Share |
اكتوبر 1994
1
أزمة حزب المحافظين فى بريطانيا.
المصدر: السياسة الدولية
بقلم:   معتز سلامة

كان للتغيرات التى حلت بالنظام الدولى منذ النصف الثانى من العقد الماضى أثارها ليس فقط على تركيبة وهيكل علاقات القوى الدولية، وإنما تركت تأثيرات عديدة أيضا على أنظمة الحكم الداخلية، فتركت بصماتها وامتدت بآثارها لتطال علاقات القوى السائدة بين الأحزاب والقوى السياسية المتنافسة داخل النظام السياسى الواحد، بل يمكن القول أنها تركت أثارها على علاقات القوى الاجتماعية داخل هذه الأنظمة ذاتها لقد أتى التغير الحادث بالنظام الدولى على قوى وأحزاب كان توليها للسلطة شبه مؤكد بما عرض معه عملية التداول السلمى للسلطة للجمود فى أنظمة عريقة فى التطور الديمقراطى.
فى إطار عملية التحول هذه، فإن بريطانيا ونموذج الديمقراطية البريطانية لم يكونا استثناء من ذلك، وإن كان ما يحدث فى بريطانيا ذا وقع مختلف عن باقى دول أوربا بالقدر الذى يختلف فيه المجتمع والثقافة البريطانية عن غيرهما من مجتمعات وثقافات دول أوروبا الأخرى فالأصول الحزبية فى بريطانيا تعود لقرون ماضية ترجع لعوامل النشأة الطبيعية التدريجية استنادا إلى ولاءات طبقية أو اجتماعية أو أيديولوجية أو جغرافية. الخ،
ومن ثم عرفت ظاهرة التشيع الحزبى درجة ما من الاستقرار والجمود لم يكن معها من اليسير تغير الولاءات الحزبية ففى حين يستند التأييد لحزب العمال فى الأغلب على دعم الاتحادات التجارية والطبقات الاجتماعية الفقيرة، فإن التأييد لحزب المحافظين يأتى من تلك الطبقات الرأسمالية الأرستقراطية، وأعلى الطبقة الوسطى يدعم ذلك عوامل تتصل بالتقاليد التاريخية والأصول العائلية والنظام الانتخابى والتقاليد والعرف والأيديولوجيا. والسؤال المطروح هنا وفى ضوء انتخابات البرلمان الأوروبى الأخيرة (94/6/9) ماذا تعكسه نتائج هذه الانتخابات من تحول فى خريطة التوزيع الطبقى والتركيبة الاجتماعية للمجتمع البريطانى؟ ما هى عوامل الأزمة التى يمر بها حزب المحافظين؟ ماذا عن مستقبل العمال والتنافس الحزبى؟ خاصة فى ضوء ما ارتاو البعض من أفول نجم حزب العمال إثر هزيمته فى الانتخابات البرلمانية 1992، وفى ضوء ما إرتآه آخرون من تقلص الظاهرة الحزبية برمتها لصالح منظمات وتشكيلات سياسية اقتصادية واجتماعية أخرى هل يمكن أن يعود التنافس الحزبى إلى المقدمة فى ضوء التدفق الذى يشهده حزب العمال والديمقراطيون الأحرار وبعض الأحزاب الأقاليمية مثل الحزب الوطنى الاسكتلندى؟
أولا: تراجع حزب المحافظين:
لا تمثل هزيمة التوريز فى انتخابات البرلمان الأوربى سوى حلقة فى سلسلة هزائم منى بها حزب المحافظين على أصعدة مختلفة منذ فوزه بانتخابات مجلس العموم 1992 ومن استعراض حصيلة انتخابات 1992 والانتخابات التالية لها سواء كانت فرعية أو محلية، أو انتخابات البرلمان الأوربى يتبين ذلك الخط سريع الانحدار فى تأييد المحافظين يقابله خط صاعد فى تأييد العمال والديمقراطيون الأحرار نسبيا فقد حصل المحافظون فى انتخابات 1992 على 336 مقعدا فى مجلس العموم الذى يتألف من 651 مقعدا وهو أصغر انتصار لهم منذ 1951 رغم أنه وفى سياق الأزمة التى مر بها المحافظون منذ أواخر عهد تاتشر يعد نصرا سياسيا لم كبيرا، رغم أن إجمالى عدد الأعضاء المحافظين فى مجلس العموم قل عن 375 مقعدا حصل عليها الحزب فى انتخابات 1987. وكانت إرهاصات الهزائم الفعلية للمحافظين تلك الهزيمة التى أحلت بالحزب فى الانتخابات الفرعية التى شهدتها مدينة نيوبرى 1993/7/7 التى ظل الحزب يسيطر عليها طيلة 70 عاما إلى أن فاز أحد مرشحى الديمقراطيين الأحرار هو ديفيد لندل بأغلبية تزيد نسبتها على 60% من الأصوات، وأعقب ذلك هزيمة للحزب فى15 مجلسا محليا من بين 16 مجلسا كانت بمثابة مواقع تقليدية للحزب.
