Share |
اكتوبر 1994
1
صعود اليمن المتطرف فى فرنسا فى الثمانينيات.
المصدر: السياسة الدولية

إن صعود اليمين المتطرف عل الساحة السياسية فى فرنسا وفى باقى الدول الأوروبية فى الثمانينات اصبح ظاهرة لافتة للنظر ومدعاة للدراسات التحليلية المتعمقة،خاصة وان النجاح السياسى لليمين المتطرف الفرنسى على مدى اكثر من عشر سنوات أثبت انه ليس ظاهرة مؤقتة، بل هى ظاهرة مستمرة جذورها ضارية فى أعماق التاريخ السياسى الفرنسى، وأسبابها معقدة ومتشابكة ومستمرة فى الواقع السياسى والاجتماعى والاقتصادى، ولا توجد أية مؤشرات تنبئ على اختفائها فى المستقبل القريب وبالرغم من أنه من الصعوبة بمكان محاولة تحديد اليمين المتطرف فى أوروبا بصفة عامة بسبب اختلاف طبيعة الأحزاب اليمينية المتطرفة الأوروبية من حيث أيديولوجيتها وإستراتيجيتها ورد الفعل الجماهيرى لها خاصة وان بعضها اكثر جماهيرية واقل تطرفا من البعض الأخر، إلا أن ما يوحد بينها هو إجماعها على نوع من الرفض العرقى والعداء للأجانب والمهاجرين واللاجئين من خارج البلاد وخاصة من العالم الثالث فهذه الأحزاب تعبر عن فكر قومى محلى يتصف بالعدوانية لكل ما هو أجنبى وبالرغم من أن هذا العداء كان موجودا دائما فى المجتمعات الأوروبية وكانت تمثله أحزاب اليمين المعتدل مثل حزب المحافظين البريطانى و التجمع من أجل الجمهورية الديجولى و الاتحاد من اجل الديمقراطية الفرنسية إلا أن هذا التعصب القومى والرفض القومى لم يكن يحتل هذه الأهمية المحورية فى برامج تلك الأحزاب كما أصبح الحال بالنسبة لأحزاب اليمين المتطرف الأوربى التى جعلت من قضية الهجرة المبرر الأساسى لوجودها والمحرك الفعلى لأنشطتها السياسية (1).
وتهدف هذه الدراسة إلى رصد ظاهرة صعود اليمين المتطرف فى فرنسا بالذات، وتحديد أبعادها حيث حققت الجبهة القومية نجاحا ملحوظا فى الانتخابات الفرنسية والأوروبية فى الثمانينات، وأصبح لها دور مؤثر فى الحياة السياسية داخل فرنسا وفى الجماعة الأوروبية ولا تقف الدراسة عند هذا الحد وإنما تتبع وتحلل العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية التى أدت إلى صعود اليمين المتطرف على الساحة السياسية الفرنسية محاولة تقييم تلك الظاهرة، وهل هى عابرة أم تمثل اتجاها مستمرا سيظل عنصرا فاعلا فى السياسة الفرنسية فى المستقبل بحيث يمكن أن يعيد تشكيل الخريطة السياسية والحزبية الداخلية فى فرنسا والإقليمية فى أوروبا.
وتبدأ هذه الدراسة بتحديد أبعاد النجاح السياسى لليمين المتطرف الفرنسى، ثم تنتقل إلى تحليل أسباب صعود اليمين المتطرف الفرنسى وتبوؤه مركزا مؤثرا على السياسة الفرنسية والأوروبية، وتنتهى أخيرا بمناقشة مستقبل هذا التيار السياسى وعوامل استمراريته وآثاره على الحياة السياسية الفرنسية.
أبعاد النجاح السياسى لليمين المتطرف الفرنسى:
لا يعتبر اليمين المتطرف الفرنسى تيارا سياسيا جديدا على الساحة الفرنسية حيث ترجع أصوله إلى القرن التاسع عشر(2)، إلا انه توجد اختلافات حول استخدام مدلول اليمين المتطرف الآن نظرا للتطورات التى لحقته أيديولوجيا وحركيا.
ففى القرن التاسع عشر كان هناك تمييز بين المحافظين الذين أرادوا المحافظة عل الوضع القائم، وبين الرجعيين الذين أرادوا إعادة الوضع القديم ولو بالقوة إن اقتضت الضرورة وهؤلاء هم الذين كانوا يعرفون باسم اليمين المتطرف أما اليمين المتطرف.
الجديد الذى ظهر فى السبعينيات، وحقق نجاحا غير متوقع فى الثمانينيات والتسعينيات، فهو مختلف من حيث انه يعبر عن حركة تبحث عن تغيير أيديولوجى شامل بدون مناقشة شرعية الدستور أو المؤسسات القائمة فى الدولة فالجبهة القومية تعتبر أن المبرر الأساسى لوجودها هو تمثيلها للثقافة والهوية الفرنسية التى تدعى أن الأحزاب السياسية الأخرى وأجهزة الإعلام لا تعبر عنها بصدق، كما أنها تتحرك بدعوى الدفاع عن التقاليد الفرنسية التى هى اقدم من دستور الجمهورية الخامسة ذاته (3). وتمتد جذور الجبهة القومية الفرنسية إلى فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية حين انكمش التيار اليمينى المتطرف بعد فقدان الثقة الذى تعرض له نتيجة لتجربة نظام فيشى وتعاونه مع ألمانيا النازية، فاختفت الجماعات اليمينية المتطرفة الصغيرة التى كانت قائمة فى ذلك الوقت وتوقفت عن ممارسة أى نشاط سياسى (4).
ولم يبدأ التيار اليمينى المتطرف فى النشاط سياسيا من جديد إلا فى منتصف الخمسينيات على يد بيير بوجاد Pierre Poujade الذى استغل المخاوف النى ظهرت مع عملية التحديث والتصنيع التى شهدتها فرنسا، والتغيرات السياسية الكبيرة التى صاحبت حركة تصفية الاستعمار فى هذه الفترة.
لقد قام بوجاد فى نوفمبر 1953بتكوين الاتحاد من اجل الدفاع عن التجار والحرفيين الذى ضم هؤلاء الذين انتابتهم حالة من القلق بسبب التغيرات التى لحقت بالنظام الاقتصادى فى مرحلة ما بعد الحرب، وكان مطلبهم الأساسى فى البداية هو إصلاح النظام المالى ثم تطور التنظيم فقام بانتقاد النظام السياسى برمته وكانت تلك هى البداية نحو حركة جماهيرية قومية مضادة للبرلمان ومضادة للمثقفين، وأصبحت بعد ذلك حركة عدوانية وتحولت إلى معاداة الأجانب ومعاداة السامية وقد حققت الحركة البوجادية نجاحا ملحوظا فى الانتخابات التشريعية فى يناير 1956 فحصلت على 11,6% من الأصوات ومثلها 52عضوا فى البرلمان كان منهم جان مارى لوين Jean Marie Le Pen الذى وصل لأول مرة إلى الجمعية الوطنية فى هذه الفترة (5).
ولكن الحركة البوجادية فقدت مؤيديها بسرعة ابتداء من 1958مع رجوع ديجول إلى الحياة السياسية وقيام الجمهورية الخامسة وقد واكب حركات التحرر القومى ضد الاستعمار الفرنسى فى شمال أفريقيا وفى أسيا إحياء اليمين المتطرف مرة أخرى فقد أدى سقوط ديان بيان فو ثم بداية حرب التحرير الجزائرية فى 1954إلى تجمع الجماعات المتطرفة الفرنسية حول المناداة بالجزائر فرنسية، ثم بدأت تنظم الكفاح ضد الشيوعية التى اعتبرتها المسئول الأول عن تدهور فرنسا وضياع إمبراطوريتها فقامت حركة الجزائر فرنسية لتضم مجموعة محافظة تدافع عن مشروع مضاد للثورة الجزائرية، قائم على القومية المسيحية ومعاد للديجوليين وقد نجحت هذه الحركة فى جذب مجموعة فاشية نشطة اشتركت فى محاربة حركات التحرر الوطنى فى المستعمرات الفرنسية وكان من نتائج استفتاء 8 يناير 1961الذى أيد حق تقرير المصير للجزائريين بنسبة 53,65% ضد 17,88%من المعارضين، إن بدا نشاط منظمة يمينية متطرفة أخرى هى منظمة الجيش السرى الفرنسى.
OAS) Organisation Armee Secrete)
التى قامت بأعمال الإرهاب المتعددة، وألغيت تأييد القيادات المتطرفة والفاشية، إلا أن هذه المنظمة لم يكتب لها الاستمرار واختفت بسرعة بسبب انعدام التجانس بين أعضائها والانشقاقات المتعددة التى حدثت فى داخلها (6). وفى الستينيات تكونت أيضا حركات طلابية يمينية متطرفة مثل اتحاد الطلبة القوميين
Federation Desetudiants Nationalistes الذى ظهر فى مايو 1960 وضم القوميين المتشددين والفاشيين الجدد (7).
وكذلك جماعة النظام الجديد Order Nouveau التى نشأت فى نوفمبر 1969والتى تعتبر أهم المنظمات الطلابية النى نشأت بعد مظاهرات الطلبة فى مايو 1968 من حيث العدد، وضمت مجموعة نشطة من المناضلين كان هدفهم إقامة حكومة قومية جماهيرية ثورية مضادة للبلشفية (8).
وفى واقع الأمر فقد تكونت الجبهة القومية التى أصبحت تمثل تيار اليمينى المتطرف وتقوده فى أكتوبر 1972 من اتحاد اتجاهات سياسية مختلفة، وجماعات صغيرة، وأعضاء سابقين فى التنظيمات اليمينية المتطرفة السابق ذكرها، وغيرها مما لا يتسع المجال هنا للإشارة إليها(9). ويمكن التمييز فى داخل هذه الجبهة عند إنشائها بين تيارين أساسيين أولهما التيار الذى يمثله القوميون المعادون للديجولية ويعبرون عن تيار محافظ جماهيريا وهم الذين تكونوا سياسيا فى مدرسة البوجادية ولم يمارسوا العمل السياسى فيما بين 1965 1972، ويمثلهم لوبن.
أما التيار الثانى فهو الذى كان يمثل حركة طلابية قومية أوربية نشطة تستخدم العنف وتمثل الميراث الفاشى الجديد الذى نشأ فى الخمسينيات، وتم تعبئته فى فترة الكفاح من أجل الجزائر فرنسية، وضاعف من نشاطه فى المواجهة مع المنظمات اليسارية للسيطرة السياسية على الجامعة (10). ولا يقف الجديد فى التيار اليمينى المتطرف الحالى عند حد تشكيله الحديث وقيادته التى تركزت فى لوبن الوجه السياسى القديم فى الحركة البوجادية إنما فى الصورة الجديدة الذى ظهر عليها هذا الحزب، والشعبية و الكاريزما التى لحقت بقائدة فى الثمانينات، وكذلك فبالتغير الأيديولوجى الذى لحق بهذا الحزب بحيث اصبح يعبر عن يمين راديكالى جماهيرى.
