Share |
يوليو 1995
1
الأمم المتحدة ومناهضة العنصرية فى جنوب أفريقيا
المصدر: السياسة الدولية


بمناسبة احتفال مجلة السياسة الدولية بمرور ثلاثين عاما على إصدارها، يسعدنى أن ألبى طلب إدارة هذه المجلة الرائدة بالمشاركة فى هذا العدد الخاص، ولم أتردد فى اختيار موضوع القضاء على سياسة التمييز والفصل العنصرى فى جنوب أفريقيا ومراحل الكفاح البطولى للأغلبية من أبناء شعب جنوب أفريقيا خاصة وأن صدور هذا العدد التذكارى يأتى فى توقيت له مغرى خاص فى تاريخ مجلة السياسة الدولية التى تصدرت قضية الفصل العنصرى قائمة اهتماماتها حتى أنه ربما لم يخل عدد من أعدادها من متابعة وتوعية وتأييد ودعم لهذه القضية ففى 10 مايو احتفلت جنوب أفريقيا واحتفل معها المجتمع الدولى بالذكرى الأولى لإقامة دولة جنوب أفريقيا الديمقراطية اللاعنصرية، وانتخاب الزعيم المناضل نيلسون مانديلا أول رئيس لهذه الأمة المناضلة، يأتى من بين صفوف غالبية أبنائها، إيذانا بتحول تاريخى ليس فقط فيما يتعلق بحاضر ومستقبل شعب جنوب أفريقيا، وإنما يتعدى ذلك إلى إقليم الجنوب الأفريقى بل القارة الأفريقية بأسرها وما لذلك من تأثير على ساحة العلاقات الدولية ومما لاشك فيه أن هذا التحول التاريخى فى جنوب أفريقيا، إنما يمثل أيضا نصرا فريدا وإنجازا مميزا للأمم المتحدة وللدور الرائد الذى قامت به من أجل إحياء ضمير المجتمع الدولى بأسره وحثه على تأييد كفاح الأغلبية المضطهدة فى جنوب أفريقيا، والتى كانت تئن تحت ابشع نظم التفرقة العنصرية وأكثرها إهدارا لكرامة الإنسان وقدسيته وأعتقد أنه ليس من قبيل المبالغة القول بأنه، باستثناء النزاع فى الشرق الأوسط، لم تحظ قضية من القضايا المدرجة على جدول أعمال الأمم المتحدة بالاهتمام والجهد والمثابرة والتأييد الدولى الواسع ـ أدبيا وسياسيا وماديا ـ بقدر ما حظيت قضية الأغلبية من شعب جنوب أفريقيا العادلة من اجل القضاء على سياسة الفصل العنصرى البغيضة ومن هذا المنطلق فقد حرصت بصفتى أمين عام الأمم المتحدة، وكأفريقى يفخر بالانتماء إلى هذه القارة الرائدة ـ وإضافة إلى ذلك كله علاقتى الشخصية مع الزعيم مانديلا على حضور حفل تنصيب الرئيس مانديلا فى 10 مايو 1994 ليس فقط تتويجا لدور وجهد الأمم المتحدة فى دعم كفاح ونضال الأغلبية فى جنوب أفريقيا على مدى أكثر من ثلاثة عقود وإنما للتأكيد على استمرار دعم وتأييد المنظمة الدولية لهذه الدولة الوليدة فى معركتها الأكبر من أجل تحقيق المصالحة الوطنية والتنمية والأمن والاستقرار لكافة مواطنيها وأود عبر هذه السطور أن أسجل لأحداث سجلتها ذاكرة التاريخ حديثا تتويجا لهذا النضال وهى أحداث لها دلالة خاصة وليس فقط بالنسبة لجمهورية جنوب أفريقيا أو القارة الأفريقية جمعاء بل بالنسبة لتاريخ الأمم المتحدة التى هى منظمة العالم وشعوبه وإننى إذ أقدم للقارئ هذه السطور فإننى أعتبرها مدخلا بل تقديما للكتاب الأزرق الذى أصدرته مؤخرا الأمم المتحدة بعنوان ـ الأمم المتحدة والفصل العنصرى والذى صدرت ترجمته إلى اللغة العربية فى الأسواق منذ أيام والهدف من هذا الكتاب وغيره من سلسلة الكتب الزرقاء التى تصدرها الأمم المتحدة (1) هو تسجيل تاريخ تناول الأمم المتحدة للقضايا الرئيسية على جدول أعمالها وذلك حتى تكون مرجعا تاريخيا موثقا ومتكاملا يكون فى متناول يد السياسيين والباحثين والمتخصصين فى هذه القضايا المختلفة فكما سبق أن أشرت سيظل يوم 10 مايو 1994 محفورا فى ذاكرة كل أفريقى وكل من ناهض وقاوم نظام الفصل العنصرى ولكل من كافح من أجل الحرية وحقوق الإنسان ولسوف يظل هذا التاريخ يحمل معنى خاصا فى تاريخ الأمم المتحدة، حاضرها ومستقبلها، فقد أذن هذا التاريخ باستعادة جنوب أفريقيا مكانها الشرعى فى بيت العالم واستعادة عضويتها فى أسرته فعندما اتخذ وفد جنوب أفريقيا الجديدة، بقيادة وزير خارجيتها الجديد، مكانه فى الجمعية العامة للأمم المتحدة فى 23 يونيو 1994، ذكرت فى كلمتى بمناسبة هذا الحدث التاريخى أن الكفاح ضد الفصل العنصرى إنما هو أحد الصراعات الكبرى التى مثلت تحديا ضخما للمجتمع الدولى خلال القرن العشرين، لأنه إذا كان القضاء على هذه السياسة البغيضة أصبح حقيقة واقعة نعيشها الآن فإن ذلك يعود بالتأكيد إلى مثابرة الأغلبية وتصميمها على مواصلة الكفاح والنضال من أجل تحقيق حقوقها المشروعة واستعدادا للتضحية ودفع الثمن من أجل المساواة والعدل والحرية كذلك فإن هذا الإنجاز التاريخى إنما هو مثال حى وشهادة تقدير بل واعتراف بما يمكن تحقيقه عن طريق تضافر الجهد والعمل الدولى المشترك من أجل تحقيق وتثبيت مبادئ وأهداف ميثاق الأمم المتحدة وعندما خاطب الرئيس نيلسون مانديلا الجمعية العامة للأمم المتحدة، لأول مرة فى تاريخها فى دورتها التاسعة والأربعين، كرئيس الأغلبية فى جنوب أفريقيا وذلك يوم 3 أكتوبر 1994 أبرز دور الأمم المتحدة ولعلنى أكتفى بما ذ كره من أنه ـ لم تكن الجهود العظيمة التى بذلتها الأمم المتحدة من أجل قمع جريمة الفصل العنصرى الموجه ضد الإنسانية هى أول ما سبب ذلك التغيير التاريخى الذى حدث ـ وأضاف الرئيس مانديلا أن التمييز العنصرى إنما يمثل العكس تماما للأهداف والغايات التى أنشئت من أجلها الأمم المتحدة بل وكان يشكل تحديا صارخا وحقيقيا لهذه الأهداف وتلك الغايات وقد مرت جهود الأمم المتحدة من أجل مناهضة العنصرية بمراحل عديدة كان بعضها علنيا ومعروفا فى حين كان البعض الآخر يتم بأسلوب غير معلن وعن طريق الدبلوماسية الهادئة فلم يكن من السهل أن تضطلع الأمم المتحدة بهذه المهمة إلا عن طريق العمل الدءوب والمثابر لتحقيق توافق أراء بين أعضائها للانتقال بجهودها من مجرد إدانة والضغط المعنوى إلى اتخاذ إجراءات عملية مؤثرة لإجبار حكومة جنوب أفريقيا على إنهاء سياستها العنصرية النكراء من ناحية ومن ناحية أخرى لمساعدة الأغلبية المضطهدة فى كفاحها المشروع لتحقيق حقوقها غير القابلة للتصرف وحرياتها الأساسية وحين وضحت إمكانية التوصل إلى حل لهذه القضية عن طريق التفاوض تمكنت الأمم المتحدة من القيام بدور رئيسى فى تحقيق ذلك وفى تشجيع الطرفين فى المضى فى مفاوضاتهما وتهيئة الظروف الملائمة لذلك ثم أخيرا، وبعد توصل الطرفين إلى اتفاقهما التاريخى، قامت الأمم المتحدة بتقديم المساعدة الفنية وإضفاء الشرعية الدولية لعملية الانتقال إلى دولة ديمقراطية لا عنصرية هذا هو باختصار شديد الدور الذى قامت به الأمم المتحدة فى جنوب أفريقيا وحيث أته دور غير معروف على نطاق واسع لأنه تم بطبيعة الحال، وفى أغلب الأحوال بصفة سرية وهادئة فإننى أرى من واجبى بل ومن حق الرأى العام ومن حق الرأى المتخصص أن أسلط بعض الضوء على هذا الجهد الهائل الذى قام به جنود مجهولون قدموا الفكر والعمل والوقت بلا تردد حتى استطعنا اليوم أن ندرج دور المنظمة الدولية فى قضية جنوب أفريقيا على قائمة الإنجازات الكبرى للأمم المتحدة ولسوف نستعرض فيما يلى المراحل التى مر بها نضال الأغلبية السوداء فى جنوب أفريقيا وذلك من خلال الدور الذى قامت به الأمم المتحدة حتى انتهت بالانتصار التاريخى لهذه الأغلبية وبتحقيق دولة ديمقراطية لا عنصرية فى جنوب أفريقيا ولقد كانت هناك ثلاث مراحل رئيسية لعمل الأمم المتحدة فى التصدى للفصل العنصرى فلقد تميزت الفترة من 1948 ـ 1966 بأنها تلك الفترة التى بدأ معها إدراج موضوع الفصل العنصرى فى جنوب أفريقيا على جدول أعمال الأمم المتحدة أما الفترة من 1967 إلى ـ 1989 فهى الفترة التى تعدت فيها الأمم المتحدة مرحلة النقاش إلى اتخاذ إجراءات وتدابير محددة شنت معها حملة دولية ضد جنوب أفريقيا نتج عنها فرض حظر على بيع الأسلحة والنفط وغير ذلك من أشكال الحظر الاقتصادى وكافة أشكال المقاطعة بحيث حقق ذلك عزله حقيقية لنظام الفصل العنصرى وكانت الفترة من 1990 ـ 1994 هى فترة دفع التفاوض وتشجيع بعض الخطوات الإيجابية التى بدأت السلطات فى جنوب أفريقيا فى اتخاذها إلى أن أثمر هذا عن الإعلان الخاص بالفصل العنصرى وآثاره المدمرة فى الجنوب الأفريقى والذى كان بمثابة إشارة البدء لمرحلة تفاوض شجاع انتهت بالانتخابات التاريخية التى شهدتها البلاد فى إبريل 1994 ولسوف نستعرض فيما يلى بشىء من التفصيل هذه المراحل الثلاث التى مرت بها جهود الأمم المتحدة فى دعم وتأييد ومساندة كفاح الأغلبية السوداء فى جنوب أفريقيا لتحقيق آمالها فى المساواة والتمتع بحقوقها المشروعة أولا:ـ مناقشة الأمم المتحدة لموضوع الفصل العنصرى:ـ منذ أن أنشئت الأمم المتحدة فى 1945 وهى واعية جدا لالتزامها بتشجيع القضاء على جميع أشكال التمييز العنصرى وفقا لما ينص عليه الميثاق ففى الدورة الأولى للجمعية العامة النى انعقدت فى عام 1946، والتى اتخذت فيها قرارات أدت بعد ذلك بعامين إلى اعتماد الإعلان العالمى لحقوق الإنسان، قدمت الهند شكوى ضد تمييز جنوب أفريقيا المتزايد ضد السكان الذين هم من أصل هندى كما قدمت الهند أول إشارة رسمية فى الأمم المتحدة إلى سياسة الفصل العنصرى وذلك فى 1948 بعد أن تبناها الحرب الوطنى لجنوب أفريقيا المنتخب حديثا، واتخذت الجمعية العامة أول قرار لها ضد الفصل العنصرى فى عام 1952 وخلال السنوات من 1948 إلى 1966، كانت الجمعية العامة توجه بشكل منتظم نداءات إلى حكومة جنوب أفريقيا لإعادة النظر فى سياسات الفصل العنصرى التى تنتهجها وأمام رفض حكومة جنوب أفريقيا المستمر لقرارات الجمعية العامة، بدأت الأجهزة الرئيسية للأمم المتحدة النظر فيما يمكن اتخاذه من إجراءات، بما فى ذلك الجزاءات الاقتصادية، لإقناع جنوب أفريقيا بالتخلى عن سياساتها وكان من نتيجة مثل هذا الضغط أن انسحبت حكومة جنوب أفريقيا فى عام 1955 من عضوية منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) وفيما بعد، انسحبت فى عام 1963 وعام 1964 من منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو) ومنظمة العمل الدولية على التوالى وفى الفترة بعد عام 1960 أصبحت الجمعية العامة أكثر تصميما على مكافحة الفصل العنصرى بعد أن انضم إلى عضويتها عدد من الدول المستقلة حديثا فى أفريقيا وفى غيرها من القارات فضلا عن بدء انشغال مجلس الأمن بهذه القضية وبلغ الاستياء الدولى أشده اثر مذبحة شاربفيل التى راح ضحيتها 68 شخصا فى مظاهرة سلمية فى مارس 1960 مما دفع مجلس الأمن إلى اتخاذ أول قرار له يستنكر فيه سياسات وأعمال حكومة بريتوريا (4) وفى نوفمبر 1962 أوصت الجمعية العامة للمرة الأولى باتخاذ إجراءات دبلوماسية واقتصادية محددة للضغط على حكومة جنوب أفريقيا للتخلى عن الفصل العنصرى، وأنشأت اللجنة الخاصة لمناهضة الفصل العنصرى وفى أغسطس 1963 طلب مجلس الأمن من جميع الدول أن توقف بيع السلاح لجنوب أفريقيا، وهى توصية تقيد بها عدد من الدول المصدرة الرئيسية للأسلحة وبينما بدأت جنوب أفريقيا، متحدية بذلك الأمم المتحدة والرأى العام العالمى، فى اللجوء إلى إجراءات القمع المتزايدة ضد جميع معارضى الفصل العنصرى، كان هنالك إجماع حقيقى فى الأمم المتحدة على أنه يجب على المنظمة الدولية أن تتخذ إجراءات وتدابير إضافية لممارسة الضغط على تلك الحكومة للتخلى عن سياساتها العنصرية ولتشجيع المساعدة الإنسانية لضحايا الفصل العنصرى ولكن كانت هنالك خلافات هامة فى الرأى بشأن الوسائل المناسبة، وخاصة فيما يتعلق بفرض جزاءات شاملة ضد جنوب أفريقيا، وهو