كما لحقت بالحزب هزيمة كبيرة حينما انتزعت ديانا مادول مرشحة حزب الديمقراطيين الأحرار مقعد دائرة كريستشيرش وهو موقع تقليدى للمحافظين أيضا، فى الجنوب البريطانى بحصولها على صوت 33,764 مقابل 16,731 صوت لصالح مرشح المحافظين.
أما بصدد الانتخابات المحلية الأخيرة (مايو 1994) فقد كانت أشد وقعا على حزب المحافظين، فجاء فى المرتبة التالية بعد العمال والأحرار الديمقراطيين، فحصل العمال على 1673 مقعدا، وحصل الديمقراطيون الأحرار على 747، بينما حصل المحافظون على 432 مقعدا فقط.
ثم أتت انتخابات البرلمان الأوربى لتؤكد التراجع الحقيقى للحزب الحاكم فحقق العمال فوزا ساحقا بحصولهم على 62 مقعدا من مقاعد البرلمان الأوربى المخصصة لبريطانيا والتى تبلغ 87 مقعدا، هذا بينما حصل المحافظون على 18مقعدا فقط، وحصل الديمقراطيون الأحرار على مقعدين.
أبعاد الأزمة داخل الحزب:
فى الواقع أن جذور الأزمة داخل حزب المحافظين تعود إلى أواخر عهد تاتشر التى أدت سياساتها وتوجهاتها فى تصفية القطاع العام وخصخصة الشركات المؤممة وتبنيها لسياسات اقتصادية أكثر ارتكانا إلى النظرية منها إلى الواقع العملى إلى تفاقم حجم المعاناة التى تتحملها الطبقات الفقيرة والمتوسطة، وكان اكثر ما جلب استياء شعبيا ضريبة الرؤوس ثم تقليصها لنفوذ اتحادات العمال التى تضررت من جراء سياساتها فى كبح قوة الاتحادات بحظر الإضرابات الثانوية، وإغلاق المحلات والإجراءات التى يتخذها مجلس الاتحادات التجارية القوى واشتراط الاقتراعات السرية فى انتخابات القيادة وقد أدت كل تلك السياسات الأشد يمينية إلى تآكل التأييد الشعبى لحكومة المحافظين تدريجيا، خاصة بعد أن أضرت بقطاع عريض من المجتمع البريطانى بما فيه مؤيدون تقليديون للحزب. وقد تمكن المحافظون من استيعاب موجة السخط العام بانقلاب سلمى تولى ميجور على أثره خلافة تاتشر فى زعامة الحزب لرئاسة الوزراء نوفمبر 1990.
