) (الشرق الأوسط 24/2/1992) وقد آثار هذا التعديل ردود فعل متعددة، كان أبرزها لد فعل عبد الحميد مهرى الأمين العام لحزب جبهة التحرير الذى رأى أن التعديل الوزارى يجسد نوعا من ـ الانفتاح ـ على بعض الاتجاهات السياسية، ولكنه رأى أن هذا الانفتاح نحو معارضة المعارضة الأمر الذى يجعل بعضهم يصفه بأنه انفتاح مزيف فى حين اعتبرت جبهة القوى الاشتراكية بأن التعديل بمثابة مناورة، وبعيد عن تطلعات الشعب، فى حين لاحظ حزب الطليعة الاشتراكية ـ الحزب الشيوعى القديم ـ أن التغيير لم يجسد محتوى الخطاب السياسى الرسمى (الحياة ـ 25/2/ 1992) وفى هذا الإطار طرح غزالى مشروعه للإنعاش الاقتصادى الذى يبدو أنه مهمة الوزارة الجديدة، والذى يتضمن العمل على عدة محاور تتمثل فيما يلى:ـ ـ (1) إعادة تنشيط الاقتصاد الوطنى عموما ـ (2) الاهتمام بأزمة السكن الاجتماعية خصوصا ـ (3) إعطاء دفعة للزراعة، وخصوصا فى جنوب الجزائر ـ (4) إعادة النظر فى بنية الصناعة ـ (5) تطهير المؤسسات المالية بتخصيص 425 بليون دينار جزائرى ـ (6) التكفل بالمشاكل الاجتماعية للمواطن، ومنها توفير المواد الاستهلاكية ـ (7) الحد من البطالة وخصوصا فى أوساط الشباب ويبدو أن هذه الخطة تسير فى إطار اعتماد عدة قوانين اقتصادية تساعد على التحرك تدريجيا نحو اقتصاد السوق، ورفع القيود على الجزائريين ـ رجال المال والأعمال ـ ومنحهم فرصة المنافسة (الحياة ـ 26/2/1992) وقد ترافق، مع التشكيل الوزارى الجديد، وإعلان ملامح خطة الإنعاش الاقتصادى التحرك السياسى والديبلوماسى الخارجى، مع دول المجموعة الأوروبية وفرنسا تحديدا التى استقبلت وزير الخارجية، وهو ما يشير إلى الدعم السياسى الفرنسى والأوروبى، والغربى عموما للحكومة الجزائرية، فضلا عن التحرك الإقليمى تجاه دول الخليج بهدف الحصول على قروض ومعونات مالية لمواجهة الأزمة، وثمة أنباء عن هدف للحصول على مليارى دولار من السعودية، ودول الخليج البترولية فى هذا الإطار أو ما يزيد على هذا الرقم د_ المواجهة السياسية الداخلية ثمة مؤشرات تستفاد من صياغة الخطاب السياسى لبوضياف تحديدا ـ الذى تحفظ كثيرا على جبهة التحرير الوطنى من قبل، وبعد قبوله لمنصب رئيس مجلس الرئاسة الأعلى ـ على أن ثمة مسعى لإضعاف القوى الحزبية البارزة عل الساحة الجزائرية، وذلك بهدف خلق حالة من الضعف، والفراغ فى الساحة السياسية على حساب القوى المعارضة، وحزب جبهة التحرير يسمح بإمكانية تشكيل قوة جديدة تملا هذا الفراغ، وعلى أساسها يمكن العادة هيكلة خريطة الحياة السياسية، والنظام وفى إطاره يمكن تفكيك البنى الحزبية المعارضة، ويمكن النظام من جذب عناصر عديدة من هذه القوى السياسية إلى القوة الجديدة وذلك من خلال حزمة إجراءات موازية منها الضغط على أحزاب المعارضة، وتقييد فاعليتها وحيويتها السياسية خلال مرحلة الطوارئ، وأيضا السيطرة على البلديات، وحل البلديات التى تسيطر عليها الإنقاذ، وهو ما تم فعلا، وتشكيل مجلس من 24 عضوا لمراقبة حقوق الإنسان الذى حل مكان وزارة حقوق الإنسان، ويتضمن فى تشكيله 12 عضوا من الجمعيات المعنية بحقوق الإنسان (منها ست مؤسسات نسائية) ويعين رئيس المجلس الأعلى للدولة الربعة أعضاء إما رئيس المجلس الشعبى الوطنى الذى تم حله فى 4 يناير الماضى يفترض أن يعين أربعة أعضاء، ويضم مرصد