Share |
اكتوبر 1994
1
ماذا بعد المؤتمر الدولى للسكان والتنمية؟
المصدر: السياسة الدولية

كان مجرد انعقاد المؤتمر الدولى للسكان والتنمية بالقاهرة (5- 13سبتمبر 1994) إضافة جديدة لرصيد مصر الدولى نظرا لأهمية وخطورة هذا المؤتمر الذى يعد تتويجا لمؤتمرات السكان السابقة عليه وفى الوقت نفسه فالمؤتمر يعد واسطة العقد بين المؤتمرات الدولية الأخرى سواء السابقة عليه أو اللاحقة بعده بشأن المرأة أو الطفل أو البيئة والتنمية أو حقوق الإنسان أو التنمية الاجتماعية الخ، ومن ثم شكل مؤتمر القاهرة نقطة تحول فى دبلوماسية المؤتمرات الدولية وهى الظاهرة المصاحبة للتنظيم الدولى المعاصر من خلال تقنين قواعد جديدة للقانون الدولى فى شكل معاهدات واتفاقيات دولية تحظى بتوافق الآراء وتنشئ آليات جديدة تتابع وترصد مدى التقدم الذى تحرزه كل دولة على هذا المسار أو ذاك.
ولا عجب أن تنشط دبلوماسية المؤتمرات الدولية هذه فى إطار أشمل وهو عقد الأمم المتحدة للقانون الدولى (1990-1999) بهدف التشجيع عل تطوير القانون الدولى والعمق على تدوينه وزيادة تفهمه وتتعزز فعاليات هذا العقد بانعقاد مؤتمر الأمم المتحدة للقانون الدولى العام القادم (1995).
تتويج لمؤتمرات السكان:
وفيما يخص مؤتمرات السكان الدولية فقد حظى مؤتمر القاهرة بولاية تفوق المؤتمرين السابقين للسكان فى بوخارست (1974) ونيومكسيكو (1984) حيث أكد مؤتمر القمة أوجه الترابط الحاسمة بين، السكان والتنمية ووضعت الأعمال التحضيرية له كما كبيرا من الموارد والمعرفة والتكنولوجيات تحت تصرف المجتمع الدولى لمحاولة صياغة أسس تعاون جديد فيما يتعلق بالسكان فى سياق التنمية المستديمة ووثيقة هذا المؤتمر التى تم التفاوض عليها فى مؤتمر القاهرة لم تضع عشية انعقاد المؤتمر فقد تم التحضير لها طوال 3 سنوات عقد خلالها 6 اجتماعات للخبراء وخمسة مؤتمرات إقليمية لتحضير موقف كل إقليم فى مسألة السكان والتنمية ثم ظهرت الوثيقة فى صورتها الأولى فى فبراير 1994 وأدخل عليها بعض التعديلات فى اجتماع عقد فى نيويورك فى إبريل 1994.
وجاء إلى القاهرة وفود اكثر من 180 دولة من الشمال والجنوب ومن الشرق والغرب وناقشوا بحرية الوثيقة بقضاياها الحياتية التى تمس فكر وسلوكيات الإنسان أينما كان وأتاح مؤتمر القاهرة مناخا ديمقراطيا لتفاعل الآراء حول أخطر قضايا المرحلة الحالية: الفقر والتنمية والصحة العامة ووضع المرأة والظروف التى ينشا فيها الأطفال اليوم وغير ذلك من القضايا المرتبطة بحاضر الشعوب ومستقبلها.
وكان من المتوقع ألا تخلو مناقشة مثل هذه القضايا من خلافات بين ممثلى هذا الكوكب بشعوبه وأجناسه وملله ونحله وسياساته وتوجهاته ومصالحه العديدة المختلفة، فقد كان مؤتمر القاهرة أكثر المؤتمرات الدولية مساسا بمعتقدات الشعوب هذا إلى جانب مواجهات الشمال والجنوب المعروفة ولقد تركزت الخلافات بصفة أساسية حول ما جاء بالفصلين السابع والثامن من مجموع 16 فصلا.
