Share |
يوليو 1994
1
النظام العالمى الجديد.
المصدر: السياسة الدولية

منذ اندلاع أزمة الخليج الثانية فى الثانى من أغسطس 1990م، والكتابات لا تكاد تتوقف عن ظهور نظام عالمى جديد إلى ارض الواقع فى ظل مجموعة من الأحداث البارزة والتفاعلات الدولية والإقليمية بشكل مترابط، لعل أهمها غزو العراق للكويت وما نتج عنه من تداعيات دولية وإقليمية، ثم انهيار الاتحاد السوفيتى الذى أذن بهذا الانهيار بسقوط نظام القطبية الثنائية التى عرفها العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية فى عام 1945.
الكتاب الذى تعرضه هو فى الأصل ندوة عندما مركز البحوث والدراسات السياسية بجامعة القاهرة لمناقشة النظام العالمى الجديد، ويتناول الكتاب دراسة النظام العالمى الجديد من خلال أربعة أقسام موزعة على 408 صفحات كما يلى: القسم الأول: يتناول الأبعاد النظرية للنظام العلمى الجديد القسم الثانى: يتناول دور القوى الكبرى فى النظام العالمى الجديد القسم الثالث: يسلط الأضواء على دور النظم والمؤسسات الدولى فى النظام العالمى فى الجديد القسم الرابع: وقد خصص لدراسة الأبعاد الفكرية والمستقبلية للنظام العالمى الجديد.
القسم الأول الأبعاد النظرية للنظام العالمى الجديد وفيه تناولت الدكتورة ودودة بدران بالتحليل هيكل النظام الدولى وتوزيع القدرات فيه وانعكاس توزيع القدرات على سلوك الوحدات الدولية وتنطلق الباحثة من دراسة مفهوم القوة بمعناها العسكرى وبمعناها الشامل، وقد ذهب أصحاب مفهوم القوة بمعناها العسكرى إلى وجود نظام عالمى جديد أحادى القطبية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، أما أصحاب الرأى الذى يرى القوة بمفهومها الشامل (عسكريا ،اقتصاديا، سياسيا، تكنولوجيا) فقد ذهبوا إلى وجود نظام متعدد الأقطاب تحت التشكل والبلورة ومن الطبيعى أن يرى أصحاب الاتجاه الأول أن الولايات المتحدة قادرة على تنظيم الأوضاع العالمية دون الخشية من أى معارضة فعالة، فى حين يثير أصحاب الاتجاه الثانى الشكوك فى هذه المقولة: مع محاولة إبراز التراجع الملحوظ لدور القوة العسكرية والتى تتمتع بها الولايات المتحدة كقطب دولى القوة بمعنى القدرة، لتحل محلها عوامل أخرى، مثل القوة الاقتصادية والتكنولوجية والسياسية القوة بمعنى التأثير فى السلوك وهو التحدى الذى تقابله الولايات المتحدة فى مواجهة اليابان والاتحاد الأوروبى الدكتور عبد المنعم المشاط سلط الأضواء فى بحثه عن هيكل النظام العالمى الجديد على التطورات التى تشير إلى هذا النظام من خلال بعض المؤشرات التى تشكل فى رأيه جوهر وروح هذا النظام، وهى: الثورة التكنولوجية، تدهور سلطة الدولة القومية، نمو دور الجماعات غير الرسمية فى النظام العالمى، نمو دور الجماعات غير الرسمية وغير الشرعية، نمو حجم وكثافة الصراعات العرقية ودور القومية، التحلى إلى التكتلات الاقتصادية الكبرى، تدهور أهمية ودور التنظيمات العسكرية (الأحلاف)، سقوط الإجماع على الأولويات الدولية، تدهور الدور السياسى للنظم الإقليمية وعن النظام العالمى الجديد يرى الباحث أنه نظام تعددى قيد التشكيل لاعتبارات يذكرها، فالولايات المتحدة لم تعد المركز الوحيد لعملية صنع القرارات الدولية، إضافة إلى كون مفهومها للأمن ليس مفهوما عالميا، بل يرتبط بمفهوم الأمن القومى الأمريكى داخليا وخارجيا، أيضا تعدد مفاهيم وإشكال التنمية التى تخرج فى تصورها وإطارها عن الإطار الأمريكى مثل وجود النمط اليابانى أو الألمانى للتنمية، أضف إلى ذلك أن الولايات المتحدة فى حاجة إلى إسباغ الشرعية الدولية والحصول على موافقة حلفائها على قراراتها والنظام الدولى والتفاعلات الدولية، وهو الأمر الذى برز بوضوح فى أزمة الخليج الثانية فى أغسطس 1990.
