Share |
يناير 1995
1
جامعة الدول العربية: أفكار حول التنبؤ بمستقبل الجامعة العربية
المصدر: السياسة الدولية

مقدمة:ـ حتى لو لم نقبل مقولة فيلسوف العلوم الشهير كارل بوبر حول استحالة التنبؤ العلمى بالمستقبل لابد من التسليم بصعوبة التنبؤ بمستقبل الجامعة العربية فعادة القائمين على التنبؤ هو استعمال ما قد يكون قد تم التوصل إليه من معرفة حول مسار ظاهرة ما أو مؤسسة بعينها، أو حول النمط المتكرر فى مسار وتجليات الظواهر عموما، وإسقاطه على المستقبل بدرجات متفاوتة من التعقيد والبحث عن نمط أو مسار محدد لجامعة الدول العربية لم ينجح حتى الآن فى اكتشاف صياغة مقبولة على المستويين النظرى والتجريبى ويضاعف من صعوبة التنبؤ بمستقبل الجامعة العربية خصائص اللحظة الراهنة فى البيئة العالمية، وفى السياقات الداخلية لتطور الأفكار والمجتمعات العربية فلاشك أن الجامعة العربية تأثرت كثيرا بتطور النظام الدولى كما عكست الجامعة أيضا التطورات البارزة فى المجتمعات العربية الرئيسية وهناك إجماع حقيقى على أن درجة عدم اليقين فى البيئة الدولية بعد انهيار الاتحاد السوفيتى ونهاية الحرب الباردة تجعل من أية تنبؤات بصدد مستقبل النظام الدولى أقرب كثيرا إلى التخمين منها إلى الإجراء العلمى وكذلك هناك إجماع حقيقى على أن المجتمعات العربية الرئيسية، والمؤثرة بقوه على حالة الجامعة العربية تمر بتحولات عميقة وعاصفة، مما يجعل التنبؤ بمسارات تطورها المستقبلى أمرا شديد الصعوبة غير أنه حتى لو سلمنا ـ مع كارل بوبر ـ باستحالة التنبؤ العلمى عموما، وفيما يتصل بالجامعة العربية بالذات ، فإنه يظل من المفيد القيام بمحاولة من هذا النوع، ليس بهدف التوصل إلى يقين حول هذا المستقبل، أو حتى ترجيح صورة ما للمستقبل على صورة أخرى وإنما بهدف إيضاح طبيعة الاختيارات المطروحة، وفهم التغيرات والعوامل الحاكمة لهذا المستقبل وبداية، فإن مجرد تعريف الظاهرة التى نرغب فى التنبؤ بمساراتها المستقبلية لا يبدو أمرا بديهيا أو واضحا بحد ذاته فالجامعة العربية هى منظمة إقليمية، وهى فى نفس الوقت تعبير عن الحركة القومية العربية، حتى لو كانت تعبيرا ناقصا ومشوها والواقع أنه من الواجب التعامل مع هذين الوجهين للجامعة العربية معا، مع الاحتفاظ باستقلالية كل منهما عن الآخر ذلك أن هذا القرار يسمح لنا بالتمييز بين مسألتين مستقلتين نسبيا ولكنهما شديدتى التأثير والتأثر أحدهما بالآخر:ـ
وهما مسألتى مستقبل العرب ـ وهياكلهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الكلية، ومستقبل عملية بناء التراضى Consensus داخل مؤسسة إقليمية ما:ـ ولتكن الجامعة المسألة الأولى هى على درجة كبيرة من الأهمية فى التنبؤ بمستقبل الجامعة، وذلك لسبب بسيط فالجامعة العربية هى أحد المنظمات الإقليمية فى العالم الثالث، والتى تشترك جميعها فى كونها أخفقت بدرجات متفاوتة فى تحقيق أغراض رئيسية، وهو ما يعنى بحد ذاته أن للتخلف دورا كبيرا فى فهم المستويات المتدنية للأداء فى ميادين مختلفة ويعنى ذلك إننا نفترض أن احتمال الارتفاع بمستويات الأداء فيما يتعلق بأغراض رئيسية للجامعة العربية هو أمر يرتهن ـ جزئيا ـ بإمكانيات النهوض فى البيئة الاقتصادية الاجتماعية للمجتمعات العربية الرئيسية أما المسألة الثانية فقد تكون أكثر وضوحا، وتتعلق بما اشتهر عن دور الخلافات والأزمات العربية فى شل الجامعة عن القيام بأدوارها كمنظمة إقليمية وكتعبير قومى فى نفس الوقت وبالتالى يبرز سؤال مشروع حول احتمالات توافق الإرادات العربية على النهوض بالجامعة، أو التسليم ـ على العكس بتعذر العمل معا ـ من خلال وعاء الجامعة ـ على تحقيق أغراض وأهداف مشتركة ومن ناحية أخرى، فإن البحث فى مستقبل الجامعة العربية فى الأمد المباشر والقصير لا يكاد يكون مثيرا بأى معنى، فمن المؤكد تقريبا أن الجامعة سوف تشهد حياة معذبة وحافلة بالصعاب والنتوءات والأزمات فى غضون السنوات القادمة، بالرغم من أن كل الدول العربية تقريبا سوف تظهر عزوفا واضحا عن توجيه الضربة القاضية لها، أو حتى إعلان انسحابها منها أو تجميد عضويتها بها وفيما لو اكتفينا بتعقب نتائج أزمة الخليج الثانية فحسب، لكان من الواضح تماما أننا نواجه ظروفا مؤثرة للغاية بالسلب على حالة الجامعة، وهى ظروف تشمل مرارات عميقة ومتبادلة بين دول عربية رئيسية عديدة، وأزمة شديدة الحدة للثقة فيما بين هذه الدول وتفضيلا كاملا للعمل فى أطر ثنائية أو إقليمية ـ فرعية أو عالمية ـ بالمقارنة بوعاء الجامعة وهذه الظروف لن تنحسر سريعا حتى لو أعلن قادة عرب مهمون عن نياتهم الحسنة أو قاموا بمصالحة دافئة فيما بينهم وبالتالى، فإن الأمد الوسيط هو مجال الاهتمام الحقيقى عند البحث حول مستقبل الجامعة العربية أولا ـ هل ينهض العرب من خلال الجامعة؟
أو هل تزدهر الجامعة من خلال نهوض العرب؟
بدأت الجامعة العربية كمجرد إطار لعلاقات حسن الجوار بين دول عربية مستقلة تشعر بقيمة الرابطة الثقافية المشتركة والعميقة فيما بينها وربما تكون الصيغة التى ترسخت فى الميثاق لوظائف وأدوار الجامعة مرضية لأصحاب نظرية الحد الأدنى من التعاون العربى Minimalists حيث لم تكن كثرة من الدول العربية قد استقلت بعد ولكن هذه الصيغة أغضبت القوميين العرب وأصحاب نظرية الحد الأقصى Maximalists وقد وضع هؤلاء تقاليد ممتدة تنظر للجامعة ـ أو للتعاون العربى الجماعى والعمل المشترك عموما ـ كأمر لاغنى عنه للنهوض بأحوال العرب فى كافة المجالات وصارت هذه التقاليد مع الوقت نوعا من الحكمة التقليدية Conventional ـ wisdom أو البديهيات السياسية Common sense جوهرها هو استحالة النهوض العربى، واستحالة التنمية المتوازنة والمستقلة ذاتيا بدون العمل فى إطار عربى جماعى وثيق وسريعا ما صار لأصحاب الاتجاه القائل بالحد الأقصى من العمل العربى المشترك فى إطار الجامعة اليد الطولى على المستويين النظرى والمؤسسى، بدءا من منتصف عقد الخمسينيات وجرب هؤلاء مناهجا ومقترحات مختلفة:ـ فيدرالية ومعاملاتية ووظيفية، مما أدى إلى انفجار حقيقى فى وثائق الجامعة ذات الطابع الدستورى والتأسيسى ولكن ظلت المشكلة الرئيسية هى العجز عن وضع الاتفاقيات والمعاهدات التى عقدت فى إطار الجامعة موضع التنفيذ، حتى عندما كانت درجات الوفاق والتواؤم بين الدول العربية مرتفعة للغاية وغالبا ما كان التفسير الوحيد للفشل فى وضع الاتفاقيات والقرارات موضع التنفيذ هو الخلافات العربية والأزمات التى انبثقت وتكررت دوريا عن هذه الخلافات غير أنه قد بات من الضرورى أن نتأمل تفسيرا آخر، وإن كان فضفاضا نسبيا ويقوم هذا التفسير على وجود تفضيل واضح للعمل التنموى على مستوى قطر وللتعاون على أسس اختيارية:ـ ثنائية أو متعددة الأطراف وأن هذا التفضيل لا ينهض فقط على عوامل ذاتية خاصة برغبات ونزعات الحكام والحكومات وإنما قد يكون كامنا فى صميم الطابع المتخلف للهياكل الاقتصادية الاجتماعية،