وقد أثبت ميجور درجة من الحسم والفاعلية مكن المحافظين من الفوز فى انتخابات 1992، فعمل أولا على استعادة الوحدة فى صفوف الحزب والحفاظ على التماسك والالتزام بالنهج العملى الواقعى البراجمانى بخلاف النهج الجامد الذى انتهجته تاتشر على صعيد السياسات الاقتصادية خاصة كما عمل على استعادة الترابط داخل الحزب باستبقاء المنافسين له داخل حزبه أمثال دوجلاس هيرد وزير الخارجية، مايكل هيزلتاين وزير التجارة والصناعة، و كينيث كلارك وزير الخزانة وثانيا التراجع عن بعض السياسات الاقتصادية التى تبنتها تاتشر مثل ضريبة الرؤوس لحساب شكل أخر من أشكال ضريبة الملكية الأقل ضررا، وسعيه إلى تطويق أزمات البطالة والتفحم والركود الاقتصادى والتقدم فى مجال الرفاهية والأنشطة الخدمية وتتمثل أهم عناصر تلك الأزمة فى:
1- الفساد المالى والأخلاقى:
حيث تم الكشف عن كثير من الفضائح المالية وفساد الذمم من جانب أعضاء بارزين بالحزب مما أدى إلى سلسلة استقالات وإقالات ومن أمثال تلك القضايا أو الفضائح فضيحة أصيل نادير وهو رجل أعمال معروف حصل منه حزب المحافظين على مبلغ 440 ألف جنيه سترليتى، وأيضا قضية ألان دونكان الوكيل البرلمانى لوزير الصحة الذى تورط فى فضيحة رشوة، و مايكل فيشى وزير أيرلندا الشمالية الذى مارس ضغوطا على أحد القضاة الذى ينظر فى قضية أصيل نادير أما بصدد الفضائح الأخلاقية الأخرى فهى عديدة، ويكفى الإشارة هنا إلى وزير الدولة للمواصلات لورد كافنيس و تيموثى يو وزير البيئة اللذين استقالا إثر تكشف تورطهما فى فضائح أخلاقية.
ولم يقتصر هذا الانحراف على الأشخاص، بل تورطت بعض المجالس المحلية مثل مجلس ويستمنستر الخاضع للمحافظين الذى اتهم بالتبديد والتلاعب المالى بهدف شراء أصوات الناخبين وربما كان للأزمة المالية التى يمر بها الحزب بعد تخلى بعض الهيئات والدوائر الاقتصادية المؤثرة فى الأسواق البريطانية عن موقفها التقليدى المناصر لحزب المحافظين أثرها فى ذلك وفى هذا الإطار يشار إلى إعلان 11 شركة عن تخفيضها لنسبة المنح التى قدمتها لحكومة المحافظين من 500 ألف جنيه إسترلينى إلى 100 ألف فقط العام الماضى، والمشكلة أن هذه الفضائح التى باغتت الحزب كرست إحساس المواطنين بالخداع والزيف من جانب المحافظين خاصة وأنه قد سبقتها دعوة ميجور الشهيرة فى مؤتمر الحزب أكتوبر 93 إلى العودة إلى القيم أو الجذور وتتمثل عناصر دعوته تلك فى المناداة بالعودة إلى قيم الخمسينيات العائلية والتعليمية وإلى محاربة الفساد والجريمة وبناء المزيد من السجون وإغلاق المزيد من المستشفيات ورفض الميثاق الاجتماعى الأوربى بما يشبه تشكيل إيديولوجيا توحيدية للحزب تلتقى حولها كافة عناصره يمينية كانت أم يسارية، خاصة وأن إعادة التوحيد لا يمكن أن تتم على أرض اليمين المحافظ، وأن اليسار المحافظ هو الأخر لا يملك أى خطاب متماسك خاص به، ومن ثم فإن تجديد اعتناق التاتشرية تجسد فى التشدد فى التشريع والقوانين وتضييق دور الدولة ووظائفها، وتشدد فى القيم العائلية يقول ميجور نحن نريد معايير طيبة، وقيما نبيلة ليس فى القطاع العام وحسب وإنما فى كل مكان وقد كان ممكنا لدعوة ميجور أن تشكل إيديولوجيا تجديدية للحزب قائمة على العودة للتقاليد البريطانية الأصلية، لولا تلك السقطات التى وقع فيها أعضاء الحزب.
2- الانقسام بشان ماستريخت والاتحاد الأوربى:
إذا كانت أزمة الفساد الأخلاقى والمالى قد لوثت سمعة المحافظين لدى الناخب البريطانى، فإن الخلاف بشأن اتفاقية ماستريخت والعلاقة بأوربا كان له أكبر الأثر فى تعرية الحزب من الداخل، وتصارع الكتل أو ما أطلق عليه مراكز اقوى داخل الحزب.