وهذا التعبير أصبح يطلق على اليمين المتطرف ليس فقط فى فرنسا ولكن فى أوربا كلها معبرا عن اختلافه من الناحية الأيديولوجية والحركية عن اليمين المتطرف القديم فهو راديكالى ؤ رفضه للنظام الاجتماعى والثقافى والسياسى القائم، ودفاعه عن المنجزات الفردية والسوق الحرة وتقليل دور الدولة إلى أقصى ما يمكن، وهو يمينى فى رفضه للمساواة الاجتماعية والفردية وفى معارضته للدمج الاجتماعى للجماعات الهامشية وفى تأييده للعداء للأجانب إلى حد العنصرية فى كثير من الأحيان، وهو أخيرا جماهيرى فى استخدامه لمشاعر القلق وعدم الرضاء عن الوضع السياسى والاجتماعى والاقتصادى لدى المواطن العادى (11).
مؤشرات النجاح السياسى للجبهة القومية:
لقد واجهت الجبهة القومية فى الفترة الأولى بعد إنشائها فشلا سياسيا استمر حتى 1983 حيث تقدم لوبن إلى المرحلة الأولى فى انتخابات الرئاسة الفرنسية عام 1974 وحقق نتيجة هامشية هى ,67% من الأصوات المشتركة فى الانتخابات ثم وصل الفشل أقصاه فى انتخابات الرئاسة لعام 1981حين لم يستطع لوبن أن يحصل على الخمسمائة توقيع اللازمة ليستطيع أن يتقدم بالترشيح فى هذه الانتخابات، وفى الانتخابات التشريعية فى نفس العام لم تحصل الجبهة القومية إلا على 18,% من الأصوات (12).
وقد بدا صعود الجبهة القومية فى الانتخابات المحلية فى مارس 1983 حيث حصل لوبن على 11,3% من الأصوات فى الدائرة رقم20 فى إقليم باريس، ثم جاعت الانتخابات المحلية الجزئية فى سبتمبر 1983فحصلت قائمة الجبهة القومية فى إقليم دور Dreux على
16,7 % من الأصوات وفى إقليم اولناى Aulnay sous Bois على 93% وفى ديسمبر 1983 حصل لوبن فى الانتخابات التشريعية الجزئية على 12% من الأصوات فى الدائرة الثانية فى موربيهان Morbihan (13). إلا أن النجاح غير المتوقع الذى حققته الجبهة القومية كان فى الانتخابات الأوربية فى يونيو 1984فقد حققت قائمتها 11% من الأصوات، أى أن اكثر من مليونين من الناخبين الفرنسيين أعطوا أصواتهم لليمين المتطرف (14).
ويلاحظ بالنسبة لهذه الانتخابات أن الجبهة القومية حققت نسبة قريبة كن تلك التى وصلت إليها الحركة البوجادية فى الانتخابات التشريعية فى يناير 1965التى حصلت فيها على 12,8% ولكن اللافت للنظر هو فى اختلاف التوزيع الإقليمى للأصوات فبينما انحصر تيار اليمين المتطرف فى الخمسينيات فى الأقاليم الريفية، نجد إن الجبهة القومية فى الثمانينيات نجحت فى اختراق المناطق الحضرية الفرنسية فى الجنوب الشرقى وفى الشرق وفى الشمال، واعتبر ذلك مؤشرا على أن اليمين المتطرف لم يعد يمثل احتجاج الماضى الفرنسى كما كان الوضع فى الخمسينات والستينيات حين كان نشاطه هو رد فعل لعملية التحديث الاقتصادى والاجتماعى داخل فرنسا وحركات التحرير القومى فى مستعمراتها وإنما اصبح يعبر أكثر عن مصاعب المعيشة فى فرنسا المتحضرة التى وان حققت تقدما فى مجال التحديث الاقتصادى إلا أنها أصبحت تعانى من الأزمة وبتحليل نتائج هذه الانتخابات وتوزيعاتها الإقليمية بدأت عملية الربط بين التصويت إلى جانب الجبهة القومية وبين مشاكل المراكز الحضرية التى يسكنها نسبة عالية من المهاجرين وخاصة هؤلاء الذين من أصل مغربى، خاصة وان الجبهة القومية اخترقت هذه في الأقاليم الجديدة انتخابيا على حساب كل من اليسار واليمين المعتدل فبعض هذه المناطق كانت معتادة على إعطاء أصواتها لليسار فى وسط فرنسا وجنوبها، والبعض الآخر كان يصوت لليمين المعتدل فى شرق فرنسا وشمالها (15).
وفى هذه الفترة ساد الاعتقاد بين المحللين السياسيين أن الانتخابات الأوروبية ليست مؤشرا كافيا على استمرارية الجبهة القومية على الساحة السياسية، حيث أن نسبة المشاركين فيها منخفضة بالمقارنة بالانتخابات القومية الفرنسية فهى لم تتعد 56,8% إلا أن نتائج الانتخابات المحلية للمقاطعات الفرنسية التى جرت فى مارس 1985 جاءت لتكذب ذلك التكهن فلقد استطاعت الجبهة القومية أن تقدم عددا كبيرا من المرشحين فى هذه الانتخابات بلغ 1521مرشحا حصلوا على 8,8% برش من الأصوات المشتركة، وهو ما عجزت عنه فى انتخابات مارس 1982حين قدمت 65 مرشحا فقط وحصلت على 6,% من الأصوات المشتركة ودلالة ذلك أذن أن الجبهة القومية حققت رقما قياسيا بالنسبة للانتخابات المحلية واستطاعت بذلك أن تستقر فى المناطق الحضرية الفرنسية واصبح لها وجود لا يستهان وقد بدأ استقرار وضع، الجبهة القومية انتخابيا فى فرنسا فى الانتخابات التشريعية والإقليمية فى مارس 1986حيث طبق نظام الانتخابات الجديد على أساس التمثيل النسبى الذى صدر بقانون 17 يوليو1985 فقد استطاعت قوائم الجبهة القومية فى الانتخابات التشريعية أن تحصل على تأييد 2,760880 ناخب يمثلون 9,9% من الأصوات المشتركة، واصبح للجبهة القومية35 نائبا فى مقاعد البرلمان كذلك حصلت الجبهة القومية فى الانتخابات الإقليمية على 9,6% من الأصوات المشتركة أدخلت بذلك اكثر من 130مستشارا إقليميا فى 21 من جملة 22 مجلس إقليمى فرنسى ولم يقتصر أداؤها فى هذه الانتخابات على ذلك، وإنما ساعدت مرشحى اليمين الكلاسيكى على النجاح فى 6 أقاليم، كما قام تحالف بينها وبينه فى بعض الأقاليم الأخرى ولا يخفى أن نظام التمثيل النسبى ساعد الجبهة القومية على تحقيق هذا النجاح ويلاحظ أن التوزيع الإقليمى لمؤيدى الجبهة القومية انتخابات 1986 لم يختلف عن انتخابات 1984، 1985 حيث استقطبت الأصوات فى المناطق الحضرية التى يسكنها نسبة عالية من المهاجرين، ومعنى استقرار الجبهة القومية فى المناطق الشعبية ونجاحها انتخابيا فيها، إنها كسبت مؤيدين من البروليتاريا وهم يمثلون شريحة جديدة من الناخبين الذين انضموا إلى قائمة المؤيدين لليمين المتطرف عل حساب أحزاب اليسار واليمين المعتدل وبالرغم من أن الانتخابات الرئاسية عادة ما تكون غير مواتية بالنسبة للمرشحين المتطرفين، إلا أن لوبن، حقق رقما قياسيا بالنسبة لليمين المتطرف فى انتخابات الرئاسة الفرنسية فى إبريل 1988، حيث حصل عل تأييد أكثر من أربعة ونصف مليون مواطن يمثلون 14,4%من في الأصوات المشتركة فى الانتخابات ودلالة هذه النتائج أن اليمين المتطرف الفرنسى اصبح عنصرا فاعلا فى السياسة الفرنسية، وخاصة بعد أن قوى مركزة فى مختلف الأقاليم وثبت ركيزته لدى كل الأوساط الاجتماعية وتعدى مؤيديه من التجار والعمال نسبة 20 %(16).
ولكن فى 1988بدأ التحول فى مركز الجبهة القومية السياسى ففى يونيو من نفس العام حصلت الجبهة القومية على 9,8% فقط من الأصوات فى الانتخابات التشريعية وذلك بعد أن ألغى العمل بنظام الانتخابات القائم على التمثيل النسبى وتمت العودة إلى نظام الأغلبية على مرحلتين بما هو معروف عنه من ضياع الأصوات المؤيدة للأحزاب الصغيرة فى المرحلة الثانية، واعتماده على التحالفات الانتخابية بالدرجة الأولى وبالفعل قام اليمين المعتدل بإتباع استراتيجية جديدة وهى تقديم مرشح واحد منذ البداية يمثل تحالفا انتخابيا بين التجمع من أجل الجمهورية و الاتحاد من اجل الديمقراطية الفرنسية.
وقد أدى ذلك إلى تراجع دور الجبهة القومية فى كثير من الحالات إلى مبرد مساندة مرشحى اليمين، بل أن ما ساعد الجبهة القومية على النجاح فى 9 دوائر انتخابية هو الاتفاق الذى حدث بينها وبين اليمين المعتدل على أن يكون مرشحوها هم الممثلون الوحيدون لليمين فى هذه الدوائر بحد أن هدد لوبن بتأييد مرشحى اليسار (17). وقد تكرر نفس المشهد فى الانتخابات المحلية للمقاطعات فى سبتمبر 1988حيث أدى نظام الانتخاب بالأغلبية على مرحلتين إلى انحسار نتائج التصويت لصالح الجبهة الوطنية إلى 5,2% الأصوات المشتركة فى الانتخابات. واستمر التراجع انتخابى الجبهة القومية فى الانتخابات المحلية فى مارس 1989 فحصلت فقط على 2,5% من الأصوات المشتركة فى الانتخابات، واثبت النظام الانتخابى الجديد بذلك أن اليمين المتطرف لا يمكن أن يحقق نباحا فى ظله إلا إذا اتفق أو تحالف مع اليمين المعتدل حيث انه يشجع التجمعات السياسية الكبيرة التى لا تأثير ونفوذ محلى قوى.
ولكن من اللافت للنظر أن الانحسار الانتخابى للجبهة القومية داخل فرنسا فى أواخر الثمانينات قابلة استمرار نفوذها المتزايد على مستوى الانتخابات للبرلمان الأوروبى فقد حصلت فى الانتخابات الأوربية التى جرت فى يونيو 1989على نسبة 11,8% من الأصوات المشتركة فى الانتخابات بما يقارب نفس النسبة التى بلغتها فى انتخابات 1984(18)، فظل بذلك اليمين المتطرف الفرنسى هو أهم تجمع يمينى فى الجماعة الأوروبية (19).