وللطابع التسلطى لنظم الحكم العربية فإذا كان هذا التفسير الأخير صحيحا فإنه يجب أن يؤدى إلى انقلاب فى أسلوبنا فى التفكير فى مسار الجامعة والتعاون العربى المشترك أى انه يجب أن نفترض أن التعاون فى إطار الجامعة قد يكون بحد ذاته متعذرا للغاية، لا بسبب نزعات فردية نفسية وأيديولوجية وسياسية، وإنما بسبب ضرورة التوصل إلى حد أدنى من التطور والنمو الاقتصادى الاجتماعى فى عدد أساسى من الدول العربية الرئيسية قبل أن يكون التعاون فى إطار الجامعة ممكنا ومثمرا وفقا لهذا الافتراض يصبح البحث فى مستقبل الجامعة محاولة للإجابة على السؤال التالى:ـ هل يحمل المستقبل فى الأمد الوسيط وعودا حقيقية بانطلاق عدد أساسى من الدول العربية إلى النهوض الاقتصادى والاجتماعى إننا نفتقر حتى الآن إلى نموذج نظرى صلب يسمح بإجابة مقنعة عن هذا السؤال والحل المؤقت هو أن نتعامل مع أكثر من نموذج نظرى ويمكننا بادئ ذى بدء أن نتنبأ بأن عددا من الأقطار العربية سوف يشهد خلال 10 ـ 15 عاما المقبلة تحضيرات مؤثرة لانطلاق اقتصادى ينقلها على طريق النمو المدعم ذاتيا، إلا إذا قطعت اضطرابات سياسية خطيرة هذا الطريق، أو أفسدت هذه التحضيرات ويمكننا أن نؤسس هذا الاستنتاج على أكثر من نموذج نظرى فعلى سبيل المثال، فإن نموذج نظرية التبعية غالبا ما يشكل أساسا لرؤية تشاؤمية للمسار العام لتطور التشكيلات الاجتماعية ـ العربية، غير أنه يمكن أن يشكل منطلقا لتوقعات جزئية متفائلة إذا ما لفتنا الاهتمام إلى مقولات معينة لم تتطور أو تبرز على نحو كاف فى هذا النموذج فالمنطق العام لنظرية التبعية، ينظر للتخلف فى مناطق العالم الثالث ـ ومنها المنطقة العربية ـ كنتاج حتمى لنمو المراكز الرأسمالية المتقدمة وبالتوازى مع ذلك تحرص المراكز الرأسمالية على تحطيم الروابط الأفقية فيما بين دول ومناطق الهامش المتخلف التابع لها وبالتالى يصعب قيام روابط إقليمية متينة فى مناطق الهامش ـ العربى مثلا ـ غير أن هذا النموذج كان لابد أن يأخذ فى اعتباره شيوع وتفاوت قوة بعض عناصر التحديث والنهوض الاقتصادى ـ الاجتماعى فى أقطار أو مناطق مختلفة من العالم الثالث ولم يعد من الممكن إنكار إمكانية تطور حالات معينة من النمو فى الهامش وغالبا ما يمكن إعادة استنباط هذه الحقيقة العملية انطلاقا من مقولة خافتة نسبيا فى الإطار التقليدى لنموذج التبعية، وهى مقولة تجديد هياكل التبعية مع كل تطور فى الهياكل التكنولوجية والاقتصادية للمراكز الرأسمالية فعلى سبيل المثال، فإن الثورة الراهنة فى مجال تكنولوجيا المعلومات والهندسة الوراثية والمواد التخليقية والصناعات الفضائية والإليكترونيات الدقيقة، والبصريات وغيرها إنما يجعل الهيكل العام للنمط القديم للتبعية مهجورا وفقد تخصص التشكيلات الهامشية فى إنتاج وتصدير المواد الأولية مغزاه وقيمته فى الاقتصاد العالمى وصار مطروحا إعادة رسم تقسيم العمل الدولى بحيث تنقل أجزاء كبيرة من الصناعة، بما فى ذلك الصناعة الثقيلة الكلاسيكية إلى أجزاء معينة من الهامش وفى هذا الإطار قد نتساءل:ـ هل يعد العالم العربى مرشحا لعملية النقل هذه؟ وفيما لو حدث مثل هذا النقل بما يفضى إلى تغييرات عميقة فى الهياكل الاقتصادية للدول العربية الأساسية فرادى وللمنطقة العربية ككل، هل يكون من المستحيل أن تشهد هذه المنطقة حالة نهوض تخرجها من الأزمة الخانقة الراهنة، والتى قد تعبر جزئيا عن أزمة هياكل التخصص والتصدير التقليدية؟ الواقع أن الإجابة على هذه الأسئلة أعقد كثيرا مما تبدو عليه ويرتبط ذلك جزئيا بحقيقة أن النموذج العام لمدرسة التبعية تبسيطى ومخل إلى حد كبير وغاية ما يمكن استنتاجه بالارتباط مع هذا النموذج أنه من غير الممكن المصادرة على احتمالات ليست هينة لإحداث تجديدات معينة فى الهياكل الاقتصادية ـ الاجتماعية لدول عربية رئيسية مما قد يؤسس موجة لنهضة ولو جزئية فى المنطقة العربية وهذه الموجة قد تقيم معها هياكلا سياسية إقليمية جديدة ولكنها قد تبعث الحياة أيضا فى هياكل قائمة وعلى العكس من ذلك، فإن نموذج نظرية التحديث، غالبا ما يكون أساسا لروية تفاؤلية لمستقبل التشكيلات الاقتصادية والاجتماعية المتخلفة غير أن إبراز الاهتمام بمقولات معينة فى هذه النظرية قد يكون أيضا مبررا لتشاؤم عميق ومخاوف عاصفة حيال التطور الديناميكى لهذه التشكيلات فالمنطق العام لنظرية التحديث يقودنا إلى توقع أن تنتقل المجتمعات من حالة التخلف المرتبط بعلاقات اجتماعية وتنظيمات ومؤسسات تقليدية إلى حالة الحداثة القائمة على علاقات عقائدية حرة، وعلى العلم والصناعة والمستويات الأعلى من تقسيم العمل، وذلك عبر مراحل متعاقبة أهمها مرحلة الانطلاق أو بتأثير تقدم الصناعة، أو المنظمين ذوى التطلعات الديناميكية غير أن هذه النظرية فشلت فى لفت الانتباه إلى بعض مقولاتها المهمة، وعلى رأسها مقولة ـ مصيدة أو فجوه الحداثة والتحديث وهى الحالة التى يفقد منها الناس مزايا جوهرية للمجتمع التقليدى مثل الأمان والانسجام الطبيعى والاجتماعى والتضامن الميكانيكى فيما بينهم، ولكنهم لا يصادفون فى المجتمع الحديث البازغ مزايا تعوضهم عن هذا الفقدان مثل الضمان الاجتماعى وإعانات البطالة، وهياكل ومؤسسات التضامن والمتابعة والتثقيف كالنقابة والحزب والحى والمدينة الخ وتكون هذه الفجوة باعثا على حالة اغتراب وتمزق وغضب عنيف يعود بالناس إلى الحنين للماضى ويقودهم إلى ثورة شمولية أو تسلطية على الحاضر ـ التحديث الناقص ـ مما يسبب انقطاعات اجتماعية، ويؤدى إلى مرحلة من التمزق السياسى والثقافى وربما إلى صراعات اجتماعية وسياسية ممتدة وتصبح الهياكل السياسية الوطنية والإقليمية ضحية لمصيدة أو فجوة التحديث هذه، لمرحلة معينة وهى مرحلة تشكل انقطاعا بين الأداء المنسجم ولكن الأقل فعالية وكفاءة فى مرحلة سيادة المجتمع التقليدى، وبين الأداء المعقد ولكن الأكثر إنتاجية فى مرحلة سيادة المجتمع الحديث وهناك مظاهر كثيرة فى المجتمعات العربية، وفى المسار العام للسياسات القديمة والإقليمية فى العالم العربى تتفق مع المنطق العام لنموذج التحديث، ولكن المظاهر السائدة حاليا هى أكثر توافقا مع نبوءة مصيدة أو فجوه الحداثة وقد نستطيع ـ ولو بقدر من التبسيط المخل ـ أن ننظر للمرحلة التى تعيشها الجامعة العربية منذ بداية الثمانينات كتعبير عن النتائج والامتدادات الإقليمية لفجوة أو مصيدة الحداثة غير أن هذا التصوير يطرح السؤال المهم، وهو هل نستطيع أن نتوقع أن تعبر طائفة من الأقطار العربية هذه الفجوة بأمان، وأن تدلف إلى مرحلة الانطلاق ثم النمو المدعم ذاتيا، بما يوفر شروطا داخلية مناسبة للعمل المشترك فى إطار الجامعة، ويقرب الجامعة نفسها من مستويات الأداء الأعلى لمنظمات إقليمية أخرى فى العالم الثالث مثل الآسيان ASEAN؟ هناك فى الحقيقة بعض المؤشرات التى ترجح هذا التوقع فالإدارة الاقتصادية الكلية فى عدد من الأقطار العربية قد صارت خلال السنوات الأولى من عقد التسعينات أكثر عقلانية ورغم ضآلة معدلات النمو المحققة فى هذه الدول إلا أنها تتولد عن تحسن حقيقى فى إنتاجية العمل وليس عن استثمارات أعلى كما أن هناك عملية حثيثة للتصنيع فى أكثر من دولة عربية، ترفع بصورة منهجية من مساهمة الصناعة التحويلية فى الناتج المحلى الإجمالى ـ (مصر، السعودية، المغرب، سوريا، العراق، لبنان) ـ ومن المؤشرات الهامة فى هذا المجال تطور مستويات التكنولوجيا المستخدمة وتحسن مستويات استيعاب التكنولوجيا المتقدمة كما أصبح لدى عدد أكبر من الدول العربية أوعية كبيرة العدد نسبيا من العناصر المهنية والعلمية والفنية ورغم أن نسبة هذه العناصر الأكثر ديناميكية من قوة العمل لازالت منخفضة، فإنها توظف على نحو أكثر إنتاجية فى الأعوام الأخيرة عنها فى أى وقت مضى كما تكونت طبقة من المنظمين فى مجال الأعمال على درجة معقولة من المتابعة والوعى والمهارة فى توظيف التطورات الحديثة فى مجال الأعمال وتتسم هذه الطبقة فى دول الخليج ومصر وسوريا ولبنان والمغرب وإلى حد أقل تونس والأردن واليمن بقدر كبير من الديناميكية، بحيث تتحول على نحو مطرد من أعمال التجارة السريعة إلى بناء المؤسسات الكبيرة فى مجال الصناعة والخدمات الإنتاجية وإذا استمرت عمليات الإصلاح الاقتصادى والتحسن الملحوظ فى الإدارة الاقتصادية الكلية قد تشهد مرحلة انطلاق فى عدد محدود من البلاد العربية وهى مصر، السعودية، سوريا ولبنان، والمغرب فى غضون السنوات العشر أو الخمس عشر المقبلة وقد يتسع عدد