Share |
اكتوبر 1994
1
المسار السورى الإسرائيلى واختلاف الأولويات.
المصدر: السياسة الدولية

ماذا عن المفاوضات السورية الإسرائيلية؟ سؤال اجتذاب اهتمام العديد من الأطراف الدولية والإقليمية فى الآونة الأخيرة لما ينطوى عليه من آثار افرزها تقدم عملية السلام على المسارين الفلسطينيين والأردنى، فى وقت مازالت المفاوضات السورية تعانى من السير فى المكان، وهو ما ينطبق بالتبعية على المفاوضات اللبنانية بعد اتخاذهما لما يشبه المسار الواحد.
وكانت المفاوضات السورية الإسرائيلية، قد مرت بمراحل عديدة منذ مؤتمر مدريد عام 1991 ففى بداية المفاوضات الثنائية رشح المسار السورى ليكون قوة الدفع لباقى المسارات الأخرى لكن سرعان ما أخذت الآمال فى التحطم أمام العقبات والمناورات الإسرائيلية الخاصة بمفهومها للسلام مع سوريا، لتدور المحادثات فى حلقة مفرغة منذ تعليق المفاوضات فى فبراير الماضى حول ثلاث نقاط أو محاور رئيسية هى: مراحل الانسحاب، ومفهوم السلام أو التطبيع، وأخيرا الإجراءات الأمنية ومؤدى هذه الحالة، أن تظل صفة الجمود سمة مميزة لهذا المسار رغم الإقرار بأهمية سوريا لتوسيع وتعميق قاعدة التأييد للسلام فى المنطقة، وبالتالى يصبح مستقبل هذا المسار محددا بمجموعة القيود والمعطيات الجديدة، التى أوجدها دوران عجلة السلام فى المسارين الأردنى والفلسطينيين بخطوات غير متوازنة على طريق مقايضة الأرض بالسلام وفى هذا السياق، سوف يهتم هذا التقرير، بتقديم صورة عامة لركائز الموقف التفاوضى للجانبين وتأثير المنعطفات الجديدة على الموقف السورى والتحديات الماثلة أمامه معطيات التسوية الثنائية:
على مدار ثلاث سنوات تقريبا هى عمر عملية السلام، لم يشكل عامل الوقت أداة ضغطه على المحادثات السورية الإسرائيلية، كما حدث بالنسبة للمسارين الأردنى والفلسطينيين وهو ما يمكن إرجاعه لسببين أولهما: رؤية إسرائيل لشروط نجاح المفاوضات مع الدول العربية: ومفادها تقسيم مراحل السلام إلى جانب إعمال مبدأ الاتصالات المباشرة سرية كانت أم علنية كما سعت إسرائيل لطرح موضوع الانسحاب مع سوريا بوصفه أحد عناصر أربعة متلازمة لا فكاك منها هى: 1) الاتفاق على عمق الانسحاب من الجولان 2) كيفية تنفيذ الانسحاب والمدة التى يستغرقها 3) الترتيبات الأمنية المطلوبة لتحصين الاتفاق داخل منطقة منزوعة السلاح 4) العمل على تحقيق سلام شامل مقابل الانسحاب الكامل ويتضمن تبادل السفراء وفتح الحدود ومراجعة كافة إجراءات التطبيع.
