Share |
يناير 1993
1
ترسيم الحدود العراقية - الكويتية بعد أزمة الخليج الثانية
المصدر: السياسة الدولية

يحاول هذا التقرير الإجابة على سؤال أساسى هو: هل انتهت المشكلة الحدودية بين العراق والكويت بصدور تقرير وخرائط لجنة ترسم الحدود بين البلدين، التى تشكلت بموجب قرار مجلس الأمن رقم 687 الصادر فى 2 إبريل (نيسان) 1991 وقد حاز عمل اللجنة ونتائجه على موافقة مجلس الأمن الدولى فى 27 أغسطس الماضى، بأغلبية 14 عضوا وامتناع عضو واحد هو دولة الإكوادور عن التصويت وللإجابة على هذا السؤال ينبغى تناول ثلاث نقاط هامة هى:
1 ـ الأساس الذى اعتمدت عليه اللجنة لرسم خط الحدود الجديد بين العراق والكويت.
2 ـ رد الفعل العراقى على تقرير اللجنة.
3 ـ رد الفعل الكويتى على تقرير اللجنة.
أ ـ الأساس الذى اعتمدت عليه اللجنة لرسم خط الحدود الكويتى ـ العراقى:
ينبغى الإشارة أولا إلى أن مشكلة الحدود العراقية الكويتية تتقاطع فيها مصدرين من مصادر التعقيدات الحدودية فى الوطن العربى الأول هو المصدر البيئى الجغرافى الناتج عن أن أغلب الأراضى العربية صحراوية بصعب تحديد الحدود على ظهرها، وهذا هو الحال بين الحدود الكويتية ـ العراقية أما المصدر الثانى فهو اقتصادى حيث تزخر الأراضى العربية فى جوفها بالثروات النفطية الكبرى وكانت شركات النفط الأجنبية طوال هذا القرن أكثر إلحاحا فى تثبيت الحدود من السلطات المحلية لأنها كانت تسعى فى الواقع إلى الدفاع عن امتيازات التنقيب المعطاة لها وقد لعب لهذا العنصر دورا محوريا فى النزاعات المفتوحة أو المضمرة أو المغطى عليها فى منطقة الخليج والجزيرة العربية حيث تتركز كميات من النفط والغاز تتجاوز ثلثى الاحتياطى العالمى وكان النزاع الحدودى بين العراق والكويت الذى تفجر ثلاث مرات بين عامى 1961 وحتى 1990 فى مقدمة هذه النزاعات يضاف إلى ذلك حقيقتين جغرافيتين أساسيتين عززت مطالبات الأنظمة العراقية المتتالية بالكويت أو أجزاء منها منذ أواخر الثلاثينات وحتى الآن الأولى هى ساحل العراق الضئيل على الخليج، وشعور العراق المتطاول فى القدم بالظلم من جراء بعده عن الجسم المائى، ومن هنا فإن هناك من يقول بأنه على المديين المتوسط والطويل ما لم يجر تسكين هذا الشعور السلبى لدى العراق مع موقعه غير المواتى على طرق الخليج فإن ثمة خطرا واضحا من تكرار المطالبات العراقية بأراضى كويتية والأمر الملفت للنظر الذى أظهره العراق فى مطالبته بأراضى كويتية على مدى عقود ماضية من السنين وخلال عهود الملكية والحكم الجهورى على السواء يشير إلى أن مطالب العراق من الحدود على طرف الخليج قد تستمر حتى بعد ذهاب النظام العراقى الحالىأما الحقيقة الجغرافية الثانية فهى أن الحدود العراقية الكويتية كانت تاريخيا مبهمة ومجلبة للمتاعب، فقد رسم الخط الفاصل فى 4 مواقع مختلفة من منطقة الحدود فى ضوء كل ذلك يمكن تناول الترسيم الأخير للحدود الذى قامت به اللجنة التى التى تشكلت وفقا لقرار مجلس الأمن رقم 678 وينص قرار تشكيلها على أن ـ تنهى فريق الترسيم الحدود الشرعية القائمة كما تحددت أصلا عامى، 1921 و1932، وأن يتجاهل أى خطوط حدود وقتية واقعية ـ وقد ضمت بعثة الأمم المتحدة مندوبا عن كل من الفريقين المتنازعين رسامى خرائط محايدين (أحدهما سويدى مولود فى إنجلترا، والثانى من نيوزلندا) ومحاميا دوليا (وزير خارجية إندونيسى سابق) فى منصب الرئيس وأعطيت البعثة صلاحية اتخاذ القرارات بالأغلبية وتبعا لذلك أصبح بإمكان اللجنة التوصل إلى خط ترسيم