الدول التى قد تشهد انطلاقا اقتصاديا قائما على تنظيم الأعمال الحديث لتشمل تونس والأردن والعراق وقد يحتج البعض على هذا الاستنتاج بالقول بأن نمو الاقتصاديات العربية إنما يتم على أساس من علاقات التبعية، وإنه يستمد جانبا كبيرا من طاقته من الفوائض النفطية للدول المصدرة للنفط، وإن النمو يكاد يكون مصطنعا بسبب تشوه قوة العمل وانخفاض تكوينها المهارى مع تدهور خدمات التعليم والصحة والثقافة والدفاع ومع التسليم جزئيا بهذه الاحتجاجات، فإنها قد لا تشكل أساسا كافيا للحيلولة دون الانطلاق فكافة الدول التى حققت الانطلاق الاقتصادى Take off فى العالم الثالث هى دول تابعة بل ويكاد يكون الاستقلال الذاتى مستحيلا دون الوصول إلى حد أدنى من النمو الصناعى وكذلك، فإن الفوائض النفطية تستطيع أن تلعب دورا كبيرا فى تسريع النمو الحقيقى، إذا ما تحسن الإطار العام للإدارة الاقتصادية الكلية، وتعاظمت المهارات فى مجال تنظيم الأعمال، واكتسب النظام الاقتصادى القدرة على الاستجابة المرنة للتغيرات مع التحرر من البيروقراطية الاقتصادية والسياسية وتقلصت الإهدارات الكبيرة التى تسربت عن طريقها هذه الفوائض وقد صار ذلك كله ممكنا مع سياسات التحرير الاقتصادى فى أكثرية من الدول العربية وأخيرا، فإن تقلص الإنفاق العام على التعليم والصحة والثقافة ليس دالا بحد ذاته على تقلص الإنفاق الكلى على هذه القطاعات الجوهرية حيث بدأ القطاع الخاص يلعب دورا مهما فيها والعكس هو الصحيح حيث تزيد نسبة مساهمة قطاع الخدمات الإنتاجية فى الناتج الإجمالى مع الوقت ويزداد استيعاب قطاع خدمات الرفاة من قوة العمل على الوقت فى عدد من الدول العربية غير أن أهم التحفظات على الاستنتاج القائل بإمكانية حدوث انطلاق اقتصادى فى عدد من الدول العربية خلال السنوات العشر أو الخمس عشر المقبلة هو حالة المجتمع السياسى، والاحتمالات القوية لانفجار صراعات سياسية ممتدة فى اكثر من دولة عربية إننا نعتقد بأن هذا التحفظ يحتم الانتقال من استخدام منظور بنائى؟
مثل نموذج التحديث ونموذج التبعية إلى استخدام منظور حركى للفعل الاجتماعى السياسى؟ إننا نتعامل فى إطار ما أسميناه بنظرية ـ (عامة) ـ للفعل السياسى الاجتماعى مع توزيع معين للقوى السياسية والثقافية فى مرحلة انتقال مضطربة للغاية ولكى نتصور رقعة الاختيارات المتاحة فى عدد من الأقطار العربية لابد أن نلحظ فى البداية الجذور الحقيقية للاضطراب الراهن فى التكوين الاجتماعى ـ الاقتصادى لهذه الأقطار ويمكننا أن نصوغ الأمر على النحو التالى لقد حدثت عملية تفكيك واسعة النطاق للقوة والعناصر الاقتصادية والاجتماعية التى كانت تحت سيطرة نظم سياسية شعبوية أو دينية تسلطية وهذه العملية تتم تحت تأثير النتائج الفوضوية لاقتصاديات النفط خلال سنى السبعينات والثمانينات كما أنها تتم أيضا تحت تأثير انتقال جزئى ـ فى البداية ـ إلى إدارة اقتصادية ليبرالية وتؤدى عملية التفكيك هذه إلى شعور حاد بالضعف القومى فى الخارج والتشوه والفوضى فى الداخل ومن الطبيعى تماما أن تتضمن انفلاتا للمؤشرات الاقتصادية وخاصة معدلات مرتفعة للتضخم، وعجز الموازنة العامة والميزان التجارى، بل وتدهورا فى أداء مؤسسات اقتصادية وشركات أعمال عديدة، وخاصة تلك الداخلة فى نطاق القطاع العام ومن المحتم أيضا أن تنطوى هذه العمليات على اضطرابات اجتماعية وسياسية، وإعادة صياغة علاقات القوة فى المجتمع السياسى وفى المجال الاقتصادى ويمثل صعود الاتجاهات الإسلامية المتطرفة فى كثير من الأقطار العربية أحد الأعراض الأكثر أهمية لعملية تفكيك الدولاب الاقتصادى الذى ظلت البيروقراطية تضبطه طويلا، وخاصة فى المجالات التى كانت فيها البيروقراطية تتحرك وتسيطر من خلال نظام هيمنة له طابع شعبوى وراديكالى مثل حالات مصر والعراق وسوريا والجزائر وإزاء حالة التفكك والنزعة للتطرف السياسى والدينى يستمر الطابع التسلطى للدولة ولكن هذا الطابع يطغى فى المجال السياسى وتقليص فى الميدان الاقتصادى والوظيفى، مما يسبب اقتلاعا نفسيا لقطاع كبير من الجماهير، وقلقا عاما فى أوساط النخبة والطبقة الوسطى والمجتمع بشكل عام ويمكننا أن ننظر لهذا الموقف انطلاقا من نموذج التحديث فانهيار قدرة البيروقراطية الشعبوية ـ (وكذا إلى حد أقل البيروقراطية التى تكونت فى ظل الدولة العائلة فى الخليج) ـ على الضبط والسيطرة ؟؟
يمكن اعتباره حالة خاصة من انهيار مؤسسات المجتمع التقليدى بما كان يضمنه من حد أدنى من الأمان الشخصى والجماعى لقطاعات جماهيرية كبيرة ولكن استمرار التسلط السياسى، واستمرار حالة تفكيك القوى والهياكل الاقتصادية التقليدية لا يعطى أساسا معقولا لعملية سريعة لإعادة الإدماج من خلال مؤسسات حديثة وتظهر بالتالى فجوة أو مصيدة تحديث؟
ومع ذلك فليس من المستبعد مطلقا أن تتكون مؤسسات إدماج واستيعاب حديثة مع النمو التدريجى للمجتمع المدنى وقد يؤخر الافتقار إلى الحرية السياسية الكاملة عملية نمو المجتمع المدنى أو التوافقات التلقائية بين أطراف وقوى المجتمع ولكن الموقف قد لا يكون أفضل كثيرا بالضرورة فيما لو حدث تحول مفاجئ ـ ودون إعداد كاف ـ من التسلط السياسى الراديكالى والدينى إلى ليبرالية سياسية واقتصادية غير مفيدة فقد تكون النتيجة الطبيعية لهذا الانتقال المفاجئ هو حدوث انقلاب أو ثورة شمولية باسم الدين أو بأى اسم آخر وعلى أية حال، فحتى فى إطار استرخاء نظام تسلطى، من الممكن أن ينمو المجتمع المدنى فى عدد من الأقطار العربية بما يوفر بديلا تلقائيا وعضويا للضبط والسيطرة البيروقراطيين وبالتالى، من الممكن تصور أن تنتهى عملية التفكيك للدولاب الاقتصادى الاجتماعى البيروقراطى عندما يبرز مجتمع مركب وعضوى على أسس من التوافقات المدنية والتفاوضية وفى سياق عملية ظهور مجتمع مدنى قد تثبت عملية التفكيك الجارية للدولاب الاقتصادى للبيروقراطية الراديكالية والدينية أنها حتمية وضرورية لتحديث الهياكل الاقتصادية للأقطار العربية وهو ما يمهد للانطلاق إلى طريق النمو المدعم ذاتيا إن العقل السياسى قد يواجه الاختيار بين ثلاثة بدائل ذات احتمالات عالية:ـ البديل الأول هو استمرار الهياكل التسلطية مع قدر محدود من الاسترخاء والانفتاح والتسامح السياسى مع التعددية البازغة والفعلية فى المجال السياسى، مع اطراد التحول إلى الليبرالية الاقتصادية وهذا البديل هو الأكثر أرجحية فى دول الخليج العربى وفى المغرب والبديل الثانى هو الانتقال التدريجى إلى الديموقراطية السياسية مع اطراد التحول إلى الليبرالية الاقتصادية ومن الممكن أن يحدث ذلك فى سياق انطلاق اقتصادى حيث تصبح الانتخابات العامة أكثر نزاهة ويتم تصفية الهياكل التسلطية فى مجال التعبير والتجمع السلمى وتشريع اكثر من مكسب ديموقراطى، وانحسار التهديدات بالإرهاب والتطرف أما البديل الثالث:ـ فهو وقوع انقلاب شمولى، وربما بالارتباط والتصاحب مع محاولات انقلابية أو ثورية شمولية قد تمتد حالة تضعضع وعدم استقرار اجتماعى وسياسى وقد تتوزع بقية الدول العربية بين هذين البديلين الأخيرين فالأقطار العربية التى اقتربت من حافة الانقلاب الشمولى يرجح أن تستمر إما فى حالة اضطراب ممتدة أو أن تسقط فعليا بين الشمولية الدينية والأقطار العربية التى برهنت فيها البيروقراطية على قدرات كبيرة قد تنتقل تدريجيا إلى الديموقراطية، خاصة لو كانت القوى الإسلامية قد أخذت فى القبول بالنموذج الديموقراطى للحكم وتداول السلطة وتدخل مصر فى هذه الحالة الأخيرة ولكل من هذه البدائل انعكاساته ونتائجه على العمل المشترك بين الدول العربية فى إطار الجامعة ويمكننا مبدئيا إبراز النتائج التالية:ـ