أما السبب الثانى، فيتعلق بسمات الموقف السورى ورؤيته لنتائج السلام مع إسرائيل والتى تتجاوز فى الواقع مجرد استعادة الجولان إلى تحديد مكانتها الإقليمية وهى اعتبارات فرضت على الموقف السورى عددا من السمات المميزة لأسلوبه التفاوضى مثل البطء والحذر، إلى جانب التشدد فيما يتعلق بمطلبها الأساسى الخاص بالانسحاب الشامل من كل الجولان ومن الشريط الممثل فى جنوب لبنان قبل الحديث عن طبيعة السلام بهذه المعطيات أو الثوابت سعى كل طرف لأعمال ما يمتلكه من أوراق تفاوضية فسعت إسرائيل لتحسين موقعها التفاوضى بطريقة تسمح بتمرير أهم شروطها الخاصة بربط الحلول مع سوريا ولبنان برؤيتها الكلية لشكل المنطقة فى المستقبل، وذلك من خلال القفز على مجموعة القيود المحجمة لحركتها ومنها:
تجاوز نتائج قمة جنيف بين الرئيسيين الأسد وكلينتون، بعد ظهور سوريا بمظهر الطرف الأكثر مرونة وتجاوبا مع عمليات السلام، إلى جانب ما يحظى به مؤتمر مدريد وأسسه من تأييد دولى ومنها مبدأ الانسحاب من الجولان وصول المفاوضات مع سوريا إلى درجة من السكون تتطلب معها ضرورة اتخاذ قرار حاسم بشأن الانسحاب من الجولان باعتباره أحد استحقاقات عملية السلام مواجهة تعاظم أصوات المعارضة اليمينية وتزايد تأثيرها على خلفية حساسية الوضع الحزبى وطبيعة القاعدة الائتلافية للحكومة الإسرائيلية خصوصا فى عنصرها المتمثل باعتماد بقاء الحكومة على الأصوات العربية التى تمثل الكتلة المانعة لعودة الليكود إلى الحكم أما بالنسبة لسوريا، فقد انطلقت من رؤية مفادها الحرص الشديد على تناول التفاصيل الدقيقة لمراحل السلام، خوفا من تحكم الإسرائيليين فى مجريات الانسحاب فأى اتفاق على المبادئ والخطوط العامة بعد التجربة الفلسطينية لا يكفى لأن المشكلة الجوهرية تتعلق بالتفاصيل والأرقام، ومن دون ذلك يصبح الأمر أقرب للمغامرة غير مأمونة العواقب خصوصا أن عملية تنفيذ أى اتفاق يتم التوصل له الآن، ستستغرق ما يتجاوز العامين الباقيين لحكومة رابين، فضلا عن صعوبة توقع تركيبه الحكومة المقبلة بهذا الأسلوب، بدا المسار السورى وكذلك اللبنان متأخرين بعض الشىء عن المسارين الآخرين ورغم محاذير هذا التأخير، إلا أن الاتجاه العام يذهب إلى التأكيد على إمكانية بناء اتفاق متميز بخلاف ما تشهده الساحة الفلسطينية مع الأخذ فى الاعتبار تباين الحالتين.
وفى هذا الإطار، يمكن تحديد عدد من مظاهر التغير المحددة لنطاق وحيز التقدم المتوقع على هذا المسار وخاصة مع مظاهر عدم قدرة أو رغبة إسحاق رابين لدفع ثمن السلام مع سوريا، أى الالتزام المسبق بالانسحاب من الجولات وتتمثل هذه المظاهر فى:
مع سقوط سياسة التكافؤ الاستراتيجى من الفكر السورى بسقوط الممول الرئيسى (الاتحاد السوفيتى) حرصت سوريا على صوت وحدة التنسيق العربى فى المسارات الأربعة، باعتبارها القوة المعنوية البديلة التى تحقق بعض التوازن وتضمن تامين المصلحة المشتركة ولاشك أن خروج الفلسطينيين والأردنيين من هذه الحسبة، قد افقد السوريين بعض عناصر القوة التى هى بأمس الحاجة إليها ولا يعنى ذلك فقد سوريا لكافة أوراق الضغط التى تمتلكها. إعلان المغرب فى 1/ 9/ 1994عن إقامة علاقات على مستوى منخفض مع إسرائيل وقرب انتهاج دول عربية أخرى لنفس المنهاج، الأمر الذى يحد بلا شك من تأثير ورقة المقاطعة الاقتصادية العربية تنظر سوريا لموضوع ضبط التسلح باعتباره عنصرا للمساومة وجائزة تمنح لإسرائيل فى ظروف محددة، بهذا المنطق رفضت سوريا (ولبنان) حتى هذا الوقت المشاركة فى المحادثات متعددة الأطراف التى تعالج ضمن أمور أخرى هذا الموضوع، مع رهن المشاركة بإحراز تقدم جوهرى فى المفاوضات الثنائية.