الحدود بغض النظر عن أى اعتراض قد يكون موجود لدى المندوب العراقى يضاف إلى ذلك أن قرار مجلس الأمن السابق الإشارة إليه تبنى الحدود الشرعية (de Jure) لتسوية الأزمة الحدودية بين الكويت والعراق بدلا من الحدود الواقعية (de facto) وعلى ذلك ينبغى التفريق بين عمل اللجنة والقرارات المنظمة لها ومن هنا فإن الانتقادات التى توجه إلى خط ترسيم الحدود يجب أن توجه إلى قرارات الأمم المتحدة التى نظمت عمل اللجنة التى استندت كما سبقت الإشارة ـ إلى الحدود الشرعية القائمة كما تحددت أصلا عامى 1923 و1932 وهنا ينبغى الإشارة إلى أن تحديد الحدود العراقية ـ الكويتية الذى نصت عليه الرسائل المتبادلة عام 1932 كانت حدودا غامضة وتشمل من دون تعديلات الجزء الشمالى من ـ الخط الأخضر ـ لبرتوكول 1913 الإنجليزى العثمانى الذى لم يصدق عليه ولم يعمل به، ولم تشر الحدود بالتحديد إلى هذا الحل بأكثر من قولها ـ على طول الباطن ـ وعند جنوب صفوان ولسنوات طويلة لم يعرف أحد بالضبط أين تجرى الحدود على الأرض وهذا الجهل والغموض المادى هو الذى يتحمل المسئولية عن اندلاع عدد من حوادث الحدود بين البلدين ولحوالى عقدين تقريبا من السنين كان كل ما يشير إلى الحدود لوح خشبى أقامته السلطات البريطانية عند مسافة معينة جنوب أقصى شجرة بلح جنوبية فى صفوان ولا يزال السبب الذى حدا بالمقيم السياسى البريطانى فى الكويت جون مور لاختيار هذه البقعة عام 1923 وعلى أية مقاييس استند، قضية بالغة الأهمية بقيت حتى مارس 1992 تؤخر الإعلان من تحقيقات فريق الحدود التابع للأمم المتحدة وعندما أزيل اللوح الذى وضعه ـ مور ـ عند بداية الحرب العالمية الثانية وقام العراقيون بزراعة أشجار بلح جديدة جنوب صفوان أصبح من غير الممكن التعرف من جديد على إشارة الحدود، وهو موقف ما يزال قائما حتى الآن وفى عام 1951 عندما قرر البريطانيون بصورة اعتباطية نوعا ما، أن نقطة الحدود الواقعة جنوب صفوان تقع على بعد ألف متر جنوب مركز الجمارك العراقى وبذلك جرى التخلى عن محاولات تثبيت بقعة بالاستدلال بالمعالم الطبيعية وكان هذا التحديد بمثابة تفسير بريطانى للرسائل المتبادلة بين الجانبين الكويتى والعراقى عام 1932 وقد قدم هذا التفسير البريطانى عام 1951 ـ الذى وافق عليه حكام الكويت إلى العراق ليكون أساسا لترسيم الحدود إلا أنه قوبل بالرفض على الرغم من أنه كانت هناك إشارات واضحة خلال منتصف الخمسينات بأن العراق قد يوافق على ترسيم الحدود على هذا الأساس إذا وافقت الكويت على تأجيره جزيرة ـ وربة ـ ومع ذلك فإن الاقتراح البريطانى لترسيم الحدود لعام 1951 هو الخط الذى يظهر على معظم الخرائط المعروفة الآن والمنطقة منزوعة السلاح القائمة حاليا على الحدود العراقية ـ الكويتية التابعة للأمم المتحدة تحددت أصلا فى إبريل (نيسان) 1991 بالاستناد إلى هذا التفسير البريطانى وإن لم يكن فى صورة حرفية ووضعت الحكومة العراقية ذلك، وأيضا وصفت استخدام الأمم المتحدة لخرائط أمدتها بها الحكومة البريطانية عام 1991 بأنه ـ خدعة جائزة وأحادية الجانب ضد إرادة العراق قررت سلفا تخطيط الحدود فقرار الأمم المتحدة رقم 687 لم يذكر التفسير البريطانى لعام 1951 بل اكتفى بالإشارة إلى عدم قابلية الحدود المذكورة فى المحاضر المتفق عليها 1963 للفرق وهو التحديد الوارد فى الوسائل الدبلوماسية المتبادلة عام 1932 والمصاغ بتغيرات غامضة وقد كانت المفاجأة فى إعلان فريق الترسيم الدولى تخطيطا مفصلا للحدود العراقية ـ الكويتية يختلف