حقوق الإنسان ممثلا للمجلس الأعلى للقضاء وعضوا من المجلس الدستورى، وعضوا من المجلس الإسلامى الأعلى، وعضوا من جمعية المحاربين ـ القدماء (صوت الكويت 10/3/1992) وفى إطار هذه الحزمة من الإجراءات والترتيبات السياسية، ثمة دعوة لتشكيل منظمة سياسية تضم ما يسمى بالقوى الوطنية الحية وهو الأمر الذى يتفق ودعوة محمد بوضياف إلى تشكيل تكتل وطنى تراعى فيه الثوابت الوطنية، والدفاع عنها (الشرق الأوسط ـ 24/2/1992) إن مجموعة الإجراءات السابقة منذ سيطرة الجيش على السلطة أدت إلى السيطرة الفعلية على زمام الأمور فى البلاد فى الفترة الماضية، ولكن إمكانية نجاحها فى المدى المتوسط، والبعيد أمر رهين بأمور ومتغيرات عديدة يمكننا رصدها فى القسم الخامس من التقرير خامسا:ـ الاحتمالات المختلفة لتطورات الأزمة:ـ المسار الأول:ـ ويتمثل فى نجاح الانقلاب فى التغلب على المعارضة الدينية وتحييد بعض القوى السياسية العلمانية المعارضة وإغراء عناصر منشقة عنها ـ وهو ما تم فى التشكيل الوزارى الأخير مع عناصر الأمن جبهة القوى الاشتراكية، وعناصر خرجت من الإنقاذ، ويمكن الاستمرار فى سياسة اليد الحديدية مع العناصر المتشددة والغواية للعناصر المنشقة، والمخالفة لقياداتها ويمكن اجتذاب بعض الأحزاب الهامشية تحت دعوى الحفاظ على قيم الجمهورية لتظل حية ومستمرة فى العمل ومساندة الحكم ريثما يشكل منظماته السياسية الجديدة ويمكن إغراء بعض قوى المعارضة البارزة كجبهة القوى الاشتراكية فى المستقبل، أو عمل انقلاب بلاط داخلى ضد قياداتها، وهذه احتمالات، وذلك عبر منح مكاسب ووعود سياسية، ويؤدى هذا الوضع إلى بعض الاستقرار النسبى، ويعتمد نجاح هذا السيناريو على مدى قدرة الجيش والسلطة الفعلية على الإدارة السياسية الناجحة للازمة، وإعادة هيكلة سياسية شاملة على مستوى النظام ومؤسساته، وفى إطار دعم غربى وعربى للسلطة الفعلية المسار الثانى:ـ المجابهة العنيفة بين الإنقاذ والجيش، والمؤسسات الجديدة للسلطة الفعلية، تأخذ عدة أشكال من الكفاح المدنى عبر المظاهرات فى الشوارع، والمناطق المختطفة، وأشكال العصيان المدنى والإضرابات عن العمل، ويترتب على ذلك رفع معدلات القمع العسكرى، وتدخل الجيش لحسم الوضع بالقوة وفى حال استمرار الكفاح المدنى لمدة معقولة، قد يؤدى ذلك إلى تفكك الجيش، وذلك على نحو ما حدث فى الحالة الإيرانية لأن طبيعة تركيب الجيوش فى العالم الثالث، تؤدى إلى عدم إمكانية الحفاظ على تماسكه وتجانسه فى، الأوقات العصيبة، وفى ظل حركة معينة ذات طابع دينى، وأيديولوجى وتعتبر المواجهة العنيفة نمطا من الاستشهاد فى ظل جيش يعتمد على التجنيد فى صفوفه، وليس على الاحتراف الكامل ولكن هذا السيناريو تتآكل بعض عناصره فى ظل ازدياد قبضة الجيش، وقوات الأمن، واحتجاب الإنقاذ عن العمل العلنى، وذلك بعد حلها، وأيضا تفكيك البلديات التى تسيطر على غالبيتها ولكنه لا يزال يحمل بعضا من قوته المسار الثالث:ـ تحول جبهة الإنقاذ إلى العمل السرى المنظم والانسحاب من مناطق الكثافة السكانية بالكادر المدرب إلى الأطراف، وفى ظل تحالف إسلامى واسع ثم ترافق ذلك مع عمليات اغتيال منظمة، وهجوم على مواقع الشرطة والجيش لكسر هيبة السلطة الفعلية، والتقدم من الأطراف وهذه المسارات المحتملة، قد تأخذ أشكالا تركيبية من بعضها البعض، فى