الاتجاه الذى أيدته أغلبية الدول الأعضاء بناء إجماع دولى ضد الفصل العنصرى:ـ ينص ميثاق الأمم المتحدة على المساواة بين جميع البشر والميثاق هو الأساس الذى قامت عليه المنظمة الدولية وهو أيضا التزام قانونى قبلته الدول الأعضاء بانضمامها إلى الأمم المتحدة، ومن الجدير بالذكر أن أشير هنا إلى أن أول قرار اعتمدته الجمعية العامة بالإجماع فى أول دورة لها عام 1946 يشير إلى أن ـ من المصالح العليا للبشرية أن توضع نهاية فورية للتمييز الدينى وما يسمى بالاضطهاد والتمييز العنصرى ـ كان بناء على اقتراح تقدمت به مصر ثم جاش موافقة الجمعية العامة على المشروع الذى قدمته اللجنة التى ترأستها السيدة اليانور روزفلت لإعداد ـ ميثاق حقوق الإنسان، وأصبح يوم 10 ديسمبر 1948 هو يوم الاحتفال بإقرار الإعلان العالمى لحقوق الإنسان الذى ينص على ما يلى ـ يولد جميع الناس أحرارا متساويين فى الكرامة والحقوق، ولكل إنسان حق التمتع بكافة الحقوق والحريات الواردة فى هذا الإعلان دون أى تميز، كالتمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأى السياسى أو أى رأى آخر، والأصل القومى أو الاجتماعى أو الثروة، أو الميلاد أو أى وضع آخر ـ وكما سبق الإشارة فقد كانت الهند أول من تقدم بشكوى رسمية فى الأمم المتحدة ضد جنوب أفريقيا بسبب قانون سنته السلطات يحرم على السكان من أصل هندى تملك الأرض فى جنوب أفريقيا وكان رد جنوبى أفريقيا أنها ترفض تدخل الأمم المتحدة ومناقشتها لهذا الموضوع لأنها تقع ضمن ولايتها الداخلية وظلت السلطات متمسكة بهذا الموقف رغم النداءات المتكررة من الجمعية العامة وتشكيلها للجان المساعى الحميدة لتشجيع التوصل إلى حل لهذا الخلاف وذلك دون إحراز أى تقدم وشهد عام 1948 تصعيدا واضحا للأزمة عندما تولى الحزب الوطنى مقاليد السلطة فى جنوب أفريقيا معتنقا سياسة الفصل العنصرى وبدأ تنفيذ سياسة الحكومة فى تطبيق الفصل بين السكان على أساس عنصرى وغير ذلك من إجراءات الفصل العنصرى البغيضة وبالرغم من أن أول إشارة فى الأمم المتحدة للفصل العنصرى كانت تتعلق بالتمييز ضد السكان من أصل هندى إلا أن مناقشات الجمعية لهذه المسألة أدت إلى لفت الأنظار إلى حالة الفصل العنصرى فى جنوب أفريقيا بشكل عام وباءت المحاولات العديدة لحكومة جنوب أفريقيا لتبرير سياستها والادعاء بأنها لا تقوم على التمييز العنصرى بالفشل وذلك حين أعلنت الجمعية العامة لأول مرة فى ديسمبر 1950 أن ـ السياسة التى تدعو إلى الفصل العنصرى ـ (الأبارتيد) هى بالضرورة سياسة تقوم على مبادئ التمييز العنصرى ـ إدراج أول بند بشأن مسألة النزاع العنصرى فى جنوب أفريقيا على جدول أعمال الجمعية العامة:ـ فى يونيو 1956 شن المؤتمر الوطنى الأفريقى لجنوب أفريقيا والمؤتمر الهندى لجنوب أفريقيا مع منظمات أخرى ضمت السكان الملونين وغيرهم من البيض المعارضين لسياسة الفصل العنصرى ـ حملة تحد للقوانين الجائرة ـ قام فيها 8000 شخص بمعارضة سلمية للتشريعات واللوائح التمييزية وقد ساعدت هذه الحملة على تسليط أنظار الرأى العام العالمى واهتمامه على هذه الحالة المشينة فى جنوب أفريقيا مما دعا ثلاث عشرة دولة آسيوية وأفريقية هى:ـ أفغانستان، إندونيسيا، إيران، باكستان، بورما، سوريا العراق، لبنان، الفلبين، مصر، السعودية، الهند، اليمن إلى إدراج بند على جدول أعمال الجمعية العامة فى دورتها السابعة قى سبتمبر 1952 بعنوان ـ مسألة النزاع العنصرى فى جنوب أفريقيا الناشئ عن سياسة الفصل العنصرى التى تتبعها حكومة اتحاد جنوب أفريقيا ـ وفى ديسمبر من نفس العام أكدت الجمعية العامة على موقفها من رفض ادعاء جنوب أفريقيا بعدم اختصاص الأمم المتحدة للنظر فى هذه المسألة واتخذت قرارا أنشأت بموجبه لجنة الأمم المتحدة بشأن الوضع العنصرى فى اتحاد جنوب أفريقيا وذلك لدراسة المشكلة فى إطار أهداف ومبادئ الميثاق وتكونت هذه اللجنة من ثلاثة أعضاء وقدمت تقارير سنوية إلى الجمعية العامة على مدى السنوات الثلاث التالية أشارت فيها إلى تدهور الأوضاع فى جنوب أفريقيا نتيجة المضى فى سياسات الفصل العنصرى فى مختلف مجالات الحياة وقدمت بعض الاقتراحات للتخفيف من حدة هذا الوضع ولتشجيع كافة الأطراف على تحقيق تسوية سلمية وتفادى المواجهة ولقد واجهت سلطات جنوب أفريقيا كل ذلك بمزيد من التشدد والاعتراض على إدراج مشكلة الفصل العنصرى على جدول أعمال الجمعية العامة كما رفضت أن تتعاون مع اللجنة الثلاثية وفى عام 1955 سحبت وفدها من الدورة العاشرة للجمعية العامة احتجاجا على استمرار إدراج هذا البند على جدول الأعمال ثم انسحبت جنوب أفريقيا مرة ثانية من الدورة الحادية عشر عام 1956 معلنة أنها سوف تحتفظ بتمثيل رمزى فقط فى اجتماعات الجمعية ولدى مقر الأمم المتحدة وفى تلك الأثناء استمر تدهور الأوضاع فى جنوب أفريقيا حيث اعتقلت السلطات عام 1956 فى إطار فرض حالة الطوارئ مائة وستة وخمسين زعيما واتهامهم بالخيانة العظمى وهى جريمة عقوبتها الإعدام وفى مواجهة ذلك كله استمرت الحركة الوطنية فى تنظيم معارضتها لهذا النظام بالرغم من القيود الصارمة وإجراءات القمع المتزايدة فتم إعلان ـ ميثاق الحرية ـ الذى اعتمده المؤتمر المتعدد الأجناس عام 1955 كما كانت مظاهرة النساء ضد قوانين جوازات المرور فى أغسطس 1956 علامة بارزة على طريق المقاومة الوطنية الطويل مذبحة شاربفيل:ـ سبق أن أشرت إلى الإجراءات والتدابير التى أوصت الجمعية العامة باتخاذها فى مارس 1960 إثر مذبحة شاربفيل التى هزت ضمير المجتمع الدولى والواقع أن هذه الحادثة كانت بمثابة نقطة تحول فى تاريخ العمل الدولى فى مواجهة سياسة الفصل العنصرى حيث أدى هذا الحادث البشع إلى شجب واسع النطاق وإدانة دولية قوية، فتقدمت 29 دولة إفريقية وآسيوية بطلب عاجل إلى مجلس الأمن للنظر فى هذه المسالمة حيث تم اتخاذ قرار (بأغلبية تسعة أصوات ودون معارضة وامتناع كل من فرنسا والمملكة المتحدة) يقر فيه المجلس بأن الوضع فى جنوب أفريقيا قد أدى إلى خلاف دولى واستمراره قد يهدد السلم والأمن الدوليين واستنكر المجلس سياسات وأعمال جنوب أفريقيا ودعاها إلى أن تبدأ بإجراءات تهدف إلى خلق انسجام عنصرى يقوم على المساواة وذلك لضمان عدم استمرار هذا الوضع أو عدم تكراره كذلك طلب مجلس الأمن فى قراره هذا إلى الأمين العام أن يتخذ بالتشاور مع حكومة جنوب أفريقيا، ترتيبات تساعد بقدر كاف على دعم أهداف ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة ويجدر بالذكر أن ممثل جنوب أفريقيا شارك فى مناقشة مجلس الأمن إلا أنه تمسك بموقف سلطاته من أن نظر المجلس لهذه المسألة ينتهك الفقرة 7 من المادة 2 من الميثاق التى تحد من سلطة الأمم المتحدة فى التدخل فيما يتعلق بالقضايا التى تقع ضمن الولاية الداخلية للدول الأعضاء ـ وتنفيذا لطلب المجلس إلى الأمين العام السابق الإشارة إليه قام داج همرشولد بإجراء مشاورات مع مثلى حكومة جنوب أفريقيا والتقى بوزير خارجيتها فى لندن فى شهر مايو من نفس العام ثم قام، بعد انتهاء اللجنة القضائية للتحقيق فى حادث شاربفيل من مهمتها، بزيارة جنوب أفريقيا بدعوة من حكومتها فى يناير 1961 إلا أنه أبلغ مجلسى الأمن أنه أثناء مناقشاته مع رئيس الوزراء لم يمكن التوصل إلى اتفاق مقبول من الطرفين، واستمر تصاعد حدة التوتر العنصرى فى جنوب أفريقيا وازدادت الإجراءات قمعا وعقوبات وغرامات تحدت القوانين العنصرية بشدة ولم يزد ذلك كله حركة مقاومة الأغلبية إلا حماسا وإصرارا على المضى فى كفاحها ونضالها حتى النهاية فى أن المؤتمر الأفريقى الذى انعقد فى بيتر مارتسبرج فى مارس 1961 وحضره عدد كبير من ممثلى الهيئات الدينية والثقافية والفلاحية والسياسية وأهل الفكر والذى شجب فكرة إعلان الجمهورية المقترحة وذلك فى مايو 1961 والتى نتجت عن الاستفتاء الذى نظمته السلطات وقصرته على البيض فى أكتوبر 1960 ـ وطالب هذا المؤتمر بإقامة مؤتمر وطنى مؤلف من ممثلين منتخبين يمثلون جميع السكان ليتخذ قرارا بشأن دستور جديد للبلاد وخطط للقيام بمظاهرة جماهيرية وإضراب شامل عشية إعلان الجمهورية فى حالة رفض هذا الطلب وتم اختيار نيلسون مانديلا ليقود مظاهرات الاحتجاج بوصفه أمينا عاما للجنة العمل إلا أن السلطات لجأت إلى مزيد من إجراءات القمع والقهر وخرق القوانين الخاصة باحتجاز المواطنين وتوجيه التهم إليهم ومحاكمتهم مما أدى إلى إخفاق الإضراب الشامل فى تحقيق هدفه وذلك برغم تحقيق بعض النجاح ومن جديد فى تسليط أنظار المجتمع الدولى إلى فظاعة السياسة التى تطبقها حكومة جنوب أفريقيا العنصرية الدور الأفريقى فى مساندة كفاح الأغلبية فى جنوب أفريقيا:ـ سبق أن أشرنا إلى أن أول إشارة فى الجمعية العامة إلى ضرورة إنهاء نظم التمييز الدينى والعنصرى كانت بناء على اقتراح دولة أفريقية هى مصر ثم جاء إدراج بند حول مسألة التمييز العنصرى بناء على اقتراح مجموعة من الدول الأفريقية والآسيوية ثم جاء نظر مجلس الأمن واعتماده لأول قرار حول هذه المسألة بناء على طلب عاجل من عدد كبير من الدول الأفريقية والآسيوية إلا أن هذا الدور تبلور أثناء المؤتمر الثانى للدول الأفريقية المستقلة الذى عقد فى يونيو عام 1960 فى أديس أبابا والذى دعا إلى توقيع عقوبات على جنوب أفريقيا (18) وقد قامت بالفعل عدة حكومات أفريقية بقطع علاقتها مع جنوب أفريقيا وفرض عقوبات، اقتصادية وغير اقتصادية عليها كذلك أرغمت المعارضة التى تزعمتها الدول الأفريقية داخل الكومنولث حكومة جنوب أفريقيا على الانسحاب من تلك المنظمة واستجاب الرأى العام فى عدد من الدول الغربية لدعوة رئيس المؤتمر الوطنى الأفريقى الزعيم ألبرت ج لوتولى إلى مقاطعة البضائع والمنتجات المصنعة فى جنوب أفريقيا وظهرت العديد من الحركات المناهضة لسياسة الفصل العنصرى كان لها دور واضح فى رفع مستوى الوعى العالمى وفى كفاح السكان الملونين فى جنوب أفريقيا ضد هذه السياسة وبالتوازى قامت مجموعة الدول الأفريقية فى الأمم المتحدة ـ اعتمادا على تزايد عددها وعلى التضامن الأفرو آسيوى ـ بممارسة مزيد من الضغط حتى تتخذ المنظمة إجراءات أقوى ضد سياسة الفصل العنصرى فلقد حاولت هذه المجموعة من الدول أثناء دورتى الجمعية العامة الخامسة عشرة والسادسة عشرة زيادة العقوبات ضد جنوب أفريقيا بتوقيع عقوبات دبلوماسية واقتصادية وغيرها ألا أنها لم تستطع حينئذ الحصول على أغلبية ثلث الأصوات المطلوبة لإقرار مثل هذه الإجراءات غير أن الجمعية العامة اعتمدت بأغلبية ساحقة مشاريع قرارات بديلة تقدمت بها بعض الدول الآسيوية تتضمن أحكاما أكثر عمومية تطلب من الدول الأعضاء النظر فى اتخاذ إجراءات فردية أو جماعية وفقا للميثاق من أجل حمل جنوب أفريقيا على نبذ سياستها العنصرية ومقارنة بالقرارات السابقة للجمعية العامة والتى تضمنت نداءات متكررة لجنوب أفريقيا لإعادة النظر فى سياستها وهو ما استمرت هذه الحكومة فى تجاهله فإنه منذ 1961 بدأت القرارات تظهر بوضوح ليس فقط القلق والاستنكار الدولى المتزايد بل وجود إجماع فى الأمم المتحدة بشأن قضية الفصل العنصرى وتبلور قناعة متنامية بأنه يجب على المجتمع الدولى أن يتخذ إجراءات محددة لممارسة الضغط على حكومة جنوب أفريقيا للتخلى عن سياستها وسوف يوضح استعراض مختلف مراحل نضال الأغلبية السوداء فى جنوب أفريقيا أهمية الدعم والتأييد المستمرين اللذين قدمتهما مجموعة الدول