فلا شك أن الخلاف بشان تكييف طبيعة العلاقات البريطانية مع أوربا ستظل قضية محورية فى السياسة البريطانية، وبينما كانت تاتشر ترى فى أمريكا الحليف الاستراتيجى لبريطانيا وكانت مرتابة بشأن المشاريع الطموحة للاتحاد الأوربى، فإن ميجور يؤيد اتفاقية ماستريخت ويعمل على تكريس انتماء بريطانيا للقارة الأوربية وقد تمثلت ردود المحافظين بالتباين فشهد الحزب استقطابات متباينة بين جناح اليمين من أنصار التاتشرية، وهذا الجناح يعارض بشدة النهج الميجورى فى التعامل مع ماستريخت والنظام النقدى الأوربى على أساس أن ذلك سينتهى بضياع استقلال وسيادة بريطانيا وهيبتها ويخشى من تزايد النفوذ البرلمان الأوربى وضياع مبدأ السيادة البرلمانية وهناك تيار اليسار الذى يؤيد نهج ميجور ويرى ضرورة الانخراط فى الأجهزة والاتفاقيات الأوربية، على ألا يكون ذلك على حساب الشخصية والسيادة البريطانية، وكان التيار اليمينى عالى الصوت داخل الحزب ففى 93/3/7، رفض مجلس العموم البريطانى بأغلبية 314 صوتا مقابل 292 الموافقة على إجراء تعديل بسيط على اتفاقية ماستريخت للوحدة الاقتصادية والنقدية الأوروبية يتعلق بأسلوب تعامل أعضاء اللجان التابعة للمجموعة الأوربية مع القضايا الداخلية حيث رأت المعارضة أن السماح للجان الأوروبية ببحث قضايا داخلية يعد انتقاصا للسيادة البريطانية والأمن وكان 26 عضوا من النواب المحافظين قد صوتوا إلى جانب العمال و الديمقراطيين الأحرار ضد إجراء التعديل مما أدى لإحراج الحكومة، إلا أن ميجور اتخذ إجراء صارما أدى إلى عودة المحافظين المتمردين إلى صفوف الحزب بما مكنه من موافقة المجلس عل التصديق المبدئى على التعديلات.
3- تدنى مستوى الخدمات الإجماعية:
هناك تنامى لفجوة الدخل بين الأغنياء والفقراء، فطبقا للإحصاءات الرسمية فان فروقات الدخول قد توسعت فى العقد الماضى وبينما زاد معدل دخل الفرد قليلا، فان دخول الفقر 10% من العائلات قد تضاءلت بالمعايير الحقيقية وقد أثبت ذلك تقرير نشره معهد الدراسات الأميرى فى 94/6/2 والحقيقة أن هناك تضاربا فى التقديرات الحزبية للأوضاع الاقتصادية وللمؤشرات المتعلقة بمستوى الخدمات الاجتماعية وإن كان هناك تدن كبير فى خدمة الصحة العامة وتتمثل حقيقة الأزمة فى أن وفاء الحكومة بالتزاماتها على صعيد الخدمات الاجتماعية وتقليل التضخم والبطالة إنما يتطلب تزايدا فى معدلات الضرائب وهذا ما لا يحظى بالرضا الشعب ورغم تعهد ميجور بتجاوز حالة الركود، الاقتصادى فى حملته الانتخابية 1992 إلا أنه لم يستطع الوفاء بذلك وهناك بعض التقديرات المتفائلة بشأن الوضع الاقتصادى فى السنتين القادمين.
ثانيا- صعود العمال:
لقد شهد حزب العمال مجموعة من الإصلاحات الجوهرية نتيجة ممارسته للمراجعة والنقد الذاتى وبروز كوادر جديدة من القيادات داخل الحزب ممن تتمتع برؤية واستراتيجية واضحة بعيدة المدى وتتمثل أهم التجديدات والإصلاحات التى شهدها مؤخرا الحزب.