تفاعلات الحركة السياسية فى الجزائر بين السلطة والقوى والمنظمات الحزبية والسياسية أياما كان الأمر فإن الأزمة ومكوناتها ومساراتها كشفت عن الإشكاليات الأساسية للنظام والمجتمع فى الجزائر، وسوف تحاول الإشارة إليها فى القسم السادس من التقرير سادسا:ـ الإشكالية السياسية للدولة والمجتمع فى الجزائر:ـ إن الساحة السياسية فى الجزائر كشفت عن عدة إشكاليات أساسية تعانى منها، وتشير إلى حدود أية معالجات للأزمة من قبل النظام أو القوى السياسية المعارضة، وسوف نشير إلى هذه الإشكاليات سريعا على النحو التالى:ـ أولا:ـ إشكاليه نظام القيم التعددى ـ الديموقراطى:ـ أصبحت المسألة الديموقراطية، وحقوق الإنسان ـ بأجيالها الثلاثة ـ أبرز بنود المطالبات المتعددة بالتغيير فى عالمنا الذى يموج بالدعوات المختلفة للتعديات، والتى أثمرت فى دول الكتلة السوفيتية التى انهارت، وتفكك النظم الشمولية، وسقوط ألقها التعبوى القديم، وفقدانها للجاذبية، والقدرة على الإلهام للدول الواقعة فى جنوب العالم وفى ظل عملية تشكل النظام الدولى الجديد تبدو هذه الدعوة الغطاء السياسى ـ الفكرى لعملية الضغوط التى تمارس من النظام الدولى على النظم السياسية فى الدول المتخلفة التى تبدى بعضا من المعارضة للنظام العالمى، وآلياته، أو تحاول أن تلبى بعض طموحاتها الإقليمية المناهضة للمصالح الأمريكية والغربية ولكن هذه الضغوط القادمة من قمة النظام، وما دونه إلى قاعدته فى الأقاليم الفرعية، تخفى وراءها مصالح متعارضة، ومتشابكة وتجد دعاوى التعددية أيا كانت مصادرها مقاومات فى البنايات الداخلية فى دول ومجتمعات جنوب العالم ولعل حالة الجزائر كاشفة عن هذا التناقض الإشكالى بين التوق العارم فى الحركة الاجتماعية، والسياسية للديمقراطية والتعددية كنظام حياة، وآليات للعمل المؤسسى، واليومى، وبين طبيعة التكوين الفكرى، والخبرات للفاعلين السياسيين، إذ أن هؤلاء يرفعون شعارات، وخطابات التعددية، والليبرالية، والاحتكام إلى صندوق الاقتراع، وفى ذات الوقت يقفون ضد هذه القيم الأساسية إذا ما أدت نتائج الاقتراع إلى ظهور الخصم السياسى ـ الثقافى ظافرا وفى ذات المستوى فإن بعض القوى اختارت الوصول إلى السلطة السياسية عبر آليات التعددية، والاقتراع الخ، وذلك لتنفيذ مشروع سياسى يناهض جذريا المشروع الليبرالى التعددى فى قيمه وآلياته وربما مؤسساته هذه التناقضات الإشكالية هى جوهر الأزمة الجزائرية فى تقديرنا ويترافق معها أن المؤسسات العسكرية المتداخلة فى الحياة المدنية والتى يسيطر قادتها على مقاليد الحكم، غير راغبين فى انتقال السلطة عبر الآلية الديموقراطية، ويتنازلوا عن الحكم لعناصر مدنية، ويغدو دور الجيش والأمن فى إطار الدستور فقط، ولا يتجاوز ذلك أن الإشكالية الجزائرية تكشف عن أن بعض الصفوات العسكرية فى الحكم تعتبر التعدديات المقيدة، أو السيولة الديموقراطية فى مجال التعبير السياسى، هى وسيلة لتخفيف حدة الضغوط السياسية المطالبة بنظام ديموقراطى وتعددى شامل، وليس مسارا نحو تعددية حزبية وسياسية شاملة، تؤدى إلى تنظيم عملية انتقال السلطة على نحو سلمى، ووفقا لقواعد محددة معروفة سلفا لأطراف اللعبة السياسية الداخلية وتثير الحالة الجزائرية أيضا شكلية الأطر الدستورية فى العالم المتخلف، وعدم انصياع الصفوات الحاكمة للأطر