بصوره جوهرية عن الاقتراح البريطانى لعام 1951 فتلتقى بموجبه ـ خور الزبير ـ جنوب ميناء أم القصر العراقى وكانت هذه القضية مسار جدل شديد خلال الحرب العالمية الثانية دار أكثره بين الوزارات المتنافسة داخل الحكومة البريطانية أكثر مما دار بين العراق والكويت نفسيهما ـ فتفسير 1951 حدد خطا مستقيما من جنوب صفوان إلى ملتقى المثلث لخور الزبير وخور الصبية وخور شتانا إلا أنه أنحرف فى صوره أبقت للعراق المنفذ المائى السابق كله ولكن التخطيط الجديد للحدود جاء على طول الخط المستقيم من دون انحراف فجعل بذلك جزءا من المجرى الأسفل لخور الزبير داخل أراض الكويتوقد نتج الارتباك الأخير فى عملية ترسيم الحدود عن وقائع جرت خلال الثلاثين عاما الأخيرة التى تلت تسوية أزمة الكويت عام 1960 فقد مد العراق نفوذه إلى خط جامعة الدول العربية، وهو خط يسير بموازاة الحدود الدولية الوهمية وفقا للتفسير البريطانى لعام 1951 ويقع إلى جنوبه والمسافة بين الخطين فى أقرب نقطة تصل إلى 350 مترا وفى أبعد نقطة حوالى كيلو مترين وخط جامعة الدول العربية هو أصلا الخط الذى رسمته القوات البريطانية للدفاع عن الكويت خلال أزمة 1961 وقد استخدمته فيما بعد قوة جامعة الدول العربية التى تولت مسئولية الدفاع عن الكويت عقب رحيل البريطانيين فى وقت لاحق من نفس العام، وبقيت هناك حتى حدث تغيير فى نظام بغداد فى أوائل عام 1963، وعقب رحيل القوات العربية مد العراق سيطرته الفعلية إلى جنوب خط الجامعة وخلال الستينات والسبعينات كانت آبار البترول تحفر من جانب العراق فوق هذا الخط الحدودى الواقعى مباشرة (عند الطرف الجنوبى لحقل الرميلة) فى حين توسع ميناء أم القصر الحديث عبر الحدود الوهمية إلى خط جامعة الدول العربية نفسه واستمر التمدد العمرانى يتسع جنوبا فى أواخر السبعينات وتجاهلت الكويت تماما هذه التطورات وكان قرار الأمم المتحدة بالاعتماد على المحاضر المتفق عليها عام 1963 كقاعدة للتسوية النهائية للحدود العراقية الكويتية أمرا متوقعا إلا أنه لم يخل من مشاكل ففى توقيع العراق على المحاضر المتفق عليها، اعترف للمرة الأولى منذ اكتسابه عضوية عصبة الأمم كدولة مستقلة فى أكتوبر (تشرين الأول) 1932 باستقلال الكويت وبوجود حدود دولية معها، وهنا تكمن أهمية هذه المحاضر إلا أن نص الاتفاق لم يكن مفصلا تماما عن الحديث عن الحدود، فقد اعترف العراق بحدوده مع الكويت كما حددتها الرسائل المتبادلة عام 1932، ولم تكن ثمة توصيات مفصلة ولا خرائط وكان واضحا غياب النصوص الخاصة بالتحديد 1932 النهائى وترسيم هذا الحد ويمكن الافتراض أن الحدود لم تدرس بتفصيل دقيق فى الفترة السابقة على المحاضر المتفق عليها أو أن العراق الذى كان مستعدا لأن يعيد تأكيد التحديد المطاط لأراضيه عام 1932، لم يكن مستعدا لترسيم هذه الحدود حتى يحصل على تنازلات فى شأن الجزيرتين وهنا يجب التذكير بأن المطالب العراقية بأراض كويتية منذ عام 1938 كانت على مستويين متناقضين الأول مطالبة العراق بكل الكويت وهى مطالبة رفعت بدرجات متفاوتة ولأغراض مختلفة أيضا من جانب دعاة متباعدين بدءا بالملك غازى وتوفيق السويدى (1938) ومرورا بنورى السعيد (1958) وعبدالكريم قاسم (1961) وانتهاء بصدام حسين (1990) وأساس هذه المطالبة تاريخى يقوم على أن الكويت كانت جزءا من محافظة البصرة خلال الحكم العثمانى فى بداية القرن الحالى أما المستوى الثانى فهو سعى العراق إلى تغيير حدوده الحالية وفق ما عرفتها المراسلات الدبلوماسية عامى 1923 