إلا انه لا يجب أن ننسى أن ذلك قد حدث فى إطار نظام التمثيل النسبى الذى تطبقه الجماعة الأوروبية فى انتخاباتها.
وبتحليل الموقف الانتخابى للجبهة القومية فى الثمانينيات وتطوره تبدو عدة ملاحظات:
أولا: نجح اليمين المتطرف الفرنسى فى أن يحشد خلفه لأول مرة مجموعات متناقضة من المؤيدين تنتمى إلى شرائح اجتماعية غريبة على هذا التيار السياسى، فضم أصحاب الوظائف المستقلة وأصحاب المصانع الصغيرة والتجار والحرفيين من جانب وهم الأعضاء التقليديون لليمين المتطرف (20)، كما ضم من جانب أخر العمال وخاصة من يحتلون أعلى الهرم العمالى.
ومعنى ذلك أن نجاح هذا التيار السياسى يرجع إلى قدرته على تحقيق تحالف انتخابى بين شرائح من الطبقة العاملة وشرائح من الطبقة المتوسطة (21).
ثانيا: استطاع اليمين المتطرف الفرنسى أن يجذب كلا من المستفيدين والخاسرين من عملية التحديث التى شهدتها فرنسا بعد الحرفي العالمية الثانية فقد ضم الذين حققوا مكاسب من عملية التحديث هذه واستفادوا مما صحبها من فردية وتخصص مثل الحرفيين الجدد الذين خلقوا وظائفهم بأنفسهم ولكن ضغوط السوق أصبحت تشكل ضغطا على وضعهم، وكذلك المتعلمين تعليما عاليا ولكن الظروف إصابتهم بالإحباط وعدم الاستقرار السياسى ومن جانب آخر ضم هذا التيار السياسى أيضا الخاسرين من عملية التحديث مثل العمال الهامشيين والشباب ذوى مستوى التعليم المنخفض والعاطلين، والذين دفعهم إلى ذلك هو إحساسهم بأنهم مهملون من جانب باقى المجتمع وبأن أحزاب اليسار خيبت آمالهم، فجاء تصويتهم للجبهة القومية مدفوعا بإحباطاتهم ورفضهم لما هو قائم (22). ثالثا: أن التأييد الانتخابى الذى حصل عليه اليمين المتطرف الفرنسى جاء على حساب أحزاب اليمين بالدرجة الأولى، فقد أنضم إليه أعضاء مناضلون من الاتحاد من اجل الديمقراطية الفرنسية فى 1983 ثم تزايد هذا الاتجاه بعد النتائج التى حققتها الجبهة القومية فى انتخابات 1983 و 1984، وهو ما حدا بقيادات اليمين المعتدل إن تعيد التعاون الانتخابى معها قبل انتخابات 1986كذلك جذب اليمين المتطرف إليه عددا من الشخصيات المرموقة بعد أن اعتمد فى بداية عملة السياسى على محترفى التهيج السياسى مما كان عنصرا هاما فى زيادة الناخبين من اليمين وأخيرا سجل اليمين المتطرف بعض المكاسب الانتخابية فى بعض المناطق أيضا على حساب الشيوعيين (23).
رابعا: بالنسبة للتوزيع الإقليمى حصلت الجبهة القومية على تأييد ساكتى المناطق الواقعة على الحدود وخاصة فى الجنوب بالقرب من البحر المتوسط، وفى الشرق فى الألب والألزاس، وفى الشمال، وفى التجمعات الحضرية التى يتركز فيها السكان حول باريس، وتلك هى المناطق التى تتضخم فيها الصعوبات الاجتماعية والاقتصادية وتظهر فيها مشاكل الهجرة والإحساس بعدم الأمن بصورة اكثر حدة (24).
خامسا: أن النجاح الذى حققته الجبهة القومية فى الانتخابات حان بسبب تأييد عناصر من مختلف الخلفيات الأيديولوجية لها، فقد جمعت بين القوميين والرجعيين والكاثوليك الأصوليين والملكيين والفاشيين والنازيين الجدد والمؤمنين بالاتحاد الأوروبى، كما ضمت العناصر الأكثر رجعية من اليمين المعتدل الديجولى والمحافظ، هذا بالإضافة إلى ضحايا الأزمة الاقتصادية من الشباب العاطل والعمال الذين سبق الإشارة إليهم وبعض شرائح الطبقة الوسطى وهذا التناقض الأيديولوجى والطبقى هو الذى يؤكد أن المؤيدين للتيار اليمينى المتطرف لا تجذبهم أيديولوجيته بقدر ما تجمعهم قضايا محددة شعورا بأن هذا التيار يقدم حلولا راديكاليه لها، وخاصة قضية الهجرة وعدم الأمان، وانهم فى واقع الأمر بتصويتهم إلى جانب هذا التيار المتطرف يعبرون عن احتجاجهم على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، وعن عدم رضائها يكن المسئولين السياسيين سواء من اليمين أو اليسار (25). سادسا: أن النجاح اللافت للنظر الذى حققته الجبهة القومية فى الانتخابات الأوربية فى1984، 1989 يمكن تفسيره أولا بنوعية النظام الانتخابى المطبق حيث يسمح نظام التمثيل النسبى للأحزاب الصغيرة أن تمثل بطريقه تعبر عن نفوذها السياسى الحقيقى، كذلك فان الناخبين فى مثل هذه الانتخابات يشعرون بقدر أكبر من الحرية فى التصويت بعيدا عن قيود السياسات الداخلية للدول مثل الانتماءات الحزبية والتميز السياسى والطبقة الاجتماعية (26).
أسباب النجاح السياسى لليمين المتطرف:
لقد تكاتفت عوامل وظروف وتراكمات مختلفة أدت إلى ظاهرة بروز التيار اليمينى المتشدد فى الثمانينات، ليس فقط فى فرنسا وإنما فى مختلف الدول الأوروبية، وان كان ذلك بدرجات متفاوتة، وفى تفسير تلك الظاهرة فى فرنسا بالذات ينبغى تحليل العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التى أدت إليها.
الأزمة الاقتصادية والتردى الاجتماعى والانقسام الثقافى:
لقد أدى التحديث السريع فى المجتمع الفرنسى فى السبعينيات والثمانينيات إلى سرعة الانتقال من الإنتاج والاستهلاك على نطاق واسع، إلى نظام جديد يهدف إلى إنتاج متخصص جدا من خلال نظم إنتاج تشرف عليها قوى عاملة على درجة عالية من المهارة، مما نتج عنه انتشار نظم إنتاج على درجة كبيرة من التقدم التكنولوجى، وتزايدت بالتالى الوظائف التى تتطلب شروطا عالية من التخصص والتنظيم والإدارة ومعنى ذلك أن يزداد الطلب على المستويات العالية من التعليم العام والمهارات الوظيفية المتخصصة والتدريب طويل الأمد، وأن ينخفض فى نفس الوقت الطلب عل الوظائف غير الماهرة وشبه الماهرة فى الإنتاج والتنظيم والنقل والمبيعات ونتيجة لما سبق ظهر فى فرنسا مثل غيرها من الدول الصناعية المتقدمة ازدواجية طبقية تقوم من جانب عل طبقة وسطى جديدة متعلمة جيدا من الموظفين والمهنيين وكبار العمال فى المصانع، يواجهها من جانب آخر قطاع هامشى من العمال غير المهرة ونصف المهرة وشباب بدون تعليم عام كامل وبدون تدريب كاف (27).
هذا بالإضافة إلى الإعداد المتزايدة من المتعطلين نتيجة لهذا التحول الإنتاجى، ونتيجة للانكماش الاقتصادى الذى بدأ منذ منتصف الثمانينيات فوصل عدد المتعطلين فى فرنسا فى 1992 إلى اكثر من أربعة مليون بنسبة 8,9% (28).
وفى نفس الوقت تزامنت قضية الهجرة مع فترة التحديث الاقتصادى ثم الأزمة الاقتصادية فى فرنسا فقد توافد المهاجرون إليها منذ الستينيات وتزايد عددهم حيث وجدت فرص عمل لهم فى الوظائف والأعمال الدنيا وارتفع عددهم من 2 مليون مهاجر فى هذه الفترة إلى أربعة ملايين مهاجر فى بداية التسعينيات (29).
وتكاتفت عوامل متعددة لتجعل من الهجرة مشكلة جذرية فى المجتمع الفرنسى حيث ضاعف من فداحتها تزايد الهجرة غير المشروعة بدون أن تتخذ الحكومات الفرنسية المتعاقبة إجراءات حاسمة لوقف اللجوء غير القانونى إلى داخل البلاد، بعكس الوضع فى المملكة المتحدة حيث اهتمت الحكومات البريطانية منذ بداية الستينيات بمشكلة الهجرة أصدرت عدة قوانين متتابعة آدت فى النهاية إلى تقييد شديد لها (30).
ويلاحظ أن معظم المهاجرين إلى فرنسا فى هذه الفترة كانوا من العالم الثالث، وخاصة من المغرب العربى، وهؤلاء مهاجرون من نوع خاص يختلف عن المهاجرين السابقين الذين كانوا فى الأغلب من اصل أوربى خاصة من أسبانيا والبرتغال ففى عام 1982 بلغ عدد المهاجرين من اصل أوروبى 1,75مليون مواطن وعدد الأفريقيين 1,75مليون مهاجر 90% منهم من المغرب العربى وهؤلاء المهاجرون من العالم الثالث يختلفون عن السكان الفرنسيين ليمر فقط فى السمات العرقية، وإنما فى الديانة والثقافة والتقاليد والعادات وأسلوب الحياة بصفة
عامة (31).
وقد تركز هؤلاء المهاجرون فى المناطق الصناعية والمدن الكبيرة واصبحوا يقيمون فى تجمعات سكانية تأثرت بشدة بالأزمة الاقتصادية التى بدأت فى السبعينيات، فانتشرت فيها البطالة وعانت من تدهور شديد فى الخدمات العامة، وبرز واضحا تصارع الثقافات بين السكان الأصليين وهؤلاء الوافدين (32).
وفى ظل هذه الظروف تفاقمت مشكلة عدم الأمان، فقد ارتفعت نسبة الجرائم وحوادث السرقات منذ الستينيات وتزايدت بصورة واضحة فى أواخر الثمانينيات والتسعينيات (33).