الأفريقية فى مختلف المحافل وخاصة فى الأمم المتحدة الانتقال من النداءات والإدانة إلى التدابير الجزائية المحددة:ـ كان نتيجة استمرار حكومة جنوب أفريقيا فى تجاهلها لنداءات الأمم المتحدة ورفضها منذ سياسة التمييز العنصرى وإصرارها على تصعيد عمليات القمع الوحشى لمسيرة الجريمة وحظرها لحربى المؤتمر الوطنى الأفريقى ومؤتمر الوحدويين الأفريقيين لآزانيا أن بدأت حركة مقاومة الأغلبية تأخذ طابع المقاومة المسلحة، ففى عام 1961 قام الجناح العسكرى للمؤتمر الوطنى الأفريقى (أمخنتو وى سيذ دى ـ حرية الأمة) بسلسلة من التفجيرات بلغت أكثر من 300 واقعة حتى عام 1963 شملت محطات كهربائية وتعطيل خطوط السكك الحديدية والاتصالات التليفونية، وقد أوضح نيلسون مانديلا حينذاك أن حركة المقاومة لجأت إلى أسلوب التخريب دون إحداث خسائر فى الأرواح لأن ـ جنوب أفريقيا تعتمد إلى حد كبير على رأس المال الأجنبى وعلى التجارة الخارجية وأن مثل هذه العمليات سوف يخيف رأس المال ويبعده عن البلاد مما يضع عبئا على الحياة الاقتصادية للبلاد فى المدى الطويل فيجبر الناخبين فى البلاد على إعادة النظر فى موقفهم غير أن حكومة جنوب أفريقيا تمادت فى تصعيد قيودها على الحريات الشخصية بما فى ذلك المعارضين البيض للسياسة العنصرية وقامت بتعديل القانون العام ـ قانون التخريب ـ ففرضت الإقامة الجبرية على عدد من زعماء حركة المقاومة أما نيلسون مانديلا الذى كان يعمل سرا منذ عام 1961 فقد ألقى القبض عليه فى أغسطس 1962 بتهمة التحريض ومغادرة جنوب أفريقيا بدون جواز سفر وفى الجمعية العامة تم دمج البندين الخاصين بالوضع فى جنوب أفريقيا فى بند واحد بعنوان، السياسة الفصل العنصرى التى نتبعها حكومة جمهورية جنوب أفريقيا وفى عام 1962 ولأول مرة نجحت الجمعية العامة فى الحصول على الأغلبية المطلوبة ـ والتى سبق أن فشلت فى تحقيقها فى دورات سابقة ـ لاعتماد قرار يطالب الدول أن تتخذ منفردة أو مجتمعة تدابير دبلوماسية واقتصادية محددة من إجراءات المقاطعة لحمل جنوب أفريقيا على التخلى عن تلك السياسة كذلك طلبت الجمعية العامة من مجلس الأمن اتخاذ التدابير الملائمة بما فى ذلك الجزاءات لضمان امتثال جنوب أفريقيا لقرارات الجمعية العامة ومجلس الأمن، كما طلبت الجمعية من المجلس النظر عند الاقتضاء فى اتخاذ الأجراء اللازم بموجب المادة 6 من الميثاق (المتعلقة بطرد دولة عضو من الأمم المتحدة لانتهاكها المستمر لمبادئ الميثاق) وكانت هذه أيضا المناسبة التى أنشأت فيها الجمعية العامة لجنة خاصة معنية بسياسة الفصل العنصرى التى تتبعها حكومة جنوب أفريقيا وهى اللجنة التى تم تعديل اسمها عدة مرات إلى أن أصبحت عام 1974 اللجنة الخاصة لمناهضة الفصل العنصرى ونتيجة لذلك أصبحت مشكلة الفصل العنصرى على جدول أعمال الأمم المتحدة بصورة مستمرة وتنفيذا لهذا القرار قام عدد كبير من الدول الأعضاء بقطع علاقاتها الدبلوماسية والاقتصادية وغيرها مع جنوب أفريقيا واضطرت طائرات الخطوط الجوية لجنوب أفريقيا أن تسلك طريقا غير مباشر نتيجة لرفض الدول الأفريقية لتحليقها فوق أراضيها إلا أنه نتيجة لعدم تطبيق الشركاء التجاريين التقليديين والرئيسيين لجنوب أفريقيا والذين لم يؤيدوا القرار فى الجمعية العامة وبالتالى لم يطبقوه فإن أثار القرار على اقتصاد جنوب أفريقيا ظلت محدودة ـ وجدير بالإشارة إلى أنه فى اليوم التالى لاعتماد هذا القرار الهام للجمعية العامة حكمت السلطات فى جنوب أفريقيا على نيلسون مانديلا بالسجن لمدة ست سنوات حيث كان تعليقه أمام المحكمة أن قرار الأمم المتحدة ـ دليل على كراهية العالم للتمييز العنصرى ـ واستمر التوتر العنصرى وازداد العنف وتصاعدت عمليات القمع وإرهاب المقاومة من جانب السلطات بشكل خطير مما دعا اللجنة الخاصة لمناهضة الفصل العنصرى المنشأة حديثا إلى تقديم تقرير مؤقت إلى الجمعية العامة ومجلس الأمن أوصت فيه أن يعتبر مجلس الأمن الحالة فى جنوب أفريقيا تهديد للسلم والأمن الدوليين بمقتضى الفصل السابع من الميثاق وحظى تقرير اللجنة بتأييد مؤتمر قمة الدول الأفريقية المستقلة الذى انعقد فى أديس أبابا عام 1963 وقرر تعيين أربعة وزراء خارجية (تونس ـ سيراليون ـ ليبريا ومدغشقر) للتحدث باسم جميع الدول الأفريقية فى مجلس الأمن وتم فى السنة نفسها استثناء جنوب أفريقيا من أعمال اللجنة الاقتصادية لأفريقيا التابعة لهيئة الأمم المتحدة ـ وبعد أقل من شهرين فى تقريرها المؤقت الثانى أوصت اللجنة الخاصة بفرض حظر على توريد الأسلحة إلى جنوب أفريقيا كخطوة أولى وعاجلة جدا لمعالجة الوضع فى جمهورية جنوب أفريقيا ـ وعملت اللجنة الخاصة أيضا قى تعاون وثيق مع الحركات المناوئة للفصل العنصرى خارج جنوب أفريقيا وخاصة فى المملكة المتحدة وفى الولايات المتحدة للمساعدة فى زيادة الوعى العالمى بما يجرى فن جنوب أفريقيا وحث الرأى العام خاصة فى هاتين الدولتين على ضرورة اتخاذ إجراءات محددة فى هذا الصدد وكان نتيجة لذلك أن انتشرت حركات المعارضة لهذه السياسة البغيضة وأشير هنا بصفة خاصة إلى حركة المستهلكين لعزل أفريقيا فى مجالات مختلفة وخاصة فى الميدان الرياضى وكان استبعاد جنوب أفريقيا من دورة الألعاب الأولمبية عام 1964 انعكاسا لفعالية هذه الحملة حظر الأسلحة الذى فرضه مجلس الأمن:ـ مع منتصف عام 1963 كان هناك إجماع كاف بشأن خطورة الأوضاع فى جنوب أفريقيا يضمن غالبية الأصوات المطلوبة فى مجلس الأمن لاتخاذ إجراءات جزائية محددة ـ وبالفعل تم فى أغسطس اتخاذ القرار 181 (1963) وهو أول قرار فى تاريخ مجلس الأمن يطلب فرض حظر توريد الأسلحة إلى دولة عضو وحيث أن هذا القرار لم يتخذ بموجب الفصل السابع من الميثاق فإنه لم يكن من الممكن إنقاذه بالقوة وظل تنفيذه والالتزام به يقع فى إطار المادة 25 من الميثاق والتى تنص على أن تلتزم الدول الأعضاء بتنفيذ كافة قرارات مجلس الأمن واستمرت الحملة الدولية فى الضغط على الحكومات التى رفضت ـ بداية ـ تنفيذ القرار إلى أن أعلنت المملكة المتحدة الحظر بعد تغيير الحكومة فى نوفمبر 1964 أما فرنسا فقد استمر موقفها لعدة سنوات أنها تحظر الأسلحة التى تستعمل فى القمع الداخلى وليس تلك التى تستعمل الغايات وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت فرض الحظر على توريد الأسلحة لجنوبى أفريقيا قبل أيام من اعتماد مجلس الأمن للقرار181 (1963) وفى الوقت نفسه واصلت الجمعية العامة نظرها للوضع المتدهور فى جنوب أفريقيا وناقشت مسألة السجناء السياسيين واتخذت قرارا بإجماع 106 صوتا مقابل صوت واحد يطالب جنوب أفريقيا بوقف المحاكمات التعسفية والإفراج عن جميع السجناء السياسيين وكان الصوت الوحيد المعارض هو صوت جنوب أفريقيا كما طلبت الجمعية العامة من الأمين العام التماس الطرق والوسائل اللازمة لتوفير الإغاثة والمساعدة عن طريق برامج ووكالات الأمم المتحدة المتخصصة لأسر هؤلاء السجناء فريق الخبراء المعنى بجنوب أفريقيا:ـ وفى ديسمبر 1963 ونتيجة لإصرار جنوب أفريقيا على عدم الالتزام بقرارات الأمم المتحدة السابقة، اعتمد مجلس الأمن قراره 183 (1963) الذى طلب فيه إلى الأمين العام، ـ أن يشكل تحت إشرافه فريقا صغيرا من الخبراء المرموقين يقدم تقاريرها إليه لدراسة الطرق الكفيلة بتسوية الحالة الراهنة فى جنوب أفريقيا عن طريق تطبيق حقوق الإنسان والحريات الأساسية تطبيقا كاملا سلميا منظما على جميع سكان الإقليم فى مجموعه بغض النظر عن العرق أو اللون أو المعتقد، والنظر فى الدور الذى يمكن أن تقوم به الأمم المتحدة فى تحقيق هذا الهدف ودعا حكومة جنوب أفريقيا إلى الاستفادة من مساعدة هذا الفريق لتحقيق مثل هذا التحول السلمى المنظم وقد جاء هذا القرار بناء على مبادرة سابقة تقدمت بها الدانمارك أساسها إعداد دراسات دقيقة وعميقة بشأن تقديم بديل لسياسة الفصل العنصرى وكيفية تحقيق مجتمع ديمقراطى حقيقى يتساوى فيه الجميع بغض النظر عن العرق ـ وقام الأمين العام بتعيين أعضاء هذا الفريق من خبراء من السويد ـ غانا ـ المملكة المتحدة ـ المغرب ـ يوغوسلافيا وكان رد حكومة جنوب أفريقيا إنها ترفض منح أية تسهيلات لفريق الخبراء كما ترفض التعامل معه بأى شكل كان، إلا أن الفريق عقد مشاورات مستفيضة وقدم تقريرا عن ذلك يوم 20 إبريل 1964 يؤكد أن مستقبل جنوب أفريقيا يجب أن يقرره جميع سكانها بطريقة حرة واقترح الفريق تشكيل مؤتمر وطنى ـ يمثل السكان جميعا ويقوم بوضع دستور للبلاد يفتح الطريق لإجراء انتخابات حرة ربما تجرى تحت إشراف الأمم المتحدة مع التأكيد على أهمية العفو وهو اليوم نفسه الذى ألقى فيه نيلسون مانديلا خلال محاكمة ريفونيا ـ كلمته التاريخية والتى كان لها صدى مدو فى مختلف أنحاء العالم حين قال ـ لقد تعلقت بمثل المجتمع الديمقراطى الحر الذى يعيش فيه جميع الناس فى انسجام وفرص متساوية، إنها مثل أمل أن أعيش من أجلها وأن أحققها، ولكن إذا اقتضى الأمر فإنها مثل أنا على استعداد للموت من أجلها ـ ويلاحظ القارئ هنا تطابق رؤية فريق الخبراء مع رؤية الزعيم مانديلا كما يلاحظ أيضا أن اقتراحات فريق خبراء الأمم المتحدة هى تلك التى تم تحقيقها عبر جهد دولى هائل عبر ثلاثة عقود ـ وحينما انعقد مجلس الأمن فى يونيو1964 بناء على طلب 58 دولة عضو كان أمامه تقرير فريق الخبراء وتقريرين متتاليين للجنة الخاصة لمناهضة الفصل العنصرى تطالب فيها بأن يطلب إلى حكومة جنوب أفريقيا العدول عن إعدام الأشخاص المحكوم عليهم بالإعدام لمعارضتهم لسياسة الفصل العنصرى وأن يعلن المجلس أن الوضع فى جنوب أفريقيا يمثل تهديدا للسلم والأمن الدوليين وأن يطالب الدول التى لها علاقات مع جنوب أفريقيا خاصة الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا أن تتخذ إجراءات فعالة لمواجهة هذه الحالة الخطيرة، وأخيرا أن يعتمد المجلس تطبيق العقوبات الاقتصادية على جنوب أفريقيا بموجب الفصل السابع من الميثاق وصدر قرار المجلس 190(46) يحث حكومة جنوب أفريقيا على العدول عن تنفيذ أحكام الإعدام السابق الإشارة إليها وإنهاء محاكمة ريفونيا فورا ومنح العفو العام لجميع الأشخاص المسجونين أو المعتقلين، وتلى ذلك قرار آخر لمجلس الأمن 191 (46) بتوجيه نداء عاجل لتنفيذ القرار السابق وفى ذلك الوقت كانت السلطات فى جنوب أفريقيا قد أصدرت حكمها على نيلسون مانديلا وزملائه بالسجن مدى الحياة وفيما يتعلق بتقرير فريق الخبراء فقد أيد المجلس ما انتهى إليه الفريق وانشأ بمقتضى نفس القرار لجنة خبراء تابعة لمجلس الأمن تتألف من ممثلين لجميع أعضائه للقيام بدراسة فنية وعلمية بشأن جدوى وفعالية وآثار التدابير التى يجوز للمجلس إقرارها بموجب الميثاق ـ وفى مواجهة كل ذلك، استمرت حكومة جنوب أفريقيا فى رفضها التعاون مع الأمم المتحدة بأى شكل من الأشكال بحجة أنها تعتبر قرارات الجمعية العامة ومجلسى الأمن تدخلا من قبل الأمم المتحدة فى الشئون الداخلية والإجراءات القضائية لدولة عضو بما يتجاوز صلاحيات الميثاق كما رفضت النتيجة الرئيسية التى خلص إليها فريق الخبراء بحجة أن المطلوب هو أن تتنازل دولة عضو عن سيادتها لصالح الأمم المتحدة ـ وقد تقدمت اللجنة التابعة لمجلس الأمن تقريرها إلى المجلس فى مارس 1965 إلا أنه نتيجة للخلافات بين أعضائها لم يتضمن تقريرها مقترحات تحظى بالدعم والتأييد الكافيين لإقرارها وبالتالى لم ينظر المجلس فى هذا التقرير تحقيق الإجماع السياسى فى الأمم المتحدة:ـ بحلول عام 1966، كان هناك إجماع حقيقى فى الأمم المتحدة على أهدافها بشأن الحالة فى جنوب أفريقيا فقد أدانت الأمم المتحدة بصورة قطعية الفصل العنصرى باعتباره انتهاكا صارخا لميثاق الأمم المتحدة وللإعلان العالمى لحقوق الإنسان، وسعت إلى تشجيع المساواة أمام القانون بين جميع الأشخاص بغض النظر عن العرق أو المذهب أو اللون وكذلك المشاركة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية لجميع السكان على أساس من المساواة العنصرية وقالت إنه يجب إشراك جميع سكان جنوب أفريقيا فى المشاورات وتمكينهم من تقرير مستقبل بلدهم على الصعيد الوطنى، كما طلبت الأمم المتحدة أن تنهى حكومة جنوب أفريقيا القمع وأن تمنح العفو لجميع الأشخاص المحكومين أو المعتقلين أو المقيدين أو الذين أجبروا على العيش فى المنفى لمعارضتهم سياسة الفصل العنصرى ـ ومن أجل تحقيق هذه الأهداف كان هنالك اتفاق على القيام بأعمال رئيسية ثلاثة هى:ـ