والبنايات الدستورية والقانونية التى وضعوها كجزء من هياكل الدولة ـ الحديثة ـ فى هذه البلدان، لأن سيادة الدستور، والقانون، واحترام قواعده هو أبرز مظاهر الديموقراطية والتعددية السياسية ثانيا:ـ إشكالية الإسلام السياسى والدولة والنظام الدولى:ـ كشفت الأزمة الجزائرية عن واحدة من أهم إشكاليات النظام الدولى الجديد الذى يتشكل الآن بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية ـ لعقد أو يزيد قليلا ريثما تستكمل الأقطاب الصاعدة مسارات صعودها إلى قمة النظام ـ إذ ترتب على نهاية الحرب الباردة ونظام القطبية الثنائية الذى ترتب على الحرب العالمية الثانية، وانهيار الكتلة السوفيتية، ونظام الأفكار الرسمى للماركسية قى غياب العدو القديم للنظام الدولى، والغرب تحديدا وهذه مسالة هامة، لأن صناعة العدو، تعنى سياسات لتعبئة الموارد والصياغة الرمزية، والأيديولوجية للأخر النقيض تفتح الباب أمام المبادرات، والابتكارات فى كافة المجالات لمواجهته، ويستحث العدو كافة الملكات فى هذه الدول للتصدى له وغياب العدو وانتشار الليبرالية، والتحرر الاقتصادى والسياسى أى الخصخصة الاقتصادية والسياسية، تعنى أن النموذج الغربى، يمكن وللمرة الأولى أن يفقد صفته ونعته باعتباره إبداعا غربيا ـ يستند إلى ميراث إنسانى طويل ـ وأداة لتحديد الغرب لذاته، وللآخرين ومؤدى ذلك فوضى فكرية من نمط فريد، تواجه الغرب الظافر بقيادة الولايات المتحدة ومن ثم لابد من صناعة عدو جديد، وتدل كافة المؤشرات على أن هذا العدو الجديد، يتمثل فى عدو مركب من قائمة أعداء أو تهديدات للغرب، بعضها يمس نموذجه الثقافى والقيمى، والسياسى، والآخر يمثل علاقته الفلسفية بالطبيعة ـ البيئة والصحة ـ هل هى موضوع للاستغلال والسيطرة أم أن التجربة كشفت عن أن الطبيعة هى موضوع تكيف فى علاقتها بالإنسان، الغربى فى حالتها وعلى قمة هيكل الأعداء الجدد للغرب، ونظامه الدولى، يأتى الإسلام السياسى الراديكالى، باعتباره نقيضا للغرب، ومشروعه الذى بدأ يفقد خصوصيته الغربية، وأيضا باعتباره مصدر الإرهاب فى نظرهم من هنا تكمن إشكالية الموقف الأوروبى والأمريكى إزاء حركات الإسلام السياسى فى العالم العربى، وفى الجزائر تحديدا فالخطاب الغربى يطالب بالتعددية، والديموقراطية، وصندوق الاقتراع كآلية لتداول السلطة السياسية ولكن وصول الإنقاذ إلى مشارف الأغلبية البرلمانية الساحقة، أثار على الفور مسألة مدى مصداقية خطاب التعددية، والليبرالية السياسية الذى يطرحه الغرب الأمريكى والأوروبى ومن هنا هذا التردد، والحذر فى التصريحات الرسمية والهجوم الشرس من الأحزاب والقادة والإعلام الفرنسى والأوروبى على نتائج الانتخابات، وانقلاب الجيش فى الجزائر هذه التناقضات والتضارب فى المواقف كشفت عن أية مصداقية الخطاب الغربى الليبرالى إزاء الأوضاع فى الدول العربية إن الحالة الجزائرية تمثل ذروة تجليات المحنة التى يواجهها عالمنا الجنوبى، والشمولى بتعقيد إنها المختلفة، والتى يبدو إنها ستستغرق أمدا طويلا للوصول إلى مداخل للتعامل معها بحثا عن مسارات إنسانية جديدة؟ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ الهوامش:ـ ـ (*) يمثل هذا التقرير التحليلى لوقائع الأزمة الجزائرية، وتطوراتها جزءا من دراسة أكبر يقوم الباحث بإعدادها للنشر قريبا