Share |
اكتوبر 1994
1
أمن البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط.
المصدر: السياسة الدولية
بقلم:   السيد يسين

فى كتابه بالغ الأهمية أفاق المستقبل Lignesd Horizon يبدأ الاقتصادى الفرنسى جاك اتالى دراسته عن مستقبل العالم فى القرن الحادى والعشرين، بإثارة عدد من التساؤلات الأساسية كما يلى:
أمامنا الآن ونحن نقترب من القرن الحادى والعشرين الذى يفصلنا عنه عقد قصير بعض التساؤلات: ما هو النظام السياسى الجديد الذى ستتم صياغته وبلورته؟ ما هو نمط التنمية، وكيف ستكون علاقات القوى بين الأمم؟ ما هى أساليب الحياة التى ستسود؟ ما هى الاتجاهات الفنية التى ستظهر فيما بعد؟ إننا ندخل الآن مرحلة جديدة تماما، فالتاريخ يتزايد فى سرعته، فى الوقت الذى تتفكك فيه الكتل القائمة والديمقراطية تكسب مواقع، جديدة ويظهر فاعلون دوليون جدد ومشاكل جديدة تبرز فى الصورة (1).
إننا نعتقد أن هذه المجموعة من التساؤلات التى طرحها أتالى تلخص الوضع الحالى فى العالم الذى يتسم بعدم التأكد وغياب اليقين وبصعوبة التنبؤ به فكيف نستطيع أن نواجه هذا الموقف؟ هناك اتجاه يتبناه بعض المفكرين يزعم بأن النظريات والنماذج القديمة قد سقطت بعد فشلها، ليس فقط فى التنبؤ، ولكن أيضا فى وصف وتفسير ما يجرى الآن فى العالم ولكن هناك مجموعة، أخرى من المفكرين فى الوقت الذى يسلمون فيه بقصور النظريات السائدة، فإنهم يطالبون بتبنى خطوه اكثر إيجابية تجاه المعرفة وذلك بتشكيل نموذج جديد اكثر قدرة على وصف التغيرات العميقة النى تجرى فى العالم، وعلى التنبؤ بالآفاق الجديدة للتنمية النى ستحدد مستقبل الإنسانية فى القرن القادم هذا النموذج الجديد حتى يتمكن من العمل بفاعلية، يجب أن يرتكز على مساهمات كافة العلوم الاجتماعية، وينفتح بشكل كاف لملاءمة الفكر الجديد الصاعد من خلال حركة ما بعد الحداثة
(Post- Modernism) وذلك فى جوانبها الإيجابية أننا نتكلم هنا عن نموذج استراتيجى جديد أننا نتبنى تعريف الاستراتيجية الذى قدمه ج. ل. جاديسى، ويقول فيه:
إن الاستراتيجية هى عملية تربط الغابات بالوسائل، والنوايا بالقدرات، والأهداف بالموارد (2).
فى هذا النموذج سوف يتسع فضاء الاستراتيجية، لكى يتضمن، ليس فقط الأبعاد العسكرية والسياسية والاتحادية، ولكن الجوانب السيكولوجية والثقافية أيضا.
ويكثر الحديث فى هذه الأيام عن المزاج المتغير فى العالم، والتفاعلات الثقافية، وأساليب الحياة الجديدة، ووجهات النظر الجديدة فى العالم كل هذه المتغيرات يجب أن تندمج فى النموذج الاستراتيجى الجديد.
إن أمن البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط، وهو موضوع هذا البحث، يجب أن يناقش فى ضوء المتغيرات الشاملة التى حدثت فى النظام الدولى وربما كان الحدث الرمزى الذى أطلق التغيير هو ما حدث فى نوفمبر 1689حينما بدأ أهالى شرق وغرب برلين عملية تحطيم السور الذى قسم مدينتهم، ودولتهم، والقارة كلها، وكذلك السياسة العالمية ومن المعروف بالطبع كل الأحداث التى أعقبت ذلك، وأهمها سقوط الاتحاد السوفيتى.
وكمقدمة لموضعنا، سنبدأ بوصف المناخ الدولى القائم الآن، وذلك قبل الحديث عن أمن البحر المتوسط والشرق الأوسط.
أولا: مناخ دولى جديد:
ما هو البرنامج الجديد الذى سيجذب عقول السياسيين، والاستراتيجيين، والمفكرين فى العقد القادم؟
الكاتب الأمريكى تشارلز ويليام ماينز، رئيس تحرير مجلة السياسة الخارجية (Foreign Policy) ألقى الضوء على ستة موضوعات تتضمن هذا البرنامج المستقبلى وفيما يلى خلاصة ومقتطفات من أفكاره الهامة (3). المركز مقابل المحيط: لقد كتب الكثيرون عن تراجع استخدام القوة العسكرية مع تصاعد القوة الاقتصادية ولكن هناك جانبا آخر لمفهوم القوة يستحق مزيدا من الاهتمام، فمنذ منتصف القرن الماضى وحتى اليوم، أدى مسار التكنولوجيا إلى تمركز القوة وقد استفادت الحكومة الوطنية من هذا التطور التاريخى ولكن الأن، تنامى أهمية صناعة المعرفة، وانتشار تكنولوجيا المعلومات، فان عمر القوة أصبحت لامركزية، مما أتاح فرصا جديدة لآلاف من الشعوب المختلفة والجماعات العرقية حول العالم لكى تفرض حقوقها عل السلطة المركزية وكانت هناك تحديات كثيرة لسلطة الدولة فى السنوات الأخيرة، هذأ التحدى الجديد قد يكون واضحا من أهم التحديات ولا يعنى هذا أن نظام الدولة سيختفى، ولكن من بين القضايا الحرجة التى سنواجهها فى المستقبل تلك التوترات الدولية والوطنية التى ستنشأ مع محاولة الأقليات إعادة رسم خطوط المسئولية بين السلطات المحلية والسلطات المركزية.