(1) التغير فى القيادة والتخلى عن الإيديولوجيا التقليدية للحزب:
ليس فقط باستبعاد نيل كينوك ذى التوجه الإيديولوجى اليسارى الجامد، وإنما بإحلاله بجون سميث الذى اتسم بمقومات قيادة معتدلة فى توجهاتا وقدرة عليا لإقناع مكنته من إزاحة الصورة الأيديولوجية اليسارية الجامدة التى أبعدت الحزب عن الناخبين طيلة العقد الماضى. فالمشكلة بالنسبة للعمال انه فى الوقت الذى تحلت فيه قيادة تاتشر بالمبادرة والهجوم، ظل الحزب متخندقا بأيديولوجيا ومبادئ بائدة وربما افتقد الثقة بالوصول للحكم، وهكذا ظل فى موقع الدفاع مرددا مواقفه التقليدية طيلة الثمانينات كما أن احب مكن من استيعاب الآثار السلبية التى خلفتها وفاة جون سميث باختيار تونى بلير الإصلاحى والمجدد اليمينى بدلا من هارجريت بيكيت اليسارية المتشددة أو جون بريسكوت اليسارى هو الأخر، فهناك ميل لتدعيم الحلول الوسط والاسترضاء وتحريك الحزب أكثر ناحية الوسط واليمين، وبالطبع لا يمكن إرجاع تراجع العمل عن خط اليسار المتشدد إلى بداية تولى جون سميث وإنما يرجع إلى سنوات زعامة نيل كينوك فعبر فترة 6 سنوات تخلى عن اليسار المتطرف، وأسقط الإصرار على نزع السلاح النووى من جانب واحد، وبدلا من ذلك فضل الحفاظ على الرادع النووى المستقل لبريطانيا، وتراجع عن عوده بسلخ بريطانيا عن الجماعة الأوربية وإعادة تأميم ما يقدر ب 70 بليون جنيه من أصول الدولة، واعترف بان أحكامه السابقة كانت خاطئة وأصدر العمال مانيفستو فى عهده ليمر به كلمة اشتراكية وهكذا اتجه الحزب إلى تفكيك خطابه السياسى الجامد أيديولوجيا إلى مجموعة من السياسات البراجمانية الوسطية والمعتدلة.
2- تصحيح الخلل فى علاقة الحزب بالاتحادات التجارية: اتسمت العلاقة بين الحزب والاتحادات التجارية بالاعتماد من جانب الحزب على الاتحادات فى التمويل والدعم مما أوقع الحزب تدريجيا تحت سيطرة الاتحادات ومصالحها دون التوجه إلى القاعدة الاجتماعية العريضة وقد عمل جون سميث على إصلاح ذلك الخلل والعودة إلى حالة التوازن بين الحزب والاتحادات ورفع هيمنة ووصاية الاتحادات عليه بما يطلق أيدى الحزب ويمنحه حرية الحركة.
ففى إطار نظام التصويت الكتلى بالحزب كانت الاتحادات تسيطر على 90% من أصوات المؤتمرات السنوية للحزب، و40% عند اختيار المرشحين البرلمانيين، و 40% عند اختيار زعيم الحزب مقابل هذا تقدم الاتحادات 75% هن ميزانية وتمويل الحزب وقد كشف توم سوير نائب الأمين العام لـ 579,000 عضوا بالاتحاد الوطنى للمستقدمين العامين مدى الابتزاز الذى يتعرض له حزب العمال من الاتحادات حيث يقول اذا كنا نعول الحزب، فان لدينا أيضا كلمة وحيث لا كلمة، لن يكون هناك دفع وقد أدى الإصلاح الذى أدخله جون سميث ما يسمى عضو واحد، صوت واحد فى اختيار مرشحى الحزب فى الانتخابات البرلمانية إلى انتزاع الحقوق الخاصة للاتحادات فى السيطرة على 40% من كل الأصوات بما يفقدها صوتها الاعتراض فى اختيار المرشحين للبرلمان وإن احتفظت بقوتها التصويتية التى تصل إلى 70% من مؤتمرات الحزب، كما تقلصت قوتها التصويتية فى اختيار قيادات الحزب من 40% إلى الثلث من الإجمالى وبالطبع فان علاقة الحزب بالاتحادات العمالية تخضع لاعتبارات عديدة تحكمها مجموعة من التقديرات الدقيقة فالحزب لو اتجه اكثر ناحية الاستقلال عن الاتحادات فانه سيفقد مصادر دعمه ولو ظل على اعتماده عليها وتبعيته لها فانه سيظل حزب المعارضة الدائم كما يقول أحد المراقبين البارزين والقضية الرئيسية التى ركز عليها قادة العمال الجدد هى كيفية التخلص من التراث اليسارى السابق وتجديد آليات ممارسة النشاط الحزبى لتكون اكثر تحررا واستجابة للقاعدة الشعبية وليس لجماعات ضغط أو مصلحة، كل ذلك مع الحفاظ على تماسك ووحدة الحزب، والإبقاء على الروابط بين الحزب والاتحادات، والتمسك بموقف يمين الوسط مع استرضاء الجناح اليسارى التقليدى بالتمسك بالقضايا الاشتراكية، الحساسة مثل التشغيل الكامل وبرنامج الصحة الوطنية.