ومما دعا للتفاؤل حول مضمون نجاح المؤتمر فى مناقشة الوثيقة إن الإنفاق والخلاف حول مضمون عدد من توجهاتها لم يتم بالتصويت وإنما بتوافق الآراء وقيام الدول المعارضة بتسجيل تحفظاتها وليس أدل على هذا من استمرار مناقشة مسألة الإجهاض طوال ثلاثة أيام دون التوصل إلى صيغه تحظى بالإجماع العام ثم أرجئت المناقشة واقترحت مصر بأن يتم التفاوض حول النصوص المقترحة والمعدلة لهذا النص فى إطار مجموعة عمل فرعية وتم ذلك بالفعل حيث رأست هذه المجموعة باكستان وتقدمت مصر بتعديلات مقترحة للنص الخاص بالإجهاض ركزت على عدة نقاط هامة منها أن الإجهاض لا يعتبر إحدى وسائل تنظيم الأسرة وأن هذه الموضوعات يجب التعامل معها فى إطار القيم الدينية والشرائع السماوية وأقرت اللجنة الرئيسية للمؤتمر النص المعدل بتوافق الآراء.
توافق الآراء إذن كان وسيلة المؤتمر الأساسية لإقرار نقاط الخلاف وإقرار بيانه الختامى، ويعنى (أى توافق الآراء) ضمنا قبول المواقف والأهداف الواردة فى الوثيقة على أن تقرر كل دولة لنفسها أن تلك التوصيات تتمشى مع ظروفها واحتياجاتها وكيف تفسرها؟
وكانت تحركات الوفد المصرى المكوكية داخل أروقة المؤتمر برئاسة السيد عمرو موسى وزير الخارجية والتعديلات التى قدمها الوفد المصرى والتى اتسمت بالمبدئية والمرونة والتوافق الحضارى (إن صح التعبير) كانت ضمن أشياء أخرى عديدة وراء توافق أراء مختلف الوفود الذى تم التوصل إليه حول وثيقة المؤتمر مؤتمر القاهرة واسطة العقد: وتجربة مؤتمر القاهرة فى التوصل إلى توافق الآراء حول المسائل الحيوية للسكان والتنمية لم تأت من فراغ فقد أكد المؤتمر معايير حقوق الإنسان المعترف بها دوليا فى جميع البرامج السكانية والتى كانت ضمن حقوق أخرى موضع اهتمام المؤتمر العالمى لحقوق الإنسان (فينيا 1993) ومن ناحية أخرى فإن مؤتمر القاهرة اتخذ من استراتيجيات نيروبى الاستشرافية لعام 1985منطلقا للنهوض بالمرأة واتخذ من وثيقة الطفل الدولية (الصادرة عام 1990) سندا لحماية الطفولة وأخذ من جدول أعمال القرن 21 وهو برنامج العمل الذى اعتمده المؤتمر العالمى للبينة (ريودى جانيرو1992) إطارا للمسألة السكانية أيضا، كما استفاد المؤتمر القاهرة من أنشطة السنة الدولية للسكان الأصليين 1993، السنة الدولية للأسرة (1994).
أما بالنسبة للمؤتمرات اللاحقة فإن مؤتمر القاهرة الذى امتدت أعماله إلى مختلف مسائل السكان والتنمية سوف يكون سندا مرجعيا لكل مؤتمر دولى قادم: المؤتمر الدولى للتنمية الاجتماعية فى كوبنهاجن ومؤتمر المرأة العالمى فى بكين والمؤتمر الدولى للقانون الدولى فى نيويورك عام 1995 ومؤتمر المستوطنات البشرية عام 1996 ونظرا لكون مؤتمر القاهرة هو واسطة العقد فى منظومة هذه المؤتمرات فلعل هذا يرشحها لتكون مقرا يختار للمؤتمرات الدولية مثلها مثل جنيف بما يحقق التوزيع الجغرافى العادل وحتى لا تقتصر المؤتمرات على مدينتين أمريكية وأوربية فقط (نيويورك وجنيف).