و1932 وأكدته المحاضر المتفق عليها عام 1963 والتى تحسن مطل العراق المحدود على مياه الخليج وقد طلب العراق التخلى له أو تأجيره جزيرتى وربه وبوبيان الكويتيتين المهمتين استراتيجيا، واللتين تحدان بموقعهما فى شمال غربى الخليج من مقدرة العراق عل الوصول إلى خور الزبير الذى يقوم عليه ميناء الشحن العراقى الثانى أم القصير، كما سعى العراق إلى امتلاك مساحة صغيرة من الأراضى جنوب ـ أم القصير ـ يمكن أن تستخدم لتوسيع الميناء الجديد، وعلى الرغم من توقيع اتفاق عام 1963 الذى يعترف بالحدود مع الكويت كما هى، ظل العراق ثابتا فى مطالبته بإنصافه فى قضية الجزيرتين قبل الموافقة على ترسيم الحدود تلبية لطلب الكويت الدائم ونتيجة لرفض الكويت التقليدى لبحث موضوع التخلى عن وربة أو تأجيرها قبل أن يجرى ترسيم الحدود البرية فقد صعب التوصل إلى حل لمشكلة الحدود حتى كان الغزو العراقى عام 1990 وبقبول العراق شروط الأمم المتحدة لتسوية أزمة الكويت) قرار مجلس الأمن رقم ـ 687 بتاريخ 3 إبريل (نيسان) 1991 (التزم مرغما بمبدأ احترام عدم قابلية خرق الحدود المشار إليها فى المحاضر المتفق عليها بشأن إعادة العلاقات الودية الاعتراف والقضايا المتصلة بذلك التى وقعها العراق والكويت فى 4 أكتوبر تشرين الأول 1963 واتفق العراق والكويت على قبول النصح والمساعدة من الأمين العام للأمم المتحدة فى ترسيم الحدود بينهما وفقا للمحاضر المتفق عليها عام 1963 وعليه ففى 2 مايو (آيار) 1991 وتمشيا مع التوجيهات التى أصدرها مجلس الأمن الدولى إلى الأمين العام السابق ـ خافير بيريز دى كويار ـ للعودة إلى المجلس بمقترحات فى شأن الترسيم النهائى للحدود العراقية ـ الكويتية أعلن دى كويار تشكيل لجنة ترسيم الحدود التى حددت مهمتها بترسيم الحدود الدولية التى ثبتتها المحاضر المتفق عليها فى أكتوبر 1963 وقد أنهت اللجنة أعمالها فى إبريل 1992 حيث أصدرت تقريرا وافق عليه مجلس الأمن فى 27 أغسطس 1993، وأصبح بذلك ملزما لكل من الكويت والعراق وهذا التقرير يدفع بخط الحدود بين البلدين مسافة 600 متر على طول 200 كيلو متر شمال الخط الواقعى السابق وبناء على ذلك تحصل الكويت على ما يعادل 120 كيلو مترا مربعا تشمل أجزاء من مدينة أم قصر الحدودية وحوالى 5 آبار نفط من حقل الرميلة وقد تم للجنة الدولية ترسيم الحدود بعد حصولها على كل المراسلات والوثائق التى يعود تاريخها إلى عام 1912، كما استخدمت صورا جوية يعود تاريخها إلى عام 1940 تبين حركة الجمارك القديمة فى صفوان كما اعتمدت اللجنة على المسح الذى تم للمنطقة فى عام ـ 1942 بناء على تكليف من وزارة الهند البريطانية وهو المسح الذى يحدد خطى الطول والعرض لنقطة الجمارك، وأيضا على المراسلات التى تمت بشأن شجرة النخل التى كانت تعد بمثابة علامة للحدود وقد تأكد للجنة ـ وفقا لقول أحد أعضاءها ـ أن خط الحدود يقع على مسافة ميل جنوب مركز الجمارك، أو على مسافة ألف خطوة جنوب النخلة التى لم تعد موجودة اليوم وقد تم وضع خط الحدود الجديد.
ـ كما سبقت الإشارة ـ على أساس صيغة الحدود التى اتفقت عليها الحكومتان العراقية والكويتية فى العام 1932 وهى صيغة مبهمة لم تحدد سوى مسألتين الأولى نقطة التقاء الحدود الكويتية ـ السعودية ـ العراقية، والثانية خط الحدود جنوب صفوان ولا يزال يتعين على اللجنة القيام بالمزيد من أعمال المسح عن الناحية الشمالية لمنطقة الباطن، أيضا القيام بترسيم الحدود البحرية التى يرى الجانب العراقى أنها لا تدخل فى مهمة اللجنة.