(1) ممارسة الضغط على حكومة جنوب أفريقيا لإقناعها بإنهاء القمع والعدول عن سياسة الفصل العنصرى وتنشدان حل سلمى من خلال المشاورات مع الممثلين الحقيقيين لجميع سكان جنوب أفريقيا،
(2) تقديم المساعدة المناسبة لضحايا الفصل العنصرى ولأولئك الذين يكافحون لبناء مجتمع يتمتع فيه جميع السكان بفرص وحقوق متساوية،
(3) نشر المعلومات لتركيز الرأى العام العالمى على لا إنسانية الفصل العنصرى وتشجيع هذا الرأى على ممارسة تأثيره فى دعم جهود الأمم المتحدة من أجل التوصل إلى حل سلمى وعادل ـ لكن كانت هنالك خلافات حادة فى الرأى بين الدول الأعضاء بشأن الإجراءات الأخرى التى يلزم اتخاذها ـ وهى خلافات أدت حتما إلى الحد من قدرة الأمم المتحدة ـ على ممارسة ضغط فعال على حكومة جنوب أفريقيا لتحسين الوضع داخل البلاد ففى حين اعتقدت الغالبية العظمى من الدول بفعالية العزل الكلى لجنوب أفريقيا ومؤيديها من خلال عقوبات دبلوماسية واقتصادية وغيرها بمقتضى الفصل السابع من الميثاق وفى حين أيد الاتحاد السوفيتى وباقى دول الكتلة الاشتراكية اتخاذ مثل هذه الإجراءات فإن بعض الدول خاصة الشركاء التجاريين الرئيسيين لجنوب أفريقيا مثل فرنسا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة عارضت موضوع توقيع العقوبات وعزل جنوب أفريقيا بحجة أن ذلك سوف يكون له نتائج عكسية ونتيجة لهذه المواقف فقد استمرت التجارة الخارجية لجنوب أفريقيا وتدفق الاستثمارات الأجنبية فيها فى النمو على الرغم من قرارات الجمعية العامة مما دعا مجموعة الدول الأفريقية والدول الأخرى المؤيدة لفرض العقوبات من تقديم قرار فى الجمعية العامة تم إقراره عام 1966 تعرب فيه الجمعية عن أسفها لموقف هذه الدول مع الإشارة إلى الدول الثلاث الأعضاء الدائمين فى مجلس الأمن ـ لتشجيعهم حكومة جنوب أفريقيا على التمادى فى سياستها العنصرية بعدم تعاونهم فى تنفيذ قرارات الجمعية العامة وبتعاونهم المتزايد مع حكومة جنوب أفريقيا ـ وفى العام نفسه أقرت الجمعية العامة ـ وبرغم الخلافات فى مواقف بعض الدول ـ بناء على توصية من اللجنة الخاصة المناهضة للفصل العنصرى تنظيم حملة دولية لمناهضة الفصل العنصرى من خلال برنامج عمل شامل يضم الأمم المتحدة والحكومات والمنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية والأفراد ونتج عن هذه الحملة جهود مكثفة لبلورة اتفاق بشأن توقيع العقوبات وإمكانية البدء بإجراءات جزئية مثل المقاطعة الجماهيرية لجنوب أفريقيا والعمل على تشجيع تقديم الدعم السياسة والمادى والمعنوى لمعارضى هذه السياسة البغيضة
ثانيا:ـ الحملة الدولية لمناهضة الفصل العنصرى:ـ تميزت الفترة من 1967 ـ 1989 من ناحية بتصاعد حدة التوتر والنزاع فى الجنوب الأفريقى نتيجة استمرار تحدى حكومة جنوب أفريقيا لإرادة المجتمع الدولى والمضى فى سياستها العنصرية المرفوضة دوليا ومن ناحية أخرى شهدت هذه الفترة تكثيفا متزايدا لجهود الأمم المتحدة من أجل دعم وتطوير الحملة الدولية لمناهضة الفصل العنصرى والمضى فيها فمنذ عام 1967 وصاعدا شجعت الأمم المتحدة الحكومات والشعوب على اتخاذ العديد من التدابير والإجراءات بهدف عزل النظام العنصرى فى جنوب أفريقيا ولإظهار التضامن الدولى مع كفاح الأغلبية فكان أن أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة 1973 أنه ـ ليس لنظام جنوب أفريقيا الحق فى تمثيل شعب جنوب أفريقيا ـ وأن ـ حركتى التحرير اللتين تعترف بهما منظمة الوحدة الأفريقية هما الممثلتان الحقيقيتان للغالبية الساحقة من شعب جنوب أفريقيا ـ وتم نتيجة لذلك استبعاد جنوب أفريقيا من المشاركة فى أعمال الجمعية العامة ومعظم وكالات الأمم المتحدة المتخصصة كذلك تم طرد جنوب أفريقيا من كثير من المنظمات والمؤتمرات الحكومية وغير الحكومية، هذا بالإضافة إلى المقاطعة الرياضية والثقافية التى حققت تقدما كبيرا حيث لم يعد منذ عام 1964 ـ ممكنا لجنوب أفريقيا المشاركة فى الألعاب الأولمبية أو المناسبات الفنية أو الثقافية وانتشرت مقاطعة السلع الاستهلاكية فى كثير من الدول وزاد عدل الدول التى تطبق المقاطعة الاقتصادية لمنتجات جنوب أفريقيا الأمم المتحدة وسياسة البانتوستانات:ـ كان أحد الأهداف الرئيسية لسياسة الحكومة العنصرية فى جنوب أفريقيا هو تجريد الأغلبية الأفريقية التى تشكل ما يزيد على أربعة أخماس السكان من صفتهم القومية وذلك بتقسيمهم فى عشرة أوطان عرقية حيث قامت الحكومة منذ عام 1951 باقتطاع أجزاء من أراضى فى مناطق فقيرة ومتناثرة وتم إعلان ـ استقلال ـ أربعة منها فى السبعينيات وهى ترانسكاى، سيسكاى، بوفونتسوانا وفيندا، وذلك تجريدا للملايين من الأغلبية الملونة من قوميتهم وترسيخا لسيطرة العنصر الأبيض وواكب تطبيق هذه السياسة تصعيد لعمليات القمع الوحشى مما ترتب عليه إقصاء ما يقرب من 5 ملايين شخص عن ديارهم هذا وقد شجبت الأمم المتحدة ممثلة فى الجمعية العامة ومجلس الأمن بصورة خاصة إعلان جنوب أفريقيا إقامة هذه ـ البانتوستانات ـ واعتبرتها باطلة ودعت جميع الدول إلى عدم الاعتراف بها وهو ما تم بالفعل فلم تعترف أى دولة بهذه الكيانات ـ وفى عام 1966 أنهت الجمعية العامة ـ بأغلبية ساحقة ـ انتداب جنوب أفريقيا على إقليم جنوب أفريقيا (ناميبيا) إلا أن النظام العنصرى تحدى الأمم المتحدة وواصل احتلاله لناميبيا وفى العام نفسه فرض مجلس الأمن جزاءات إلزامية على نظام الأقلية العنصرية غير الشرعى فى روديسيا الجنوبية والذى كان قد أعلن الاستقلال فى نوفمبر1965 غير أن جنوب أفريقيا تحدت الأمم المتحدة مرة أخرى وأبقت على النظام وفى عام 1967 عندما عبر مناضلو الاتحاد الشعبى الأفريقى الزمبابوى والمؤتمر الوطنى الأفريقى الحدود إلى روديسيا الجنوبية بعث النظام العنصرى بقواته إلى هناك تحديا للأمم المتحدة والسلطة القائمة بالإدارة وهى الملكة المتحدة مذبحة سويتو:ـ
فى أوائل السبعينيات وفى حين كانت الحملة الدولية تضاعف من جهودها للضغط على نظام الفصل العنصرى ومؤيديه وبدأ وعى الأغلبية يأخذ شكلا منظما أتباع على نطاق واسع خاصة بين صفوف الطلبة والعمال فيم عرف بحركة وعى السود وفى 16 يونيو عام 1976 تظاهر عدد كبير من الطلبة فى سويتو ضد نظام التعليم البانتوستانى وفرض تعليم اللغة الأفريكانية وما كان من الشرطة إلا أن فتحت نيرانها على الطلبة وقتلت منهم الكثيرين فاشتعلت ثورة الطلبة فى جميع أنحاء البلاد وأضرب مئات الألوف من العمال تضامنا مع الطلبة وفر ألوف منهم وانضموا إلى قوات التحرير، وازدادت أساليب القمع والإرهاب وتم حظر حركة وعى السود بعد قتل أحد مؤسسيها ـ ستيف بيكو ـ فرض حظر الأسلحة:ـ ولقد أدت مذبحة سويتو ومقتل ستيف بيكو إلى اشتعال معارضة الفصل العنصرى وزيادة العمل الدولى الفعال وحفزت مجلس الأمن على أن يقرر بالإجماع فرض حظر إلزامى على الأسلحة ضد جنوب أفريقيا عام 1977 بموجب القرار 418 (1977) تطبيقا للفصل السابع من الميثاق وذلك للمرة الأولى فى تاريخ الأمم المتحدة وفى ذلك القرار أدان المجلس بشدة حكومة جنوب أفريقيا لما تقوم به من أعمال قمع ولاستمرارها ـ بتحد ـ بممارسة الفصل العنصرى ولشنها الهجمات على الدول المستقلة المجاورة، وأعرب عن بالغ قلقه لكون جنوب أفريقيا على وشك إنتاج الأسلحة النووية وسلم بأن ـ الحظر الحالى على الأسلحة يجب أن يشدد وأن يطبق عالميا، دون تحفظات أو شروط أيا كانت من أجل الحيلولة دون زيادة تفاقم الحالة الخطيرة فى جنوب أفريقيا ـ وقرر المجلس أن ـ حيازة جنوب أفريقيا للأسلحة وما يتصل بها من معدات يشكل تهديدا لصون السلام والأمن الدوليين ـ وقرر أن على جميع الدول ـ أن توقف فورا تزويد جنوب أفريقيا بأية أسلحة وما يتصل بها من معدات من أى نوع ـ وقرر المجلس أيضا وجوب أن تمتنع جميع الدول عن أى تعاون مع جنوب أفريقيا فى صنع وتطوير الأسلحة النووية ـ وفى ديسمبر من العام نفسه، أنشأ مجلس الأمن لجنة تتكون من جميع أعضائه للنظر فى التقدم المحرز فى تنفيذ القرار 418 (1977)، ودراسة السبل التى يمكن بها جعل الحظر أكثر فعالية، وتقديم التوصيات إلى المجلس، غير أن أعمال اللجنة قد أعاقها عدم تلقيها للمعلومات من الحكومات عن انتهاكات الحظر وفى هذا الصدد قامت لجنة الأمم المتحدة الخاصة لمناهضة الفصل العنصرى والتى كانت وراء دفع فكرة حظر الأسلحة بتوجيه نداء إلى اتحادات العمال والمنظمات الأخرى وكذلك الأفراد لإبلاغها بأى مخالفة لهذا الحظر، وتأسست حملة عالمية ضد التعاون العسكرى مع جنوب أفريقيا بتشجيع من الحركة البريطانية المناوئة لسياسة الفصل العنصرى ورعاية كل من أنجولا وبوتسوانا وتنزانيا وزامبيا ونيجيريا وتبناها السيد أولف بالم رئيس وزراء السويد الراحل وكان من أهداف هذه الحملة منع كافة أشكال التعاون العسكرى التقليدى والنووى وكذلك التعاون الأمنى مع النظام العنصرى والعمل على التنفيذ الكامل والفعال لحظر الأمم المتحدة على الأسلحة والاحتجاج على الحكومات المخالفة لهذا الحظر والتعاون مع الأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الأفريقية للتنفيذ الفعال للإجراءات الخاصة بمنع التعاون العسكرى والنووى والأمنى مع حكومة جنوب أفريقيا وهكذا أصبحت الحملة العالمية لدعم حظر الأسلحة مع الحركات الأخرى المعارضة للفصل العنصرى، المصدر الرئيسى للمعلومات للجنة مجلس الأمن واللجنة الخاصة لمناهضة الفصل العنصرى بشأن حالات الخرق للحظر المفروض على الأسلحة وفى الوقت نفسه واصلت الجمعية العامة ضغوطها من أجل دعم الحظر وتشديده وتنفيذه بالكامل وقد وجهت الجمعية العامة عام 1979 نداء إلى شباب جنوب أفريقيا ـ بالامتناع عن الخدمة فى القوات المسلحة لجنوب أفريقيا التى تهدف إلى الدفاع عن نظام الفصل العنصرى اللا إنسانى وقمع الكفاح المشروع للشعب المضطهد وتهديد الدول المجاورة لى ارتكاب الأعمال العدوانية ضدها ـ وفى عام 1980 أعتمد مجلس الأمن قراره 473 (1980) والذى دعا فيه جميع الدول إلى الالتزام الكامل بتنفيذ القرار ـ 418 (1977) الخاص بفرض حظر الأسلحة كما قام المجلس بعد ذلك بتوسيع الحظر حيث دعا جميع الدول إلى الامتناع عن استيراد الأسلحة والمعدات العسكرية المنتجة فى جنوب أفريقيا كما حث مجلس الأمن الأعضاء على اتخاذ مزيد من الإجراءات مثل حظر أى تعاقدات جديدة فى المجال النووى وبيع معدات