قوة الأفكار: إن أحداث السنوات الأخيرة يجب أن تدفع كل من يعمل فى مجال الشئون الدولية إلى إعادة تقييم الأهمية النسبية، مقابل استخدام القوة الأسلحة فقد كان يفترض دائما أن الأسلحة هى الأقوى ولكن الحوار اثبت فاعلية غير عادية فى عصر يتزايد فيه التعليم وتتزايد فيه قوة الاتصالات الجماهيرية إن مجال الدبلوماسية العامة قد يصبح اكثر أهمية ليس بالمعنى الذى يتصوره كثير من المؤيدين للتمويل الضخم لشبكات الإذاعة الرسمية حول العالم فمن المستحيل تشكيل العقول بالسهولة التى يعتقدها الكثيرون ولكن بمعنى أن سيل المعلومات الذى يصل إلى الجماهير كفيل بتغيير السياسات العالمية.
عصر العلاقات متعددة الأطراف:
إن معظم القضايا الكبرى فى جدول الأعمال الدولى تتضمن الجهود أو السياسات لعدد من الدول وتشمل الأمثلة عن تطورات التسلح مثل الانتشار النووى، والكيماوى، والأسلحة التقليدية، وكذلك الاهتمامات البيئية والاقتصادية، والتطورات الطبية والاجتماعية مثل الإيدز والإدمان وسوف تكون مهمة السنوات القادمة إيجاد الحلول الدولية الأكثر فاعلية لهذه المشكلات وسوف يساهم فى هذه الحلول عدد متزايد من المنظمات الدولية والأنظمة الحكومية.
العجز الديمقراطى: فى الوقت الذى تخرج فيه القضايا من سيطرة السلطات الوطنية لكى يتبناها الخبراء الدوليون، أو المنظمات الدولية، تظهر مشكلة جديدة بالنسبة لمصداقية الديمقراطية ولكن هؤلاء الخبراء وهذه المنظمات مسئولة أمام من؟ ما هى العلاقة الصحيحة بين الحكام (وفى هذه الحالة الخبراء) والمحكومين (وهم الشعب)؟
إن تعبير العجز الديمقراطى ظهر أولا فى المجموعة الأوروبية، حيث تم السماح لأكثر من 15 ألفا من الأوروبيين فى بروكسل ولوكسمبورج بتبنى سياسات تؤثر على حياة الملايين ومن هنا جاعت الاقتراحات بزيادة صلاحيات البرلمان الأوروبى ولكن مشكلة العجز الديمقراطى هى مشكلة تنطبق بشكل أوسع على أنظمة أخرى وعلى مؤسسات دولية أخرى فى الوقت الذى تفلت فيه القوة من الإطار الوطنى.
نظام أمنى جديد:
يبدو أن البشرية ستبذل محاولة ثالثة لتحقيق الأمن الجماعى فى هذا القرن فخلال الفترة الانتقالية، سوف تتعرض التحالفات التقليدية مثل منظمة حلف شمال الأطلنطى لموقف حرج، والتفكيك المبكر لحلف الأطلنطى خاصة سيكون مدمرا لاستقرار وسط أوروبا ولكن الاتحاد السوفيتى لم يعد قوة معادية، ومن غير المحتمل أن تكون له السلطة أو القدرة على أن يصبح قوة معادية مرة أخرى فقررته على شن هجوم تقليدى حاسم على وسط وغرب أوروبا قد زالت إلا أنه مازال يملك مخزونا ضخما من الأسلحة النووية، ولكنها غير مناسبة لأى غرض آخر سوى الردع أو الرد ولذلك فسوف يواجه أعضاء حلف الأطلنطى مهمة مواصلة المساندة والدعم المالى لحلف لم يعد له عدو يمكن تحديده أو تسميته (قد يقول بعض الخبراء سرا إن العدو هو ألمانيا الصاعدة، ولكن الشعوب فى الغرب تعتبر ألمانيا الديمقراطية الجديدة كصديقة) وإحياء صورة الاتحاد السوفيتى كعدو سيكون صعبا جدا وخاصة مع وجود عامل آخر، وهو الحاجة إلى التقارب من الاتحاد السوفيتى حتى لا يشعر بالعزلة عن النظام الأمنى الجديد ولكن هناك مشكلة أساسية: وهى أن النظام الأمنى الذى يضم معظم أو كل الأطراف الرئيسية وليس له أى عدو يمكن تعريفه سوى العدوان وعدم الاستقرار بمعناه التجريدى قد تمت تجربته مرتين من خلال عصبة الأمم والأمم المتحدة، وثبت عدم فاعليته فى المرتين ويبدو أن المأزق هنا يكمن فى أن الترتيبات الحالية لن تدوم، وأن الترتيبات المقترحة لن تنجح، فسوف يكون الأولوية فى السنوات القادمة لحل هذا المأزق وحتى إذا ما نجحت الترتيبات الجديدة فى أوروبا، فهل يحتمل أن تنجح ترتيبات مماثلة فى أجزاء أخرى من العالم؟ إن رد فعل العالم على غزو العراق للكويت فى أغسطس 1990 الذى كان بمثابة تحد هام لمفهوم الأمن الجماعى، سوف يساعد فى الرد على هذا التساؤل نموذج جديد للتنمية: بينما تتراجع أهمية التقسيم بين الشرق والغرب، فان التقسيم بين الشمال والجنوب يتزايد فى حدته ففى حالة الشرق والغرب، كان التهديد للغرب يأتى عن طريق غزو الجيوش وفى حالة الشمال والجنوب، فإن التهديد يأتى من فيضان الهجرة البشرية، وفقدان الفرص الاقتصادية، والتخلى عن المثل والرحمة ولكن نموذج التنمية القديم لم يعد يلقى لمساندة مناسبة من المانحين فهناك حاجة إلى نموذج جديد للتنمية لكسب المساندة المالية من الشمال والمساندة السياسية فى الجنوب حتى يتحقق التقدم الحقيقى.