2 ـ رد الفعل العراقى:
قاطع العراق لجنة ترسيم الحدود ورفض تقديم أية معلومات تتعلق بموضوع الحدود، واتهمها بالانحياز لمصلحة الكويت، وأعلن رفضه المسبق لأى نتائج تتوصل إليها، وفى أعقاب صدور تقرير اللجنة أعلن وزير الدولة العراقى للشئون الخارجية السيد ـ محمد سعيد الصحاف ـ أن العراقيين لن يقبلوا بترسيم الحدود العراقية ـ الكويتية حسب الخريطة التى وضعتها اللجنة الدولية التابعة للأمم المتحدة، واعتبر ـ أن مجلس الأمن سيحول المنطقة إلى برميل بارود إذا صادق على الحدود الجديدة ـ، وقال الصحاف أمام المجلس الوطنى العراقى أن اللجنة الدولية التى أعادت ترسيم الحدود فى إبريل الماضى ـ غير عادلة وتتعرض لضغوط غربية منحازة إلى الجانب الكويتى ـ وأن مجلس الآمن إذا صادق على تقرير اللجنة ـ لن يساهم فى تحقيق الاستقرار وإنما سيحول المنطقة إلى ـ نواة انفجار ـ، و أنه إذا أرغمت الحكومة العراقية على القبول بالحدود الجديدة فإن الشعب العراقى لا يمكن إقناعه لأنه يدرك أن حقوقه قد انتهكت ـ وذكرت رسالة مطولة أرسلتها وزارة الخارجية إلى ـ د. بطرس غالى ـ الأمين العام للأمم المتحدة ـ أن اللجنة الدولية لترسيم الحدود التى شكلت بمقتضى قرار مجلس الأمن 687 قامت بعملها على أساس حدود 1963، التى لم تمر بالمراحل التشريعية الضرورية ولم يوقع عليها رئيس الجمهورية ـ واتهم السيد ـ رياض القيسى ـ المندوب العراقى الذى شارك فى اجتماعات لجنة ترسيم الحدود خبراء اللجنة بأنهم تعمدوا الانتقاص من الحقوق الإقليمية للعراق ـ وقد حذرت العراق ـ وفقا لما أعلنته وكالة الأنباء العراقية فى 19 يونيو الماضى (1992) ـ الأمم المتحدة من أى مصادقة لمجلس الأمن على ترسيم الحدود بين العراق والكويت معتبرة ذلك بمثابة ـ خلق بؤرة توتر دائمة ـ وذكر وزير الخارجية العراقى ـ أحمد حسين الخضير ـ فى رسالة وجهها إلى الأمين العام للأمم المتحدة ـ أن القرارات التى اتخذتها لجنة ترسيم الحدود بين العراق والكويت فى 16 إبريل (نيسان) غير شرعية وتشكل سابقة خطيرة فى تاريخ المنظمة الدولية وأن القرار الذى اعتمدته اللجنة قرار سياسى محض فرضته القوى المتحكمة بمجلس الأمن والأمم المتحدة خصوصا حكومتى الولايات المتحدة وبريطانيا، وأكد أن ـ القصد السياسى الواضح من هذا القرار ليس حرمان العراق من حقوقه التاريخية والجغرافية وإلحاق الأذى بمصالحة الحيوية فحسب، وإنما هو تعمد خلق وضع غير شرعى وغير منطقى ومثير للسخط ومهدد لمصالح حيوية لشعب عريق فرضت عليه محنة بطريق القوة المسلحة والابتزاز السياسى ـ وأن أية مصادقة لمجلس الأمن على هذا القرار الجائز والموجه بصورة متعمدة من قبل دولتين دائمتى العضوية فيه يشكل سابقة خطيرة جدا ويناقض من حيث الجوهر والنتائج الواجبات والمسئوليات التى أوكلها ميثاق الأمم المتحدة إلى مجلس الأمن؟
وختم وزير الخارجية العراقى رسالته بأن مجلس الأمن فى حال مصادقته على قرار الترسيم يكون قد تعمد خلق بؤرة توتر دائمة فضلا عن الإيذاء المتعمد لمصالح مشروعة وحيوية لدولة عضو فى الأمم المتحدة ـ ثم اتخذ العراق موقفا متشددا فى خلافاته مع مجلس الأمن عندما أعلن أنه سيقاطع اجتماعات لجنة ترسيم الحدود مع الكويت التى بدأت فى 15 يوليو الماضى واستمرت لمدة 9 أيام وأبلغ السيد أحمد حسين السامرائى وزير الخارجية العراقى الأمين العام للأمم المتحدة أن العراق سيقاطع اجتماعات اللجنة لأنها لن تستمع إلى وجهة النظر العراقية وأنه لا يرى أية فائدة من المشاركة اجتماعاتها ومما يؤكد رفض العراق لقرار ترسيم الحدود تركيز وسائل الأعلام العراقية فى أغسطس