(1)ـ أهم النتائج الإقليمية على الإطلاق هو تفضيل الغالبية من الدول العربية عدم تقييد ذاتها بالتزامات ثابتة لفترة ممتدة من الزمن، حيال العالم الخارجى عموما، وحيال الدول العربية الأخرى خاصة ويطغى على الدولة الاهتمام بمغالبة مشكلاتها فى الداخل ومواجهة حالة الاضطراب السياسى والاجتماعى التى تضرب مشروعيتها وقد تقوض أركانها ويمكننا مبدئيا ـ بالتالى ـ أن نتنبأ بأن الجامعة العربية لن تنهض نهوضا قويا خلال الأعوام العشر أو الخمس عشر المقبلة
(2)ـ وخلال تلك الفترة الممتدة من المحتمل أن يتم إنعاش محدود للجامعة على أساس من تحالف مصرى ـ سعودى ـ سورى ولكن أدوار دول عديدة أخرى سوف ينحسر كثيرا وخاصة دول المغرب العربى عموما، والجزائر وليبيا على وجه الخصوص، وهى الدول المرشحة لاضطراب أو عدم استقرار سياسى ممتد
(3)ـ ومع ذلك، لا يمكننا استبعاد انهيار كامل للجامعة العربية، فيما لو صعد إلى قمة السلطة حكومات تقوم على حركات إسلامية راديكالية فى عدد من الأقطار العربية ويمكننا بصفة عامة أن نتنبأ بانهيار الجامعة فيما لو انقسم العالم العربى بين حكومات محافظة وحكومات أخرى تقوم على أيديولوجيات إسلامية جذرية
ثانيا:ـ هل ينهض العرب بالجامعة كاستجابة لتحديات إقليمية وعالمية:ـ فى سياق البحث والتنبؤ بمصير الجامعة العربية حصرت المناقشات إلى حد كبير فى السجال حول نهاية الحركة القومية The End of ـ Pan ـ Arabism فالقائلون بنهاية الحركة القومية يظنون أن هناك خطأ بسيطا يتكون من منحنى فيه خط صاعد وخط هابط ويبدأ الهبوط من عام 1967 فإذا كانت الجامعة العربية تعد نوعا من التعبير عن الحركة القومية العربية فإنها بسبيلها إلى الاندثار هذا التصور لا يتفق مع حقيقة المسار الفعلى الذى اتخذته الحركة القومية العربية ولا مع المسار الفعلى لتطور الجامعة كمؤسسة عربية إذ نستطيع أن نميز التاريخ العربى العام فى القرن العشرين إلى نحو ثلاث أو أربع موجات لصعود الحركة القومية، ومثلها من موجات الهبوط ولم تكن هزيمة الدعوة القومية أو الحركة القومية من الداخل والخارج معا ـ إلا بداية لهاجس قوى جديد واختلفت القوالب الفكرية والأشكال التنظيمية والبرامج والتصورات الاستراتيجية التى وصفها قاده من بلاد عربية مختلفة موضع التطبيق بين موجة وأخرى ولا نستطيع أن نتصور تتالى موجات الحركة القومية باعتباره نوعا من التجديد فكثيرا ما كانت الموجة التالية تنكس بمواريث مهمة للموجة السابقة عليها ولم تكن نوعيات القادة أو كيفيات الحركة والأداء بالضرورة أرقى أو أعلى فى كل الجوانب وهذا يؤكد بحد ذاته على تعقد مستويات ومكونات الحركة القومية العربية كما يؤكد أيضا تعذر النزعة القومية على التعميمات المتسرعة والبسيطة من نوع وجود بداية ونهاية محددتين وقطعيتين:ـ فكرا وممارسة لهذه النزعة ويصدق نفس الأمر لو تناولنا مسار الجامعة العربية فليس من الصحيح بالمرة أن عام 1987 مثلا كان بداية الهبوط الأكيد للجامعة ولا يصح أيضا أن نأخذ تاريخا آخر مثل عام 1978 و 1979 ـ (عندما تم التوقيع على اتفاقية كامب دافيد والمعاهدة المصرية/الإسرائيلية بالتتالى، وانتقلت الجامعة إلى تونس) ـ كبداية لهذا الهبوط، بل قد تثبت الأيام أيضا أن عام 1990 ـ (الذى شهد انفجار أزمة الخليج الثانية مع الاحتلال العراقى للكويت) ـ ليس بالضرورة نهاية الحياة المديدة للجامعة فمن المستحيل صياغة تاريخ الجامعة كمنحنى من خطين على شكل حرف V ـ (فى) ـ مقلوبا فالجامعة منذ ولادتها شهدت عشرات من العثرات والأزمات والانقطاعات كما شهدت أكثر من موجة صعود وحيدة وتاريخ الجامعة هو منحنى شديدا التعرج وكثير الانحناءات صعودا وهبوطا غير أن هذا كله ليس ضمانا كافيا بأن الجامعة سوف تسترد أنفاسها وتنتعش قريبا، أو حتى فى غضون السنوات العشر أو الخمس عشر المقبلة فإذا تعاملنا مع الجامعة كتعبير عن النزعة القومية العربية، ينبغى علينا أن نحلل هذه النزعة إلى مستويات ومكونات مختلفة فهناك من ناحية أولى المستوى العاطفى والذى يصلح أساسا لجامعة ذات أدوار ثقافية وهناك من ناحية ثانية مستوى المصالح الجارية والذى قد يصلح كقاعدة لجامعة تقوم على تعاون وظيفى اقتصادى وهناك من ناحية ثالثة مستوى المصالح الاستراتيجية، وخاصة على صعيد الدفاع والأمن وهذا المستوى هو القاعدة الحقيقية لجامعة تقوم على التزامات سياسية عميقة وطويلة الأمد ولم تنجح الجامعة فى أى فترة من تاريخها فى أن تمثل للدول العربية الرئيسية رابطة استراتيجية راسخة وطويلة الأمد فحتى إنجاز حرب أكتوبر عام 1973 لا يمكن أن نعزره إلى الجامعة، لم إنما إلى تحالف ثلاثى يعبر عن ارتباط اختيارى Selective ـ Engagement متوسط العمق بين مصر وسوريا والعربية السعودية كما أن محاولات كثيرة لجعل الجامعة قاعدة لتبادل المصالح الجارية (الاقتصادية والوظيفية) لم تسجل نجاحات كبيرة ولم تترجم إلى التزامات فعلية مطبقة اتفاقية إنشاء السوق العربية المشتركة لعام 1994 ولا اتفاقية تيسير وتنمية التبادل التجارى بين الدول العربية الخ وفوق ذلك، فإن الخدش الكبير ـ بل والجراح العميقة ـ التى ألمت بالعاطفة العربية المشتركة بسبب أزمة وحرب الخليج الثانية قد ضرب فى الصميم محاولات ترجمة اتفاقيات مهمة وقرارات جوهرية فى التطبيق العملى وبهذا المعنى فإن الجامعة قد تبقى ـ فى إطار المسار الراهن للعلاقات العربية ـ العربية، والعلاقات العربية ـ الدولية، والمستوى الراهن للتطور الاقتصادى الاجتماعى فى البلاد العربية الرئيسية كنوع من الرابطة الثقافية، وربما كوعاء لتبادل محدود نسبيا للمصالح الجارية ولكن يصعب إلى حد كبير تصور النهوض بالجامعة إلى مستوى الالتزامات العميقة وطويلة المدى، وخاصة فى المجال الاستراتيجى والدفاعى، إلا إذا قادت متغيرات دولية وإقليمية معينة إلى هذا الطريق بقوة الضرورة والحتم لا بقوة العاطفة والاختيار وقد مثلت تلك الحجج الأخيرة الأساس النظرى للتحول من رؤية الجامعة العربية كرابطة قومية إلى رؤيتها كرابطة إقليمية ذات ظلال قومية ورغم أن المحصول النظرى لفكرة النظام الإقليمى ليس وفيرا أو شديد الثراء، فإن القائلين بهذه الفكرة يشيرون إلى بعض المتغيرات التى تستحق عناية الباحثين، مثل العلاقة المتوترة والمتحولة بين النظامين الإقليمى العربى، والدولى، وأزمة القيادة والصراع حولها بين الدول العربية الرئيسية، ومشكلة بناء التراضى والإجماع Consensus Building ويضاف لذلك كله مسألة العلاقة بين النظام العربى، والنظام الشرق أوسطى كتحد بازغ وشديد التأثير على الاختيارات المتاحة أمام الدول العربية الرئيسية وقد نستطيع أيضا أن نشير إلى أكثر من وعاء آخر منافس مثل تشكيل نظام بحر متوسطى، أو نظام إسلامى، أو نظام لغرب آسيا، أو أخيرا نظام إسلامى ونستطيع أن نضيف من جانبنا مسألة خاصة بديناميكية أى منظمة أو مؤسسة مثل الجامعة العربية والعوامل الذاتية الخاصة بتطورها:ـ نهوضها واندثارها ومن الضرورى أن نبحث فى تداعيات هذه المتغيرات كلها، قبل أن نتطلع إلى ترجيح احتمال بعينه دون آخر فيما يتصل بالتطور المستقبلى للجامعة العربية