هذه هى الأفكار الأساسية التى بلورها شارلز وليام سايتز وهو بصدد توصيفه للمناخ الدولى الراهن، وهذه الأفكار تعتبر من وجهة نظرنا توصيفا دقيقا لهذا المناخ الذى يتسم بالسيولة الشديدة من ناحية، وببروز ظواهر جديدة فى مجال العلاقات الدولية، من أهمها ثورة الاقليات والجماعات العرقية، وبروز حق التدخل كآلية جديدة فى العلاقات الدولية لم تقنن حتى الآن سواء فى ميادين الإغاثة الإنسانية، أو بصدد ردع دولة معينة يرى أنها تهدد السلام العالمى ومن بين الظواهر اللافتة أيضا زيادة عدد ونوع التكتلات الإقليمية، وبروز أهمية العلاقات المتعددة الأطراف فى مناطق محددة، لعل منطقة البحر الأبيض المتوسط تمثل نموذجا بارزا لها ولعل اجتماع منتدى البحر الأبيض المتوسط فى الإسكندرية مؤخرا والذى بدأ باقتراح من الرئيس حسنى مبارك يعبر عن ذلك خير تعبير.
ثانيا: إعادة التفكير فى البحر المتوسط:
من أفضل الصفات التى وصف بها البحر الأبيض المتوسط ما أعربت عنه الباحثة الأمريكية ايلين لايبسون حينما قالت: إن معظم الناس يفكرون فى البحر المتوسط ككتلة من الماء تفصل بين مساحات الأرض الواسعة لكل من أوروبا، وأفريقيا واسيا، وأنه بحر تحيطه دول ذات هويات ومصالح مختلفة تماما مع ذلك فان البحر يوحد بالقدر الذى يفصل به والدول النى تحيطه مرتبطة بعلاقة الجيرة وقد جاء الوقت لأن نبدأ التفكير فى البحر المتوسط كمنطقة لها وضع خاص، كوحدة جغرافية تربط الدول باهتمامات مشتركة لها مبررات التنافس على الموارد، ولديها الحوافز لإيجاد حلول مشتركة لمشكلاتها المحلية التى تزداد اتساعا (4).
أننا نعتبر هذا الوصف للبحر المتوسط كمنطقة لها سماتها المتفردة بمثابة قاعدة صلبة للنموذج الاستراتيجى الجديد الذى تحدثنا عنه فى البداية وقد طبق المؤرخ الفرنسى الشهير يروديل نموذجا مشابها فى كتابه الكلاسيكى: البحر المتوسط فى عصر فيليب الثانى ففى هذا الكتاب الرائد، تمت دراسة البحر الأبيض من جوانبه السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية والثقافية، وذلك تطبيق للمنهجية الذى تتبعها مدرسة الحوليات الفرنسية les annales التى حولت علم التاريخ لكى يصبح علما متعدد المداخل ويربط بين مختلف العلوم الاجتماعية فى نفس الوقت.
وفى كتابه الممتاز، لم ينس بروديل أيضا أن يعالج مشكلة أساليب التفكير، وكتب فصلا عن تاريخ العقليات فى البحر المتوسط.
بمعنى آخر، فإن تعددية الدول والثقافات فى البحر المتوسط، تحتاج إلى أن توضع فى الاعتبار، حينما نضع صباغة لأى مفهوم للأمن فهناك سبع عشرة دولة تحيط بالبحر المتوسط، يبلغ عدد سكانها365 مليون نسمة، من بينها خمس دول من أعضاء منظمة حلف شمال الأطلنطى، وسبع دول عربية، والباقى يصعب تصنيفها مثل ألبانيا، وقبرص، وإسرائيل، ومالطا، ويوجوسلافيا وبصرف النظر عن السجل التاريخى الذى يكشف عن الكثير من النزاعات والعداوات بين دول المتوسط، إلا أن هذه الدول تدرك الآن أن الحدود الوطنية التى تحرص كل دولة على حمايتها، توفر القليل من الحماية ضد التحديات السياسية الحالية وتقارب الدول فى هذه المنطقة يزيد فرص النزاع وفى الوقت نفسه يحث على إيجاد حلول جماعية لقد أصبح البحر المتوسط أكثر أهمية من الناحية السياسية، كما تؤكد ايلين لايبسون، بسبب التغير الديموجرافى وهو مصدر محتمل لعدم الاستقرار، وخاصة وان التوزيع السكانى غير متساوى على أطراف البحر الأبيض وتخشى بعض الدول الأوروبية بشكل متزايد ما يطلق عليه القنبلة السكانية فى الدول الإسلامية مثل الجزائر، ومصر، والمغرب وتركيا فى الوقت نفسه فإن دولا مثل فرنسا وإيطاليا وأسبانيا، لديها معدلات ثابتة ومنخفضة للنسل وهذا ما يجعلها تواجه تحديات خطيرة من هذا الخلل فى تعداد السكان بالمنطقة، والذى يؤثر بالتالى على سياساتها الاقتصادية والخارجية، وعلى سياسات الهجرة، وكذلك على مفهومها للأمن الوطنى وإضافة إلى الخلل السكانى بالمنطقة، فهناك أيضا مشكلة الخلل فى توزيع القوة ففى الوقت الحاضر، وبالتأكيد فى المستقبل، تتركز القوة الاقتصادية فى الطرف الشمالى، واحتمالات تزايد الفجوة الاقتصادية هى مصدر قلق شديد لدول البحر المتوسط التى لا تنتمى لعضوية المجموعة الأوروبية.