الماضى على كتاب جديد نشرته جامعة البصرة يجدد مطالبة العراق بالكويت ويعتبرها جزءا وامتدادا جغرافيا طبيعيا للأراضى العراقية ـ ويتضمن الكتاب وعنوانه ـ ترسيم الحدود بين الضغط الدولى والحق العراقى ـ وثائق يعتبر أنها تثبت أن الكويت ـ جزء من محافظة البصرة ـ، ويلوم البريطانيين لتقسيم المحافظة بعد الحرب العالمية الثانية ويصف ترسيم الحدود البرية الكويتية ـ العراقية الذى أنجزته لجنة دولية تابعة للأمم المتحدة بأنه مؤامرة غربية على العراق ولم يقتصر الرفض العراقى لقرار ترسيم الحدود على الجانب الرسمى فقط بل قامت بعض فصائل المعارضة العراقية، والشخصيات العامة المعارضة بإصدار بيانات تنديد بهذا القرار الذى اعتبرته جائرا بحق العراق، فقد بعثت شخصيات عراقية معارضة برسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة ـ د. بطرس غالى ـ تناولت فيها قرار اللجنة الذى ـ تضمن إجراء تعديلات جوهرية فى المناطق البرية ـ وطالبت مجلس الأمن بالامتناع عن المصادقة على قرار اللجنة ـ حتى تتهيأ أجواء طبيعية لمفاوضات حرة بين العراق والكويت ـ تكفل حقوقهما الشرعية وتعزز الأمن والاستقرار فى المنطقة، وأعربت هذه الشخصيات عن ـ قلق شديد ـ معتبرة أن تعديل ترسيم الحدود فى هذه الظروف وفى غياب الشروط والأجواء الطبيعية ينذر بمخاطر جدية على الروابط بين البلدين وقد يؤدى إلى مرحلة جديدة من الأزمات والصراعات الحادة، ويهدد مستقبل الأجيال المقبلة فى كليهما بمزيد من المعاناة والاحتراب وشددت على أن حل مشكلة الحدود ليس ممكنا قبل أن تقوم حكومة شرعية فى العراق تتمتع بتأييد شعبه وتمثل مصالحه الحقيقية وأن ـ الظروف التى شكلت فيها اللجنة والشروط والأجواء التى عمل فى ظلها لا تتيح التوصل إلى نتائج موضوعية سليمة تحفظ الحقوق التاريخية وتحترم المصالح المتبادلة للبلدين الشقيقين ـ كما اعتبر ـ المجلس العراقى الحر ـ أحد تنظيمات المعارضة العراقية أن ما جاء فى قرار اللجنة الدولية لترسيم الحدود بين العراق والكويت ـ يمس بالسيادة الوطنية العراقية ـ وأكد فى بيان أصدره فى 22 إبريل الماضى ـ أن الترسيم الجديد الذى ألحق بالكويت خمس أو ست آبار نفطية من حقل الرميلة وخمس آبار أخرى ـ سيشكل لغما متفجرا باستمرار لغير مصلحة الشعبين الشقيقين ونسفا لأواصر الأخوة العربية الإسلامية وأورد أن الغالبية العظمى للشعب العراقى وقفت كما وقف المجلس العراقى الحر ومعظم قوى المعارضة العراقية وفصائلها ضد غزو واحتلال نظام صدام حسين للكويت، باعتباره عدوانا صارخا على شعبها الشقيق أولا، ومسا بسيادة الكويت الوطنية، وبالمعيار نفسه نرى أن أى تعديل فى ترسيم الحدود العراقية الكويتية، سوف لا يشكل عقابا لصدام ونظامه، وإنما مسا بالسيادة الوطنية للعراق وإغماطا لحقوق العراقيين فى أرض وطنهم ـ وشدد المجلس على أن الحل المناسب لمسألة ترسيم الحدود يمكن أن يتحقق بتثبيت الحدود التى كانت قائمة قبل 2 أغسطس 1990 أو تأجيل البت بها حتى سقوط نظام صدام لتحل بالمفاوضات الأخوية وبالتوافق بين الحكومة الكويتية وحكومة عراقية شرعية وبإشراف ممثلين عن الجامعة العربية والأمم المتحدة، على أن تقر الحدود وتثبت نهائيا بعد أن يصادق عليها مجلس الأمن كما اعتبرت ـ كوادر الدعوة الإسلامية ـ العراقية المعارضة أن ـ أى خطأ فى حل مسألة ترسيم الحدود بين البلدين الجارين الشقيقين لن يكون إلا لغما مدفونا قابلا فلانفجار فى أى لحظة ـ ودعت فى بيان آخر أصدرته فى 22 إبريل أيضا إلى ـ اعتماد خط الحدود القائم قبل الغزو العراقى للكويت مؤقتا وحتى إسقاط نظام صدام حسين.