كذلك شهد المجتمع الفرنسى مظاهر جديدة من التردى الاجتماعى بسبب انتشار مرض الإيدز وتعاطى المخدرات فى المدن الكبيرة، مما أدى إلى ظهور العصابات على الطريقة الأمريكية وعدم الأمان فى وسائل المواصلات ومناطق السكن وفى الطرق العامة، وادى القلق والإحساس بالتهديد المستمر إلى ضيق المواطنين وإحساسها بأن الحكومة الاشتراكية لم تتخذ سياسات صارمة لمقاومة هذه المساوئ الاجتماعية وأنها استهانت بالإرهاب وفوتت بذلك الفرصة على القضاء عليه من جذوره وفى نفس الوقت لم تكن المعارضة اليمينية اكثر إيجابية من الحكومة فى مواجهة هذه الظاهرة، بل إنها أعطت الانطباع بعدم الاهتمام بها وتجاهلت نتائجها (34). واستطاع لتيار اليمينى المتطرف أن يستفيد من كل ما سبق بأن يربط بين عدد المهاجرين المتزايد ونوعياتهم وأحوالهم الاقتصادية والاجتماعية السيئة، وبين قضيتى عدم الأمان وتهديد الهوية القومية الفرنسية، وتقدم التيار اليمينى المتطرف على الساحة السياسية بصورة جديدة تماما جذبت إليه تلك النسبة العالية من المؤيدين الدين هم فى حقيقة الأمر لا ينتمون أيديولوجيا إلى اليمين المتطرف، ولكنهم يئسوا من الوضع الاجتماعى والسياسى وأرادوا أن يعبروا عن احتياجهم وعدم رضائهم عن المسئولين السياسيين القائمين سواء من اليمين أو اليسار بالتصويت لمصلحة الجبهة القومية (35).
العوامل السياسية المواتية لليمين المتطرف:
لقد تجمعت عدة عوامل سياسية فى الثمانينيات وساعدت بلا شك على بروز التيار اليمينى المتطرف فى فرنسا، وكان أهمها التجديد الفكرى والحركى والتنظيمى الذى شهدته الجبهة القومية على يد قائدها جان مارى لوين، فى نفس الوقت الذى ضعفت فيه التيارات السياسية الأخرى فلقد خيب اليسار آمال المواطنين فى سياساته وعجز عن حل مشاكل المجتمع الفرنسى، وتراجع اليمين المعتدل خاصة بعد اختفاء ديجول، ثم كان هناك أخيرا اثر النظام الانتحابى على النتائج التى حققنها الجبهة القومية فى الانتخابات الأوروبية وعلى المستوى القومى والمحلى الداخلى فى فرنسا تجديد التيار اليمينى المتطرف:
لقد نجحت الجبهة القومية بقيادة زعيمها لوبين (36). فى بداية الثمانينيات فى تعبئة احتجاج المواطنين الفرنسيين على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسة السيئة التى يعانون منها وكانت الجبهة القومية من أول أحزاب اليمين المتطرف الأوربى التى ربطت بين تردى هذه الأوضاع وبين قضيه الهجرة، وأكدت على منافسة المهاجرين للسكان الأصليين فى الوظائف العامة والخاصة أبرزت مدى الضغط الذى يشكله تزايد المهاجرين على الإنفاق الاجتماعى العام فى وقت قلت فيه الموارد عن حاجة المجتمع الفرنسى والأخطر من ذلك أن قامت الجبهة القومية بالتحذير من أزمة الهوية القومية التى تمر بها فرنسا وذهبت إلى حد القول بأن هذه الأزمة تهدد بقاء الأمة الفرنسية وسلامة أراضيها وثقافتها ولغتها، وان السبب الأساسى فى ذلك هو تزايد المهاجرين وخاصة المسلمين من أصل عربى، فى الوقت الذى ينخفض فيه معدل المواليد بين المواطنين الفرنسيين الأصليين (37)، بل أن لوبر قال فى إحدى خطبه إن المهاجرين سيصبحون الملوك وسيتم التقدير فى بورصة باريس بالعربية وقبل 25 عاما ستصبح فرنسا جمهورية إسلامية وحذر من انه إذا تركت الأمور على حالها فسوف تسحق الحضارة الفرنسية وتقاليد وعادات الفرنسيين وقد أيقظ لوبين الخوف من لدى الفرنسيين من تواجد الأجانب، وغذى الكراهية لهم خاصة مع تركيزه دائما على أعمال العنف من جانب المهاجرين ضد الفرنسيين والتى تنبأ بتزايدها فى المستقبل لتحقيق طلباتهم (28). وقد نسى لوبن الخدمات التى قدمها هؤلاء المهاجرين إلى فرنسا فى فترة التحديث الاقتصادى، حيث قاموا ومازالوا يقومون بالأعمال غير الماهرة وشبة الماهرة التى يرفض السكان الأصوليون القيام بها، ولعبوا بذلك دورا حيويا فى وضع أسس الرفاهة الاقتصادية فى أوربا الغربية كلها.
كما نسى لوبن أيضا أن هؤلاء العمال المهاجرين كانوا فى نفس الوقت مستهلكين ودافعى ضرائب ومساهمين فى نظم التأمين الاجتماعى والمعاشات بفرنسا التى ينخفض معدل مواليدها باستمرار، وتعانى خللا فى التكوين السكانى ينعكس على سوق العمل ونظم الضمان الاجتماعى وتوضح إحصائيات السكان انه من أجل أن تظل قوة العمق مستقرة قان فرنسا تحتاج ما بين عامى2000، 2039 إلى ما بين 165000، 315000 مهاجر جديد سنويا، وبعبارة أخرى فإن رخاء فرنسا فى المستقبل سيطل يعتمد على غير الأوربيين الذين يهدد زيادة عددهم الثقافة والهوية القومية الفرنسية (39).
والجديد بالنسبة للجبهة القومية أنها لم تقتصر فقط على تعبئة الرفض السياسى للفرنسيين، بل إنها أثبتت قدرتها على تقديم برنامج مستقبلى يواجه التجديد الذى يفرضه التغير الاقتصادى والاجتماعى والثقافى الذى تمر به فرنسا وأوربا بصفة عامة (40). فبالرغم من ان أيديولوجيتها تمثل كل الأسس العامة لليمين المتطرف منذ القرن الماضى، مثل التركيز على الأسرة والأمة والتأكيد على الهوية القومية واحترام عدم المساواة باسم الاختلاف والتنوع والتمجيد فى القوة والمطالبة بضرورة التوسع، إلا أن التصورات الفكرية لقادتها الجرأة النى عرضوا بها أراءهم دورا كبيرا فى كسب مزيد من التأييد لها فى الثمانينيات وتدور هذه الأيديولوجية حول المفاهيم الآتية: أولا: القضاء على مشكلة الهجرة وحلها حلا جذريا باستبعاد المهاجرين خارج فرنسا وإرجاعها إلى بلادهم الأصلية والبدء فى هذا الإجراء بغير الأوروبيين، وهذا من شأنه أن يوفر وظائف يشغلها الفرنسيون الأصوليون وفى نفس الوقت دعت الجبهة القومية إلى مواجهة تفشى العنف والإرهاب بإعادة عقوبة الإعدام إلى فرنسا وتقوية المؤسسات الأمنية والبوليسية حتى تكون قادرة على حفظ الأمن والنظام بفاعلية.
ثانيا: إعادة بناء النظام الأخلاقى والاجتماعى بحيث يتوافق مع النظام الطبيعى ومن هذا المنطلق بدأت الجبهة القومية بدعوة الشباب للتمسك بالأخلاق والبعد عن الشذوذ الذى يهدد فرنسا بالفناء حيث يؤدى إلى انخفاض معدل المواليد فيها وفى العالم الغربى عموما، بينما يرتفع معدل المواليد فى العالم الثالث ومن هنا تتبنى الجبهة القومية سياسة تقوم بالدرجة الأولى على تشجيع زيادة المواليد فى فرنسا وتدعو للاهتمام بالعائلة وترقيتها ومساعدة الأم ماديا حتى تتفرغ لرعاية أبنائها ثم تحارب فى نفس الوقت إباحة الإجهاض وتطالب بإلغائه.
ثالثا: تحجيم دور الدولة بحيث تقتصر على الوظائف التقليدية وهى الدفاع والمحافظة على النظام العام وإدارة السياسية الخارجية، والدعوة إلى إنهاء وصايتها الاقتصادية و الاجتماعية وتوزيع أموال المشاريع المؤممة على رؤساء العائلات الفرنسية فتتكون بذلك رأسمالية شعبية ولحن الجبهة القومية تؤيد من جانب أخر الصفة الرئاسية للنظام السياسى، أى زيادة السلطة المركزية والشخصية لرئيس الجمهورية، وتطالب بمراجعة الدستور الفرنسى وتغييره حتى يصبح النظام رئاسيا تماما وليس شبه رئاسى كما هو عليه الآن كما تطالب بإنشاء محكمة عليا لا يمكن استئناف أحكامها لتحافظ على التوازن فى هذا النظام، مع تقوية الجمعية الوطنية لكى تحول لها إمكانيات حقيقية للسيطرة على الإدارة التنفيذية، وتنتخب بنظام التمثيل النسبى حتى تسمح بتمثيل كل القوى السياسية الحية فى الأمة الفرنسية.
رابعا: إلغاء سيطرة الدولة على التعليم لذلك دعت الجبهة القومية إلى فصل المدرسة عن الدولة وتحرير التعليم. خامسا: تغيير أسس النظام الحزبى الفرنسى الذى تبلور منذ دستور 1958 فى صورة قطبية ثنائية تضم اليمين من ناحية ممثلا فى التجمع من اجل الجمهورية و الاتحاد من اجل الديمقراطية الفرنسية واليسار من ناحية أخرى ويمثله الحزب الاشتراكى والحزب الشيوعى الفرنسى ولقد أعلنت الجبهة القومية باستمرار عدائها للشيوعية وطالبت بإبعاد الشيوعيين وأعوانهم عن جميع قطاعات الدولة التى تغلغلوا فيها مثل المدارس والنقابات وأجهزة الإعلام ومن الواضح أن هدف الجبهة القومية إنشاء نظام جديد للقطبية الحزبية يقوم على المواجهة بين قطب اشتراكى ديمقراطى أى كتلة تتركز حول الحزب الاشتراكى، وقطب قومى وطنى يسيطر عليه اليمين الراديكالى أى الجبهة القومية بحيث تستطيع أحزاب اليمين المعتدل ان تختار بين المعسكرين وتبدأ فى التحلل بحيث تختفى فى النهاية. سادسا: بناء الإمبراطورية الأوربية التى تتكون من أحزاب فيدرالية لان أوربا يجب أن تكون استعمارية وألا فلن تقوم له قائمة والخلاصة ان أيديولوجية اليمين المتطرف يمكن تطيلها بأنها قومية جماهيرية، وهو ما يضعها فى التقاليد القديمة لليمين الرافض المعارض الذى من صفاته أن يجد قوته ونشاطه فى مواقف الأزمات الحادة عبر التاريخ الفرنسى منذ هزيمة 1870 أمام الألمان ومرورا بالانهيار الاقتصادى فى 1930ومشاكل التحديث وحرب التحرير الجزائرية فى الخمسينيات والستينيات ثم الأزمة الأخيرة فى سنوات الثمانينيات.