الحاسبات الإلكترونية التى قد يستعطها الجيش أو الشرطة 129 فى جنوب أفريقيا ـ إلا أنه بالرغم من كل هذه الإجراءات تمكنت حكومة جنوب أفريقيا من تكديس المعدات والأجهزة العسكرية وذلك نظرا لأن الحظر كان طوعيا فى بداية فرضه مما جعل العديد من الحكومات تمضى قدما بالنسبة للعقود والتراخيص السابقة مما دعا الجمعية العامة إلى دعوة الدول الغربية وغيرها من الدول، وخاصة إسرائيل وألمانيا الاتحادية وفرنسا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية إلى وقف كل تعاون مع جنوب أفريقيا فى المجالين العسكرى والنووى كما أعلنت الجمعية العامة شجبها عام 1989 لأعمال كل من إسرائيل وشيلى واثنتين من الشركات الألمانية الغربية ـ وفى مواجهة ذلك كله قامت حكومة جنوب أفريقيا فى سعيها لمواجهة فاعلية الحملة الدولية لمناهضة الفصل العنصرى بتوسيع شبكة دعايتها ودعم عملياتها السرية فى محاولة لإقناع العالم بأن الحكومة تقوم باتخاذ إجراءات وإصلاحات حقيقية فى جنوب أفريقيا إلا أن هذه المحاولات لم تنجح فى إخفاء الوجه القبيح لممارسات القمع والتعذيب المتزايدة فى مواجهة حركة مقاومة الطلبة فى إطار ما أطلقت عليه بريتوريا ـ الإستراتيجية الكلية ـ للتصدى للمقاومة والكفاح المسلح ولقد سعى نظام جنوب أفريقيا إلى أن يصبح القوة الإقليمية المسيطرة فى الجنوب الأفريقى فأخذ يهدد دول المنطقة المستقلة حديثا مثل موزمبيق وأنجولا وزيمبابوى ويعمل على زعزعة استقرارها لحملها على رفض لجوء المناضلين فى جنوب أفريقيا إليها وتدخل النظام العنصرى بقواته العسكرية فى أنجولا وموزمبيق كما أدار حربا استعمارية فى ناميبيا استمرت ما يربو على عقدين من الزمان وراح ضحيتها العديد من الأرواح وتم تشريد الملايين من الأبرياء حتى لأن دراسة أعدتها اللجنة الاقتصادية لأفريقيا عام 1989 أوضحت أن التكلفة الاقتصادية التى تحملتها الدول التسع الأعضاء فى مؤتمر التنسيق الإنمائى للجنوب الأفريقى قد بلغت ما يزيد على 60 بليون دولار فى الفترة من ـ 1980 ـ 1988 و 10 بلايين عام 1988 وحده وقد حاول النظام العنصرى فى فترات مختلفة الاستفادة من مواقف بعض الدول الغربية التى اعتنقت سياسة ـ التعامل البناء ـ مع جنوب أفريقيا وذلك كبديل لتوقيع العقوبات عليها فقامت بريتوريا عام 1984 بتوقيع ـ اتفاق عدم الاعتداء وحسن الجوار ـ مع موزمبيق والذى عرف باسم اتفاق نكوماتى وذلك فى محاولة لزعزعة التضامن بين دول خط المواجهة وهى أنجولا، بوتسوانا، موزمبيق تنزانيا، زامبيا وزيمبابوى وخلال هذه الفترة التى زاد فيها التوتر الدولى ـ أخرت مواقف بعض الدول الكبرى عمل الأمم المتحدة لمناهضة الفصل العنصرى خاصة عندما عارضت الولايات المتحدة وفى بعض الأحيان المملكة المتحدة أو امتنعت عن تأييد الاقتراحات الداعية لاتخاذ إجراءات محددة ضد عدوان جنوب أفريقيا على دول خط المواجهة وضد العنف وأعمال القمع والإرهاب الذى تمارسهما بريتوريا ضد الشعب الأفريقى فى جنوب أفريقيا الحظر النفطى:ـ نظرا لاعتماد جنوب أفريقيا وهى دولة ذات قاعدة صناعية كبيرة على وارداتها من النفط فقد أدركت الأمم المتحدة أن فرض الحظر على النفط ومنتجاته بالإضافة إلى الحظر على الأسلحة يمكن أن يكون له أكبر الأثر بل سيكون أكثر الوسائل فعالية لممارسة الضغط على بريتوريا ـ وقد اعتمدت الجمعية العامة ابتداء من عام 1963 عدة قرارات تدعو الدول إلى الامتناع عن إمداد جنوب أفريقيا بالنفط والمنتجات النفطية ثم جاء قرار مؤتمر القمة العربية الذى انعقد فى الجزائر عام 1973 بفرض حظر كامل على توريد النفط لجنوب أفريقيا مما شجع اللجنة الخاصة لمناهضة الفصل العنصرى على إجراء دراسات حول فرض الجزاءات النفطية ومناشدة الحكومات والمنظمات اتخاذ إجراءات مماثلة ثم قدمت تقريرا خاصا عام 1978 إلى الجمعية العامة ولمجلس الأمن بعنوان ـ فرض الجزاءات النفطية على جنوب أفريقيا ـ وطلبت أن ينظر مجلس الأمن فى هذه المسألة على وجه السرعة وأن يتخذ ما يلزم من إجراءات بموجب الفصل السابع من الميثاق لفرض الحظر على إمداد جنوب أفريقيا بالنفط والمنتجات النفطية، وقد أوصى تقرير اللجنة أيضا بحث الدول على سن تشريعات لحظر ما يلى:ـ بيع النفط أو المنتجات النفطية لجنوب أفريقيا أو إمدادها بها مباشرة أو عن طريق أطراف أخرى، وشحن أى نفط أو منتجات نفطية إلى جنوب أفريقيا على سفن أو طائرات مسجلة فيها أو مؤجرة إلى رعاياها، وتوفير أى خدمات (كالمشورة التقنية وقطع الغيار، ورأس المال، وما إلى ذلك) لشركات النفط فى جنوب أفريقيا، ولم يستطع مجلس الأمن النظر فى المسألة بسبب معارضة ثلاثة من الأعضاء الدائمين فى المجلس على فرض الجزاءات النفطية، إلا أن الجمعية العامة أقرت هذه التوصيات فى قرار منفصل وواصلت اللجنة الخاصة مناشدتها لمجلس الأمن لاتخاذ الإجراءات الفعالة ضد إمداد جنوب أفريقيا بالنفط وطلبت الجمعية العامة فى قرارها 34/93 (1979) إلى مجلس الأمن أن ينظر على وجه السرعة فى فرض حظر إلزامى بموجب الفصل السابع من الميثاق إلا أن مجلس الأمن لم يتمكن من اتخاذ أى إجراء فى هذا الشأن نظرا لاستمرار معارضة بعض أعضائه الدائمين فى حين أقرت الجمعية العامة المزيد من التوصيات فى عدد من القرارات اللاحقة وقامت اللجنة الخاصة بإجراء مشاورات مكثفة مع الحكومات لتشجيع الحملات العامة الداعية إلى فرض الحظر النفطى وقامت بتنظيم الحلقات الدراسية والندوات والمؤتمرات الداعية لذلك، كان أهمها تلك التى عقدت فى هولندا، بل نظمت إقامة اليوم الدولى لفرض حظر نفطى ضد جنوب أفريقيا يوم 20 مارس عام 1980 وكان من نتيجة ما سبق أن صوت البرلمان الهولندى فى شهر إبريل من العام نفسه تأييدا لقرار فرض الحظر النفطى ضد جنوب أفريقيا وقامت اللجنة الخاصة بإجراء المزيد من المشاورات مع أعضاء البرلمان الهولندى، وتم الاتفاق بالتعاون معهم على تنظيم مؤتمرا لبرلمان أوروبا الغربية حول فرض حظر نفط على جنوب أفريقيا وبالفعل انعقد هذا المؤتمر فى بروكسل فى يناير عام 1981 وفى العام التالى طلبت الجمعية العامة إلى اللجنة الخاصة تعيين فريق خبراء لإجراء دراسة شاملة للحظر النفطى وطلبت إلى الأمين العام تنظيم اجتماعات للدول المنتجة وتلك المصدرة للنفط والملتزمة بالحظر النفطى للتشاور حول الترتيبات الوطنية والدولية اللازمة لتنفيذ الحظر بفاعلية كما أنشأت الجمعية العامة عام 1986 فريقا حكوميا دوليا لرصد توريد ونقل النفط والمنتجات النفطية إلى جنوب أفريقيا، وأدى تحقيق الفريق وتقاريره إلى اعتماد الجمعية العامة عدة قرارات تدعو مجلس الأمن إلى فرض حظر إلزامى على ـ توريد ونقل النفط والمنتجات النفطية إلى جنوب أفريقيا وكذلك على توريد المعدات والتكنولوجيا إلى صناعاتها النفطية ومشاريعها الخاصة بإسالة الفحم وتمويل هذه الصناعة وتلك المشاريع والاستثمار فيها ـ وتطلب من الدول المعنية، إلى حين صدور قرار من مجلس الأمن لاتخاذ إجراءات أو تشريعات فعالة ـ لتوسيع نطاق الحظر النفطى بغية كفالة الوقف الكامل لتوريد ونقل النفط والمنتجات النفطية إلى جنوب أفريقيا، سواء بطريق مباشر أو غير مباشر مع أنه كان بإمكان جنوب أفريقيا الحصول على النفط والمنتجات النفطية رغم جهود الأمم المتحدة لفرض حظر فعال، إلا أنها اضطرت إلى دفع ثمن غال لكفالة الحصول على الشحنات غير المشروعة، ولاحظ الفريق الحكومى الدولى فى تقريره العام 1991 أن الحظر النفطى، رغم نقاط ضعفه وثغراته، قد فرض تكاليف على جنوب أفريقيا نقدر بما يتراوح بين 25 بليون دولار و 30 بيلون دولار زيادة على تكاليف الأثنى عشر عاما السالفة، وكذلك فإن الجمعية العامة قد قررت فى القرار 47/116 دال (1992) بأن الحظر قد أسهم إسهاما كبيرا فى الضغط على جنوب أفريقيا فى سبيل القضاء على الفصل العنصرى ـ وجدير بالذكر أن الإجراءات الجزائية التى فرضتها الأمم المتحدة على جنوب أفريقيا لم تقف عند تلك الخاصة بفرض حظر على الأسلحة أو الحظر النفطى بل تعدتها إلى إجراءات اقتصادية شاملة مثل الامتناع عن تقديم القروض والاستثمارات والمساعدة التقنية وحظر تعاون الشركات عبر الوطنية مع حكومة جنوب أفريقيا وغير ذلك من الإجراءات التى تهدف إلى عزل النظام العنصرى تماما لإرغامه على التخلى عن سياسة الفصل العنصرى النى بات واضحا بغض المجتمع الدولى ورفضه لها ـ وقد شاركت الجمعية العامة ومجلس الأمن فى الدعوة بل إلزام الدول الأعضاء باتخاذ هذه الإجراءات ونتيجة لتنشيط اللجنة الخاصة لمناهضة العنصرية لحملاتها فى هذا الصدد نشأت فى الولايات المتحدة والمملكة المتحدة بصفة خاصة حركة قوية تدعو إلى سحب الاستثمارات من جنوب أفريقيا ومارست ضغوطا هائلة على المصارف والشركات وابتداء من عام 1985 كانت معظم المصارف الدولية قد توقفت عن إقراض حكومة جنوب أفريقيا ووضعت كثير من الشركات عبر الوطنية (العابرة للقارات) نهاية لأنشطتها فيها وأصدر الكونجرس الأمريكى قانون عام 1986 الشامل ضد الفصل العنصرى وفرضت دول المجموعة الأوربية إجراءات مشددة على بريتوريا وأقرت دول الكومنولث سلسلة من الخطوات رغم تحفظ المملكة المتحدة وحظرت دول شمال أوروبا التجارة مع الجنوب كذلك شملت المقاطعة عمليات التبادل الرياضى والثقافى والفنى حيث كانت المقاطعة الرياضية بصفة خامسة وسيلة فعالة لاستثارة حساسية الرأى العام ضد السياسة العنصرية وبدأ ذلك بوضوح من مسابقات الألعاب الأولمبية والتقاطعات لاعبى وفرق النظام العنصرى فى بريتوربا هذا وكانت الجمعية العامة قد أقرت عام 1985 اتفاقية تطلب إلى الدول أن تمنع الرياضيين الذين شاركوا فى منافسات فى جنوب أفريقيا أو الرياضيين أو الإداريين الذين يدعون الهيئات أو الفرق الرياضية القائمة على الفصل العنصرى التى تمثل جنوب أفريقيا رسميا من دخول أراضيها ـ وبدأت جنوب أفريقيا تشعر بحدة الإجراءات الدولية، وجاء فى تقرير اللجنة الخاصة لمناهضة الفصل العنصرى فى عام 1989 أن الجزاءات قد فرضت قيودا كبيرة على اقتصاد جنوب أفريقيا ـ حيث جاء فى بعض الدراسات أنه لو لم تكن هناك جزاءات لكان اقتصاد جنوب أفريقيا أكبر مما هو آنذاك بنسبة 20 إلى 30 فى المائة فالحظر النفطى وحده كلف اقتصاد جنوب أفريقيا ما يقدر بـ 221 بليون دولار فى الفترة من 1979 إلى 1988 وعلاوة على ذلك، فإن ما مجموعه 605 من الشركات عبر الوطنية قد سحبت استثماراتها فى جنوب أفريقيا فى الفترة من 1980 إلى 1990 حملة الإفراج عن نيلسون مانديلا:ـ لم تكف الأمم المتحدة وأجهزتها الرئيسية ولجانها ذات الصلة أثناء حملتها المكثفة ضد سياسة الفصل العنصرى، عن مطالبة حكومة بريتوريا بالإفراج عن السجناء السياسيين كخطوة هامة ضرورية للوصول إلى تسوية سلمية للوضع فى جنوب أفريقيا وقد بدأ التركيز على موضوع السجناء السياسيين منذ عام 1963 حين وجهت التهم العديدة إلى نيلسون مانديلا وغيره من الزعماء السياسيين لقيادتهم ثورة الأغلبية ضد الظلم والتمييز العنصرى وطالبت الجمعية العامة منذ ذلك الوقت بالعفو العام عن هؤلاء السجناء وناشدت رؤساء الدول والحكومات التدخل لوقف تنفيذ أحكام الإعدام، وبالفعل قامت 143 شخصية بارزة من مختلف أنحاء العالم فى مارس عام 1964 بتوقيع إعلان يدعو إلى الإفراج عن نيلسون مانديلا وغيره من الزعماء السياسيين وكان من بين الموقعين بعض من أشهر الكتاب والفنانين والأكاديميين والزعماء السياسيين والنقابيين والمدنيين والقانونيين وتلا