وننتقل مع صفحات الكتاب إلى بحث الدكتور محمد السيد سليم الأشكال التاريخية للقطبية الواحدية حيث يقدم الدكتور سليم رؤية لطبيعة النظام الحالى من خلال دراسة الأشكال التاريخية لنظام القطبية الواحدية، وذلك من خلال أربعة نماذج يقدمها الباحث فى فقرات تاريخية مختلفة، تذكر هنا نموذجين وهما: الأول نظام شرقى آسيا (1689-1842) حيث هيمنت الإمبراطورية الصينية على هذه المنطقة وتمثلت أهم أشكال هذه الهيمنة فى عدم تحدى القوى الكبرى خارج الإقليم للنفوذ الصينى فى تلك المنطقة بشكل مباشر.
النموذج الثانى الذى نعرض له هو نموذج أوروبا البسماركية (1871-1890) نسبة إلى الزعيم الألمانى الشهير وموحد ألمانيا (بسمارك)، إذ نشأ نظام القطبية الواحدة فى أوربا عقب انتصار بروسيا على فرنسا فى موقعة سيدان الشهيرة فى سبتمبر 1870، لتدشن بذلك مرحلة من مراحل القطبية الواحدة فى أوروبا بقيادة ألمانيا لمدة عشرين عاما.
ويخلص الدكتور محمد السيد سليم فى بحثه إلى أن القطبية الواحدة هى أقل الأبنية الدولية ميلا للحدوث ولا تستمر إلا لفترة زمنية محدودة سرعان ما تتحول بعدها إلى بنيان ثنائى القطبية ويرجع تفسير ذلك إلى أن بنيان القطبية الواحدة يفتقد إلى التوازن الذى يعتبر إحدى خصائص التكوينات الاجتماعية.
القسم الثانى من الكتاب وهو مخصص لبحث دور القوى الكبرى فى النظام العالمى الجديد فتطرقت د. نهى المكاوى أولا إلى الدور الأمريكى فى النظام العالمى الجديد، وذلك من خلال دراسة مكونات القوة والضعف وهذا الدور، ثم تحليل النظام الدولى والدور الأمريكى فيه على المستوى التدريب والمستوى البعيد وفى ضوء تحليلها لعوامل القوة الأمريكية من خلال المؤشرات الاقتصادية، ترصد د. نهى عوامل قوة أمريكية مثل إعطاء الأهمية الكبرى للتعليم والبحث العلمى، وربط ذلك بزيادة الإنتاج والتوزيع الأمر الذى انعكس فى شكل قوة لا يستهان بها فى السوق الدولية، كما أن الولايات المتحدة متميزة فى الربع الأخير من هذا القرن فى كمجال ثورة المعلومات وعلوم الإدارة والتنظيم مع احتمال أن يكون ذلك هو مصدر قوة أمريكا فى العشر سنوات القادمة.
أما الدكتور طه عبد العليم، فقد تناول الدور الروسى فى النظام العالمى الجديد بالدراسة والتحليل فيسلط الأضواء على عدة قضايا حيوية مثل النظام العالمى الجديد، وحدود الدور الروسى فيه وفى هذا الصدد يرى الباحث أن دعوة الولايات المتحدة إلى نظام عالمى جديد لم تكن مصادفة بل كانت تستند إلى حقيقة انتصار الولايات المتحدة والتحالف الغربى فى الحرب الباردة.
ويناقش الباحث الدور الأمريكى فى النظام العالمى الجديد وأيضا الدور الروسى على اعتبار أن روسيا وريث أساسى للاتحاد السوفيتى السابق، ويخلص إلى أن انهيار الاتحاد السوفيتى يركز على درس هام، وهو أن قوة الدولة لا تقاس بمجرد القوة العسكرية والتى بدورها يستحيل الاحتفاظ بها فى ظل تدهور عوامل القوة الأخرى وتناقش الدكتورة هالة سعودى موضوع القوى الصاعدة فى النظام العالمى الجديد: أوروبا واليابان، حيث تقيم دور كل من أوروبا واليابان فى النظام العالمى الجديد، وتحليل مستقبل هذا الدور، فتشير إلى عامل الإمكانيات الاقتصادية بدعامة أوروبا واليابان منذ الخمسينات والتى تمثلت فى مجموعة من المؤشرات مثل ارتفاع الناتج القومى الإجمالى ومتوسط دخل الفرد وعن القوة العسكرية يشكل الأنفاق على القوات العسكرية حوالى 4 % من الناتج القومى الإجمالى للجماعة الأوربية، فى حين نجد أن اليابان مقيدة فى الإنفاق العسكرى بدستورها المرتبط بظروف هزيمتها واستسلامها بنهاية الحرب العالمية الثانية وتنفق اليابان على التسليح 1% من الناتج القومى الإجمالى.