ان هذه الحركة الجماهيرية المحافظة تقدم نقسها على أنها حامية القيم التقليدية ضد التدهور وتبشر بالقومية المنغلقة المتفردة التى تقاوم المؤامرات من جانب المهاجرين وأجهزة الإعلام السياسية وتعمل على الدفاع عن البسطاء ضد الأحزاب الأربعة الكبار وتنتقد الدولة والنظام المالى وتطالب بالحرية الاقتصادية، كل ذلك من اجل إقامة دولة آمنة ولكن ما يجب التأكيد عليه هنا هو الطبيعة المعقدة للأيديولوجية التى تعبر عنها الجبهة القومية برغم نجاح زعيمها لوبن فى أن يعرضها على الشعب الفرنسى فى بساطة وجرأة فاعتبر أسلوبه تجديدا فى هذا التيار السياسى.
ان هذه الصياغة الجديدة لأيديولوجية اليمين المتطرف قام يطرحها لوبن قائد الحزب منذ إنشائه فى 1972 ويميزه فى واقع الأمر أسلوبه النضالى وقدرته على الوصول إلى الجماهير بالإضافة إلى مجهوداته فى بناء الحزب تنظيميا بالرغم من انه توجد داخله تيارات سياسية مازالت تحتفظ باستقلاليتها ويوجد بينها صراع من اجل النفوذ والسيطرة حيث يجمع ثقافات سياسية مختلفة مثل القومية الأوربية والأصولية الكاثوليكية والليبرالية الجديدة وغيرها، فالجبهة القومية تحمى تقاليد أيديولوجية فرنسية حقيقية وليست مستمدة فقط من تجربتى النازية و الفاشية، الأجنبيتين (41).
وقد وضع لوبن ومعاونوه تنظيم الجبهة القومية، وهم الذين تدربوا سياسيا فى مدارس اليمين المتطرف السابقة فى فرنسا، فتم بناء الحزب بدقة وبصبر فى صورة جهاز للحرب السياسية محالفا بذلك التجارب السابقة وقد استمدت الجبهة القومية فى 1972شعارها من شعار الحزب الشعبى الفرنسى"Populaire Francais"
فى الثلاثينيات وهو انك تدين بكل شىء للحزب، (و) الحزب لا يدين لك بشىء.
وفى واقع الأمر فان دقة التنظيم هذه تخفى غياب الديمقراطية داخل الجبهة القومية فالقاعدة التى تحكم التنظيم الداخلى تنص على تعيين المسئولين وإعفائهم من مناصبهم بواسطة من يعلوهم فى السلم الهرمى، وفى نفس الوقت ينحى القانون الداخلى للجبهة على واجبات الأعضاء وضرورة أن يكونوا صورة مشرفة لها بدون أى ذكر لحقوقهم وقد أعطت الجبهة القومية اهتماما خاصة للأعضاء المناضلين واعتبرتهم جنودا سياسيين وأصدرت تعليمات محددة لتحكم تصرفاتهم داخل الحزب وخارجه (42). كما توجد برامج تدريبية لكوادر الحزب على المستوى المحلى والقومى تقوم على أساس الانضباط واحترام الأوامر والرؤساء.
وقد تم تصميم بنيه الجبهة القومية لكى توصل رسالتها للفئات الاجتماعية والوظيفية المختلفة فلا يوجد أى فرع من فروع النشاط لم تنشأ من أجله دائرة قومية Cercle National يعين لها رئيس، وعدد هذه الدوائر عشرون، واكثر مجال اخترقته هذه الدوائر هو المجال الاقتصادى ومن أمثلتها المشروع الحديث والحرية Entreprise Moderne et Liberte الذى بدأ فى 1984 وهدفه نشر الدعاية لليمين المتطرف فى الأوساط الاقتصادية، ثم الدوائر القومية لكل من المزارعين والمحاربين والضباط وصف الضباط والمرحلين إلى فرنسا من الجزائر، وأخيرا الدوائر المهنية للعاملين فى مجال الصحة والتعليم العالى والمدرسين والفنانين والعسكريين المتقاعدين والإداريين والنبلاء القدامى، هذا بالإضافة إلى التنظيمات الجامعية المختلفة.
وفى خارج فرنسا اهتم لوين بعقد الروابط مع أحزاب اليمين المتطرف الأوربى بالدرجة الأولى، وانشأ بعناية شبكة اتصالات مع دول أجنبية متعددة، وقام بعدة زيارات للخارج وخاصة فى الولايات المتحدة وساحل العاج وجنوب أفريقيا وهونج كونج والفليبين واليابان وكوريا الجنوبية كما أقام أيضا علاقات مع المنظمات المتطرفة فى العالم مثل أعضاء طائفة مذهب مرن MOON بريتوريا (43).
ضعف الأحزاب التقليدية الفرنسية:
وهى ما يطلق عليها الأربعة الكبار أى حزبا اليمين وهما التجمع من اجل الجمهورية الديجولى و الاتحاد من اجل الديمقراطية الفرنسية، وحزبا اليسار وهما الحزب الاشتراكى والحزب الشيوعى الفرنسى وقد سيطر هذان القطبان على الحياة السياسية الفرنسية منذ قيام الجمهورية الخامسة فى 1958وتناوبا الحكم، فتولى اليمين السلطة بعد انتخاب ديجول فى نفس العام واستمر بعد استقالته فى 1969حتى نجح ميتران فى انتخابات الرئاسة فى 1981وصعد اليسار إلى السلطة ومازال مشاركا فيها إلى الآن فقد اشترك كلا القطبين معا فى حكم البلاد وفقا لقواعد الدستور الفرنسى التى تسمح برئيس جمهورية من حزب مخالف لرئيس الوزراء وذلك فى الفترة من 1986-1988، وفى الفترة من 1992.
ووفق القاعدة المعروفة فى السياسة ومفادها انه من الأسهل دائما التواجد فى المعارضة، أما العمل فى موقع السلطة فهو يستتبع دائما المسئولية وخاصة فى وقت الأزمات، فقد وصل اليسار إلى الحكم فى فرنسا فى بداية الثمانينيات بعد فشل اليمين فى القضاء على الأزمة الاقتصادية فى السبعينيات، وكانت الوعود الانتخابية لليسار والحلول الاقتصادية التى تقدم بها عنصر جذب هام للمؤيدين ولكن مع تفاقم الوضع الاقتصادى وظهور المشاكل الاجتماعية الجديدة التى سبق ذكرها، وتراخى الحكومة الاشتراكية فى مواجهتها، تحول الناخبون هذه المرة، ليس فقط إلى اليمين المعتدل الذى اصبح له الأغلبية فى الجمعية الوطنية منذ 1992، وإنما ذهب جزء هام من هذا التأييد إلى اليمين المتطرف الذى استغل الوضع الجديد لأقصى درجة واستخدم استراتيجية دعائية جديدة ركزت على أخطاء اليسار الحاكم.
فمع استمرار اليسار لفترة طويلة فى الحكم اصبح يسيرا ان تنسب كل المساوئ الاقتصادية والاجتماعية التى ظهرت فى الثمانينيات وأوائل التسعينيات للنظام الاشتراكى، خاصة وان فشل سياساته فى حل مشكله البطالة وعدم الأمان اظهر الحكومة كما لو كانت عاجزة عن حماية المواطنين، فاتسعت الهوة بينهم وبين مؤسسات الدولة.
وفيما يتعلق بقضية الهجرة التى أصبحت قضية سياسية محورية منذ بداية الثمانينات على يد الجبهة القومية ، فقد كانت سياسة اليسار فى مواجهتها متساهلة إلى حد بعيد فقد بدأت الحكومة اليسارية بالاعتراف بالمهاجرين غير الشرعيين فى 1981، ثم أعلن رئيس الوزراء فى نفس العام أن المهاجرين المقيمين فى فرنسا منذ خمس سنوات سيكون لهم حق التصويت مما أشعل القضية (44). وبالرغم من تراجع اليسار عن هذا الإجراء بعد ردود الفعل السلبية التى أحدثها، ثم تنبئ مجلس الوزراء فى 1983لعدة إجراءات من شأنها تقوية مكافحة الهجرة غير المشروعة وتسجيل المهاجرين إلى فرنسا (45)، إلا ان موقف اليسار فى قضية الهجرة عموما اعتبر متناقضا وغير فعال ولعل السبب الحقيقى فى ذلك هو الانقسام داخل الحزب حولها: فاليسار العمالى يريد إيقاف الهجرة، بينما اليساريين المثقفين يؤيدون الحرية وعدم تقييد الهجرة فانتهى الأمر باتخاذ تلك السياسة المتناقضة لتقييد دخول المهاجرين وتحسين نوعيتها والسماح باستيعاب المهاجرين غير الشرعيين، ثم الإعلان عن شن حمله ضد الهجرة غير القانونية ومن الطبيعى ان تستغل الجبهة القومية الوضع فأسرع لوبن بتجميع شكاوى المواطنين وعبر عنها بصوت مرتفع، ولعبت أجهزة الإعلام دورا هاما فى هذا الممدد حيث أدى أسلوبها غير الموفق الذى اتسم بالمبالغة والذى تقدم به لوبن إلى الجماهير لاختلاف أفكاره مع الأيديولوجية السائدة فى أجهزة الإعلام، جعل منه ضحية وادى إلى زيادة مستمعيه مما ضاعف من شهرته وفد أغفلت هذه الأجهزة من حيث لا تدرى الاهتمام بمقاومة الشعور المعادى للأجانب والعنصرية وعدم الاعتدال الذى بدأ يتضح لدى جانب من الرأى العام الفرنسى (46).
ومما زاد فى ضعف اليسار فى فرنسا بصفة عامه تقلص وانحسار الحزب الشيوعى الفرنسى وخروجه من الحكومة فى 1983، وذلك لأسباب داخلية وخارجية مرتبطة إلى حد كبير بالجو العام الذى صاحب فشل التجربة الاشتراكية فى الاتحاد السوفييتى وتفككه ثم انهياره وقد ترك ذلك فراغا سياسيا سارع اليمين الراديكالى لملئه، وبالفعل طارد لوبن اليسار على أرضه وحصل فى انتخابات 1986 على 16% من أصوات العمال (47).
ولم يكن الوضع احسن حالا بالنسبة لقطب اليمين، سواء وهو فى المعارضة من 1981 إلى 1992، أو وهو يتولى الحكومة من 1986 إلى 1988 ومنذ 1992 فقد فشل اليمين المعتدل فى توسيع قائمته الانتخابية اجتماعيا فظلت مختلفة بالنسبة للتغييرات التى مر بها المجتمع الفرنسى، وذلك فى الفترة من 1981 إلى 1986 فيلاحظ انه ضم نسبه عالية من غير النشيطين سياسيا، كما كان تمثيل الشباب والموظفين المتوسطين والعمال فيه ضعيفا فتقاعس حزبا اليمين المعتدل عن محاولة التنافس مع اليسار لجذب الشباب وتركا الباب مفتوحا أمام الجبهة القومية لتتقدم جماهيريا بسبب اهتمامها بمشكلة البطالة وتجديدها لأساليب العمل السياسى.