ذلك التماسات موقعة من185000 شخص ومنظمات تمثل حوالى 250 مليون نسمة، ثم أصدر مجلس الأمن قرارين متتاليين فى نفس العام يطلب إلى جنوب أفريقيا رسميا عدم إعدام أى شخص بسبب معارضته لسياسة الفصل العنصرى مما جعل بريتوريا تخفف بعض أحكام الإعدام التى سبق أن أصدرتها ـ وفى حين ركزت الحملات والأنشطة على جوانب محددة من جوانب الفصل العنصرى، كانت القضية الأساسية التى تهم الأمم المتحدة هى أن العفو عن السجناء السياسيين ضرورة للوصول إلى حل متفاوض عليه وسلمى للأزمة وأعلنت الجمعية العامة فى عدة قرارات اعتمدت بعد عام 1968، أن المناضلين من أجل الحرية الذين أسروا أثناء الكفاح المشروع من أجل الحرية ـ يجب معاملتهم كأسرى حرب وفقا للقانون الدولى، وعلى الأخص اتفاقية جنيف المتعلقة بأسرى الحرب عام 1948 ـ وفى عام 1975، بمناسبة الذكرى السنوية الثلاثين للأمم المتحدة أعلنت الجمعية العامة أن ـ على الأمم المتحدة والمجتمع الدولى مسئولية خاصة تهجاه الأشخاص المسجونين والمفروض عليهم قيود والمنفيين بسبب نضالهم ضد الفصل العنصرى ـ وأعربت عن تضامنها مع جميع أبناء جنوب أفريقيا الذين يناضلون ضد الفصل العنصرى وفى سبيل المبادئ المكرسة فى ميثاق الأمم المتحدة، ودعت نظام جنوب أفريقيا ـ أن يمنح عفوا غير مشروط لجميع الأشخاص المسجونين أو الذين فرضت عليهم قيود بسبب معارضتهم للفصل العنصرى أو بسبب أعمال ناجمة عن هذه المعارضة وكذلك اللاجئين السياسيين من جنوب أفريقيا ـ وتوالت الالتماسات والضغوط للإفراج عن نيلسون مانديلا وزملائه من السجناء السياسيين وجاء احتفال العالم يوم 18 يوليو عام 1978 بعيد ميلاد نيلسون مانديلا الستين ليعبر عن التضامن الدولى الجارف لكفاح الأغلبية ضد سياسة الفصل العنصرى، وكان لهذا الموقف الدولى أثره داخل جنوب أفريقيا فبدأت حملة داخلية تبنتها بعض الصحف والمنظمات والمثقفين للدعوة إلى الإفراج عن مانديلا وأصبحت هذه القضية عاملا هاما فى توحيد قطاعات واسعة من سكان جنوب أفريقيا اتفقوا جميعا حول هذا الهدف ـ وفى أغسطس عام 1982 وبمناسبة مرور عشرين عاما على اعتقال وسجن نيلسون مانديلا، دعا رئيس اللجنة الخاصة لمناهضة الفصل العنصرى إلى توسيع نطاق الحملة الداعية إلى الإفراج عنه فتم منح مانديلا درجات فخرية وجوائز مرموقة و ـ مفتاح ـ الكثير من المدن وتم إطلاق اسمه على الكثير من المبانى والشوارع فى مختلف أنحاء العالم وأصبحت حملة ـ سر على الدراجة من أجل مانديلا ـ حدثا سنويا فى المملكة المتحدة يوم عيد ميلاد الزعيم وفى الولايات المتحدة بدأت حملة صندوقى أفريقيا ـ لفتح سجون الفصل العنصرى ـ تحت رعاية الشخصية التليفزيونية الشهيرة بيل كوزبى وشهد مقر الأمم المتحدة فى 28 سبتمبر عام 1978 احتفالا كبيرا لدعم الحملة الدولية للإفراج عن مانديلا ولم يحدث فى التاريخ أن كرم سجين سياسى فى جميع أنحاء العالم مثلما كرم الزعيم نيلسون مانديلا الذى أمضى حتى يوم إطلاق سراحه ـ كما سنرى فيما يلى ـ سبعة وعشرين عاما فى السجن فأصبح رمزا عالميا للكفاح والنضال والحرية والمساواة وجدير بالذكر أن بالرغم من أن الأمم المتحدة وأجهزتها المعنية لم تستطع أن توفر ميزانية مماثلة لتلك التى كرستها جنوب أفريقيا لمواجهة الحملة ضد سياستها العنصرية إلى الوحدة المعنية بالفصل العنصرى التى أنشئت فى الأمانة العامة عام 1966 وأصبحت فيما بعد جزءا من مركز الأمم المتحدة لمناهضة العنصرية وكذلك الجهد المتواصل الذى بذلته إدارة شئون الإعلام كان له أكبر الأثر فى توعية الرأى العام العالمى وذلك عن طريق مراكز إعلام الأهم المتحدة المنتشرة فى مختلف أنحاء العالم بهذه القضية وتطوراتها وضرورة مواجهة المجتمع الدولى لها فعلى سبيل المثال وليس الحصر كان لإذاعة الأمم المتحدة التى أنشأتها إدارة الإعلام عام 1978، وبدأت بث برامجها اليومية بعدد من لغات جنوب أفريقيا، أكبر أثر فى تشجيع الأغلبية الصامدة فى جنوب أفريقيا على مواصلة كفاحها وتزويدها بالمعلومات حول مساندة المجتمع الدولى وتأييده لكفاحها العادل ولم تقتصر حملة الأمم المتحدة لمناهضة العنصرية على الأجهزة الرسمية أو شبه الرسمية فحسب بل كما سبق أن أشرت شملت الحركات النقابية والعمالية التى ـ عقدت العديد من المؤتمرات الدولية فى هذا الصدد وكذلك الحركات الشبابية وكافة مجالات العمل الجماهيرى، كما قامت بحشد الشخصيات البارزة من مثقفين وفنانين ورياضيين وكناب والذين قدموا مواهبهم لتعبئة الرأى العام العالمى ضد الفصل العنصرى، فكان لمساهمتهم أثر بالغ فى الوصول إلى مئات الملايين من البشر فى مختلف أنحاء العالم وحثهم للمساهمة والمشاركة للقضاء على هذه السياسة البغيضة المساعدة المقدمة لمعارضى الفصل العنصرى:ـ استكمالا لالتزام الأمم المتحدة ببذل ـ كافة الجهود للقضاء على سياسة الفصل العنصرى أنشأت الجمعية العامة عام 1965 صندوق الأمم المتحدة الائتمانى لجنوب أفريقيا وذلك لتقديم المساعدة القانونية إلى المتهمين بموجب القوانين العنصرية والقمعية فى جنوب أفريقيا وكذلك تقديم المساعدات إلى أسرهم بما فى ذلك المساعدات التعليمية بالإضافة إلى تقديم الإغاثة إلى اللاجئين من جنوب أفريقيا وتكفى الإشارة أن لجنة الأمناء على هذا الصندوقى والتى كانت تقدم تقريرا دوريا للجمعية العامة عن أنشطة الصندوق ذكرت فى تقريرها النهائى عام 1994 أن الصندوق منذ إنشائه أنفق 50 مليون دولار على برامج المساعدة الإنسانية والقانونية والتعليمية فى إطار صلاحياته كذلك ساعدت موارد الصندوق السجناء السياسيين والعائدين إلى جنوب أفريقيا بعد التطورات الإيجابية عام 1991 على الاندماج فى المجتمع من خلال إعداد برامج تأهيل وتدريب خاصة كما قام الصندوق بتمويل العديد من الأنشطة الخاصة بتحسين وضع المرأة والطفل فى جنوب أفريقيا وقد تم حل هذا الصندوق فى يونيو من العام الماضى بعد قيام دولة جنوب أفريقيا الديمقراطية اللاعنصرية وانتخاب نيلسون مانديلا أول رئيس لها وقررت الجمعية العامة نقل ما تبقى فى الصندوق من رصيد إلى برنامج الأمم المتحدة التعليمى والتدريبى للجنوب الأفريقى وفى إطار الحديث عن صندوق الأمم المتحدة لجنوب أفريقيا فإنه تجدر الإشارة إلى أن الأمين العام للأمم المتحدة كان قد أنشأ عام 1965 برنامجا تعليميا لأبناء جنوب أفريقيا تم تمويله من تبرعات من الدول والمنظمات والأفراد وقد تم فى إطار هذا البرنامج تدريب عدد كبير من المحامين والأطباء والمهندسين والمتخصصين فى مجالات الزراعة والاقتصاد والتعليم والإدارة، وكذلك إعداد العديد من الكوادر والعمالة الماهرة ومنذ عام 1992 تم تركيز أنشطة البرنامج داخل جنوب أفريقيا، وقد تم منذ عامين إدراج هذا البرنامج ضمن بنود مؤتمر الأمم المتحدة السنوى لإعلان التبرعات، للأنشطة الإنمائية ـ ومن ناحية أخرى فقد واصلت الأمم المتحدة ووكالتها المتخصصة تقديم المساعدات المالية وغيرها إلى ممثلى حركات التحرير وخاصة حركتى التحرير المعترف بهما من قبل منظمة الوحدة الأفريقية وهما المؤتمر الوطنى الأفريقى ومؤتمر الوحدويين الأفريقيين لآزانيا وذلك لتمكينهم من حضور المؤتمرات والاجتماعات والحلقات الدراسية حول قضية جنوب أفريقيا كما طالبت الجمعية العامة اللجنة الخاصة لمناهضة الفصل العنصرى بأن تشرك فى بعثاتها ممثلى هاتين الحركتين ورصدت ميزانية خاصة للمحافظة على ضمان استمرار مكتب الحركتين فى نيويورك لتتمكنا من المشاركة فى أعمال اللجنة الخاصة لمناهضة الفصل العنصرى وغيرها من الأنشطة ثالثا:ـ جنوب أفريقيا دولة موحدة ديمقراطية غير عنصرية:ـ شهدت الفترة من 1990 إلى 1994 تطورات جوهرية غيرت جرى الأمور فى جنوب أفريقيا حيث أسفرت جهود المجتمع الدولى مع نهاية عام ـ 1989 عن عزلة شبه تامة للنظام العنصرى كذلك بلغ توتر الأوضاع والمقاومة الداخلية خاصة بعد صدور الدستور الجديد عام 1984 مدى لم يعد ممكنا للسلطات إخماده بالقوة العسكرية أو زيادة الإجراءات القمعية، ونتيجة لهذه الأوضاع بدأت قطاعات كبيرة من مجتمع البيض فى جنوب أفريقيا تشعر أن الأسلوب الذى تتبعه الحكومة سوف يؤدى حتما إلى حرب أهلية يكون فيها دمار البلاد، فبدأ عدد من أصحاب الأحوال والوفود الممثلة للقطاعات التجارية تزور قادة المؤتمر الوطنى الأفريقى المنفيين بغرض التشاور معهم وواكب الأمم المتحدة هذه التطورات ليس فقط بزيادة الضغط على بريتوريا ولكن بعرض الطرق والوسائل المؤدية إلى الحل السلمى وطالبت الجمعية العامة حكومة جنوب أفريقيا فى قرارين متتاليين عام 1987 وعام 1988 أن تتخذ من الإجراءات ما من شأنه أن يهيئ الأحوال الملائمة لإجراء مشاورات حرة بن جميع أهالى جنوب أفريقيا بغرض التفاوض بشأن حل عادل ودائم للنزاع فى ذلك البلد ـ وكان من بين هذه الإجراءات رفع حالة الطوارئ والإفراج عن السجناء السياسيين ورفع الحظر المفروض على المنظمات السياسية ومعارضى الفصل العنصرى وسحب القوات الحكومية من المناطق التى يسكنها السود ـ نقطة التحول ـ وأخيرا ظهرت إمكانية التحرك نحو الحل السلمى فى مطلع عام 1989 عندما أعلن ما يزيد على 700 من المحتجزين الإضراب عن الطعام وقامت العديد من المنظمات المدنية وغير الحكومية بسلسلة من الأعمال المناهضة للفصل العنصرى والتمييز وسياسة القمع والإرهاب وقادت الحركة الديمقراطية الشعبية حملة واسعة عشية إجراء الانتخابات العامة المقصورة على البيض والمقرر أجراها يوم 6 سبتمبر من نفس العام وفى تلك الإثناء تغير المناخ الدولى بإنهاء الحرب الباردة مما أدى إلى دفع تعاون الدولى الكبرى فى اتجاه تسوية الأوضاع فى الجنوب الأفريقى وفى ضوء هذه التغييرات الدولية وتطورات الوضع الداخلى أعادت السلطات فى بريتوريا تقييم اختياراتها وطعن الحزب الوطنى فى انتخابات سبتمبر وتقدم ببرنامج إصلاح يهدف إلى تحقيق نظام دستورى وميثاقا للحقوق ويضمن دورا للغالبية السوداء فى الحكومة ولدى فوز الحزب قام زعيمه السيد دى كليرك والذى كان قد أنتخب رئيسا بعرض برنا للتغيير وان كان يمثل تحركا للابتعاد عن الفصل العنصرى فى اتجاه التسوية السلمية إلا أنه اخفق فى الإشارة إلى ضرورة إنشاء مجتمع ديمقراطى غير عنصرى، وجاء فى إعلان هرارى عام 1989 والذى صدر عن اللجنة الخاصة لمنظمة الوحدة الأفريقية والمعنية بالجنوب الأفريقى نتيجة اقتراح تقدم به المؤتمر الوطنى الأفريقى ما يلى إننا نعتقد أن ظروفا قد اجتمعت الآن يمكن أن تخلق الفرصة لإنهاء الفصل العنصرى عن طريق التفاوت، إذا توفر استعداد واضح لدى نظام بريتوريا للدخول فى مفاوضات حقيقية وجدية وسيكون هذا الحدث تعبيرا عن رغبة غالبية الشعب فى جنوب أفريقيا منذ أمد طويل فى التوصل إلى تسوية سياسية وإننا نؤيد الموقف الذى اتخذته غالبية الشعب فى جنوب أفريقيا ومؤداه أن هذه الأهداف وليس تعديل أو إصلاح نظام الفصل العنصرى هى التى ينبغى أن تكون المقصد من هذه المفاوضات وأضاف إعلان هرارى أن هذه المفاوضات يجب أن تسفر عن نظام ـ دستورى جديد ودولة موحدة ديمقراطية غير عنصرية يتمتع شعبها ـ بالمواطنة والجنسية على أساس واحد ومتساوى بغض النظر عن العرق أو اللون أو الجنس أو العقيدة ويكون له حق المشاركة فى حكم وإدارة البلاد على أساس الانتخاب العام يكون فيه للشخص الواحد صوت واحد وذلك فى إطار سجل عام للناخبين كما ينبغى أن تؤدى المفاوضات بعد ذلك إلى المبادئ التى يجب أن يقوم الدستور على أساسها ثم تحديد