3 ـ رد الفعل الكويتى:
تؤيد الكويت قرار ترسيم الحدود وتراه ـ قرار لا رجعة فيه وملزم لكلا الطرفين ـ، وتستند فى ذلك إلى أن قرار مجلس الأمن ـ 678 بترسيم الحدود صدر ضمن الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذى تأتى قراراته دائما ملزمة على عكس القرارات الأخرى لمجلس الأمن وتؤكد الكويت أن لجنة ترسيم الحدود العراقية ـ الكويتية لم تحرم العراق من موانئه الخليجية، وأنها حرمت الكويت بالكامل من ـ خور الزبير ـ ولم تعترض الإمارة على ذلك وذكر بيان أصدرته السفارة الكويتية فى لندن فى 28 إبريل الماضى ـ أن لجنة الأمم المتحدة لترسيم الحدود الكويتية ـ العراقية مشكلة وفقا لقرار مجلس الأمن رقم 687 الذى قبله العراق وهى ليست الأولى من نوعها فهناك لجان دولية مماثلة شكلت لحل قضايا حدودية مثل:ـ لجنة الحدود بين بولندا وتشيكوسلوفاكيا (اتفاق فرساى) ولجنة الحدود بين النمسا والمجر (اتفاقية سان جيرمان) ولجنة الحدود بين اليونان وتركيا وكانت قرارات هذه اللجان نهائية وملزمة باعتبارها صادرة من سلطة دولية تتصف بالكفاءة والحياد التام وأضاف البيان لقد أقرت اللجنة الدولية ترسيم الحدود بين الكويت والعراق استنادا إلى الوثائق والمذكرات والخرائط المعترف بها دوليا، والاتفاقات المتبادلة عام 1932 التى أكدها محضر الاجتماع بين الحكومتين عام 1992 وتم إيداع هذه الوثائق لدى منطقة الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية إقرارا أو التزاما بها وهى اتفاقات لا تسقط بالتقادم كما يحلو للبعض تردد مثل هذه الأقاويل وتأتى قرارات اللجنة الدولية لترسيم الحدود لتعيد إلى الأذهان بطلان ادعاءات النظام العراقى فى مذكرته المليئة بالمغالطات التى بعض بها إلى الجامعة العربية فى يوليو 1990 والتى زعم فيها أن الكويت زحفت على أرضه واستولت على حقوله النفطية وقد ظهر الحق واضحا إذا كان النظام العراقى هو الذى زحف على أراضى كويتية وحفر فيها آبار نفط وأقام فيها منشآت فى محاولة لفرض سياسة الأمر الواقع وأضافت البيان ـ أن ترسيم الحدود بين الكويت والعراق حرم دولة الكويت بالكامل من ـ خور الزبير ـ الواقع قبالة الساحل الكويتى، ولم تعترض الكويت على ذلك (..) وعن ادعاء بعض الجهات بأن العراق سيحرم من موانئه فهذا مخالف للحقيقة والواقع، والجميع يعلم بأن للعراق منافذ على الخليج، فلديه ساحل يبلغ طوله 40 كيلو مترا على الخليج وميناء الفاو، وميناء البكر العميق وميناء أم قصر، وميناء البصرة، وبالتالى فإن موانئ البراق لن تتأثر بالترسيم وكل ما هنالك هو إزالة التجاوزات الأخرى على الحدود وقد قدمت الكويت ملفا عن مشكلة حدودها الدولية إلى الأمانة العامة لجامعة الدول العربية فى مايو الماضى اتهمت فيه العراق بعدم الرغبة فى ترسيم الحدود المشتركة، وبأن لديه ـ نيات توسيعه ـ مشيرة إلى فشل اللجان الفنية المشتركة بين البلدين فى التوصل إلى اتفاق على مدى 30 سنة ويتضمن الملف ست وثائق تشمل القرار 687، وتقرير الأمين العام السابق للأمم المتحدة خافيير بيريز دى كويار فى شأن الفقرة (3) التى تطالب بتشكيل لجنة دولية لتنفيذ القرار واتفاق أكتوبر (تشرين الأول) 1963 بين العراق والكويت والخطابين الموجهين عام 1932 من كل من ـ نورى السعيد ـ رئيس وزراء العراق السابق إلى المندوب السامى البريطانى، ومن حاكم الكويت إلى الوكيل السياسى البريطانى فى شأن الاعتراف بالحدود الدولية، ورسالة وزير خارجية العراقى السيد ـ أحمد حسين السامرائى ـ فى إبريل (نيسان) 1991 إلى بيريز دى كويار المتعلقة بقبول قرار مجلس الأمن ورسالة ـ بيريز دى كويار ـ إلى ـ السامرائى ـ ردا على رسالته فى 30 من الشهر نفسه وأكدت الكويت ضرورة ترسيم الحدود ودعم أعمال اللجنة الدولية التى أصدرت قرارها مؤخرا وجاء فى الملف أن الكويت تتمسك حقوقها وترفض التنازل عن أى شبر من أراضيها وأورد الملف أربعة مبادئ فى هذا الإطار:
1 ـ أن الكويت ترفض المساومة على أرضها.