من القاهرة إلى نيويورك:
أيا كان الأمر فإن من أهم بنود جدول أعمال الدورة الجديدة للجمعية العامة للأمم المتحدة هو إقرار وثيقة القاهرة التى أصدرها المؤتمر الدولى للسكان والتنمية لتصبح دليل عمل للدول فى مواجهة مشاكل السكان والتنمية وبرنامج صندوق الأمم المتحدة للسكان وإقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة لوثيقة القاهرة لا يعنى فقط مجرد الموافقة عليها وإنما أيضا الإنفاق على إنشاء آليات لرصد ومتابعة تنفيذ المبادئ والتوجهات التى وردت فى برنامج عمل هذه الوثيقة سواء عل مستوى كل دولة أو على مستوى منظومة الأمم المتحدة ككل ويتحقق عملية الرصد والمتابعة من خلال التقارير السنوية التى تلزم الدول بتقديمها موضحة مستوى التقدم الذى يحرز فى مجال السكان والتنمية فى ضوء ما جاء بوثيقة القاهرة، دون أن يترتب على ذلك أية مساءلة أو تحقيق وإن كان نشر مثل هذه التقارير كما فى حالة مواثيق حقوق الإنسان تشكل ضغوطا أدبية عل أية دولة لا تحاول الالتزام بها أو ببعض موادها.
ومهمة الجمعية العامة للأمم المتحدة فى استحداث مثل هذه الآلية الجديدة لا تقل أهمية عن الوثيقة نفسها لان هذا يقترن أيضا بالحاجة إلى تخصيص موارد مالية إضافية لبرامج السكان وإذا كانت الدول النامية تقدم الآن 75% من إجمالى تكاليف برامج السكان فإن الأمل معقود على أن تبادر الدول المانحة بزيادة دعمها الخارجى لصالح السكان والتنمية وذلك بأن تنفذ وعدها القديم بتقديم نسبة ألـ 7,% فى إطار الميزانية العاهة للدول الصناعية يعنى هذا أن وثيقة السكان والتنمية قد انتقلت من القاهرة إلى نيويورك لاستحداث آليات الرصد والمتابعة حتى لا تظل الوثيقة حبيسة الأدراج.
منتدى المنضمات غير الحكومية:
ومما يضفى على مؤتمر القاهرة أهمية متزايدة انعقاد المنتدى العمالى للمنظمات غير الحكومية المعنية أيضا بالمسائل السكانية والتنمية إلى جانب المؤتمر نظرا لأهمية مثل هذه المنظمات غير الحكومية ونشاطها فى تعبئة وتوجيه حركة الشعوب للصالح العام فلقد استطاعت ابتداء من المنظمات النسائية فى أفريقيا إلى الجماعات البيئية فى آسيا إلى منتديات أوروبا لتشجيع الحوار مع الجنوب أن تحقق تأثيرا يفوق إعدادها وإمكانياتها المتواضعة.
لقد شاركت المنظمات غير الحكومية مشاركة لم يسبق لها مثيل فى عملية الإعداد والتحضير وأعمال مؤتمر القاهرة وعلى سبيل المثال كان هناك 1200 مشارك فى 500 منظمة غير حكومية فى الدورة الثالثة للجنة التحضيرية وكان ممثلو المنظمات غير الحكومية أعضاء فى عدد من الوفود الوطنية فى اللجنة التحضيرية وأيضا فى وفود مؤتمر القاهرة.
وإذا كان ميثاق الأمم المتحدة قد اكتفى فقط بتشجيع قيام مثل هذه المنظمات غير الحكومية والتنسيق معها فإن تغيرات عالمنا المعاصر تقتضى التفكير فى صورة عمل مشترك أوثق يجمع المنظمات الحكومية وغير الحكومية ولا نجد نموذجا أمثل يحتوى فى هذا المجال سوى منظمة العمل الدولية ائتى أدركت منذ نشأتها الأولى عام 1919 وحتى الآن (رغم أنها منظمة حكومية) أهمية مشاركة منظمات الحركة النقابية ومنظمات أصحاب الأعمال وهى منظمات غير حكومية فى عضوية المنظمة ومن هنا أصبح التمثيل فى المنظمة ثلاثيا ووفقا لهذا النظام فإن لكل دولة عضو الحق فى إرسال ممثلين للمؤتمر العام ممثلا للحكومة ويتمتع بصوتين وممثلا لأصحاب الأعمال وله صوت واحد وممثلا للعمال وله صوت واحد ولا تزال المنظمة هى الوكالة الدولية الوحيدة التى تأخذ بهذا النظام وتحرص عليه وترى فيه أحد أسرار قوتها الخاصة حيث لا تصدر أية اتفاقية من اتفاقيات المنظمة إلا بأغلبية ثلثى مجموع ممثلى الحكومات وأصحاب الأعمال والعمال، وهى فى مجملها تحدد مستويات العمل الدولية وتؤكد حقوق وواجبات الإنسان العامل فى أى مجتمع أيا كانت هويته وجنسيته يعنى هذأ أن التنسيق بين المنظمات الحكومية وغير الحكومية يمكن أن يأخذ أشكالا أقوى وفقا للنموذج منظمة العمل الدولية بعد أن طال تمهيد دور المنظمات غير الحكومية وخسرت المجتمعات المحلية والمجتمع الدولى من وراء ذلك الكثير.