(1)ـ تداعيات النظام الدولى على الترتيبات الإقليمية العربية:ـ من الناحية القانونية صدق ميثاق الأمم المتحدة على الترتيبات القائمة قبله فى مناطق معينة كما شجع الدول على الانضمام لترتيبات إقليمية متواضعة ومعززة لمنظمة الأمم المتحدة وتعد النظم الإقليمية من هذا المنظور ـ خاضعة ومكملة لدور الأمم المتحدة كمنظمة دولية أما من الناحية السياسية، فقد راجت نظرية تقول بامتداد الحرب الباردة السائدة فى ظل القطبية الثنائية إلى أقاليم العالم المختلفة وخاصة إلى أقاليم العالم الثالث ويعزو البعض فشل الجامعة العربية كتعبير عن نظام إقليمى عربى خلال عقد الستينات على الأقل إلى امتداد الحرب الباردة إلى النظام العربى ولا يبدو أن لهذه النظرية مصداقية كبيرة ذلك أن نهاية الحرب الباردة لم يؤد إلى إنعاش النظام العربى أو الجامعة العربية واتخذت قوة الدفع للعمل المشترك فيما بين الدول العربية شكل الاندفاع لتكوين تكتلات إقليمية فرعية خلال الفترة 1987ـ 1990 صحيح أن النظام العربى الجماعى قد شهد بعض الانتعاش خلال هذه الفترة وهو ما يظهر فى عقد أربع مؤتمرات قمة عربية إلا أن كافة هذه القمم كانت ذات طبيعة استثنائية وقائمة على موضوع واحد كما أنها لم تصدق على أهم وثيقة لإصلاح نظام الجامعة وهى مشروع تعديل الميثاق الذى كان قد أعد منذ بداية الثمانينات وفوق ذلك كله، فإن الصراعات العربية ـ العربية لم تأخذ محورا أيديولوجيا جامدا أو وحيدا يتفق مع الانقسام بين العملاقين:ـ الأمريكى والسوفيتى بل كثيرا ما كانت الصراعات فيما بين الحلفاء العرب للاتحاد السوفيتى أكثر تفصيلا للجامعة من الصراعات والنزاعات السياسية بين هؤلاء والحلفاء العرب للولايات المتحدة والغرب عموما كما لا يوجد أى توافق زمنى بين الفترات التى اشتعلت فيها الحرب الباردة بين العملاقين بى الفترات التى شهدت أسوأ موجات الصراع بين الدول العربية داخل وخارج الجامعة ومع ذلك، فإن نهاية الحرب الباردة قد أنعشت الآمال فى نهوض النظم الإقليمية فى العالم الثالث عموما، بما فى ذلك العالم العربى فعلى المستوى الاقتصادى بدأت موجة عامة للاهتمام بالتعاون الاقتصادى والوظيفى فى أطر إقليمية أو شبه إقليمية وهو ما يصدق على الدول المتقدمة ـ(مثل اتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك ) والدول الأقل تقدما (مثل الدول الأعضاء فى منظمة الآسيان) وعلى المستوى السياسى، يلاحظ أن المنظمات الإقليمية وخاصة ذات القاعدة الضيقة للعضوية قد قامت بجهود دبلوماسية كبيرة لوضع حل سياسى لكثير من الصراعات الإقليمية خلال الفترة 1988 ـ 1991 وهو ما عزز الاعتقاد بأن النظام الدولى فى طريقه لبناء شبكة متكاملة من المنظمات الإقليمية غير أن موجة التفاؤل هذه سريعا ما انحسرت مع انحسار الآمال المعقودة على الأمم المتحدة ذاتها فقد ثبت حتى الآن عدم صحة الزعم بأن نهاية الحرب الباردة سوف تعطى دفعة قوية للأمم المتحدة وتمكنها من لعب أدوار هامة فى السياسة الدولية ومع ذلك، فإن ما نستطيع استنتاجه من المؤشرات المتاحة حتى الآن هو أن هناك لا تزال فرصة معقولة لتقوية التركيبات الإقليمية وتعزيزها حيثما تتوفر الظروف المناسبة لذلك لدى الدول الرئيسية فى الأقاليم المختلفة ذاتها ـ فالأوضاع الدولية الراهنة قد لا تكون معيقة لتطور العمل الإقليمى على الصعيدين الاستراتيجى والاقتصادى ولكنها قد لا توفر بحد ذاتها قوة دفع هذا العمل الإقليمى فالواقع أن النظام الدولى الراهن يشمل تناقضات متحركة ومتعددة ومتشابكة، والمظهر الرئيسى لحركة هذه التناقضات هو وجود نزعة عامة بين الدول المتقدمة والقوية الأعضاء بمجلس الأمن لسحب كثير من أشكال عرض القوة فى المجالات الإقليمية، إلا حيثما تبرر مصالح جوهرية لهذه الدول هذا العرض وبتعبير آخر، فإننا نشهد ميلادا عاما لعزوف الدول القوية والمتقدمة ـ بما فى ذلك الولايات المتحدة ـ عن الاستثمار السياسى فى العمل على صعد إقليمية والوفاء بالتزاماتها كدول كبرى حيال صيانة الأمن والاستقرار الإقليمى ويؤدى هذا السحب لمظاهر القوة والانحسار الواضح للاهتمامات بالمشاركة فى تعزيز الأمن والاستقرار الإقليمى إلى ظهور فراغ قوى فى أقاليم معينة، وهو ما يدفع لإعادة هيكلة علاقات القوة على نحو ظاهر أو مستتر ويلاحظ فى هذا السياق قيام دول إقليمية كبرى بمحاولة ملأ فراغ القوة المترتب على نهاية الحرب الباردة وتراخى الاهتمام بالأمن الإقليمى لدى الدول الغربية الكبرى وخاصة إذا كانت ظروفها الداخلية تسمح بهذه المحاولة وتعد المنطقة العربية ـ ومنطقة الشرق الأوسط عموما ـ استثناء من هذا الاتجاه العام ولو إلى حد معين:ـ وذلك بسبب قوة الروابط التقليدية بين دول عربية وشرق أوسطية من ناحية ودول أوروبية أو غربية كبرى من ناحية ثانية، وبسبب المصالح النفطية الحيوية للغرب عموما، وأخيرا بسبب الارتباط بين الدول الغربية المؤثرة مع إسرائيل ومثلت أزمة الخليج الثانية تكثيفا غير عادى لهذه الأسباب كلها، وهو ما جعل حرب تحرير الكويت أمرا حتميا غير أن السؤال الجوهرى الذى ينبغى طرحه فى سياق البحث عن تداعى العوامل الدولية وانعكاساتها على الأوضاع الإقليمية إنما يدور حول طبيعة الاهتمامات الغربية بالمساءلة الإقليمية، ومدى هذا الاهتمام ومضمونه، بالنسبة للعالم العربى فإذا أخذنا بمجمل المؤشرات الفعلية للسلوك الأمريكى والغربى تجاه المنطقة، فإن الاستنتاجات التالية قد تكون ذات دلالة بالنسبة للتطورات الإقليمية
(أ)ـ إن مسألة أمن الخليج وصادرات النفط منه ليست ـ من وجهة نظر الغرب والولايات المتحدة بالذات ـ مسألة إقليمية وإنما هى امتداد إقليمى لمصالح أمريكية وغربية وبتعبير أخر فإن الغرب لن يترك مسألة أمن الخليج بيد قوى إقليمية ولن يثق بكفاية أية ترتيبات إقليمية بصدده
(ب)ـ إن الولايات المتحدة بالذات لا تثق بالجامعة العربية كإطار أساس للعمل الإقليمى للدول العربية الرئيسية ولا تفضل استمرارها أصلا ومع ذلك، فإنه يبدو أن الولايات المتحدة مستعدة للتعامل مع هذه المؤسسة الإقليمية فيما لو خضعت للدول العربية الحليفة لها، وغيرت كثيرا من منهجها ومواقفها (أنظر مثلا خطاب الرئيس بوش لمؤتمر القمة العربى غير العادى فى بغداد ـ مايو 1990) ويتفق الاتجاه البريطانى مع نفس الموقف الأمريكى على حين أن دول أوروبا الغربية الأخرى واليابان لا تأخذ موقفا معاديا للجامعة العربية وفيما لو تطور النظام الدولى إلى وضع تعددى قد يكون من الممكن دفع دول أوروبا الغربية للتعامل الإيجابى مع الجامعة العربية فيما لو اختارت الدول العربية الرئيسية النهوض بالجامعة وتمكينها من لعب دور أساسى فى دعم الرضع السياسى القائم Status quo فى المنطقة العربية
(ج)ـ إن الدول الغربية الكبرى ومعها روسيا الاتحادية تفضل قيام رابطة شرق أوسطية أو بالأحرى روابط شرق أوسطية كبديل لنظام الجامعة العربية وهى تضغط ـ فى الوقت الراهن ـ فى هذا الاتجاه من خلال المفاوضات لإحلال السلام بين العرب وإسرائيل ومع ذلك فإن طبيعة النظام الشرق أوسطى المطلوب من وجهة نظر الغرب قد تشمل ما يلى:ـ
قبل كل شىء إدماج كل من إسرائيل وتركيا فى شبكة العلاقات الإقليمية، وخاصة فى المجالات الاقتصادية والوظيفية خضوع هذه الشبكة لنوع من الإشراف العام المباشر وغير المباشر للدول الغربية الكبرى جماعة من خلال نوع من تقسيم العمل فيما بينها، كما يظهر من تقسيم الإشراف على لجان التفاوض متعدد الأطراف حول السلام ورغم اهتمام الغرب وروسيا بإدماج إسرائيل فى شبكة التفاعلات الإقليمية، فإن الأمر لا يصل لتفضيل قيام إسرائيل بدور شرطى المنطقة وبشكل، قد لا يفضل الغرب بما فى ذلك الولايات المتحدة قيام إسرائيل بدور مباشر فى الدفاع عن مصالحه الاستراتيجية فى المنطقة، إلا فى الحالة المتطرفة لوجود فوضى إقليمية عامة أو هبوب ثورات راديكالية متتابعة ومتزامنة فى أكثر من دولة عربية فى وقت واحد وعلى ضوء هذه الاستنتاجات، يمكننا القول بأن القوى الكبرى لا تعطف على الجامعة العربية فى الوقت الحالى، ولا ترغب فى تمكينها من أداء دور إقليمى أساسى ومع ذلك، فإنه إذا ما اعتبرت دول عربية رئيسية أن النهوض بالجامعة هو مشروع رئيسى لها فإنها قد تستطيع تعبئة دعم وتأييد مستتر أساسا، وصريح أحيانا لهذا المشروع بين عدد من الدول الكبرى، وخاصة فيما لو فشلت فكره إنشاء نظام شرق أوسطى