2 ـ أن نيات العراق التوسعية مستمرة حيال الكويت، وهى العقبة الأساسية فى طريق إغلاق هذا الموضوع نهائيا.
3 ـ أن شعارات القومية العربية ومصالح العروبة التى رفعت لا تعنى سوى مصالح العراق وحده.
4 ـ أن العراق لا يملك أية حجة بادعاء الحق والمسألة لا تعدو أطماعا فالعراق إزاء رفض الكويت المساومة عرض التنازل عن جزيرتى وربة وبوبيان ثم طلب استئجار جزيرة بوبيان وعرض الملف ست مراحل فى الاجتماعات واللقاءات الكويتية ـ العراقية على مدى 30 سنة توضح ما اعتبره المماطلات والتسويف العراقى للحيلولة دون التوصل إلى تسوية دائمة وهى:
فى العام 1966 وبدلا من تجاوب العراق مع المقترحات الكويتية لإنهاء المشكلة وطرح أفكاره، طالب بالقيام بمسح من جانب واحد للحدود فى مناطق شملت أراضى تحت السيادة الكويتية خلافا لاتفاق (أكتوبر) 1963 واتضح من أعمال اللجنة الفنية المشتركة التى اجتمعت فى بغداد أن العراق كان مهتما بمنطقتى صفوان والباطن حتى لا يسير خط تحديد الحدود فى هاتين المنطقتين كما كان متبعا منذ العام 1932 بالاتفاق مع البلدين ـ فى مارس (آذار) 1963 أنكر العراق اتفاق 1932 بحجة أنه اتفاق وضعه المستعمر، وأن الرأى العام العراقى لن يقبل به وأكد أن اللجنة لن تسير فى تثبيت الحدود وفقا لهذا الاتفاق ـ فى أكتوبر (تشرين أول) 1967 حصل العراق على قروض كويتية واستأنفت أعمال اللجنة المشتركة فى الكويت ولم تسفر عن جديد فى عام 1972 توغلت القوات العراقية بعمق 3 أميال فى الأراضى الكويتية حتى منطقة ـ الصامتة ـ لشق طريق حولها، كونها موقعا استراتيجيا وأشار الملف إلى أن الكويت رفضت تنازلات فى وربة وبوبيان لكنها أعربت عن استعدادها لتسهيل استخدام العراق للجزيرتين بعد انتهاء ترسيم الحدود وزاد أن انسحاب القوات العراقية من المناطق التى توغلت فيها جاء بوساطة عربية، ودفعت الكويت قرضا كبيرا للعراق ـ فى العام 1973 جدد العراق مطالبته بتنازلات فى الجزيرتين ـ فى العام 1975 أراد العراق تقويض اتفاق مع إيران فى الجزائر فى شأن شط العرب، فطلب استئجار بوبيان لمدة 99 سنة جددت الكويت مطالبتها الجامعة العربية بدعم الجهود الدولية الرامية إلى إنهاء المشكلة للتوصل إلى تسوية دائمة ومنع النزاع على الحدود مع العراق.
المصادر:
1 ـ ريتشارد سكوفيلد: المحاولات الجارية لتسوية نزاع الحدود الكويتى العراقى: هل تكون مقدمة لحرب جديدة، الحياة لندن، 5 أبريل 1992.
2 ـ عبدالجليل مرهون: نزاعات الحدود فى شبه الجزيرة العربية ـ شئون الأوسط ـ مركز الدراسات الاستراتيجية والبحوث والتوثيق ـ بيروت، العدد 13، نوفمبر 1992 .
3 ـ د. غسان سلامة: صراعات الحدود: فتش عن السياسة ـ مجلة الشروق ـ الشارقة، العدد 28، 15 أكتوبر 92 .
4 ـ مجلة الوسط ـ لندن ـ العدد 18، 1 يونيو (حزيران) 1992 .
5 ـ صحيفة الحياة 8 مايو 1992.