دور المجتمع الدولى فى كفالة الانتقال بنجاح إلى النظام الديمقراطى وتشكيل حكومة انتقالية وعملية إجراء الانتخابات وقد قام ممثلو أكثر من 2000 منظمة فى جنوب أفريقيا بالتصديق على إعلان هرارى أثناء مؤتمر ـ من أجل مستقبل ديمقراطى فى جنوب أفريقيا والذى عقد فى بداية ديسمبر 1989 وعقدت الجمعية العامة للأمم المتحدة دورة استثنائية فى نفس الشهر لمناقشة الحالة واعتمدت مشروع الإعلان الخاص بالفصل العنصرى وأثاره المدمرة فى الجنوب الأفريقى والذى أعدته اللجنة الخاصة لمناهضة الفصل العنصرى وبعد أن أكدت الجمعية العامة أن تأييدها لمن يناضلون من أجل إقامة نظام ديمقراطى وغير عنصرى إنما هو موقف لا مساومة فيه، أعربت عن اعتقادها أنه نتيجة للكفاح الأغلبية والضغوط الدولية الهائلة فإن ثمة إمكانية لدفع التحرك نحو التسوية وطلبت الجمعية العامة الأمين العام أن يحيل نسخة من الإعلان إلى حكومة جنوب أفريقيا وإلى ممثلى شعب جنوب أفريقيا المضطهد ورغم أن نظام جنوب أفريقيا رفض الإعلان فإنه بدأ فى نهاية الأمر فى اتخاذ بعض الخطوات التى طالبت بها المجتمع الدولى تهيئة المناخ للتفاوض وإطلاق سراح نيلسون مانديلا:ـ أعلن الرئيس دى كليرك فى 2 فبراير 1990 أن هدفه النهائى هو إقرار ترتيب دستورى عادل وجديد تماما بموجبه يتمتع كل من السكان بالمساواة فى الحقوق والمعاملة والفرص فى كل ميدان من ميادين العمل على المستوى الدستورى والاجتماعى والاقتصادى وأعلن رفع الحظر عن المؤتمر الوطنى الأفريقى، ومؤتمر الوحدويين الأفريقيين لا زانيا والحزب الشيوعى لجنوب أفريقيا وسائر المنظمات السياسية وإلغاء القيود المفروضة على أنشطة 33 منظمة وأعلن فضلا عن ذلك وقف عقوبة الإعدام وإلغاء بعض لوائح الطوارئ بما فيها اللوائح المقيدة لوسائل الأعلام كما أعلن سحب أوامر الحظر المفروض على الأشخاص ووعد بإطلاق سراح نيلسون مانديلا وغيره من المعتقلين السياسيينوفى 11 فبراير أطلق بالفعل سراح نيلسون مانديلا دون قيد أو شرط بعد أن أمضى ما يزيد على 27 عاما فى السجن وقد رحب المجتمع الدولى بهذه الإجراءات وقرر المؤتمر الوطنى الأفريقى بدء المحادثات مع الحكومة إلا أن التقدم كان فى البداية صعبا وبطيئا بسبب إخفاق الحكومة فى اتخاذ الإجراءات الفورية لتحقيق الخطوات المنصوص عليها فى الإعلان الخاص بالفصل العنصرى جولة المحادثات الأولى:ـ قرر المؤتمر الوطنى الأفريقى فى مارس 1990 بعد اجتماع السيد مانديلا فور الإفراج عنه بزعماء المؤتمر المنفيين فى لوساكا أن يجرى محادثات مع الحكومة ومنحت الحكومة حصانة مؤقتة لعدد من ممثلى المؤتمر الأفريقى المنفيين ليعودوا إلى جنوب أفريقيا ويشتركوا فى المحادثات إلا أن المحادثات تأجلت عندما أطلقت الشرطة النار فى 26 مارس على المظاهرين فى بلده سيبوكنج فى مقاطعة ترانسفال، فقتلت ما لا يقل عن 12 شخصا وأصابت نحو 500 شخص أخر بجروح واجتمع الرئيس دى كليرك ووفده مع قادة المؤتمر الوطنى الأفريقى فى مدينة كيب تاون فى الفترة من 2 إلى 4 مايو للنظر فى إزالة العقبات التى تعترض عملية التفاوض واتفق الطرفان على إنشاء فريق عامل لوضع توصيات بشأن تعريف الجرائم السياسية وإطلاق سراح السجناء السياسيين ومنح حصانة فيما يتعلق بالجرائم السياسية وتعهد الطرفان بوضع نهاية لجو العنف والتخويف السائد أيا كان مصدره ـ مع التزامهما بتحقيق الاستقرار وإجراء عملية تفاوض سلمية وفى يونيو عام 1990 أعلن البرلمان فى كيب تاون إلغاء قانون المرافق المنفصلة والذى يقضى بإقامة مرافق عامة مستقلة لأفراد الفئات العرقية المختلفة ثم اجتمعت الحكومة والمؤتمر الوطنى الأفريقى فى بريتوريا فى أغسطس عام 1990 واتفقا على جدول زمنى إطلاق سراح المعتقلين المندرجين فى الفئات المختلفة النى حددها الفريق العامل والتى قبلها الطرفانوتعهدت الحكومة بإعادة النظر فى مسائل الطوارئ والأمن ودور قوات الشرطة فى حين أعلن المؤتمر الوطنى الأفريقى أنه سيوقف فورا جميع الأعمال المسلحة وأعلن الطرفان أن الطريق أصبح الآن مفتوحا للانتقال إلى التفاوض حول وضع دستور جديد ـ غير أن العديد من الخلافات التى ظهرت بين الحكومة والمؤتمر الوطنى الأفريقى قد أدت إلى توقف عملية التفاوض أكثر من مرة وخلال كل ذلك كانت الأمم المتحدة تراقب سير هذه المحادثات عن كثب وتحث الحكومة على اتخاذ الخطوات اللازمة لتهيئة الظروف المواتية لبدء التفاوض وتناشد جميع الأطراف نبذ العنف والاشتراك الكامل فى المفاوضات وقد أوضح الأمين العام للأمم المتحدة فى تقريره الذى نظرت فيه الجمعية العامة فى سبتمبر عام 1990 أن العملية السياسية مازالت فى مرحلة مبكرة إلا أن التطورات الإيجابية التى حدثت فى جنوب أفريقيا والسياسة الشجاعة التى التزم بها الرئيس دى كليرك إنما تعد بدايات مشجعة للمضى فى طرش المفاوضاتوقد شجعت الجمعية العامة فى قراراتها اللاحقة العملية السياسية فى جنوب أفريقيا ودعت الطرفان إلى بذل كافة الجهود من أجل إنهاء العنف والتوصل إلى تسوية سلمية، إلا أنه نتيجة لاستمرار عمليات الأمن المقنعة وعدم التزام الحكومة بتعهداتها خاصة بإنهاء العنف والقمع أعلن المؤتمر الوطنى الأفريقى فى ديسمبر 1990 تعليق المفاوضات ما لم يتم إزالة جميع العقبات فى موعد أقصاه نهاية إبريل عام 1991 وفى بداية إبريل عام 1991 وجه المؤتمر الوطنى الأفريقى رسالة مفتوحة إلى الرئيس دى كليرك دعا فيها الحكومة إلى تحقيق العديد من المطالب المتعلقة بالعنف السياسى بحلول مايو 1991 وإلا فسوف يضطر المؤتمر الوطنى الأفريقى إلى تعليق جميع المحادثات والمشاورات مع الحكومة وقد أعلن المؤتمر الوطنى بعد ذلك بأيام خطة للعمل الجماهيرى لدعم ومساندة المطالب الواردة فى الرسالة المفتوحة ثلاث مسائل حاسمة على جدول المحادثات:ـ على رغم مما واجهته المحادثات من عقبات فقد ساعد الضغط العام داخل جنوب أفريقيا مدعما بالجهود الدولية الدءوبة على الحفاظ على قوة الدفع المطلوبة خاصة فيما يتعلق بأكثر المسائل صعوبة وهى السجناء السياسيين وعودة اللاجئين ووضع نهاية لأعمال العنف وفى حين واصلت الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات واللجان الدولية وخاصة اللجنة الدولية للصليب الأحمر جهودها من أجل إيجاد حل لقضية السجناء السياسيين والإفراج عنهم، وفى حين واصلت المفوضية السامية لشئون اللاجئين تنظيم عملية عودة اللاجئين إلى وطنهم وسمح لها بفتح مكاتب مؤقتة فى جنوب أفريقيا للمساعدة فى هذه العملية حنى بلغ عدد اللاجئين المسجلين للعودة حتى مايو عام 1993 ما يقرب من 11000 لاجئ عاد منهم بالفعل أكثر من 6600 لاجئ تحت رعاية المفوضية بينما عاد الآخرون بمفردهم وبقيت مشكلة تصاعد العنف أخطر مشكلة تهدد مناخ المفاوضات وعقد المؤتمر الوطنى الأفريقى وحزب الحرية إنكاتا الذى يرأسه زعيم الزولو بوتيليزى اجتماعا رفيع المستوى للنظر فى هذه المسألة إلا أن نتائج هذا الاجتماع جاءت مخيبة للآمال وفى هذه الأثناء يسر الزعماء الدينيون فى 22 يونيو 1991، بالتعاون مع زعماء الوسط التجارى عقد مؤتمر للسلام وأنشئت نتيجة لذلك لجنة تحضيرية تشمل الحكومة والمؤتمر الوطنى الأفريقى وحزب الحرية إنكاتا، وذلك من أجل ما أصبح يعرف ـ بمبادرة السلام الوطنى وأصدرت هذه المبادرة فى 14 أغسطس 1991 مشروع اتفاق وطنى تضمن قواعد سلوك للأحزاب والمنظمات السياسية وقوات الأمن وآلية للرصد ـ وفى 14 سبتمبر 1991، وقع المؤتمر الوطنى الأفريقى وحزب الحرية إنكاتا والحكومة عدد من الأحزاب السياسية واتحادات العمال والمنظمات الدينية والمدنية على اتفاق السلام الوطنى قى مدينة جوهانسبرج لم يوقع على هذا الاتفاق مؤتمر الوحدويين الأفريقيين لآزانيا وحكومات مواطن ترانسكى وفندا وبوفوتاتسوانا ونص الاتفاق على قواعد سلوك لقوات الشرطة والأحزاب والمنظمات السياسية، وعلى ألياف إنقاذ هذه الأحكام وتدابير إعادة بناء المجتمعات المحلية وتنميتها وأنشئت لجنة السلام الوطنى لرصد تنفيذ الاتفاق وشكلت أمانة للسلام الوطنى لتنشئ لجانا لفض النزاعات على الصعيدين الإقليمى والمحلى وللتنسيق بينهما وأنشئت لجنة تحقيق فى مجالى العنف والتخويف العامين كهيئة تشريعية للتحقيق فى حوادث العنف وإصدار توصيات عن كيفية منع العنف والتخويف وعينت الحكومة القاضى ريتشارد جولدستون رئيسا لهذه اللجنة التى أصبحت تعريف باسمه وكان من المسائل التى تم إحراز تقدم جيد فيها مساءلة إلغاء القوانين التمييزية، فقد أزيل أحد أعمدة الفصل العنصرى الكبرى فى أكتوبر 1990 عندما بدأ نفاذ قانون إلغاء التشريعات التمييزية المتعلقة بالمرافق العامة وإلغى فى 5 يونيو 1991 أربعة من القوانين الأخرى التمييزية ـ قانون الأراضى القومية رقم 27 لعام 1913 وقانون الوصايا الإنمائية والأراضى رقم 18 لعام ـ 1936، وقانون المناطق الجماعية رقم 36 لعام 1966، وقانون تنمية المجتمعات المحلية السوداء، رقم 4 لعام 1984 وألغى قانون تسجيل السكان رقم 30 لعام 1950 فى 17 يونيو 1991 وعدل قانون الأمن الداخلى رقم 74 لعام 1982، فى 21 يونيو، وأنهى العمل بقوائم الأشخاص الموضوعة بموجبه بدء عملية التفاوض:ـ نتيجة لتهيئة مناخ جديد موات بعد الإجراءات السابقة عقد المؤتمر الوطنى الأفريقى ومؤتمر الوحدويين الأفريقيين لا زانيا فى ـ 27 أكتوبر 1991 فى دوربان مؤتمرا للجبهة الوطنية الموحدة حضره نحو 90 منظمة وأعتمد المشتركون فى هذا المؤتمر إعلانا طالب بما يلى:ـ جمعية تأسيسية لصياغة واعتماد دستور ديمقراطى حكومة مؤقتة أو سلطة انتقالية ذات سيادة، ومؤتمر لجميع الأحزاب أو اجتماع سابق لإنشاء الجمعية التأسيسية تدعو إليه جهات مستقلة ومحايدة ويعقد فى أقرب وقت ممكن إلا أن مؤتمر الوحدويين الأفريقيين لا زانيا تنصل من التزاماته هذه فيما بعد وتقدم بمقترحات جديدة لم تحفل بقبول غيره من الأطراف ـ أجمع مؤتمر العمل على أقامه جنوب أفريقيا ديمقراطية فى جوهانسبرج فى 20 و 21 ديسمبر 1991 بممثلين من الحكومة و19 مجموعة سياسية لم يحضر حزب الحرية ـ إنكاتا ـ الاجتماع لأن لجنة التوجيه لم توجه دعوة منفصلة إلى ملك الزولو ومثلت وفود مراقبة الأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الأفريقية وحركة دول عدم الانحياز والكومنولث والاتحاد الأوروبى ومفوضة الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين ورئيس اللجنة الخاصة لمناهضة الفصل العنصرى ـ وفى الدورة الأولى للمؤتمر التى عقدت فى 20 ديسمبر وقعت 17 مجموعة سياسية من أصل 19 إعلان نوايا جاء فيه ـ نحن الممثلين المخولين حسب الأصول للأحزاب السياسية، والمنظمات السياسية والإدارات وحكومة جنوب أفريقيا، إذ نجتمع فى هذه الدورة الأولى لمؤتمر العمل على إقامة جنوب أفريقيا ديمقراطية وإذ نحن على بينة من المسئولية الهائلة الملقاة على عاتقنا فى هذه اللحظة من تاريخ بلدنا نعلن التزامنا الرسمى بما يلى:ـ