(2)ـ مسألة الوراثة الإقليمية:ـ الضغوط الغربية لإيجاد ترتيبات إقليمية غير مقيدة بصفة العروبة وتكون بعيدة بدرجة أو أخرى عن الميراث الراديكالى للحركة القومية العربية لا تكفى وحدها لإنشاء ترتيبات إقليمية بديلة أو وريثة للنظام العربى ومؤسسته الرئيسية:ـ أى الجامعة العربية إذ يستحيل إنشاء أى نظام إقليمى إذا لم تتوافق إرادات الدول الرئيسية فى منطقة ما على هذا القرار من حيث أنه يحقق مصالحها الذاتية ويتفق مع إستراتيجياتها ورؤاها لأدوارها على الصعيد الإقليمى ومن هنا يبرز السؤال التالى:ـ هل نشهد نوعا من توافق الإرادات الإقليمية على إنشاء نظام أو روابط جديدة على المستوى الإقليمى؟
وهل تكون مثل هذه الروابط بديلا حتميا أو وريثا مشروعا ـ من وجهة النظر الإقليمية الذاتية ـ للنظام العربى؟ الحقيقة هى أن الإجابة الصحيحة على هذين السؤالين معا هى بالنفى فإذا بدأنا بالسؤال الثانى قد يتضح سريعا أن كل الدول الرئيسية فى المنطقة العربية منخرطة بالفعل فى أكثر من مؤسسة وحركة ورابطة دولية فهى جميعا أعضاء فى حركة عدم الانحياز، على سبيل المثال ولم يكن لتلك العضوية أدنى تأثيرات سلبية على الجامعة العربية بل الأمر على النقيض ويصدق ذلك أيضا على ارتباط أوثق بين الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامى:ـ التى تشمل كذلك دولا إسلامية كثيرة غير عربية ـ وقد ثبت من التجربة أن هناك علاقة إيجابية متبادلة بين عضوية الدول العربية فى المؤتمر الإسلامى وعضويتها فى جامعة الدول العربية ولم تبرر التطورات الفعلية المخاوف من تحول المؤتمر الإسلامى إلى إطار بديل للجامعة العربية والانطباع الأولى الذى تبرره عوامل كثيرة هو أن حالة أطروحة نظام شرقى أوسطى مختلفة كثيرا عن حالة المنظمات الإقليمية والدولية الأخرى التى تنشط فيها الدبلوماسيات العربية فهناك من ناحية أولى الجوار الجغرافى الوثيق الذى يجعل منطقة الشرق الأوسط ـ وخاصة الجناح الشرقى لهذه المنطقة متصلا جغرافيا واحدا ومن ناحية ثانية فهناك عامل وجود إسرائيل بالذات كطرف أساسى فى كل الصياغات الغربية حول إيجاد نظام شرق أوسطى، فى الوقت الذى تستبعد فيه دول أخرى مثل إيران ومن البديهى أن وجود فوارق كثيرة فى القوة الإستراتيجية (العسكرية) والاقتصادية بين إسرائيل ـ والدول العربية يبرر المخاوف من احتلالها لدور الدولة الإقليمية العظمى أو القائدة وإذا اتسع الأمر قليلا بانضمام كل من تركيا وإيران يكون لدينا ثلاث دول إقليمية كبيرة (بما فيها إسرائيل) من حيث القوة العسكرية والاقتصادية مقارنه بالضعف النسبى للدول العربية فن مجالات شتى، وخاصة فى المجالين الاقتصادى والعسكرى ومن ناحية ثالثة، فإنه على حين فشلت محاولات بلورة العمل المشترك فى الأطر الإقليمية والدولية الأخرى مثل المؤتمر الإسلامى وحركة عدم الانحياز، وخاصة فى المجالات الاقتصادية والدفاعية ـ بحيث ظلت مجرد منصات انطلاق سياسية صرفه ـ فإن مشروع إنشاء نظام شرق أوسطى يرتبط بعشرات من المشروعات المحددة فى مجالات حيوية مثل التنمية الاقتصادية والبيئة والمياه وضبط التسلح وهذا كله قد يحدث تحويلا جذريا فى الهياكل الإقليمية لصالح فكرة الشرق الأوسط، وعلى حساب النظام العربى والجامعة غير أنه مع وجوب الاهتمام بهذه الجوانب كلها، فإن البحث المتعمق، فى مسألة الوراثة الإقليمية لا يبرر المخاوف من خطر إنهاء النظام العربى لصالح نظام شرق أوسطى وهنا تبرز العوامل الأساسية التالية:ـ
(أ)ـ إن الاتجاه الأكثر عمقا لسياسات الدولى العربية الرئيسية والمؤثرة لا يستقيم مع فكرة إنشاء نظام إقليمى جامع جديد وتتعامل هذه الدول مع فكره إنشاء نظام شرق أوسطى بأسلوب التأقلم السلبى وليس بأسلوب التبنى الإيجابى للفكرة فهذه الدول مضطرة للاستجابة ـ ولو المحدودة ـ للضغوط الأمريكية والغربية الهادفة لدمج إسرائيل تحديدا فى التفاعلات الاقتصادية ـ والوظيفية فى المنطقة كما أنها تتفهم حتمية دفع ثمن ما لإسرائيل فى مقابل ـ أو لتشجيع إسرائيل على ـ الانسحاب من الأراضى المحتلة ولكن نفس الأسباب التى تحول دون حماس هذه الدول أو بعضها على الأقل للنهوض بالجامعة تمنعها ـ من باب أولى ـ لإبداء حماس حقيقى لأى مشروع إقليمى بديل وبهذا المعنى قد تضطر أو ترغب دول عربية رئيسية للانخراط فى مشروعات مشتركة مع إسرائيل غير أن ذلك يبقى فى إطار الارتباط الاختيارى Selective engagement والجزئى وليس فى إطار الارتباط الكامل أو الشامل
(ب)ـ إن جميع الدول العربية الرئيسية تخشى من التهديد الماثل فى القوة العسكرية الكبيرة لإسرائيل وتعتبر إسرائيل تهديدا مباشرا أو غير مباشر لأمنها القطرى الذاتى، حتى لو كانت ثمة ضمانات أمن غربية
(ج)ـ إنه فى حالة تخلق روابط حول مشروعات محددة وفى مجالات نوعية مختارة على النحو الذى يبعث فى إطار المفاوضات متعددة الأطراف، فإن من المؤكد أن تبدى الدول العربية الرئيسية اهتماما بإحياء العمل العربى المشترك والتنسيق العربى سواء فى إطار الجامعة أو أطر اختيارية بديلة ومتعددة الأطراف بهدف توخى الحذر من الإقدام تحت طائلة التهديد أو الهيمنة الإسرائيلية ويبرز هذا العامل انطلاقا من حقيقة أن إسرائيل ستكون وحدها مع عدو من الدول العربية المشاركة فى أى مشروع للارتباط أو التعاون الوظيفى والاقتصادى ومن هذا المنظور، فإن المرجح خلال السنوات العشر أو الخمس عشرة المقبلة أن تتوازى وربما تتآلف محاور متعددة للعمل الإقليمى فى المجالات الاقتصادية والوظيفية ولكن التعاون فى المجال الدفاعى والأمنى سوف يكون محدودا للغاية، واختيارى للغاية ومن المستبعد عليه أن يؤدى التعاون على محور شرقى أوسطى، أو إسلامى، أو بحر متوسطى، أو غرب آسيوى أو أى محور آخر إلى القضاء على الجامعة العربية بل وقد لا يتفوق الاهتمام بأى محور على الاهتمام بالجامعة العربية ومن الناحية الفعلية، فإن المنطقة العربية قد تكون مهددة بفراغ مؤسسى بأكثر كثيرا مما هى مهددة بإنشاء نظام بديل ووريث للجامعة العربية
(3)ـ المنافسات ـ الخلافات العربية ومشكلة بناء التوافق فى إطار الجامعة:ـ معظم الكتابات العربية تعزو الأزمة المحتدة لجامعة العربية إلى الخلافات المستعصية والمستمرة بين الدول العربية الرئيسية ولكن لم يتم تصنيف هذه الخلافات وتتبع تأثيراتها على أداء الجامعة ومستوى العمل العربى المشترك فى الفترات الزمنية المختلفة غير أن الكتابات الصحفية تصورها على أنها تعود بالأساس إلى شخصيات قادة الدول وبعض الكتابات شبه الأكاديمية كانت تركز فى الماضى على الخلافات الأيديولوجية وبعضها الآخر يعمم المسألة إلى خلافات بين نظم الحكم العربية، وهو، ما يضيف قليلا إلى فهمنا للكيفية التى تتم بها التفاعلات العربية إذ تغير قادة كثيرون، وتغيرت نظم حكم عديدة فى العالم العربى دون أن يسفر ذلك عن تحسن صور التفاهم كما أن نفس القادة عملوا معا على نحو معقول نسبيا، وانقلب الأمر فيما بين نفس القادة ونفس نظم الحكم من تفاعل إيجابى إلى سلبى أو إلى صراع مفتوح والواقع إنه لا يمكن استبعاد التأثيرات الهامة لتوافق وتنافر قيادات عربية، أو حكومات ونظم حكم، وأيديولوجيات متباينة صعدت وهبطت فى بلاد عربية مختلفة غير أن الأساس الحقيقى للخلافات إنما يكمن فى عاملين جوهريين العامل الأول هو التناقضات الحقيقية بين مصالح دول عربية رئيسية، فى مجالات شتى، وعلى رأسها مجال الأمن والدفاع وتستمد هذه التناقضات قيمتها جزئيا من التقاليد التاريخية لبعض نظم الحكم العربية التى استندت معادلاتها الأمنية والدفاعية على الضمانات الغربية، مما يقيد من قدرتها مع التضامن مع غيرها فيما قد يتطلب مواجهات قوية مع الغرب وإسرائيل بصدد قضايا الأمن القومى أما العامل الثانى فيتصل بالصراع حول القيادة فى النظام العربى