استمرار إسرائيل فى انتهاج سياسية اليد الطويلة والعصا الغليظة فى لبنان واستخدامها كورقة ضغط عل سوريا. إن الاتجاه العام للمسار السورى الإسرائيلى يشير إلى موافقة الرئيس السورى على مبدأ الانسحاب الإسرائيلى عل مراحل والتطبيع على مراحل، تنفيذ لمبدأ السلام الكامل مقابل الانسحاب الكامل، بمعنى أن موضوع الصراع الذى يعيق التقدم يرتبط بشروط الانسحاب والتطبيع. وبالنظر للمعطيات السورية وتلك الإسرائيلية سابق الإشارة إليها نجد أننا أمام اتجاهين من الآراء تثيرهما وسائل الإعلام الدولية بهدف تحميل سوريا مسئولية جمود المفاوضات أولهما ينطلق من حكم مفاده أن سوريا ليست مخلصة لعملية السلام ولا راغبة فيها، وهو ما تردده الدبلوماسية الإسرائيلية بين الحين والحين، مستندة فى ذلك إلى استمرار سوريا فى تسليح نفسها وعدم قبولها بالتنازلات المطلوبة منها لتحقيق السلام ويطرح أصحاب هذا الرأى، إمكانيات تجاوز سوريا فى عملية التسوية كثمن لعدم مرونتها وقبولها لخيارات بديلة للانسحاب الكامل مثل إضفاء شرعية على مطالب سورية فى لبنان وتصريح شمعون بيريز بالاعتراف بسيادة سوريا على الجولان والتلويح بورقة دعم العلاقات الأمريكية السورية.
أما الاتجاه الثانى فلا يصل إلى مستوى التشكيك فى إرادة السلام السورية ولكنه يشدد على التصلب السورى وشخصية الأسد غير المرنة، ويشير إلى صعوبة عزل سوريا عن تفاعلات المنطقة، وبالتالى فالبديل هو تقديم سياسة الإقناع والتحفيز على سياسة الضغط والاستفزاز. والحقيقة أن مسار الأحداث يشير إلى امتزاج الاتجاهين مع الميل، إلى الاتجاه الثانى وخاصة من جانب الإدارة الأمريكية النى تسعى دائما لإظهار حرصها على تفعيل المسار السورى وعدم شعورها بالعزلة الدولية أو الحصار الإقليمى وهو ما أوضحه كلينتون للأسد عشية توقيع الأردن اتفاقها مع إسرائيل وتأكيده أن ما شهده المساران الأردنى والفلسطينيين لا يقصى سوريا عن التسوية النهائية.
آليات الحركة:
بطبيعة الحال، لا يعنى جمود المسار السورى الإسرائيلى، غياب آليات تحريك هذا المسار، ومن ثم بواعث التفاؤل عند البعض من إمكانية إحراز تقدم سريع ومفاجئ وذلك بإرجاعهم أسباب الجمود لرغبة إسرائيل فى إتاحة الفرصة لنفسها من اجل ترتيب الساحتين الفلسطينية والأردنية قبل التعامل مع سوريا مدللين على ذلك بانفتاح الإسرائيلى على المسار الأردنى فى أعقاب انسحابهم العسكرى من غزة وأريحا ولعل ما يعزز هذا التفاؤل، مجموعة الإشارات الصادرة من طرفى المفاوضات (سوريا وإسرائيل) من جانب والولايات المتحدة من جانب آخر فبالنسبة لإسرائيل تشير التصريحات ومسودات المشروعات المقترحة إلى تبلور نقاط الخلاف فى نقطتين اثنتين الأولى تتعلق بمدة الفترة الانتقالية التى يريد الإسرائيليون أن تكون خمس سنوات فى حين يطالب السوريون بأشهر أما النقطة الثانية فيطرحها خط الانسحاب النهائى حين يصر السوريون على حدود ما قبل يونيو 1967، بينما يتحدث الإسرائيليون عن انسحاب إلى حدود الانتداب البريطانى، مما يبقى فى أيدى إسرائيل منطقتين هما منطقة بانياس المواجهة كليبوتر دان فى الشمال ومنطقة الحمة فى الجنوب وتتضح نقاط الخلاف هذه فى مسودة مشروع أعده الجنرال ايلان بيرن (مستشار رابين لشئون الأراضى المحتلة) ودراسة تفصيلية أعدها زيف تشيف ومجموعة من خبراء وزارة الدفاع ومستشارون تابعون لمكتب رئيس الوزراء عن الخيارات السياسية المرتبطة بمصير العلاقات مع سوريا وان كانت الدراسة تعد اكثر شمولا، فهى تركز على القضايا الفنية الخاصة بالحدود والشروط الأمنية فتشتمل خطوطها العريضة على التالى اعتراف إسرائيل بالسيادة السورية على كل الجولان.