وعلى الجانب العسكرى من معادلة القوة، فإن الثروة الوطنية هى العنصر الرئيسى الذى تتحدد به القوة، والتى تقاس بكم ونوع السلاح والقدرات الدفاعية وقد أدى ذلك إلى بعض التباين الواضح، وبشكل عام عبر خطوط الشمال والجنوب وفيما يختص بالتغيرات فى الثقافة السياسية بالنسبة لقضايا الدفاع على الجانب الشمالى من البحر المتوسط، فإننا نستطيع أن نستشف ميلا قويا لاتخاذ إجراءات الحد من التسلح بجميع أنواعه وبالعكس، ونتيجة لاستمرار النزاع العربى الإسرائيلى، فإن انتشار السلاح يظل الاتجاه السائد فى الشرق الأوسط.
ويجب اعتبار الإرهاب أيضا كمصدر أخر للقوة، التى تخلق حالة من عدم التناسق فى المنطقة وبدون تعاون بين الدول الأوروبية والعربية فى مواجهة هذه المشكلة، وغيرها من المشكلات، فإن عدم الاستقرار السياسى سيكون النتيجة المحتومة إن برنامج القضايا الذى يحتاج إلى تعاون بين دول المنطقة يزداد اتساعا، ويشمل البيئة، وانتشار الصواريخ، وحرية الحركة بالنسبة للعمالة، وتجارة المخدرات ومن الأمور الإيجابية أن البحر الأبيض كمنطقة قد أنشأ مؤسسات جديدة وآليات لمواجهة هذه التحديات ولكن ما ينقصها من وجهة نظرنا هو صياغة نموذج شامل قد يتيح إمكانيات الإحصاء والتصنيف والتحليل بالنسبة للمتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، التى تؤثر على عملية التفاعلات فى المنطقة، وتؤدى إلى حل مبتكر للمشاكل هذا النموذج عرضه الأمير حسن بن طلال ولى عهد الأردن فى مقال نشر فى كتاب نشرته مؤسسة الأهرام بالقاهرة، وناقش فيه عدد من المفكرين الأوروبيين والعرب نتائج حرب الخليج (5).
وقبل أن نقدم هذا النموذج الهام، سنعرض للوضع فى الشرق الأوسط والعالم بعد حرب الخليج.
ثالثا: الشرق الأوسط والعالم:
لم يكن الغزو العراقى للكويت مجرد عمل عدوانى، ينتهك الشرعية الدولية، ولكنه كان عملا معوقا لعملية التحول فى العالم العربى، التى كانت تسير بشكل منتظم قبل الغزو فى هذه العملية، كان هناك اتجاه متنامى لتحويل السياسة العربية من الشمولية إلى التعددية السياسية والديمقراطية، ومن سياسات الاقتصاد الموجه الجامد إلى السياسات الأكثر تحررا، ومن تبنى نظرة مثالية للوحدة العربية إلى نظرة اكثر عملية ترتكز أساسا على التعاون الاقتصادى هذا التطور الأخير، أسفر عن إنشاء ثلاثة مجالس عربية: مجلس التعاون الخليجى، ومجلس التعاون العربى الذى ضم مصر والأردن والعراق واليمن إلى جانب الاتحاد المغاربى.
لقد أدى الغزو العراقى بالفعل إلى تصدع النظام الإقليمى العربى فلم تكتف الأنظمة العرقية المختلفة بمعارضة بعضها البعض إزاء الغزو وحرب الخليج ،ولكن حدثت انقسامات خطيرة بين المفكرين والجماهير العربية.
وبذلك بدا الشرق الأوسط لكثير من المراقبين وكأنه يسبح ضد التيار، متحركا فى اتجاه معاكس لحركة النظام العالمى وبالفعل لقد أكدت أزمة الخليج التباين فى الهيكل الإقليمى (الدول العربية الغنية والفقيرة) وكذلك القضايا المتفجرة والكامنة، (القضية الفلسطينية والنزاع العربى الإسرائيلى) فألقت الضوء على مشكلة أسلحة الدمار الشامل فى المنطقة والمستويات العالية من التسليح ودون الحاجة إلى الذكر فإن الأزمة أوضحت الأهمية المستمرة للبترول باعتباره أحد المصالح الغربية الكبرى إن تقييم النظام الإقليمى العربى بعد أزمة الخليج ينقسم بين نظرتين متعارضتين: الأولى سلبية تؤكد نهاية الوحدة العربية والتحلل المتوقع للعالم العربى والنظرة الثانية نقدية وإيجابية من نفس الوقت، بمعنى أن النقد والنقد الذاتى فى غاية الأهمية ويجب ممارستها لتشخيص وتحليل الممارسات العربية الخاطئة، وكذلك لضرورة تشكيل نظام عربى جديد.