وهذا العامل لا يستمد قيمته من أهمية المكانة والمنزلة فى العالم العربى والعالم ككل فحسب، بل وبمحاولة توظيف النظام العربى لصالح النظام السياسى وحاجاته وأولوياته فى هذا القطر العربى أو ذاك ويضيف الاستبداد والتسلط السياسى أبعادا جديده إلى الخلافات العربية إذ يؤدى إلى تضييق مجال الاختيار، وإصابة السلوك وأساليب العمل بالجمود والرتابة ويطيل الأمد الزمنى للشكوك والمرارات ويقلص فرص التجديد والبحث عن بدائل ومع ذلك كله، فإن الخلافات العربية بحد ذاتها قد لا تفسر الجانب الأكبر من الشكل الذى يتعرض له النظام العربى دوريا ولفترات ممتدة إذ لا يكاد يوجد إقليم واحد فى العالم لا تحتدم فيه خلافات شتى بين أعضائه ولا توجد مؤسسة إقليمية لم تتعرض لهزات بسبب تضارب التوجهات والتفضيلات وتباين ترتيب الأولويات والمصالح وفى الإطار العربى، كانت الخلافات أحد الملامح البارزة للتفاعل فى الجامعة ومع ذلك، فقد أمكن التوصل إلى تراض، بل وإجماع حول مشروعات كثيرة، والعديد من الاتفاقيات والوثائق الجوهرية، والتى كان من شأن تطبيقها أن تنهض بالجامعة، وبالشأن العربى العام، وخاصة فى الميدان الاقتصادى وقد يحتج البعض على هذه الحقيقة بالقول بأن دولا عربية عديدة توافق وتصدق على قرارات ومشروعات واتفاقيات لا تنوى تنفيذها ابتداء ومما لا شك فيه أن ذلك صحيح جزئيا فالجامعة العربية لم تبلور قط آلية أو آليات مؤسسية مستقرة للمتابعة والتنفيذ ومع ذلك فقد لا يكون ذلك صحيحا كلية، وفى كل المجالات وربما يعود الفشل فى الإدارة الصحية والبناءة للخلافات والاتفاقات فى إطار الجامعة العربية إلى سببين رئيسيين السبب الأول هو الإخلال الجسيم ـ بين الحين والآخر ـ بمعادلات تبادل المصالح فيما بين الدول العربية الرئيسية ويظهر هذا الإخلال فى تلك الفترات التى انقلبت فيها التفاعلات بين هذه الدول من منافسات طبيعية إلى علاقات تهديد متبادل، وخاصة فى مجال أمن النظام السياسى، فى بعض الدول العربية وقد يكون هذا التهديد مباشرا مثل الغزو العراقى للكويت عام 1990، وقد يكون غير مباشر بسبب انفراد قطر عربى بقرارات خطيرة تؤثر تلقائيا على أمن جيرانه مثل الغزو العراقى لغرب إيران عام 1980 ، وما أدى إليه من نزع استقرار وتهديد أمن الخليج عموما أما السبب الثانى فيتمثل فى نزوع بعض النظم العربية للمبالغة فى التوقعات حيال النظام العربى عموما والأقطار العربية الأخرى وبالتحديد فى مجال الأمن والدفاع والمصالح الاستراتيجية والاقتصادية عامة وقد أدت هذه النزعة إلي صدام مستمر بين أصحاب موقف الحد الأدنى Minimalists وأصحاب موقف الحد الأقصى Maximalists ويرتبط هذا الصدام جزئيا بتباين حاجات الأقطار العربية المختلفة وأولوياتها فى فترات زمنية متتالية وطبيعة الظروف الإقليمية والدولية التى واجهتها هذه الأقطار، وطبيعة التهديدات التى واجهتها وتباين قدراتها على مواجهة هذه التهديدات بقدراتها المفردة أو حتى بحساب مخالفاتها السياسية والإستراتيجية الدولية وغالبا ما يؤدى إحباط أهداف أصحاب موقف الحد الأقصى فى العمل العربى المشترك إلى دوافع هجومية أو عدوانية أو إلى تفضيلهم نفض أيديهم كلية من الالتزام بقضايا النظام العربى والواقع أنه يصعب كثيرا التنبؤ بالمسارات المحتملة لهذا العامل وتأثيراته على أداء النظام العربى فخلال السنوات الأولى من عقد التسعينات ربما يكون قد حدث نوع من أثر التعلم Learning effect إذ استوعب أكثر من نظام عربى دروس أزمة الخليج، وما تلاها من إحباطات وذلك فيما يتصل بحدود التوقعات العقلانية والممكنة حيال النظام العربى، وقد يكون لنزعة نفض اليد من النظام العربى بعض النتائج الإيجابية من حيث أنه لا يجعل التعاون والعمل العربى المشترك ـ فى نطاق الجامعة مرهونا فقط بالمشروعات الكبيرة والالتزامات المتبادلة والكاملة أو الشاملة فكل إضافة ولو صغيرة من خلال مشروعات مدروسة جيدا ومتفق عليها قد تؤدى إلى تراكمات تفضى بحساب الزمن إلى نهوض بطىء ولكن مؤكد ومن ناحية أخرى، فإنه لو تم عقد سلام عربى ـ إسرائيلى مستقر، فإن المجال الاستراتيجى ومجال الدفاع والأمن قد يصبح أقل أهمية فى جدول أعمال ومصالح دول عربية عديدة، وهو ما يقلص من مجال الخلافات ويقلل من حدتها حيث دارت أكثر الخلافات وأشدها حدة فى هذا المجال بالذات ومن ناحية ثالثة، فقد صار من المؤكد لجميع الأطراف أن التنافس حول القيادة والانفراد بالنفوذ فى النظام العربى هو أقصر الطرق إلى الجحيم وتبرهن تجربة التفاعل الثلاثى بين السعودية ومصر وسوريا على إمكانية بناء التراضى ولو فى مجال معين من القضايا وتقليص التنافس إلى حدود مقبولة وليس من المستحيل تعميم هذه الخبرة وغيرها من الخبرات واستيعابها بما ينعكس على الأداء المستقبلى للدول العربية فى نطاق الجامعة ولكن، فى مقابل ذلك كله، هناك قضايا خلافية شائكة بعضها قد يكون مؤقتا وبعضها الآخر قد يظل مؤثرا بقوة على ساحة العمل العربى المشترك فعلى سبيل المثال، فإن الموقف من العراق ومن النظام العراقى قد صار قرب نهاية عام 1994 وبعد إعلان العراق موافقته وتصديقه على ترسيم الحدود العراقية ـ الكويتية واعترافه باستقلال وسيادة الكويت وحرمة أراضيها أحد القضايا الخلافية المهمة، والتى تعيق المصالحة العربية وحتى فيما لو تمكنت هذه المصالحة، وأعيد إدماج العراق فى شبكة التفاعلات الطبيعية بين الدول العربية فإن عمق الشكوك حول أهداف قيادته الراهنة ومصداقيتها قد تشكل حاجزا مهما دون تطبيع العلاقات مع هذا البلد العربى الهام أما على المدى الأطول، فإن الاضطرابات التى قد تأتى ببعض الحركات الإسلامية المتشددة إلى قمة السلطة فى دولة عربية مهمة أو أكثر قد تعيد النظام العربى إلى قبضة الصراعات الحادة وربما المدمرة إذ أثبتت خبرة التفاعل فى إطار النظام العربى أن الصدامات والصراعات بين القوى التى تنتمى لنفس الأيديولوجية اشد وأكثر حدة وامتدادا من تلك التى تتم بين قوى سياسية من أيديولوجيات مختلفة
(4)ـ العوامل المؤسسية والتنظيمية:ـ عادة ما تشير الأدبيات العربية إلى عوامل معينة خاصة بالقدرات والتفويضات المتاحة للأمانة العامة لجامعة الدول العربية فبالمقارنة مثلا مع التفويض الممنوح للمفوضية الأوروبية تعد الأمانة العامة للجامعة العربية ضعيفة للغاية ولا يتاح للأمانة الاضطلاع بمبادرات مستقلة أو رسم ووضع وصياغة سياسة وقرارات، إلا فى حدود ضيقة للغاية وكذلك، فإن الأمانة العامة محرومة من صلاحيات متابعة التنفيذ، ولا توجد فى إطار الجامعة وميثاقها آليات أخرى للمتابعة والرقابة على التطبيق ومع الاعتراف بأهمية هذه العوامل، إلا أنها تعد ثانوية بالمقارنة بعوامل وتناقضات أخرى تحكم مسار الجامعة ككل كمنظمة إقليمية وتشير أدبيات التنظيم الإقليمى، والنظم الإقليمية عموما إلى أبعاد معينة خاصة بديناميكية النهوض والقعود والانزواء فكل النظم الإقليمية تتعرض لأزمات معينة فإن استطاعت التغلب عليها، حققت قفزات للأمام والعكس، فكلما عجزت عن التعاطى مع الأزمات، تراجعت خطوات إلى الخلف والمهم فى هذه العملية هو تكوين ميراث من الانطباعات Legacy formation وكثيرا ما تصبح منظمة ـ أو نظام ما ـ أسيرة ميراث الانطباعات الذى يتكون من تواتر النجاح أو الفشل فى الماضى فحتى لو أتاحت الظروف قوة دفع معقولة، قد لا تتحرك المنظمة الإقليمية خطوة واحدة إلى الأمام بسبب تراكم ميراث انطباعات سلبى بخصوص نجاحها وفشلها فى الماضى والجامعة العربية خضعت تقليديا لهذا العامل، بدرجة كبيرة، وخلال فترات زمنية ممتدة وربما نستطيع أن نعزو ميراث الانطباعات السلبى عن الجامعة العربية إلى تناقض رئيسى كامن فى ديناميكية العمل العربى المشترك عموما ويتمثل هذا التناقض