وفى نفس الوقت عانى اليمين المعتدل من ظاهرة جديدة وهى التنافر النسبى بين ناخبى كلا من حزبيه حين فشل التجمع من اجل الجمهورية برغم ادعائه الديجولى فيما نجح فيه ديجول فى الماضى عندما وسع من قاعدة الحزب وجعله حزبا جماهيريا حقا وبالتالى فقد انحصر الحزب فى الإطار التقليدى لليمين فاحتفظ بالناخبين خبيرى السن وانفضت عنه نسبه كبيرة من الشباب أما الاتحاد من اجل الديمقراطية الفرنسية فقد عانى من ضعف التنظيم والخلاقات الداخلية حول قياداته السياسية (48).
ولا ينبغى إغفال تأثير طرح اليمين المتطرف لقضية الهجرة على الساحة السياسية بجرأة لم تكن معهودة من قبل على تماسك اليمين المعتدل الذى من مبادئه الأساسية الدفاع عن المجتمع المفتوح المتسامح الذى يرفض معاداة الأجانب ويحارب العنصرية وكل سلوك متطرف لقد بدأ يظهر تأثير موقف الجبهة القومية من هذه القضية والتأييد الذى حصلت عليه لهذا السبب على قيادات حزبى اليمين المعتدل التى بدأت فى تغيير نبرتها واتجهت إلى التشدد فى موضوع الهجرة (49). وفى الواقع بدأ اليمين المعتدل يتخذ موقفا مترددا حول المهاجرين ففى الوقت الذى طالب فيه بوقف كل هجرة جديدة وتشديد إجراءات الحصول على الجنسية الفرنسية والحد من تمتع الأجانب بالمزايا الاجتماعية حتى لا تكون سببا يشجع المهاجرين، لم يعارض مباشرة عملية دمج المهاجرين المقيمين فى فرنسا منذ فترة وبالطبع كانت الجبهة القومية هى المستفيد من الموقف المتناقض لليمين المعتدل من قضية الهجرة ومما اضعف الثقة فى اليمين المعتدل أيضا هو اتجاهه فى فترات انتخابية مختلفة إلى التحالف مع الجبهة القومية التى دخلت الانتخابات المحلية فى 1983 فى قائمة مشتركة مع اليمين المعتدل ثم حدثت بعد ذلك اتفاقات انتخابية مختلفة بين الطرفين (50)، وكان الطرف المستفيد من هذه العملية هو اليمين المتطرف حيث أكسبته قدرا من الشرعية وشككت فى نفس الوقت فى مصداقية اليمين الكلاسيكى كما أحدثت انقسامات بين عديد من شخصياته القيادية مما أدى فى النهاية إلى تجنب أحزاب اليمين المعتدل إجراء أى اتفاقات انتخابية فى 1992 وهو ما دفع الجبهة القومية إلى تأييد مرشحى اليسار فى انتخابات رؤساء الأقاليم فى نفس العام كإجراء انتقامى ضد مرشحى التحالف اليمينى (51). وهنا يظهر الفارق بين الدور الإيجابى الذى لعبه اليمين البريطانى برئاسة تاتشر لمنع صعود اليمين المتطرف فى المملكة المتحدة برغم الظروف الاجتماعية والاقتصادية السيئة ومشاكل المهاجرين التى هددت الأمن الاجتماعى هناك أيضا فقد تبنى حزب المحافظين البريطانى سياسة صارمة فى مواجهة الهجرة غير الشرعية وقام بتقييد الهجرة عموما مما حد من تأييد كل من الجبهة القومية البريطانية و الحزب القومى البريطانى وهما تنظيمى اليمين المتطرف فى المملكة المتحدة وذلك بالرغم من إثارة مؤيديهما لأعمال الشغب والعنف من اجل فرض أفكارهما المتطرفة (52). ويرجع نجاح تاتشرفى هذا الخصوص إلى إنها منذ البداية ضمنت سياستها وخطابها السياسى عناصر جذبت اليمين المتطرف إليها والخلاصة أن ضعف الأحزاب السياسية التقليدية فى فرنسا وتقاعسها فى مواجهة التطورات الاجتماعية والسياسية الجديدة أوجد فراغا سياسيا فبعدت لغة الخطاب السياسى، سواء من جانب الحكومة أو المعارضة، عن توقعات الجماهير لحل مشاكلهم، واصبح الخطاب السياسى يميل إلى إخفاء الكثير مما يجرى على الساحة السياسية وليس معنى ذلك ابتعاد السياسيين عن ذكر الحقيقة ولكن المقصود هو ان الخطاب السياسى اصبح يعبر عن رؤية للأمور مستمدة من الماضى ولا تتفق مع الواقع فقد اقتصرت المواجهة بين اليمين واليسار الفرنسى على القضايا التقليدية المعروفة خاصة حول حجم العام والخاص فى المجتمع مما لا يقدم جديدا للمواطن الفرنسى لقد اصبح من الواضح أن المشاكل اختلفت واصبح من المستحيل طرح جميع المستجدات فى إطار المناقشات القديمة حول لقطاع العام والخاص، والتى حلت محلها تساؤلات حول قضايا تربية النشء فى المجتمع الحديث، وكيفية الاتصال بالمواطنين فى ظل ثورة الاتصالات الحالية، والوظائف التى ستتاح للمواطنين عند الخروج من الأزمة الاقتصادية والاجتماعية (53). لقد أدى هذا الفراغ إلى ضعف الثقة فى كل من اليمين واليسار واستغلت الجبهة القومية الوضع وسعت لملىء هذا الفراغ وجذب المؤيدين، فلقد شن لوبن حملات هجومية على الفساد وعدم الكفاءة، وهاجم غرور الطبقة السياسية التى ترفض أن تسمع أراء المواطن العادى، كما اتهم المؤسسة السياسية بأنها قادت فرنسا إلى أزمة عميقة تهدد بقاء الدولة ورفاهيتها وحريتها (54). وقد اثر كل ذلك على الرأى العام الفرنسى ففى استطلاع اجرى فى 1989 اتضح أن 35% من الفرنسيين يعتقدون أن الأحزاب القائمة غير قادرة تماما على تمثيلهم فى القضايا الأساسية، 33% منهم يرون إن الأحزاب السياسية مسئولة عن أمراض المجتمع الفرنسى (55). كذلك فى استطلاع للرأى العام أجرته صحيفة لوموند فى 1991 لمعرفة مدى تأييد الرأى العام الفرنسى لآراء لوبن اتضح أن مواطنا من كل ثلاثة فرنسيين يعلن تأييده له، أى انه طبقا لهذا الاستطلاع فان القضايا التى يدافع عنها لوبن تجذب 32% من
الفرنسيين (56).
أثر النظام الانتخابى:
لقد تغير النظام الانتحابى الفرنسى مرتين منذ بداية الثمانينات مما كان له بلا شك إثر فى مدى تمثيل القوى الحقيقية لتيار اليمين المتطرف فى البرلمان الفرنسى وفى المجالس الإقليمية والمحلية، وبالتالى فى مدى مشاركته وتأثيره فى صنع القرار السياسى، وفى إمكانية تحقيق طموحاته السياسية التى تهدف إلى السيطرة على اليمين المعتدل وحكم فرنسا أو المشاركة فيه فى المستقبل وبالرجوع إلى فترة قيام الجمهورية الخامسة فى 1958 يلاحظ أن ديجول غير النظام الانتخابى الفرنسى الذى كان قائما فى الجمهورية الرابعة وطرح نظاما انتخابيا جديدا هو نظام الأغلبية على مرحلتين، بحيث ينتخب المرشح الذى يحصل على الأغلبية المطلقة فى المرحلة الأولى وان يجرى اقتراع ثان بعد أسبوع ولا يدخله إلا المرشحون الذين حصلوا على 12,5% من الأصوات فى الجولة الأولى وقد تم إجراء ستة انتخابات برلمانية طبقا لهذه القواعد بين عامى 1958-1981 وفى واقع الأمر كان اختيار ديجول لهذا النظام الانتخابى بدافع ضمان وجود أغلبية برلمانية واضحة تؤيد الجمهورية الجديدة فى ذلك الوقت، وتسمح بتحقيق الاستقرار السياسى الذى كان غائبا فى الجمهورية الرابعة (57). وقد تم تصميم الدوائر الانتخابية بحيث تقوى من الاشتراكيين والراديكاليين وتسمح بتحالفات فى الوسط واليمين ولكن الخريطة السياسية لفرنسا قد تغيرت منذ عام 1958ولكن فى غير الاتجاه الذى قصده مؤسسى نظام الأغلبية الانتخابى فقد اختفى الراديكاليون تقريبا وقوى الانقسام بين اليمين واليسار واصبح الاشتراكيون والشيوعيون حلفاء (58). وقد ظل معمولا بنظام الأغلبية فى فرنسا حتى1985 عندما أصدرت الحكومة الاشتراكية قانونا انتخابيا جديدا يقوم على التمثيل النسبى، وذلك بناء على اقتراح من الشيوعيين الذين كانوا يعتقدون انهما ممثلون فى البرلمان بأقل من حجمهم الحقيقى (59).
وقد جرت الانتخابات التشريعية فى 1986طبقا لنظام القائمة النسبية وكانت المفاجئة أن هزم اليسار وفقد الحزب الشيوعى نصف أصواته تقريبا ولم يستفد من تغيير النظام الانتخابى، هذا فى الوقت الذى زاد فيه تأييد الجبهة القومية وحصلت على 9,9% من الأصوات و35 مقعدا فى الجمعية الوطنية ويلاحظ أن العامل الأساسى فى التمثيل البرلمانى هنا هو التغير الذى حدث فى تفضيل الناخبين مما رفع من عدد الأصوات التى أعطيت للجبهة القومية، وجاء نظام التمثيل النسبى ليعكس هذا التأييد فى عدد المقاعد التى حصلت عليها فى الجمعية الوطنية وبعبارة أخرى أن النظام الانتخابى لا يمكن أن يفسر تصاعد التأييد للجبهة القومية ولكنه يفسر ترجمة هذا التأييد سياسيا وانعكاسه على البرلمان واللافت للنظر أن الحكومة اليمينية النى تولت السلطة بقيادة جاك شيراك فى 1986 قد سارعت بتغيير النظام الانتخابى وقررت إعادة نظام الأغلبية مرة أخرى على أساس انه النظام الذى قدمه ديجول وشمل جزءا أساسيا من دستور 1958، بالإضافة إلى أن التجمع من اجل الجمهورية أراد أن يقضى على المعارضة البرلمانية فى أقص اليمين وان يقوى مركزه فى مواجهة الحزب الثانى فى التحالف وهو الاتحاد من اجل الجمهورية الفرنسية (60), وكان من نتيجة هذا التغيير بالفعل ان تعرضت الجبهة القومية لهزيمة كبيرة فى الانتخابات التالية مما دفعها إلى المطالبة بإعادة تطبيق نظام التمثيل النسبى مستخدمة فى ذلك كافة الوسائل الإعلامية والسياسية (61).