التجربة الإعلامية:
ورغم الإطار الدولى لمؤتمر القاهرة للسكان ولم لتنمية فقد نجح الإعلام المصرى بالكلمة المكتوبة والمسموعة والمرئية فى شد انتباه الناس بمختلف مشاربهم وثقافاتهم وتوجهاتهم إلى المؤتمر وتابع الناس باهتمام القضايا الحياتية التى فجرها المؤتمر ولعبت الكلمة المكتوبة دورا ملموسا بما نشرته الصحف من أخبار وتحقيقات ومقالات تحليلية للموضوعات محل الاتفاق والخلاف داخل المؤتمر.
وفى إنجاز سريع ليواكب الحدث الكبير بادرت الهيئة العامة للاستعلامات بإصدار كتاب إعلامى وثائقى شامل يغطى أعمال المؤتمر فور انتهائه بأربع وعشرين ساعة تحت عنوان (المؤتمر الحدث والمواقف) ويقدم الكتاب جرعة معلوماتية شاملة لمن فاته متابعة هذا الحدث التاريخى الهام.
وبعد صدور هذا الكتاب الإعلامى يبقى على وزارة الخارجية إصدار كتابها الوثائقى متضمنا وثيقة المؤتمر الأساسية كاملة لأن الوثيقة تحمل اسم القاهرة ولابد وأن تزود كل سفاراتنا وقنصلياتنا بالخارج بمثل هذا الكتاب المتوقع أن تتصدره مقدمة توضيحية لمهارات الدبلوماسية المصرية التى برزت فى المؤتمر ومثل هذا الكتاب الأبيض الوثائقى لا يصدر لمجرد التسجيل فحسب وإنما لتدارس أثار وثيقة المؤتمر وكلمات وتعقيبات ومداخلات الوفود على الوثيقة تشكل للباحثين والدارسين ألف باء العلاقات السياسية الدولية وتعكس أيضا طبيعة أهداف النظم السياسية الحاكمة فى مختلف الدول والى أى حد يمكن فهم توجهات كل نظام داخليا وخارجيا وكيف السبل إلى بلوغ توافق الآراء فى أى مؤتمر دولى قادم. كما ينبغى أيضا على وزارة السكان بصفتها صاحبة الاختصاص ان تصدر كتابا مبسطا لشرح الأسرار التى قيلت بشأن المسألة السكانية من ناحية وارتباطها بالتنمية من ناحية أخرى وذلك فى إطار التجربة المصرية الناجحة التى قدمت إلى المؤتمر كما ينبغى كذلك عل وزارة التعليم أن م تسترشد بتجربة المؤتمر فى تزويد مناهجنا بملحق سريع وليكن تحت عنوان التربية السكانية.
وهكذا يبقى على كل وزارة أو مؤسسة أو جمعية حكومية 151 غير حكومية أن تدلى بدلوها فى الترويج لإيجابيات وثيقة القاهرة وهى عديدة ومتنوعة فالقاهرة لم تستضف المؤتمر لكى تحفظ وثيقته فى أرشيف الوثائق الدولية وإذا كانت مدة انعقاد المؤتمر لم تزد عن تسعة أيام فإن مجال تطبيق وثيقته يمتد إلى عشرين عاما.