التغير الاجتماعى والتقارب الحزبى فى بريطانيا:
هل تعبر هزيمة التوريز الأخيرة فى انتخابات البرلمان الأوربى عن تراجع حاسم؟ ما مدى ما يمكن عروه إلى تغيرات فعليه فى تركيبة المجتمع البريطانى؟ يمكن القول أن سياسة المحافظين فى عهد تاتشر أدت إلى تفاقم حدة الفوارق الطبقية وتراجع الدور التقليدى للدولة فى المجالات الاقتصادية ليتحول إلى جوانب أخرى تتعلق بمجال الرفاهية الاجتماعية بمعنى أخر فإنه وان تقلص دور الدولة اقتصاديا، فانه خاصة مع التوجه الاجتماعى لحكومة ميجور قد تحول إلى مزيد من دفع المستوى الاجتماعى بهدف إعادة ضبط عملية التوازن الاجتماعى وتقليل الفوارق الطبقية، فتحول من التحكم بالعوال الاقتصادية إلى مواجهة المردودات السلبية للنشاط الاقتصادى من خلال الإنفاق العام على المجالات التى يحجم عنها القطاع الخاص وهذا يمثل توجها اشتراكيا لحكومة المحافظين، فما يجرى حاليا هو عملية تبدل فى القواعد الاجتماعية للأحزاب البريطانية، وإعادة صياغة البرامج والصيغ الحزبية نحو صيغ اكثر واقعية وتوافقية. وفى المدى القريب فإنه ستظل هناك درجة كبيرة من التشيع الحزبى ولكن لا يمكن التوقف كثيرا عند تبيان التغيرات الاجتماعية التى تعترى ساحة المجتمع البريطانى فى تفسير حصيلة الانتخابات الأخيرة، وفى توقع أى الأحزاب ستكون فى الحكم فى المرحلة المقبلة لأن هذه التغيرات لم تتجذر بعد، فقد يعيد الناخبون تمسكهم بحكومة المحافظين إذا أسفرت السياسات الميجورية اجتماعيا واقتصاديا عن حقائق إيجابية، فلازالت هناك مجموعة من الأسباب التى قد تعود لعوامل التقاليد والعرف والجذور الاجتماعية تجعل من الصعب تحول الولاء الحزبى لقطاع عريض من المجتمع الإنجليزى ومن ثم فإن أول ملاحظة على الحياة الحزبية فى بريطانيا هى تآكل الحدود الفاصلة بين الأحزاب وقد علق أحد المحللين على ذلك قائلا إن المحافظين يطرحون التاتشرية بدون تاتشر أما نظراؤهم العمال فهم يؤيدون المذهب المحافظ بدون المحافظين، وربما ما يدفع حزب العمال إلى ذلك هو ذلك التآكل الذى أصاب الأساس الاجتماعى لقوة حزب العمال من جراء بقاء المحافظين لمدة 15 عاما فى الحكم ومن ناحية سعى حزب المحافظين هو الآخر إلى تكثيف دوره والتزامه على الصعيد الاجتماعى بتوسيع الإنفاق العام.
أما حزب العمال فعلى سبيل المثال اقترح فى 94/5/31 بإنشاء خطة خدمة للمواطنين تمنح المتطوعين فيها دورة فى المهارات الرئيسية لمدة شهر بهدف إنجاز مهام لن يؤديها السوق ولن يقبل القطاع الخاص عليها مثل العمل مع المنظمات الطوعية وربما هذه الدعوة تتقارب مع رغبة رئيس الوزراء جون ميجور المحافظ فى تقوية المنظمات الطوعية والجمعيات الأهلية وهو أيضا يأتى مع رغبة الديمقراطيين الأحرار فى تقوية دور المجتمعات المحلية وفى الوقت الذى يتقارب فيه الحزبان الكبيران، فان حزب الديمقراطى الأحرار الذى يتزعمه بادى أشدون يسعى إلى لعب دور الوسط فيطرح برنامجا لا يتميز عن الحزبين الكبيرين و خاصة حزب العمال فى الكثير.