تطالب إسرائيل بمدة تتراوح ما بين خمسة إلى ثمانية أعوام لإنهاء انسحابها من مرتفعات الجولان ضرورة موافقة سوريا على جعل الجولان منطقة منزوعة السلام يجب تبريد حزب الله من السلاح بشكل كامل والعمل على سحب العناصر الراديكالية التابعة له من المنطقة التى تسيطر عليها سوريا بعد اكتمال عملية سحب جماعة حزب الله من جنوب لبنان، وتغيير وضع جيش لبنان الجنوبى (جيش لحد) ليصبح فرقة داخل الجيش اللبنانى النظامى، بعد ذلك ستعترف الحكومة الإسرائيلية لسوريا بسيطرة الأمر الواقع على لبنان.
ستتركز القضايا المتعلقة بسيادة الأرض على موضوع السيطرة على جيل حرمون (الشيخ)، حيث سيتم تثبت أجهزة تصنت متطورة، إلى جانب القضايا المتعلقة بالوضع النهائى للحدود الإسرائيلية اللبنانية والإسرائيلية السورية، إلى جانب تمركز فرقتين أمريكيتين، يعهد إليهما بحفظ السلام والفصل بين القوات فوق مرتفعات الجولان.
كما يضيف مشروع الجنرال ايلان بيرن مسألة المحافظة على مصادر المياه فى بحيرة طبريا ونهر بانياس ومن الواضح أن هاجس الترتيبات الأمنية وأمال التطبيع تمثل الأهداف الحقيقية وراء مجموعة التصريحات التى أطلقها عدد من القادة الإسرائيليين وفى هذا السياق، يمكن الإشارة فئ تصريحين اثنين الأول ما أعلنه ايهود ياراك رئيس أركان الجيش الإسرائيلى من أن إسرائيل بحاجة لكل متر مربع من الجولان أما التصريح الثانى فقد أعلنه رابين عندما وضع الرئيسين اللبنانى إلباس الهراوى والفلسطينى ياسر عرفات فى قائمة أشخاص كريهين آخرين فى العالم العربى إذا جاءوا إلى القدس فسوف أصنع سلاما معهم بصحية هذه المعانى المحددة انطلقت مجموعة أخرى من التصريحات المحفزة لسوريا فقد أعلن رابين أنه يوافق على وجود عسكرى سورى فى لبنان فى إطار معاهدة سلام كما أنه رفض وضع جدول زمنى للمفاوضات بقوله ليس لدى أى موعد نهائى حتى لو اقتربنا من منتصف عام 1996 قرب الانتخابات
( الإسرائيلية) فلن نجمد المفاوضات، وأعتبر أنه فى حالة التوصل إلى اتفاق عشية الانتخابات، فانه لن يبرى استفتاء على الجولان بل سيعتبر أن الانتخابات هى الاستفتاء وفى رده على اعتراض عدد من كبار ضباطه على سياسته فى مجال السلام، قال رابين أن الحكومة المنتحية هى التى تتخذ القرارات وأورد رابين حالتين لم يسمع فيهما إلى نصائح الجيش خلال رئاسته:
الأولى للحكومة الإسرائيلية (74-1977) ففى عام 1974، أعتبر السلام الجوى أنه من المحتمل جدا أن تنتقل سوريا إلى الهجوم مع انتهاء المهمة الأولى لقوة الأمم المتحدة فى الجولان وطلب العسكريون حشد ما بين 50 إلى 70 ألف رجل لكن لم أصدق ذلك أى رابين فلم أحشد سوى ما بين أربعة وخمسة آلاف رجل وفى عام 1977 أعتبر الجيش أن مصر تعد لشن حرب لكن وجهة نظر رابين القائلة أن الرئيس السادات يسعى إلى السلام هى التى ثبتت صحتها ولاشك أن تصريحات رابين فى مجمعها تسعى إلى الظهور بشكل المساعى لتقديم المبادرات والأكثر مرونة فى مقابل التصريحات المتشددة الأخرى (التى يطرحها إسرائيليون آخرون) وهو ما يعنى استمرار مناهج توزيع الأدوار الذى تلبى إليه السياسة الإسرائيلية منذ بدء عملية السلام ولا يلغى ذلك، تلك المساحة المشتركة التى أخذ كل من السوريين والإسرائيليين التحرك عليها الأمر الذى دعا ارييل شارون فى اجتماع لحزب الليكود (المعارض) للإعلان عن وجود اتفاق سورى إسرائيلى كامل وأن نقاط الخلاف فيه بسيطة كما أضاف أن الحكومة أصبحت أكثر استعدادا لإخلاء معظم هضبة الجولان وسحب الجيش وإخلاء المستوطنات