أما الوضع بالنسبة للبرلمان الأوربى فقد ظل كما هو وحافظت الجبهة القومية على مركزها حيث حصلت على 11,8%من الأصوات فى 1989، وذلك لاستمرار تطبيق نظام التمثيل النسبى الانتخابى الذى يعكس تفصيلات المجتمع بدقة.
الخاتمة:
عند تحليل الآثار السياسية للمد اليمينى المتطرف فى فرنسا فى فترة الثمانينات، واحتمالات المستقبل فى التسعينيات، تبرز حقيقة واضحة وهى ان قيادات الجبهة القومية وعلى رأسها لوبن نجحت لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية فى تحرير الخطاب العنصرى فى فرنسا فقبل ذلك لم يجرؤ أى سياسى على أن يخاطر بأن يتهم بالعنصرية، أما الآن فيمكن للسياسى أن يعترف بكل هدوء بأنه عنصرى وهو آمن من أى رد فعل احتجاجى.
لقد كانت العنصرية تعتبر من المحرمات، وخاصة بعد تجريه حكومة فيشى الموالية للنازى، وفى ظل الدعاية الصهيونية المكثفة التى استغلت قضية العداء للسامية لخلق عقدة الذنب لدى الفرنسيين والأوروبيين بصفة عامة وحصلت فى مقابل ذلك على الكثير من المساعدات والتعويضات لمصلحة اليهود الأوربيين ودولة إسرائيل وقد استطاعت قيادات الجبهة القومية فى الثمانينيات أن تخلق ما يمكن أن يطلق عليه عنصرية جماهيرية خاصة مع اتجاه خطاباتهم السياسية إلى الدمج بين الهجرة والإجرام، ووجدت هذه النغمة صدى لدى الرأى العام الفرنسى بسبب تزايد حوادث العنف والإحساس بعدم الأمان وتفاقم الأزمة الاقتصادية (63). إن التعايش مع الأجانب يتطلب مجهودا من الفرنسيين، وقد كان ذلك ممكنا فى أوقات الرخاء الاقتصادى، أما وقد اختلف الوضع مع الكساد وانتشار البطالة ومصاعب الاستهلاك فان الأمور فد تغيرت واصبح الكلام عن الأخلاق وشجب العنصرية عير مجد (63). فلقد انتشر قانون الغاب بين الشباب المتعطل وأصبح من السهل أن يصب هؤلاء غضبهم على الأجانب والمهاجرين خاصة وأنهم اصبحوا يتمركزون فى مناطق معينة ولم يعودوا منتشرين كالسابق فى جميع أنحاء فرنسا حيث حاولت الموجات السابقة منهم الذوبان فى المجتمع الفرنسى كما زاد الوضع اختلافا عن الماضى أن كل مجموعة منهم صارت تعمل على المحافظة على هويتها الثقافية وترفض الاندماج فى المجتمع الأصلى ومما زاد خطورة الأمر أن وسائل الأعلام لم تتح للفرنسيين الفرص للتعرف على هذه الثقافات الوافدة بطريقة صحيحة ومحايدة، مما أعطى الفرصة لتيار اليمين المتطرف لنشر المخاوف من المهاجرين (64).
ولعل الضجة التى أثيرت فى أكتوبر 1989بسبب إصرار ثلاث بنات على لبس الحجاب فى إحدى مدارس الدولة مما اعتبر تحديا للقانون الذى يمنع أى دعاية دينية فى تلت المدارس (65)، ورد الفعل السياسى والإعلامى المبالغ فيه على هذه الواقعة البسيطة، لهو أبلغ دليل على عمق الصراع بين القيم الأساسية فى المجتمع الفرنسى ولقد استغلت الجبهة القومية كل ذلك فى الدعاية السياسية، وقامت بحملة لتعبئة رفض الفرنسيين للمهاجرين بأن ادعت انهم يشكلون احتلالا دينيا وثقافيا يهدد الهوية القومية الفرنسية، ونجحت فى إثارة الرأى العام الفرنسى ضد المهاجرين وخاصة الوافدين من المغرب العربى.
وفى واقع الأمر فان استمرار الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية فى فرنسا بدون تغيير ينبئ باستمرار نسبة هامة من التأييد من جانب الرأى العام الفرنسى للتيار اليمينى المتطرف، بغض النظر عن انعكاس ذلك التأييد فى البرلمان بسبب النظام الانتخابى فالأزمة الاقتصادية متصاعدة، والحكومة اليمينية لم تستطع ان تتقدم بحلول جذرية لمشكلة البطالة التى تهدد أمن وسلامة المجتمع الفرنسى، كذلك ازدادت الأوضاع الاجتماعية سواء مع الانكماش الاقتصادى، وازدادت الحياة صعوبة فى الأحياء المكتظة بالسكان فى المدن الكبيرة وخاصة تلك التى يتكدس فيها المهاجرون، وأخيرا فان مشكلة عدم الآمان الناتجة عن هذه الأوضاع جميعها مازالت جاثمة بدون حلول جذرية وباختصار فمن غير المنتظر أن تتغير العوامل الاجتماعية والاقتصادية فى المستقبل القريب لان أسبابها المعقدة والمتشابكة تحتاج إلى وقت طويل قبل أن يبدأ الإحساس بنتائج التغييرات فيها أما العوامل السياسية فهى تلك التى يتوقف عليها انحسار أو انتشار تيار اليمين المتطرف وأهمها ما يلى:
أولا: مدى، قدرة أحزاب اليمين التقليدى على تجديد قياداتها وبرامجها ومناهج حركتها بحيث تستطيع أن تجذب إليها مزيدا من المؤيدين من الشباب، وذلك بأن تطرح حلولا عملية بعيدة عن الجمود الأيديولوجى للأزمة الحالية النى تمر بها فرنسا ولا يجب ان ننسى أن ديجول بقدرته القيادية وبعد نظره استطاع أن يلعب هذا الدور بعد تحرير فرنسا وان يقود عملية التحديث الاقتصادى والاجتماعى فى هذه الفترة، وانه بالرغم من انتمائه لليمين إلا انه تبنى فكرة الدور القيادى للدولة فى عملية التحديث، حتى تستطيع فرنسا ان تلحق بباقى الدول الأوروبية اقتصاديا واجتماعيا وان كان التاريخ لا يكرر نفسه ولكل فترة معطياتها إلا ان الأمر هنا يحتاج إلى قيادات ديناميكية لها رؤى حرة تكون قادرة على حل مشاكل المجتمع بما يتفق مع معطيات العصر وإمكانياته وينطبق نفس الشىء على أحزاب اليسار التى تحتاج إلى استعادة حيويتها والتحرر من آثار فشل التجربة الشيوعية فى الاتحاد السوفيتى.
ثانيا: مدى إصرار أحزاب اليمين المعتدل على عدم التحالف مع التيار اليمينى المتطرف مهما كانت الظروف ولعلهم تعلموا الدرس من فترة الثمانينيات حيث ساهموا فى إضفاء الشرعية على هذا التيار بإجراء التحالفات الانتحابية معه.
ثالثا: مدى استعداد القيادات السياسية الفرنسية لمحاربة العنصرية بكل صورها، وهنا يبرز الدور القيادى لوسائل الإعلام الرسمية وتلك التابعة للأحزاب السياسية المختلفة لكن الصعوبة تكمن فى أن التجربة الاستعمارية الفرنسية واستطلاعات الرأى العام الفرنسى تؤكد انه يوجد قدر لا يستهان به من العنصرية لدى الشعب الفرنسى، والاختلاف هو فى انه بينما كان يخشى الاعتراف بها فى الماضى أصبح من اليسير الآن ونتيجة لمجهودات اليمين المتطرف التصريح بها علنا.
رابعا: مدى قدرة أجهزة الدولة والشرطة على استعادة احترامها بعد ان أصبحت مثار للسخرية وأصبحت موضعا للاتهام بعدم الكفاءة بسبب عجزها عن المحافظة على الأمن ومقاومة الإجرام وبمعنى آخر مدى قدرتها عل تدعيم شرعية سلطة الدولة وتقليل الهوة بين مؤسساتها وبين المواطن الذى يرى ان أجهزة الدولة قد فشلت فى حمايته، إلى الحد الذى دفع المواطنين إلى تكوين جمعيات خاصة للدفاع عن النفس (66).
خامسا: مدى سرعة تحرك الحكومة نحو اتخاذ إجراءات جريئة لحل مشاكل المهاجرين دون مساس بحرياتهم، والعمل على دمجهم فى المجتمع الفرنسى، أو على الأقل بذل الجهد من اجل خلق التواؤم بين الجيل الثانى منهم وأفراد المجتمع الأصليين.
ومن المتوقع إذا تحققت تلك العوامل السابقة ان يتم تحجيم تيار اليمين المتطرف الفرنسى فى حدود معينة لا تهدد الديمقراطية أو الأمن الاجتماعى الفرنسى فمما لا شك فيه ان نجاح مثل هذه الحركات المتطرفة التى تدفعها عوامل ثقافية أو دينية ويتجاوب الرأى العام معها، يثير الكثير من المخاوف حيث تمثل تحديا لتلك المجتمعات الديمقراطية الليبرالية بسبب معارضة هذه الحركات المتطرفة للتعددية المعتدلة وخطورة هذه الحركات السياسية أنها تستغل مناخ الديمقراطية فى استخدام بعض القضايا المعلقة مثل الهوية والعرق والدين حتى تصل إلى السلطة وتدعى إنها الممثل الحقيقى للجماهير، وتقوم بالتقليل من شأن المؤسسات القائمة مثل الأحزاب السياسية وجماعات المصالح والأجهزة الإعلامية إلى مجرد تواجد فهذه الحركات المتطرفة يثير التساؤلات حول الاحتمالات المستقبلة للتطرف والمساومة حول حرية التعبير وحرية العمل السياسى والتنظيم السياسى والتنظيم يثير التساؤلات حول الحدود بين الهوية العرقية من جانب والحرية وحقوق الإنسان من جانب آخر (67).
وبالرغم من أنه من المتوقع استمرارية الجبهة القومية لأنها نتاج واقع، ديناميكى وتقاليد فرنسية قديمة، إلا أنه لا يوجد أى دليل يؤكد حتمية وصولها إلى ممارسة الحكم مباشرة خاصة وان الانتخابات التشريعية فى مارس 1993أسفرت عن فشلها فى ان تحتفظ بالمقعد الوحيد الذى كان لها فى الجمعية الوطنية (68).