لقد دافع المثقفون العرب من أنصار النظرة الثانية عن قضيتهم فى المؤتمر الهام الذى نظمه منتدى الفكر العربى بالقاهرة الذى عقد فى الفترة بين 7-9 سبتمبر 1991 ،لاستكشاف آفاق جديدة للتعاون الإقليمى العربى وهى خطوة ترتبط بعمق محاولات إنشاء نظام عالمى جديد فما من منطقة بالعالم، تستطيع أن تعيش فى عزلة عن النظام العالمى إن السؤال هو: على أى أساس يمكن للتفاعل أن يحدث بين المناطق المختلفة من العالم حن ناحية، والنظام العالمى من ناحية أخرى والإجابة الصحيحة على هذا السؤال الصعب يجب أن تكون متعددة الأبعاد بسبب تعقيد وتعدد القضايا المطروحة من بين الإجابات الشاملة المتعلقة بالأمن يقدم تقرير لجنة عن قضايا نزع السلاح والأمن، والذى يحمل عنوان عالم فى سلام: الأمن المشترك فى القرن الحادى والعشرين (6) ويشير التقرير إلى أن الأمن هو مفهوم أوسع واكثر تعقيدا من مجرد الحماية من الأسلحة والحرب إن جذور الصراعات وانعدام الاستقرار تشمل الفقر، والتباين الاقتصادى داخل الدول وفيما بينها إلى جانب القمع وإنكار الحريات الأساسية وإذا لم تواجه المشكلات الاجتماعية والاقتصادية للدول المتخلفة فإن الأمن المشترك لا يمكن تحقيقه.
إن تهديدات جديدة للأمن قد بدأت تظهر نتيجة مشكلات بيئية وفى مواجهة هذه التهديدات البشرية، لم يعد الخصوم فى النزاع بين الشرق والغرب متعارضين، لأنهم يواجهون نفس المخاطر، وهى مخاطر يتقاسمونها فى العلاقات بين الشمال والجنوب فى هذا الإطار فإن الأمن المشترك يجب أن يتطور من مفهوم يستهدف الحماية ضد الحرب، إلى مفهوم شامل للسلام العالمى، والعدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية والحماية البيئية.
ولكن حتى إذا تم تبنى هذا المفهوم الشامل للأمن الذى يشمل التنمية والسلام من جانب النظام العالمى الجديد، فسوف تكون هناك حاجة إلى إعادة التفكير بطريقة بناءة فى مفهوم التقدم ومعاييره ومع تغير النظرة العالمية هناك مؤشر إلى أن مفهوم التقدم الموروث من فلسفة الحداثة يعاد التفكير فيه، تحت تأثير اتجاه ما بعد الحداثة الذى يتسم به الفكر الغربى والذى يعتبر دعامة النظام العالمى الجديدة وكنموذج لهذا الاتجاه، يمكننا أن نشير إلى ندوة هامة عقدت فى كراكوف ببولندا فى الفترة ما بين 28 يونية وأول يوليو) 1988 وقد صاغ قراراتها ج س الكسندر وبستوميكا، وتم نشرها فى كتاب بعنوان إعادة التفكير فى التقدم فالمطلوب آلا يعاد التفكير فى التقدم فقط، ولكن أيضا فى معايير التقدم (7).
وقد أثار لستر براون هذه المسألة فى مقاله الهام النظام العالمى الجديد، والذى انتقد فيه القصور فى المعايير السائدة للتقدم، ولأهمية مساهمته، تعرض لمقتطفات مطولة منه (8), يقول براون: من حسن الحظ، هناك اعتراف متزايد بالحاجة إلى وسائل جديدة لقياس التقدم فمنذ بدء استخدام أنظمة الإحصاءات عل المستوى الوطنى قبل نصف قرن، أصبح دخل الفرد هو المعيار المستخدم بشكل واسع لقياس التقدم الاقتصادى وفى المراحل الأولى من التنمية الاقتصادية، كانت زيادة الإنفاق تفسر بشكل مباشر بأنها ارتفاع فى مستوى المعيشة وبذلك اصبح مألوفا ومنطقيا معادلة التقدم بالنمو الاقتصادى رغم ذلك، فإن متوسط الدخل اصبح مع الوقت غير كاف كمعيار للرفاهية ولا يعكس أيضا التدهور المناخى أو الكيفية التى يتم بها توزيع الثروة الزائدة لقد أدت حالة الاستياء المتصاعدة إلى ظهور مقاييس بديلة ومن بين هذه المقاييس مؤشر التنمية البشرية (HDI) الذى أوصت به الأمم المتحدة ومؤشر الرفاهية العامة المستدامة (ISEW) الذى ابتكره هرمان دالى وعالم اللاهوت جون كوب ومؤشر ثالث وهو الاستهلال الفردى للحبوب، هو قياس حساس للتغيرات الاجتماعية فى الدول ذات الدخل المنخفض.