القسم الثالث وهو القسم الخاص بدور النظم والمؤسسات الدولية فى النظام العالمى الجديد وفيه يتعرض الدكتور جمال زهران إلى موضوع هام وهو النظم الإقليمية فى إطار النظام العالمى الجديد حيث يحاول الدكتور جمال زهران الإجابة على سؤال: ما هو وضع النظم الإقليمية وما هو مصيرها فى ظل هذا التغير والنظام الدولى بعد انهيار الاتحاد السوفيتى، وبقاء قطب واحد هو الولايات المتحدة؟ ويقسم الباحث النظم الإقليمية إلى ثلاثة أشكال يتناول كلا منها بالبحث والتحليل.
وننتقل إلى بحث الأمم المتحدة والنظام العالمى الجديد: بحث فى آليات التكيف وهو البحث الذى كتبه الدكتور حسن نافعة، وخلص فيه إلى أن الأمم المتحدة بهياكلها وآلياتها الحالية تواجه مشكلتين رئيسيتين من مخلفات مرحلة الاستقطاب، الأولى: عدم استكمال الآليات الخاصة بنظام الأمن الجماعى وخصوصا ما يتعلق منها بوضع نصوص المادة 43 موضع التطبيق الثانى: وجود جهاز بيروقراطى ضخم وجيش من الموظفين الدوليين، نشأ عن الإسراف فى إنشاء فروع تلتهم جزءا كبيرا من ميزانية المنظمة، وهى مشكلة ليست بالسهلة وننتقل إلى بحث الدكتور محمد عز الدين عبد المنعم بعنوان حركة عدم الانحياز والنظام العالمى الجديد حيث يناقش قضية حركة عدم الانحياز على محورين، هما:
1- كيف يمكن لحركة دول عدم الانحياز أن تكتسب إمكانية التأثير على صياغة نظام عالمى جديد والتعامل معه بكفاءة.
2- عوامل الضعف الكامنة فى الحركة والتى تعطل دورها المنشود فى النظام العالمى الجديد وعن المؤلف المعلن للحركة إزاء النظام العالمى الجديد يشير الباحث إلى أن التقرير الختامى الصادر عن المؤتمر الوزارى العاشر لحركة عدم الانحياز المنعقد فى أكرا فى سبتمبر 1991م يعتبر بمثابة أول تغبير رسمى صادر عن حركة عدم الانحياز، وبعكس قدرا من التخوف من النظام العالمى الجديد رؤية الحركة فى ذلك هى كون اتجاه العالم نحو نظام أحادى القطبية سوف يؤثر سلبا على حل مشكلات الدول غير المنحازة لهذا القطب ومشكلات دول العالم الثالث بشكل عام.
القسم الرابع والأخير وهو خاص بالأبعاد الفكرية والمستقبلية النظام العالمى الجديد، وينقسم إلى: أولا، وثانيا:
أولا: يقدم الدكتور محمد السيد سليم عرضا لأهم الآراء والأفكار والتصورات التى طرحت فى ختام الندوة وينطلق الدكتور سليم من تعريف المفهوم كمدخل لفهم مفهوم النظام العالمى الجديد فى العلاقات الدولية، ويشير إلى التحولات العالمية و أثرها على إنتاج مفاهيم جديدة أو كما يسميها الدكتور سليم بالنتائج المفهومية.
ثانيا: يقدم الدكتور محمد السيد سعيد بحثا عن احتمالات التطور المستقبل للنظام العالمى الجديد حيث يرصد ثلاثة محددات مباشرة لتطور النظام الدولى فى المستقبل وهذه المحددات، الثلاثة هى: درجة استقرار موقع الهيمنة التوترات المتصلة بعولمة الاقتصاد، وأزمة التكيف المؤسس مع انفجار الخصوصيات الثقافة كل إشكالها ويشير إلى احتمالات التطور فى النظام الدولى باحتمالات أو نماذج أربعة هى: نظام دولى هرمى، نظام دولى متوازن، نظام كتل فموضوع، نظام مشاركة عالمية ويتطور إلى كل منها بشىء من التفصيل.
وبنهاية الكتاب نجد أنه قد قدم مجموعة من الأبحاث الأكاديمية المتكاملة التى تبحث فى ماضى وحاضر ومستقبل النظام العالمى الجديد ولتتجمع فى شكل كتاب يشملها جميعا، الأمر الذى يعطى الكتاب أهمية وحيوية لدراسته لموضوع من موضوعات الساعة ومعالجته بشكل علمى رصين.