(34 مستوطنة تضم 13ألف يهودى) بعد عام من التوقيع على الاتفاق وإعادة انتشاره على خط القمم التى تشرف على الجليل، على أن يعاد هذا الخط أيضا إلى السوريين عند انتهاء الفترة الانتقالية بهذا الهجوم الإسرائيلى سواء المؤيد أو المعارض لفكرة الانسحاب من الجولان، سعت سوريا لتحديد مطالبها فى مجموعة من الخطوات المتتالية والمتلازمة وهى كالتالى:
إلغاء قرار الكنيست الإسرائيلى الصادر فى عام 1981 بضم الجولان إقرار مبدأ السيادة السورية المطلقة على أرض الجولان والاستعداد للانسحاب الإسرائيلى الكامل منه أن يكون الحل السلمى فى إطار تسوية شاملة على كل الجبهات إجراءات أمنية على جانبى الحدود فى شكل متساوى، وضمان أمن كل دول المنطقة.
الاستعداد السورى للبحث فى السائل الأخرى المتعلقة بالعلاقات الخاصة بفتح الحدود وفتح السفارة والتبادل التجارى وهكذا، أخذت سوريا من تلك النقاط قاعدة انطلاق لتوسيع مجال حركتها، بالاستناد إلى مجموعة من الأطراف الدولية تجىء فى مقدمتها الولايات المتحدة ومصر، بالإضافة إلى عدد من الدول الأوروبية وروسيا كما نجحت سوريا فى إثبات حسن نواياها إلى إظهار استعدادها لإبرام اتفاق عادل مع إسرائيل، وذلك من خلال السير فى طريقين متوازيين، أولهما خاص بالحركة الدائمة لمواجهة التصريحات والمشروعات الإسرائيلية والرد عليها وفى هذا الإطار، ظل الموقف السورى متمسكا بضرورة الانسحاب الكامل من الجولان وربط المسارين السورى واللبنانى معا إلى جانب تجنب الحديث عن ماهية السلام والتطبيع قبل حسم مسالة استعادة الأرض أما الطريق الثانى، فقد استند التحرك السورى فيه إلى الدعم الدولى لموقفها من عملية السلام أو على الأقل تفهمه حيث تحركت الدبلوماسية السورية بنشاط ملحوظ على المستوى الأوروبى متجاوزة فى هذا النشاط عملية السلام إلى محاولة توثيق العلاقات الثنائية ودعم اقتصادها فكانت زيارات فاروق الشرع وزير الخارجية السورى لعدد من الدول الأوروبية منها بريطانيا وفرنسا وهولندا بهدف الحصول على تأييدها لرفع الحظر الأوروبى على إرسال السلاح لسوريا، الذى فرضه الاتحاد الأوروبى منذ منتصف الثمانينيات كما تناولت المباحثات مسألة الديون الأوروبية المستحقة على سوريا والتى تقدر بـ750 مليون دولار والجدير بالذكر أن سوريا تسعى لحل مشكلة الديون بشكل ثنائى بينها وبين كل دولة على حدة وليس فى إطار نادى باريس الذى يعنى أيضا عبء ديون البنك الدولى البالغة 442 مليون دورا وخاصة أن الديون كما تراها القيادة السورية، تمثل مسألة هامشية مقارنة بالشروط التى يريد البنك الدولى فرضها، فى وقت تحرص دمشق عل استقلال قرارها الاقتصادى وتصحيح مساره بخطوات متدرجة ومن المعروف أن سوريا تسعى منذ فترة لتحويل اقتصادها ليتخذ آليات السوق الحر.