إن مؤشر التنمية البشرية إذا تم قياسه بمقياس صفر إلى واحد فإنه يجمع بين ثلاثة مؤشرات هى: طول العمر والمعرفة، والسيطرة على الموارد المطلوبة للحياة اللائقة وبالنسبة لطول العمر، استخدم فريق الأمم المتحدة احتمالات الحياة بالنسبة للمواليد وبالنسبة للمعرفة استخدم معدلات الإلمام بالقراءة والكتابة حيت أن القراءة هى المفتاح للحصول عل المعلومات والنهم وبالنسبة للسيطرة على الموارد فقد استخدم الناتج المحلى العام بالنسبة للفرد الواحد بعد ربطة بالقوة الشرائية ولأن هذه المؤشرات هى متوسطات وطنية، فإنها لا تتعامل مباشرة مع عدم المساواة فى التوزيع، ولكن مع وجود عنصرى طول العمر، ومعرفة القراءة والكتابة فإن هذه المؤشرات تعكس بشكل غير مباشر عملية توزيع الموارد فارتفاع متوسط العمر مثلا يشير إلى زيادة إمكانيات الرعاية الصحية وإلى توفر كميات مناسبة من الغذاء هذه العملية واسعة النطاق لمراجعة المفاهيم الرئيسية السلام، والتنمية، والأمن، تشير إلى إننا فى بداية مرحلة جديدة ومسئولية دول العالم الثالث بصفة عامة، ودول الشرق الأوسط بصفة خاصة هى أن تقرؤوا بعين النقد هذه التطورات الفكرية والاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، التى تتشكل فى المجتمعات الصناعية المتقدمة حتى تستطيع أن تنضم لهذه الموجة من الرؤى والنظريات والمواقف الجديدة فإن هذه الدول فى حاجة إلى تنمية نظرة جديدة للعالم تمكن شعوبها من مواجهة التحديات أمامها.
رابعا: التنمية فى الشرق الأوسط برنامج للمستقبل:
إن التنمية فى الشرق الأوسط تحتاج إلى برنامج للمستقبل هذا البرنامج يجب أن يرتكز على إطار شامل يضع فى الاعتبار معايير الاستراتيجية الطبيعية والأبعاد الأمنية بحيث يتم تعريفها بشكل واضح يشمل الجوانب العسكرية، والسياسية والاقتصادية وقبل تقديم هذا النسيج الذى يبين الروابط العضوية بين هذه العناصر المختلفة فإننا نحتاج إلى مواجهة مشكلات الحاضر فى الشرق الأوسط بعد صدمة حرب الخليج.
الملاحظة الأولى هى أن العدالة التى تحققت بتحرير الكويت خلفت وراءها صدمات عديدة وأسوأ هذه الصدمات دون شك هى الكم الهائل من الضحايا فى الأرواح إلى جانب الأضرار المادية ومنهج العمل الذى اتخذه مجلس الأمن بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والذى أكد أن العقوبات ضد العراق يجب أن تستمر قد اتخذ لسوء الحظ شكل الانتقام الموجه فى نهاية الأمر ضد الشعب العراقى الذى يعانى بصورة مروعة بسبب نقص الغذاء والدواء لذلك يجب علينا نحن المفكرين، وكذلك المنظمات غير الحكومية أن نوجه نداء للمجتمع الدولى بألا يرغم الشعب العراقى على المعاناة المفرطة فاستمرار العقوبات سيجعل الشعب هناك يشعر بالمرارة والعداء (9).
فهناك حاجة ملحة إلى التخلص من هذه النزعة الانتقامية، وخفض الفجوة بين الأغنياء والفقراء فى العالم العربى ومن ناحية أخرى، يجب تشجيع الاتجاه نحو الديمقراطية بوسائل مختلفة ثم أن عملية التحكم فى تجارة السلاح وخفض الأسلحة الاستراتيجية يجب أن يطبق ليس فقط على العراق، ولكن أيضا على إسرائيل التى تعتبر مصدرا هاما لتهديد الأمن العربى ويجب بذل جهد ضخم لتحقيق المصالحة العرقية ولسنا فى حاجة إلى أن تقول انه حتى يحافظ النظام العالمى الجديد على مصداقيته يتعين التخلص من ازدواجية المعايير فالإجراءات التى اتخذت ضد الغزو العراقى للكويت يجب أن تطبق أيضا ضد إسرائيل وذلك إذا ما رفضت تنفيذ قرارات مجلس الأمن المتعلقة بالمناطق الفلسطينية والعربية المحتلة (10).
ولكن هذه التحركات وهذه الإجراءات كلها، يجب أن تكون موجهة كما ذكرنا من قبل فى إطار مفهوم شامل.
هذا الإطار تم شرحه فى بحث أردنى يحمل اسم أزمة الخليج:
وجهة نظر أردنية حيث تم رسم خريطة تبين أشكال التفاعلات بين المعايير الاستراتيجية الطبيعة النى تحددها العوامل التالية: الديمواجرافية، البترول، الماء، الديون العنصرية (القومية والدينة) والإرهاب، أسلحة الدمار الشامل، الأبعاد الأمنية، والعسكرية والسياسية والاقتصادية نحو هيكل أمنى إقليمى جديد ترى هذه الرؤية الأردنية المبكرة أن الأحداث الأخيرة وضعت منطقة الشرق الأوسط بشكل مفاجئ فى وعاء ساخن حدث هذا بسرعة فى إعقاب الأحداث التاريخية على مستوى العالم عام 1989 فلم يجد صناع القرار وقتا كافيا لاستيعاب قوى الجذب الجديدة التى صعدت مع نهاية الحرب الباردة فقد أشار بعض المحللين إلى الاختفاء الظاهرى للتأثير المقيد الناجم عن مواجهة بين الشرق والغرب على القوى الإقليمية فالحاجة الملحة لمفهوم أمن جديد لا تحتاج إلى مزيد من التأكيد فكل الأبعاد الاقتصادية والسياسية والعسكرية يجب أن توضع فى الاعتبار فى هذا الإطار الأمنى على المستويين العالمى والإقليمى فالنزعة العاملة فى الأزمة الراهنة تحرك المنطقة نحو موقف حمائى لتأمين المصادر الحيوية للبترول للمجتمع الدولى، مما سيؤدى إلى انقسامات لا مفر منها، إلا أن الاتجاه الإقليمى الاندماجى لديه فرص اكبر للنجاح فدون الحاجة إلى التضحية بالمبدأ، يجب السعى نحو اتجاه اقل إهدارا للجوانب الإنسانية والمالية فى التعامل مع الأزمة الراهنة كما أن المصالح يجب أن يعاد تقييمها للمساعدة فى تطوير عملية لأمن والتعاون فى المنطقة فليس من الضرورى إغراق الشرق الأوسط فى حرب مروعة قبل البدء فى هده العملية بشكل واقعى والمساندة الحفازة من جانب قادة العالم مطلوبة قبل فوات الأوان فالقانون الدولى ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة هما المبادئ التى توجه الجهود الأردنية ولا يعنى هذا أن الأردن لا يعى التهديدات أو نتائج الأزمة الراهنة على نفسه وعلى المنطقة، ولكن، نتيجة للإدراك العميق لمثل هذه النتائج، فإن الأردن بنظرته المستقبلية يضع فى الاعتبار احتمال فشل الوسائل البديلة لإعادة حكم القانون الدولى فالساحة يجب أن تعد الآن لتجنب عقود من الفوضى والمعاناة للأجيال القادمة.