فى الطابع الانفجارى للتكليفات والمشروعات بالمقارنة مع الإتاحة المحدودة للقدرات والموارد والصلاحيات فعبر اكثر من مائة دورة انعقاد لمجلس الجامعة، وعشرات من الهيئات التابعة أو المرتبطة بالجامعة، هناك آلاف من المشروعات والاتفاقيات والقرارات التى لا يتاح لتنفيذها سوى أقل الصلاحيات المؤسسية والتنظيمية، والموارد المادية والمعنوية وقد ترتب على هذه الفجوة الهائلة بأى مقياس تواتر الفشل فى التطبيق، وهو ما يكون ميراث انطباعات سلبى ممتد ويمتد رصيد المشروعات والقرارات والاتفاقيات المعقودة فى إطار الجامعة إلى كافة مجالات الحياة الاجتماعية والسياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية، ولو تصورنا للحظة أن جميع هذه الالتزامات المشتركة قد طبقت لكان العالم العربى قد توصل بالفعل إلى مستوى أو آخر للوحدة الفيدرالية وهو ما يتناقض مع واقع الحال من تفتت وانقسام وتنافر فى النظام العربى وبالمقارنة مع الجماعة الأوروبية ـ الآن:ـ الاتحاد الأوروبى ـ يسهل إدراك المدى الهائل للتراكم التشريعى والاتفاقى فى إطار الجامعة ويتجاوز هذا التراكم بعشرات المرات الرصيد التشريعى والاتفاقى فى إطار منظمات أخرى ناجحة نسبيا فى العالم الثالث مثل منظمة الآسيان فالمنهج الأسلم والمتبع فى المنظمات الإقليمية الناجحة هو تفويض المنظمة بعدد محدد من الصلاحيات القابلة للتطبيق العملى من خلال مشروعات محددة ومحدودة مدروسة جيدا فإذا ما تمكنت المنظمة الإقليمية من تطبيق هذه الصلاحيات فى حدود ما يتاح لها من موارد متناسبة، انتقلت المنظمة إلى صلاحيات ومشروعات أخرى تالية ومكملة وبذلك يمكن للمنظمة أن تكون ميراثا إيجابيا من الانطباعات وهذا بحد ذاته يخلق قوة دفع مناسبة لتكليفها بمزيد من الصلاحيات والمشروعات وإتاحة الموارد اللازمة والمتناسبة مع ضرورات تطبيقها ومن أهم الموارد المؤسسية والتنظيمية، نوعية القيادات العليا للمنظمات الإقليمية فبناء منظمة أو تنظيم إقليمى يحتاج بالضرورة إلى بناة عظام للمؤسسات وبناء المؤسسات هى موهبة ذات كيفية نادرة ومستقلة كثيرا عن الموهبة الفكرية أو حتى السياسية والخطابية والواقع انه لم يتح للجامعة العربية هذه النوعية الفريدة والنادرة من المهارات المؤسسية والواقع إنه لا يمكن التنبؤ بمستقبل ومسار هذا العامل الهام بالنسبة للجامعة العربية ومع ذلك، فإنه يمكن الإشارة إلى بعض المعطيات الإيجابية، على رأسها ما يلى:ـ
(1)ـ إن الأزمة الهائلة التى تعانى منها الجامعة فى الوقت الراهن قد تساعد على تخفيض التوقعات حيالها من جانب الدول العربية الرئيسية وبالتالى قد تساعد على استبدال منهجية الانفجار التشريعى والاتفاقى غير القابل للتطبيق بمنهجية أخرى تقوم على النمو الارتقائى التدريجى من خلال عدد محدود من الاتفاقيات والالتزامات المتبادلة
(ب)ـ ورغم ما سببه التدخل الأجنبى ـ الأمريكى بصفة أساسية ـ من انتشار الشعور بالظلم القومى الواقع على العرب تحديدا، فإن هذا التدخل ربما يكون قد أفرز نتائج إيجابية بدون قصد فيما يتعلق بمستقبل الجامعة العربية ونعنى بذلك التراجع العام ـ بين جميع الدول العربية الرئيسية تقريبا ـ من موقف الدفع إلى أو توقع الحد الأقصى من الجامعة إلى موقف يرضى بالحد الأدنى ولا ريب أن موقف الحد الأدنى ذاته ليس كافيا للانطلاق بالجامعة العربية، ولكنه يتيح ظروفا معقولة ـ من حيث المبدأ ـ لأعمال منهج تطورى وارتقائى تدريجى حسبما أشرنا من قبل
(ج)ـ إن العالم العربى يشهد تطورا إيجابيا ـ وان كان بطيئا ـ فيما يتصل بإتاحة المواهب التنظيمية والمؤسسية ولو افترضنا إمكانية التطور إلى نظم ديمقراطية وعقلانية فى عدد من الدول العربية الرئيسية لصار من الممكن إتاحة هذه المواهب للعمل فى نطاق الجامعة العربية، ودبلوماسية العمل العربى المشترك ثالثا:ـ بين أسوأ وأفضل سيناريو للمستقبل:ـ
ليس من شأن التنبؤ بمستقبل الجامعة العربية أن يحصر الأمر فى توقع أحادى وجامد فمن زاوية نظرية العقل السياسى والاجتماعى هناك دائما بدائل مختلفة ومتراوحة وبادئ ذى بدء، فمن المشروع علميا على ضوء المناقشة السابعة استبعاد السيناريوهات القصوى سلبا وإيجابا:ـ أى السيناريو القائم على انهيار كامل للجامعة، والسيناريو المقابل والذى يتصور نهوضا مفاجئا وشاملا لها ويمكننا أن نقترب على نحو أفضل من التنبؤ بمستقبل الجامعة العربية بلفت النظر إلى أن المسار المقبل للجامعة فى المدى الوسيط ـ 10 ـ 15 عاما ـ سيشق طريقه فى الفضاء الفاصل بين ما نسميه أفضل سيناريو وأسوأ سيناريو ويشمل أسوأ سيناريو الملامح التالية:ـ
(أ)ـ استمرار الركود الاقتصادى ـ الاجتماعى فى الدول العربية الرئيسية، وخاصة فى الدول المؤهلة للقيام بدور قيادى فى النهوض بالجامعة ـ مصر ـ ويتفق مع نفس هذا الاعتبار قطع الطريق على احتمالات الانطلاق فى هذه الدول من خلال اضطرابات أو حالة عدم استقرار سياسى (ب)ـ استمرار الطابع التسلطى لنظم الحكم فى الدول العربية الرئيسية، والفشل فى قيادة التحول الديمقراطى على طريق السلم المدنى والسياسى، وبالتالى فى الاستيعاب السلمى المنظم للقوى الراديكالية، وخاصة قوى الإسلام السياسى وبدون هذا التحول فى عدد من الدول العربية الرئيسية يفقد النظام العربى مصداقيته وجدارته الأخلاقية والسياسية، إضافة لفقدانه من الأصل فعاليته وكفاءته
(ج)ـ استمرار الشكوك والمرارات والمنافسات بين الدول العربية الرئيسية، وضياع أو إهدار النتائج الإيجابية للتعلم ويتفق مع نفس هذا الاعتبار عودة النظام العربى للانقسام بين تكتل راديكالى ـ قومى أو إسلامى ـ وتكتل محافظ
(د)ـ استمرار الفشل فى إدارة العلاقات الدولية للعرب وتجنب النتائج الأكثر سلبية لتداعيات التطور فى النظام الدولى ولاشك أن الوضع الدولى الحالى ليس الأسوأ على نحو مطلق بالنسبة للعرب بالمقارنة مثلا باحتمالات انفجار فوضى دولية بل إن الوضع الحالى للنظام الدولى قد لا يكون أسوا حتى بالمقارنة مع وضع القطبية الثنائية ـ الذى أدى فيما أدى إلى حالة اللاحرب واللاسلم فيما يتعلق بالصراع العربى ـ الإسرائيلى ـ فالوضع الحالى فيه فرض وفيه قيود وكوابح ـ ويتعلق الأمر بالذكاء التاريخى اللازم لإدارة ناجحة لعلاقات العرب الدولية
(هـ)ـ تكريس نظام شرق أوسطى قبل استجماع النظام العربى ـ والجامعة العربية بالذات ـ لقواه وفى إطار السيناريو الأسوأ قد يحدث أيضا نوع من الفراغ المؤسسى فى المنطقة العربية وهو وضع قد يقود إلى فوضى إقليمية (و)ـ التعامل مع الجامعة العربية بمنطق ـ العمل كالعادة ـ دون إحداث قطيعة حقيقية مع منهجية فى إدارة العمل العربى المشترك سببت تراكما لمشروعية سلبية Negative Legacy وفى المقابل، يشمل افضل سيناريو الملامح التالية:ـ
(أ)ـ انطلاق اقتصادى اجتماعى فى دولة عربية مركزية ـ مصر ـ على الأقل
(ب)ـ إنجاز تحول ديمقراطى يكرس السلم الأهلى ويستوعب كافة القوى السياسية والاجتماعية الرئيسية، ينعكس إيجابا على تبنى مشروع للتحول الديمقراطى السلمى فى العالم العربى ككل، جزئيا من خلال الجامعة، وجزئيا من خلال أثر العدوى والتقليد
(ج)ـ وضع منهجية جديده للعمل العربى المشترك تحافظ على التناسب بين القدرة على التطبيق ومدى التفويض والتكليف بالأدوار وإتاحة مواهب تنظيمية وبالذات فى مجال بناء المؤسسات لقيادة الجامعة فى مرحلة جديدة يتكون معها ميراث انطباعات إيجابى، حتى ولو فى إطار تطور ارتقائى وتدريجى وبطىء
(د)ـ إدارة ذكية وديناميكية لعلاقات العرب الدولية والإقليمية، تنجح فى منح العرب فرض سلام ممتد وموات لتطبيق مشروع للتقدم الاقتصادى والاجتماعى والثقافى دون أن تقع بهم تحت طائلة هيمنة إقليمية من جانب إسرائيل أو غيرها من القوى الإقليمية الأخرى.