والى جانب التحرك السورى فى أوروبا ، يبرز التعاون المصرى السورى بشكل واضح فى سلسلة اللقاءات المتبادلة سواء على مستوى الرؤساء أو مستوى الوزراء حيث تسعى القيادة المصرية لتدعيم الموقف السورى من خلال استيضاح صبغة الأرض مقابل السلام التى يسعى كل من السوريين والإسرائيليين إلى طرحها عبر فتح قناة اتصال مباشرة بين دمشق وتل أبيب وكان الرئيس مبارك قد اجتمع بكل من الرئيس الأسد ورئيس الحكومة الإسرائيلية رابين فى أواخر شهر يوليو وأوائل أغسطس (كل على حدة) فى محاولة لاستيضاح المفاهيم العامة ودفع المباحثات على السار السورى وكذلك اللبنانى.
بهذا المعنى، بدت القوة واسعة بين الانسحاب الذى تريده دمشق، والسلام الذى تطالب به إسرائيل بدءا من تحديد ماهيته وانتهاء بربطة بعمق الانسحاب قبل الالتزام به طرح صيغة الاختبار لمدة ثلاث سنوات قبل الانسحاب ولم تفلح جولات وارن كريستوفر وزير الخارجية الأمريكى المكوكية فى تضيق تلك الفجوة، بالرغم من حرص سوريا على استمرار الدور الأمريكى كراعى للمحادثان فضلا عن رغبتها فى تدعيم علاقاتها الثنائية والاستفادة من الأجواء الإيجابية التى أضفنها قمة كلينتون الأسد فى أوائل العام بإيجادها لجنة خاصة لصياغة العلاقات الثنائية، بالرغم من عدم ظهور مؤشرات على حدوث تحسن ملموس، وخاصة بعد صدور قرار الكونجرس الداعى لاستمرار وضع سوريا ضمن قائمة الدول الداعمة للإرهاب، الأمر الذى تسعى إسرائيل لتوظيفه لصالحها عبر التلويح بامتلاكها لهذه الورقة وبأنها المدخل الأكثر ضمانا وتأثيرا فى السياسة الأمريكية وليس العكس.
جولات كريستوفر:
يعود وزير الخارجية الأمريكية إلى المنطقة فى منتصف شهر أكتوبر بعد أن تأجلته جولته المتوقعة فى سبتمبر، بهدف بحث المهل الزمنية المتوازنة بين مقتضيات السيادة الفعلية والإجراءات الأمنية على المسار السورى الإسرائيلى وبتتبع الجولات السابقة للمبعوث الأمريكى. يمكن ملاحظة، محدودية الناتج حتى الآن، على الرغم من المؤشرات الإيجابية التى تسعى الإدارة الأمريكية لتأكيدها ومنها:
أن كريستوفر قد اجتاز مرحلة اختبار النوايا بين السوريين والإسرائيليين بنجاح كما خاض تجربة ناجحة فى انتزاع موافقة الطرفين على عناوين تفاوضية رئيسية أن ملف التفاوض الإسرائيلى السورى، قد انتقل من رئيس الوزراء رابين إلى وزير خارجيته بيريز الذى يحرص على إحراز تقدم قبل إجراء انتخابات الكنيست القادمة يؤكد الأمريكيون أن كريستوفر، سيعتمد على آلية تفاوضية مستقلة، قد تعرف فيما بعد بخطة كريستوفر لدفع مفاوضات السلام، تكون خلاصة الطرح الإسرائيلى وملاحظات السوريين عليه تختلف الإدارة الأمريكية مع الحكومة الإسرائيلية فى معالجتها لموضوع المقاومة فى لبنان فترى أن مجرد دخول سوريا فى إطار عملية السلام، يمكن إن يخفف تلقائيا حدة المعارضة الممثلة فى حماس و حزب الله و الجهاد الإسلامى كما أن ذلك قد يدفع إيران إلى ضبط تحركاتها تحت السقف السورى، إذا لمست أن سوريا دخلت فعلا فى مدار التسوية الشاملة والنهائية وفى مقابل تلك المؤشرات، تعلقت الآمال على جولة كريستوف القادمة بقدرتها على إحراز ثلاث خطوات.