إن الربط أو الدمج الساذج للنزاعات المختلفة فى المنطقة هو أمر غير مجد فهو لا يخدم إلا فى تحويل الاهتمام عن المهمة الأخطر، وهى دراسة التفاعل القائم بين المعايير الإستراتيجية الطبيعية والأمن وقد يعتبر بعض صناع القرار أنه فى الوقت الراهن، لا يوجد بديل للاتجاه الأمنى العسكرى.
وقد تصادف أن النزاعات الإقليمية المختلفة فى الشرق الأوسط كانت بين دول متجاورة جغرافيا، ويجب مواجهتا بشكل منفصل ودون ربط.
وهناك اتجاه مفرط فى التبسيط يقوم على أساس الوحدة الجغرافية للمنطقة فقط وهو اتجاه لا فائدة عملية منه فالمطلوب هو المواجهة الشاملة للعناصر الأخرى للوحدة داخل المنطقة فالشعوب والموارد والأيديولوجيات تشابكت فى نسيح من التفاعلات المعقدة فى أنحاء الشرق الأوسط فالفلسطينيون فى الانتفاضة لهم أقارب فى كل من لبنان والخليج ويبلغ عدد الفلسطينيين المقيمين فى دول الخليج نفس عددها فى إسرائيل أو غزة فالاتجاهات السكانية واحتياجات المياه تتحرك نحو سيناريو متفجر فى المنطقة وتدفق الأموال وكذلك الحقائق الاقتصادية الإقليمية تعتبر نموذجا متناقضا فالاتجاه التعددى القابل للتطبيق هو الذى يعتبره كثير من المحللين البديل الوحيد لسياسة الراديكالية (سواء كانت قومية أو دينية) والقمع.
إن مهمة تطوير حركة إقليمية قابلة للتطبيق فى الشرق الأوسط تستحق المساندة فبدلا من الربط الساذج يكون الهدف هو فك العناصر الاستراتيجية الطبيعية وتحليل تفاعلها مع بعضها البعض من ناحية ومن ناحية أخرى تحليل علاقاتها المتبادلة مع الأبعاد المختلفة للأمن مثل هذا النسيج الأمنى (القوى الاستراتيجية الطبيعية) يمكن أن يكون مفيدا فى وضع هيكل أمنى جديد قابل للتطبيق فى المنطقة هذا الهيكل يجب أن يرضى فى نفس الوقت مصالح المجتمع الدولى ويحقق أولويات وطموحات الدول والشعوب المختلفة فى المنطقة، والواقع أن الأزمة الراهنة قد وسعت الفجوة بين الحكومات والشعوب وكذلك بين الحكومات والحكومات الأخرى فالمشاعر القومية القديمة قد انتعشت، وتجددت بسرعة خلال الأزمة لكى تتشابك مع الطموحات الدينية الموروثة من الثمانينات. وفى إطار هيكل أمنى جديد قابل للتطبيق فى الشرق الأوسط، يتعين أن تكون للشعوب وطموحاتها أهمية بارزة لا تقل عن أهمية البترول فمع تحركنا نحو القرن ألـ 21، فإن الترتيبات الأمنية المفرطة فى التبسيط والتى تنطوى على مفارقات تاريخية، وتقوم فقط على أبعاد عسكرية هى ترتيبات مكلفة جدا وفرصها فى النجاة ضئيلة ويظهر الإطار التالى اتجاها محتملا متعدد الأبعاد، وهو الإطار المطلوب لفك الموقف المعقد الراهن إن المعايير فى الإسترايتجية الطبيعية تشير إلى العناصر المتعلقة بالشعوب (الدراسة الديمواجرافيا الإحصائية للسكان) الموارد (البترول، والماء والديون والأيديولوجية/ مذهب الفعالية (الراديكالية، الإرهاب، أسلحة الدمار الشامل) وهذه العناصر هى مجرد عناصر للدلالة ويمكن إضافة المزيد إليها والغرض من هذا النسيج هو إظهار التفاعل بين العناصر الإستراتيجية الطبيعية ومفهوم الأمن بتعريفه الواسع.
هذه الأمثلة تخدم فى توضيح التفاعل بين عناصر مثل
(الدراسة الإحصائية للسكان ) والديون والراديكالية، وأسلحة الدمار الشامل من ناحية، والأبعاد المختلفة للأمن من ناحية أخرى إن مجموعة من الخبراء المتخصصين مطلوبة للعمل على أساس هذه المفاهيم لكى تقدم تقريرا يمهد الطريق لمؤتمر حول الأمن، والتعاون فى الشرق الأوسط.