الهوامش:
1- لمزيد من التفاصيل حول أحزاب اليمين المتطرف فى النمسا والسويد والنرويج وإيطاليا وبلجيكا وبريطانيا وسويسرا وألمانيا أنظر:
Christopher t Husbands, The other face of 1992: the extreme right explosion in Western Europe parliamentary affairs, 45(3) July 92,pp267-269
2- ويقصد به اليمين الذى عكس التقاليد القومية والملكية والبونابرتية أنظر:
j Plumyene ET r Lasierra, les Fascismes Francis 1923 1963, Paris, Seuil, 1963,p8
3- Pierre Brechon and subrata Kumar Mitra the national front in France The emergence of an extreme right protest (Movement, comparative politics, 25 (1 oct92, pp63-64
4- PLUMYENE ET LASIERRA, OPCITPP172-173
5- PAUL BUZZIU, LE FRONT NATIONAL ENTRE NATIONAL POPULISME ET EXTREMISME DE DROITE , REGARDS ACTUALLTE, MARS 91,PP31 32
ولمزيد من التفصيل حول الحركة البوجادية وجذورها أنظر:
PLUMYENE ET LASIERRA, OPCIT,PP226-248
6- لمزيد من التفصيل حول منظمة الجيش السرى الفرنسى أنظر:
PLUMYENE ET LASIERRA, OPCIT,PP261-290
7- BUZZI, OPCIT,P33
8- لمزيد من التفصيل أنظر:
CAMUS, JEAN YVES ET MONZAT, RENE, LES DROITES NATIONALES ET RADICALES REPERTOIRE CRITIQUE, PRESSES UNIVERSITAIRES DE LYON, 1992,PP53 56
9- أنظر لمزيد من التفصيل الفصل الخاص بالأحزاب اليمينية المتطرفة التى اختفت، المرجع السابق، صص
41-58
10- BUZZI, OPCIT,P33
11- BETZ, HANS GEORGE, THE NEW POLITICS OF RESENTMENT RADICAL RIGHT WING POPULIST PARTIES IN Western Europe COMPARATIVE POLITICS 25 (4) JULY 93,PP413-414
12- MONICA, CHARLOT, L EMERGENCE DU FRONT NATIONAL REVEUE FRANAISE DE SCIENCE POLITIQUE, 36 NO1, 86,P31
13- IBID
14- PASCAL, PERRINEAU, LE FRONT NATIONAL D UNE ELECTION A PAUTRE , REGARDS ACTUALITE, MAI 90P19
15- لمزيد من التفصيل أنظر المرجع السابق، ص ص 20-21، حيث توجد خرائط تفصيلية للمناطق التى حققت فيها الجبهة الوطنية نجاحا فى الانتخابات التى جرت فى الثمانينيات.
16- المرجع السابق، صص 22-23
17- المرجع السابق، صص 26-27
18- المرجع السابق،ص ص 29-30
وأنظر أيضا:
BRECHON, OPCIT,P65
19- HUSBANDS, OPCIT,P273
20- CAMUS, OPCIT,P170
21- BETZ, OPCIT,P423 SEE ALSO: MICHEAL SLEWIS BECK, FRENCH ELECTORAL THEORY: THE NATIONAL FRONT TEST ELECTORAL STUDIES, VOL 12,JAN93,PP115-117
22- BETZ, OPCIT,P 423-424
23- MARTIN A SCGAIN, THE NAYIONAL FRONT IN FRANCE AND THE CONSTRUCTION OF POLITICAL LEGITIMACY WEST EUROPEAN POLITICS, 10,APRIL 87,PP242 245
24- EDWY PLENEL ET ALAIN ROLLAT, LA REPUBLIQUE MENACEE DIX ANS D EFFET LE PEN, PARIS, EDLE MONDE, 1992,PP96-99, 169,VOIR AUSSI: NONNA MAYER, DE PASSY A BARBES: DCUX VISAGES DE VOTE LE PEN: REVUE FRANCAISE DE SCIENCE POLITIQUE, 37D, 87,PP891 892 297
25- PLENEN, OPCIT,P170,ET PERRINEAU, OPCIT,PP23-25
26- BRECHON, OPCIT,P 64
27- BETZ, OPCIT, P 420
28- MAURICE LAMOOT, CHOMEURS: REALITE, PARCOURS, REVENDICATIONS: PROBLEMES ECONOMIQUES, NO 2341,SEPT93, P13
29- PLENEL, OPCIT, P 138-
30- لمزيد من التفصيل حول قوانين تقييد الهجرة فى المملكة المتحدة التى بدأت بقانون تقييد الهجرة من دول الكومنولث أثناء حكومة ماكميلان فى 1991 ثم حكومة هيث فى 1971 وحكومة تاتشر 1981 أنظر: RM PUNETT, BRITISH GOVERNMMENT AND POLITIC, HAMPSHISE: GOWER, 1988,P14
31- BETZ, OPCIT,P416
32- BRECHON, OPCIT,P70
33- لمزيد من التفصيل وإحصائيات عن الإجرام فى فرنسا فى هذه الفترة أنظر:
XAVIER RAUFER, FRONT NATIONAL: SUR LES MOTIFS D UNE ASCENSION LE DEBAT, 63 JAN FEV91, PP97 -99
34- IBID PP94, 97,100,101
35- PLENEL, OPCIT, P 169
36- تخرج لوبن من كلية الحقوق فى باريس وكان رئيسا لاتحاد الطلبة فى 1951 وقد اشترك فى مقاومة النازيين وهو فى سن السادسة عشرة كما حارب فى الهند الصينية عام 1951 ثم اشترك فى عدوان السويس عام 1956 ثم فى مقاومة الحركة القومية فى الجزائر فى 1956 1957 ولمزيد من التفصيل حول تاريخ لوبن الشخصى أنظر:
CHARLOT, OPCIT,P34 AND LE POINT,NO1010,25 JAN92,P21
37- , OPCIT, P 166
39- BETZ, OPCIT,P416 417
40- فيما يتعلق بأيديولوجية الجبهة الوطنية ومطالبها السياسية راجع ما يلى:
PLENEL, PP65 67, 168 169,200,247,248SEE ALSO CHARLOT, OPCIT,PP37-38,BUZZI,OPCIT,PP35-43 AND SCHAIN, OPCIT, PP237-242
41- CAMUS, OPCIT, P104 105
42- وهذه التعليمات مثلا: فى التعامل مع السلطة أى البوليس وأجهزة العدالة: الاتصاف بالمجاملة والرقة والبرود والكفاءة فى التعامل مع المنافسين من الأحزاب الأخرى: التصرف بالبرود والحكمة وعدم استخدام القوة إلا فى أخر المطاف أى فى حالة الدفاع الشرعى عن النفس وأثناء المظاهرات ينبغى إلا يحمل العضو إلا كارت الهوية ولا يحمل كارت الانتماء للجبهة القومية ولمزيد من التفصيل فى هذا الشأن أنظر:
PLENEL, OPCIT,P245
43- لمزيد من التفصيل فى هذا الشأن وفى تنظيم الجبهة القومية بصفة عامة أنظر:
IBID PP167, 242 246,257 263,275
أما عن تمويل الجبهة القومية ومصادره المعلنة وغير المعلنة أنظر:
IBIDPP264, 274
44- CHARLOT, OPCIT,P35
45- AFP, 4FEB, 1994
46- أمثلة من المقابلات التليفزيونية والإذاعية مع لوبن أنظر:
CHARLOT, OPCIT,PP36 -36
47- PLENEL, OPCIT, P 117
48- IBIDPP115-117
49- أنظر تصريحات جاك شيراك وجيسكار ديستان فى هذا الصدد فى 1990 فى المقالة التالية: HUSBANDS, OPCIT,P274
50- BRECHON, OPCIT,P82
51- AFP, 27 MARS, 1992
52- HUSBANDS, OPCIT,P267-268
53- PLENEL, OPCIT, P 152-153
54- BETZ, OPCIT,P418
55- IBIDPP419
56- PLENEL, OPCIT,P191
57- لمزيد من التفصيل حول النظام الانتخابى فى فرنسا وأثاره على النظام الحزبى أنظر:
MAURICE DUVERGER, LE SYSTEME POLITIQUE FRANCAIS DROIT CONSTITUTIONNEL ET SYSTEMES POLITIQUES, PARIS, PRESSES UNIVERSITAIRES DE FRANCE, 1985,PP506,508-509
58- VD MAMADOUH AND HH VAN DER WUSTEN THE INFUENCE OF THE CHANGE OF ELECTORAL SYSTEM ON POLITICAL REPRESENTATION: THE CASE OF FRANCE IN 1985 POLITICAL GEOGRAPHY QUARTERLY, VOL8 NO2, APRIL 89,P146 -59
وقد قام هذا النظام الجديد أيضا بتغيير توزيع المقاعد بين المقاطعات بحيث خسرت مقاطعة باريس عشر مقاعد وتم إنشاء 91 مقعدا جديدا فى باقى أنحاء البلاد، أنظر لمزيد من التفصيل:
IBIDP148
60- IBID
61- ومن هذه الوسائل المظاهرات والمسيرات فقد تجمعت فى 1 مايو 1993مسيرة من حوالى 5500 متظاهر وذلك فى ذكرى جان دارك من أجل الدعوة إلى إعادة نظام التمثيل النسبى وأعلن لوبن أنه لو كان هذا النظام مطبقا لكان للجبهة القومية 64 مقعدا فى الجمعية الوطنية أنظر:
AFP, 1ST,MAY,1993 -62
لمزيد من التفصيل حول العنصرية فى فرنسا أنظر: KARTINA GORJANICYN, RACISM IN FRANCE: THE IMAGE OF RESPECTABILITY MELBOURNC JOURNAL OF POLITICS V21, 1993,PP92 97
63- PLENEL, OPCIT,PP145 150
64- IBID P314
65- لمزيد من التفصيل حول تطورات هذه الواقعة ومواقف الأحزاب السياسية منها والضجة التى أثارتها ثم حكم مجلس الدولة الذى تبنى موقفا وسطا بالا يمنع الحجاب إلا إذا أدى ذلك إلى دعاية دينية أو أثر على كرامة التلميذ أو عاق التدريس ثم المناقشات التى دارت حول قضية دور الدين فى المجتمع الفرنسى وقضية الاختلاف الثقافية وحركة المساواة للمرأة أنظر: BRECHON, OPCIT,PP66-68
66- من أمثلة هذه الجمعيات جمعية الدفاع الشرعى LEGETIME DEFENSE التى تطالب بتشديد العقوبات عن الجرائم ضد الأفراد والممتلكات وتدافع عن ضحايا هذه الجرائم أنظر:
CAMUS, OPCIT,P393
67- BRECHON, OPCIT,PP63
68- لمزيد من التفصيل حول نتائج هذه الانتخابات حيث تقدمت الجبهة القومية بمرشحين فى مائة دائرة انتخابية ولم ينجح أحد منهم أنظر:
LE MONDE,30 MARS,1993,P29 ET L ARTICLE PAR OLIVIER BIFFAUD, FRONT NATIONAL: ACCESS INTERDIT .AU PALAIS BOURBON P27