الأولى: أن يطرح مقترحات وسط حول المهل الزمنية للانسحاب الإسرائيلى من الجولان تكون مقبولة من دمشق وتل أبيب.
الثانية: تقديم مقترحات خاصة بالمنطقة العازلة من حيث حدودها ومساحتها والقوى التى ستشرف عليها.
وأخيرا: طرح مقترحات مرنة بشأن الترتيبات الأمنية والخطوات التطبيعية مع التأكيد المسبق بأن دمشق ترفض أى نوع من التطبيع قبل الانسحاب الكامل من الجولان أما عن السار اللبنانى، فتنظر الإدارة الأمريكية إليه، باعتباره لا يمثل مشكلة حقيقية إلا فيما يختص باللجنة العسكرية المشتركة وأن هذه المشكلة تأخذ طريقها للحل من خلال اعتراف إسرائيل بالقرار425 ووضع أزمنة للانسحاب من الجنوب والبقاع الغربى ثم التفاوض على مستقبل جيش انطوان لحد والمقاومة الوطنية ووفقا لهذا السيناريو، تكمن المشكلة الرئيسية فى إمكانية دفع السار السورى، وكف إسرائيل عن اللعب بورقة لبنان وتفجير الوضع فى جنوبه من أجل ابتزاز سوريا من هنا، يمكن التأكيد على أن مسار الأحداث، يشير إلى دخول المسار الأحداث مرحلة دقيقة، تحتاج فيها سوريا إلى كل أدوات الضغط ث على إسرائيل لتحقيق الجلاء عن الجولان والجنوب اللبنانى وخاصة أن محصلة عملية السلام حتى الآن تدفع إسرائيل لنتمسك بأولوية التطبيع الذى يسبق المعاهدة ويقود أليها بعد نجاحه على المسارين الفلسطينى والأردنى فى وقت سعت فيه القيادة السورية ومنذ البداية لتحقيق اتفاق مماثل لاتفاق السلام بين مصر وإسرائيل مع استثناء واحد يتمثل فى عدم إجراء لقاءات ثنائية على مستوى عال قبل التوصل للمعاهدة، الأمر الذى يمكن من خلاله تفسير الحذر الشديد الذى لجأ إليه السوريين للتعامل مع إسرائيل وخاصة أن نمط التسويات الإسرائيلية مع كل من الأردن والفلسطينيين، لا يقدم نموذجا إيجابيا أو مشجعا للسوريين للتخلى أو حتى تعديل أسلوبهم التفاوضى.
وان كان السيناريو الأقرب للواقع حاليا، يقوم على صبغة توفيقية تجمع بين الموقفين السورى والإسرائيلى، وتنطلق من استراتيجية الخطوة خطوة، ومن ضرورة تحقيق تزامن بين شروط البلدين وتأخذ فى الاعتبار أن يسير الانسحاب الإسرائيلى من الجولان وجنوب لبنان على خط موازى لتطبيع العلاقات وإنهاء حالة الحرب من خلال معالجة مسألة التسلح وطرح الحلول للترتيبات الأمنية تصبح مسألة التفاوض على التفاصيل أمرا حيويا يخدم المصلحة الوطنية السورية ومن ثم تبقى الحاجة إلى معالجة أزمة التنسيق العربى فى عطية التسوية محل احتياج متزايد.