هذه الرؤية الأردنية المبكرة، قد تكون من أولى الرؤى العربية التى استشرقت المستقبل، واستعدت له ويؤكد ذلك التطورات الأخيرة الهامة، وأهمها كل الجدل الذى ثار حول التعاون الشرق أوسطى والذى انغمس فيه المثقفون العرب بين مؤيد ومعارض، بغير التفات كاف إلى التغيرات الفعلية العميقة التى تحدث على الأرض لقد كان اتفاق غزة أريحا أولا الذى وضع اللبنات الأولى للتعاون الإسرائيلى للفلسطينيين فى مجال الاقتصاد، هو الذى شجع دولا عربية أخرى أن تسير فى طريق الحل السلمى مع إسرائيل بما يتضمن أساسا بين علاقات طبيعية وتعاون اقتصادى يقوم على أساس التعاون الإقليمى وفى هذه الخطوات ليست سوى بداية رسم خريطة جديدة فى الشرق الأوسط والبحر الأبيض المتوسط.
الهوامش:
بحث قدم للندوة الأولى للجنة دراسة الأمن والتنمية بالبحر الأبيض المتوسط التى نظمها معهد الشئون الدولية فى روما بالاشتراك مع مركز الأهرام للدراسة السياسية والاستراتيجية فى روما.
ترجمة: سلوى حبيب.
جدير بالإشارة إلى أنه صدرت ترجمة عربية ممتازة للكتاب بقلم الدبلوماسى السورى المعروف د. ذكريا إسماعيل.
أنظر: جاك اتالى، آفاق المستقبل، ترجمة د. محمد ذكريا إسماعيل،بيروت، دار العلم للملايين، 1991.
يمكن القول أن هذه الرؤية الأردنية المبكرة تعد استشراقا للمستقبل واستباقا للأحداث التى وقعت فعلا بعد كتابة هذا البحث وأهمها على الإطلاق اتفاق غزة وأريحا أولا، واتفاق المبادئ الإسرائيلى الأردنى: وبداية التطبيع الفعلى بين إسرائيل والأردن.
المراجع:
(1) ج. انالى LIGNES D HORIZON، باريس، فايار، 1990.
(2) ج. د. جاديس STRATEGIES OF CONTAINMENT نيويورك، مطبعة جامعة اكسفورد 1882.
(3) سو هاينز THE NEW DECADE ،FOREIGN POLICY، العدد 80، خريف 1990 3-13.
(4) إيهلايبسون MEDITERRANEAN QUARTERLY, THINKING ABOUT THE Mediterranean المجلد الأول، العدد الأول، شتاء 1990، 50-66
(5) هـ. بن طلال، بعد حرب الخليج:
نحو مؤتمر للسلام والتعاون فى الشرق الأوسط فى ماذا بعد عاصفة الخليج: رؤية دولية بمستقبل الشرق الأوسط، القاهرة،الأهرام، 1992(بالعربية) 125-136 (6) عالم فى سلام، الأمن المشترك فى القرن الـ21، ستوكهولم، لجنة بام، أبريل 1991
(7) ج.س. الكسندر وستوم RETHINKING PROGRESS بوسطن، اونوين هيمن 1990
(8) د. براون THE STATE OF THE WORLD نيويورك، وو نورثون أند كومبانى 1991 (9) س كيموار: كيف نعالج الصدمة، ودور اليابان، بحث مقدم للحوار العربى اليابانى، الثانى، طوكيو 7-9
1991.
(10) أ.هـ. دسوقى، الشرق الأوسط والنظام العالمى المتغير فى مرحلة ما بعد حرب الخليج REFERENCES:
1) ATTALI, J, LIGNES D HORIZON PARIS: FAYARD, 1990
2) GADDIS, JL, STRATEGIES OF CONTAINMENT, New York: OXFORD UNIVERSITY PRESS, 1982
3) MAYNES, CW, THE NEW DECADE, FOREIGN POLICY NO80, FALL 1990,3 13
4) LAIPSON E, THINKING ABOUT THE MEDITERRANEAN, MEDITERRANEAN QUARTERLY, V1, NO1, WINTER 1990,50 66
5) BEN TALAL, H, AFTER THE GULF WAR; TOWARDS CONFERENCE OF PEACE AND COOPERATION IN THE MIDDLE EAST, IN: WHAT AFTER THE GULF STORM; ANINTERNATIONAL VISION FOR THE FUTURE OF THE MIDDLE EAST, CAIRO, ALAHRAM 1992 (IN ARABIC) 125-136
6) A WORLD AT PEACE, COMMON SECURITY IN THE TWENTY FIRST CENTURY, STOCKOLM THE PALME COMISSION, APRIL 1991
7) ALEXANDER, JC& SZTOM PKA,P, RETHINKING PROGRESS, BOSTON, UNWIN HYMEN, 1990
8) BROWN,L, THE STATE OF THE WORLD, NEW YORK; WW NORTHON AND COMPANY,1991
9) KIMURA,S, HOW TO HEAL THE TRUMA AND ROLE OF JAPAN, JAPAN, PAPER PRESENTED TO THE SECOND ARAB JAPANESE DIALOGUE, TOKYO, 7-9 ,1991
10) DESSOUKI, AH, THE MIDDLE EAST AND CHANGING WORLD ORDER IN THE POST GULF WAR ERA, IBID