وتبدو الظاهرة الأخرى الجديرة بالاهتمام هى تبدل خريطة التوزيع الجغرافى التقليدى للتأييد الحزب وبداية صعود الأحزاب الأقاليمية التى تدعم مطالبة الأقليات والمجتمعات العرقية بالاستقلال أما بصدد تبدل خريطة التأييد الحزبى، فقد أحرز حزب العمال فى انتخابات البرلمان الأوربى نصرا فى مناطق الجنوب الإنجليزى الذى عانى فترة الثمانينات من الركود الاقتصادى والضرائب، فأحرز العمال نصرا ساحقا فى منطقة الميلاندز الإنجليزية ذات الجذور الأرستقراطية وفى مناطق الجنوب وجميعها مقاعد ذات أغلبية هامشية وكانت تؤيد حزب المحافظين تقليديا كما استطاع الديمقراطيون الأحرار إخراج المحافظين من مقعدين بالجنوب أيضا ومن ثم فهناك تراجع للمحافظين، حيث قل التصويت لهم جنوب شرق لندن بنسبة 18 نقطة مقارنة بـ 12 نقطة شمال إنجلترا، فهناك ارتياح جنوبى لحزب العمال فى المقابل قل التأييد للتوريز فى مركزهم الرئيسى فى مناطق الطبقات الوسطى، فأصبحوا الحزب الثالث فى حضر إنجلترا، وهبطوا إلى المرتبة الرابعة فى اسكتلندا فى مقابل ذلك التبدل فى المواقع فان الأحزاب كحزب الوطنى الاسكتلندى (SNP) يتزايد التأييد له فى اسكتلندا على حساب حزب العمال المحلى، فقد حقق الحزب الوطنى الاسكتلندى تقدما كبيرا بحصوله على 26,7% من الصوت الاسكتلندى فى الانتخابات المحلية الأخيرة، ويتوقع كثيرون أن يسيطر هذا الحزب على المقعد الأوربى لشمال شرق اسكتلندا لفترة طويلة قادمة مستقبل المنافسة الحزبية:
لا يمكن التنبؤ بدقة من الحزبين الكبيرين سيفوز بانتخابات مجلس العموم القادمة، ولا الحكم بدقة على مدى التردى الذى أصاب حزب المحافظين، فهناك بعض الآراء لا ترى فى نتيجة انتخابات البرلمان الأوربى ولا فى الهزائم الفرعية التى لحقت بالحزب نذيرا بهزيمة المحافظين فى الانتخابات البرلمانية، وإنما ترى فيها رد فعل انفعاليا ضد سياسات الحزب فى انتخابات هامشية لن تأتى بحرب العمال إلى الحكم، كتحذير لحزب المحافظين وهناك من ارجع الهزيمة إلى مجرد الرغبة فى التغيير بعد أن أدت طول فترة تولى المحافظين للحكم إلى تجميد الحزب وإحساس أعضائه بالاستمرار الطبيعى ومن ثم التراخى تحت غياب وطأة التنافس الحزبى.
وأيا كانت التبريرات التى يسوقها أنصار هؤلاء وأولئك فان التطورات الأخيرة فى النظام الحزبى البريطانى قد تدفع إلى إضفاء مزيد من السيولة بين الأحزاب وبعضها وبينها وبين قواعدها المجتمعية، فتتسع القاعدة الاجتماعية للحزب أو تتقلص حسب القدرة على التجديد والإنجاز، ومن ثم قد لا تشهد الفترة المقبلة نفس الخبرة التى شهدتها الحقبة الماضية، بمعنى انه ربما لن يستطيع حزب البقاء فى السلطة لهذه المدة التى تولاها المحافظون. ومع ذلك لا يمكن التبوء بمسار التطور المستقبلى، لكن المرجح أن هناك إرهاصات تحول لمجموعة من المسلمات فى الحياة والممارسة السياسية فى بريطانيا فهناك تغير فى بعض قواعد اللعبة السياسية التى تحكم الممارسة الحزبية، وان ظلت لها سماتها الخاصة فى بريطانيا عن باقى بلدان أوروبا.