1 ـ إقامة جنوب أفريقيا موحدة ذات أمة واحدة تشترك فى جنسية واحدة ووطنية واحدة وولاء واحد، وتنشد فى تنوعنا الحرية والمساواة والأمن للجميع بصرف النظر عن العرق أو اللون أو الجنس أو المعتقد إقامة بلد خلو من الفصل العنصرى وأى شكل من أشكال التمييز أو السيطرة 2 ـ العمل على إزالة انقسامات الماضى وضمان تقدم الجميع وإقامة مجتمع حر ومنفتح يرتكز إلى القيم الديمقراطية حيث يحمى القانون كرامة كل جنوب أفريقى وقدره وحقوقه ـ اتفق الموقعون على أن تكون جنوب أفريقيا دولة موحدة وديمقراطية وغير عنصرية ولا تفرق بين الجنسين، ولها قضاء مستقل ويتمتع الجميع فيها بحق التصويت ولها ميثاق للحقوق وأن تكون جنوب أفريقيا دولة ديمقراطية متعددة الأحزاب يقوم فيها النظام الانتخابى الأساسى على التمثيل المتناسب واعترف الإعلان أيضا بتنوع لغات وثقافات وأديان الشعب الذى تكون حقوقه مكرسة فى ميثاق الحقوقى وإلتزم الموقعون رسميا باحترام اتفاقات مؤتمر العمل على إقامة جنوب أفريقيا ديمقراطية واتخاذ الخطوات اللازمة لتنفيذها امتنع مؤتمر الوحدويين الأفريقيين لا زانيا والحزب المحافظ عن توقيع الإعلان وفى اليوم التالى قرر المؤتمر تشكيل خمسة أفرقه عاملة للتفاوض وتقديم تقرير إلى الدورة العامة التالية للمؤتمر بشأن ما يلى المشاركة السياسية ودور المجتمع الدولى والمبادئ الانتقالية ومستقبل الأوطان المستقل ترانسكاى وبوفوتاتسوانا وفيندا وسيسكاى، والإطار الزمنى لتنفيذ القرارات وقالت الوفود المراقبة من الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية فى بيان مشترك أن ـ الأهداف العريضة المعرب عنها فى إعلان النوايا تمثل بداية بناءة ومبشرة جدا لمؤتمر العمل على إقامة جنوب أفريقيا ديمقراطية يعد بالتوصل إلى ديمقراطية حقه فى جنوب أفريقيا إشكالية العنف فى جنوب أفريقيا أسبابه وأثاره:ـ حين توليت منصب الأمين العام للأمم المتحدة فى يناير 1992 كان هناك تفاؤل مشوب بالحذر حول إمكانية التوصل إلى تسوية للوضع فى جنوب أفريقيا عن طريق المفاوضات فالعنف يتزايد بدرجة مخيفة والفجوة متسعة بين مواقف الأطراف إلا أن مؤتمر العمل على إقامة جنوب أفريقيا موحدة ديمقراطية وغير عنصرية أوضح بما لإيداع مجالا للشك أن هناك رغبة قوية لدى الأغلبية فى التوصل إلى اتفاق يوازيها استعداد لتقديم التنازلات تغليبا لمصلحة الأمة ـ وأذكر أننى حينما خاطبت اللجنة الخاصة لمناهضة الفصل العنصرى أعربت عما يجول بداخلى من مشاريع خاصة وارتباطى الشخصى بهذه القضية التى تابعت تطوراتها الدقيقة على مر سنين طويلة قائلا:ـ أن نظام الفصل العنصرى فى جنوب أفريقيا الذى أصابت الأمم المتحدة إذ وضعته على جدول أعمالها لسنين طويلة أخذ فى التداعى تحت وطأة الضغط المشترك للقوة الداخلية والخارجية ومن الممكن الآن تصور مجتمع جديد فى جنوب أفريقيا مجتمع يحترم حقوق الإنسان مجتمع ليس فيه تمييز بسبب اللون أو الجنس أو الانتماء السياسى أو المعتقد:ـ مجتمع موحد يتقاسم الجميع فيه الثروة والفرص الاقتصادية ـ إلا أننى نبهت أيضا إلى أنه من الضرورى توخى اليقظة وأضفت أنه أمام الأمين العام واللجنة الخاصة مهمة شاقة تتمثل فى توفير المشورة وتقديم المساعدة خلال الفترة الانتقالية الصعبة ثم جاءت نتيجة الاستفتاء والذى أجرته الحكومة فى مارس 1992 وقصرته على البيض لتحديد مدى التأييد للاستمرار فى عملية التفاوض والتى بلغت 687 لصالح استمرار المفاوضات مقابل 313 معارضة من الجناح اليمينى فكان ذلك خطوة كبيرة ومشجعة نحو القضاء على الفصل العنصرى وإنشاء مجتمع جديد لا عنصرى فى جنوب أفريقيا يقوم على احترام حقوق الإنسان ومع ذلك لم يتحقق التقدم المطلوب على مائدة المفاوضات وواجهت أفرقه العمل التابعة لمؤتمر العمل على إقامة جنوب أفريقيا ديمقراطية صعوبات جمة ولم يتمكن فريق العمل الثانى على وجه الخصوص من التوصل إلى اتفاق حول النسبة المئوية للأصوات اللازمة لاعتماد الدستور الجديد أو لتعديله حيث أصرت الحكومة على ضرورة اعتماد الدستور واعتماد كل بند من بنوده بأغلبية 667% من الأصوات واعتماد ميثاق الحقوق والأحكام المتعلقة بالمبادئ الدستورية العامة باغلبية75 فى المائة وأن يكون اعتماد الأحكام المتصلة بتوزيع السلطة بين مستويات الحكم المركزية والإقليمية والمحلية بأغلبية خاصة يتعين الاتفاق عليها وقد أدى هذا الخلاف إلى رفض مؤتمر العمل على إقامة جنوب أفريقيا ديمقراطية أثناء دورته العامة الثانية من مارس/إبريل عام 1992 النظر فى اتفاق جزئى وطالب بحل القضايا المعلقة استنادا إلى أنها جميعا ترتبط ببعضها البعض ـ وبعد انتهاء الدورة الثانية إلى مأزق أعتمد المؤتمر الوطنى الأفريقى وحلفاؤه خطة عمل جماهيرى من أربع مراحل تبدأ فى 16 يونيو، وتتضمن تنظيم مسيرات واعتصامات وإضراب عام لممارسة الضغط من أجل تشكيل حكومة مؤقتة وإقامة انتخابات لتشكيل جمعية تأسيسية وفى 17 يونيو، اليوم التالى لبدء العمل الجماهيرى هاجم رجال مسلحون بلدة بويباتونج وقتلوا ما يزيد على 40 شخصا وادعى شهود بأن العملية ارتكبها نزلاء فندق قريب خاص بالعمال المهاجرين وأن أفرادا من الشرطة ساعدوهم وفى وقت لاحق أفادت لجنة جولدستون بعدم وجود أية أدلة على تواطؤ الشرطة فى عملية القتلولكنها أنحت باللائمة على شرطة جنوب أفريقيا لكونها تعانى من مشاكل تنظيمية مثل عدم كفاية القيادة والمراقبة والافتقار إلى التخطيط الفعال للاستخبارات والطوارئ ونتيجة لذلك قرر المؤتمر الوطنى الأفريقى فى 20 يونيو تعليق المحادثات الثنائية مع الحكومة ومشاركته فى مؤتمر العمل على إقامة جنوب أفريقيا ديمقراطية وقدم كل 14 بندا كشروط مسبقة للعودة إلى التفاوض وشملت هذه البنود إنشاء جمعية تأسيسية منتخبة، وإقامة حكومة مؤقتة، وإنهاء جميع العمليات المقنعة، وحل جميع القوات والفصائل الخاصة المشكلة من رعايا أجانب وإيقاف جميع أعضاء قوى الأمن الضالعين فى أعمال العنف عن العمل ومقاضاتهم، وإنهاء أعمال القمع فى الأوطان وإزالة الثكنات تدريجيا وأحاطتها بسياجات وحظر جميع الأسلحة الخطرة وإجراء تحقيق دولى فى أعمال العنف وإلغاء جميع التشريعات القمعية وإطلاق سراح جميع السجناء السياسيين ـ ومما لاشك فيه أن أعمال العنف كان السبب المباشر فى تعطيل المفاوضات وخلق أزمة ثقة بين الطرفين وقد أرجع المراقبون أسباب تزايد العنف بالرغم من اتفاق السلام الوطنى إلى عدة أسباب فمثلا هناك العنف الذى تمارسه قوات المعارضة للتغيير وذلك الذى تمارسه بعض الجماعات الأخرى التى لم تكن واثقة من الحصول على تأييد كاف فى الانتخابات فأرادت أن تلفت إليها لأنظار وثمة نوع أخر من العنف وهو المرتبط بالبطالة وغير ذلك كله الآثار التى خلفتها ثلاثة قرون من الاضطهاد والتمييز العنصرى وما يزيد على 40 سنة من تطبيق لسياسة الفصل العنصرى ومع التسليم بأهمية تعاون كافة الأطراف السياسية للتمكن من السيطرة على العنف والقضاء عليه إلا أن المسئولية الأساسية عن حفظ الأمن والنظام وحماية المواطنين تقع على كاهل الحكومة وكان ذلك سببا فى اتهام الحكومة أحيانا بالتردد فى اتخاذ إجراءات حاسمة وأحيانا أخرى بالتوطن وكانت شكاوى المؤتمر الوطنى للحكومة تتعلق بكتيبتين بالذات داخل المؤسسة العسكرية وبوحدة بعينها تابعة للشرطة بالإضافة إلى الشكوى من العنف الذى تمارسه شرطة كوازولو وحزب الحرية إنكاتا بالتوطن مع عناصر المعينة فى شرطة جنوب أفريقيا وبالرغم من أن الرئيس دى تركليرك أعلن فى يوليو 1992 أنه سوف يتم تسريح الكتيبتين المشار إليهما وحل وحدة الشرطة محل الشكوى إلا أن ذلك لم يتم تنفيذه إلا فى مارس 1993 وكان لذلك أثر مباشر فى انخفاض أعمال العنف فى منطقة جوهانسبرج انخفاضا ملحوظا وقد تلى ذلك بعض الإجراءات الأخرى التى اتخذها الرئيس دى كليرك وذلك لمعاقبة الضباط الذين ثبت تورطهم فى إثارة أو ممارسة أنشطة غير مشروعة وفى مارس 1994 شملت هذه الإجراءات منطقة كوازولو وذلك نتيجة للنتائج التى خلصت إليها لجنة جولدستون من كشف لتورط شرطة جنوب أفريقيا مع مسئولين كبار فى شرطة كوازولو ومسئولين فى حزب الحربة إنكاتا فى مؤامرة تهدف إلى زعزعة مسيرة السلام عن طريق نسف عملية الانتخابات ـ وفى هذه الأثناء أدرك المؤتمر الوطنى الأفريقى وحلفاءه أن السبيل الوحيد المتاح هو تنظيم العمل الجماهيرى والاستمرار فيه بل وزيادة الضغط الدولى ووجه المؤتمر الوطنى الأفريقى ومؤتمر الوحدويين الأفريقيين لازانيا نداء إلى كل من منظمة الوحدة الأفريقية والأمم المتحدة واستجابة لهذا النداء اتخذ مؤتمر القمة الأفريقية لمنظمة الوحدة الأفريقية والذى انعقد فى دكار من ـ 29 يونيو إلى 1 يوليو عام 1992 قرارا بشجب تصعيد أعمال العنف وطلب إجراء تحقيق كامل فى حادث بوبباتونج كما دعا إلى عقد جلسة عاجلة لمجس الأمن للنظر فى الحالة واقترح أن تشترك الأمم المتحدة فى استقصاء وتهيئة الظروف المواتية لاستئناف المفاوضات وقمت أثناء زيارتى نيجيريا فى طريقى لحضور دورة منظمة الوحدة الأفريقية فى يونيو 1992 بإجراء محادثات مع وزير خارجية جنوب أفريقيا، ورئيس المؤتمر الوطنى الأفريقى ومؤتمر الوحدويين الأفريقيين لازانيا ورئيس حزب الحرية إنكاتا، حول الوضع فى جنوب أفريقيا وبحث ما يمكن للأمم المتحدة تقديمه من مشورة ومساعدة لوضع حد للعنف ولاستئناف ودفع عملية التفاوض، ومع استمرار الضغوط المحلية والدولية قام الرئيس دى كليرك باتخاذ بعض الخطوات الإيجابية منها تعديل تشكيل لجنة جولدستون واقتراح خفض الأغلبية اللازمة لاعتماد ميثاق الحقوق والأحكام المتعلقة بالمبادئ الدستورية العامة من 75% إلى 70% إلى أن ذلك لم يكن كافيا لانفراج الأزمة وفى يوليو من العام نفسه اجتمع مجلس الأمن بحضور وفد وزارى يمثل منظمة الوحدة الأفريقية بتكليف من القمة الأفريقية واستمع المجلس إلى ممثلى حكومة جنوب أفريقيا والمؤتمر الوطنى الأفريقى ومؤتمر الوحدويين الأفريقيين لازانيا وعدد آخر من المشاركين فى مؤتمر العمل من أجل جنوب أفريقيا ديمقراطية وكان من بين المتحدثين للمرة الأولى ممثلى حكومات الأوطان (البانتوستانات) ومن بينهم السيد ـ منجستو بوتيليزى ـ وبعد يومين من المداولات أصدر المجلس بالإجماع القرار ـ 765 (1922) مؤكدا مسئولية الحكومة فى جنوب أفريقيا عن وقف أعمال العنف وحماية أرواح جميع أهالى جنوب أفريقيا وممتلكاتهم كما ناشد القرار جميع الأطراف بضبط النفس ودعاهم للتعاون من أجل التصدى لأعمال العنف كما شدد على أهمية استئناف المفاوضات فى أسرع وقت ممكن ـ ودعانى القرار5 76 (1992) إلى تعيين ممثل خاص لجنوب أفريقيا ليقوم بإجراء مباحثات مع الأطراف المعنية ورفع توصيات بشأن ـ الإجراءات التى من شأنها أن تساعد على إنهاء أعمال العنف بصورة فعالة وعلى تهيئة الظروف الملائمة لإجراء مفاوضات تؤدى إلى انتقال سلمى نحو جنوب أفريقيا موحدة ديمقراطية لا عنصرية ـ بعثة السيد سيروس فانس:ـ فور اعتماد مجلس الأمن للقرار765 قمت بتعيين السيد سيروس فانس وزير خارجية الولايات المتحدة السابق ممثلا خاصا لى فى جنوب أفريقيا وتوجه على الفور لزيارة جنوب أفريقيا حيث أجرى محادثات مع الحكومة وممثلى جميع الأحزاب الرئيسية وكبار السياسيين والجماعات الكنسية ورجال الأعمال ونقابات العمال وزعماء الهياكل المنشأة بموجب اتفاق السلام الوطنى واستطاع السيد فانس أثناء وجوده فى جنوب أفريقيا ترتيب اجتماع بين وزير العدل والمؤتمر الوطنى الأفريقى بشأن مشكلة السجناء السياسيين كذلك توصل المؤتمر الوطنى الأفريقى والحزب الشيوعى لجنوب أفريقيا ومؤتمر نقابات عمال جنوب أفريقيا ـ أثناء تواجد البعثة إلى اتفاق مع شرطه جنوب أفريقيا بشأن المبادئ التى وضعها فريق من الخبراء بشأن السيطرة على المظاهرات الجماهيرية وبناء على اقتراح من السيد مانديلا وبعد إجراء محادثات بين السيد فانس والحكومة وجهت نداء إلى الأطراف الرئيسية لكى تبذل قصارى جهدها لوقف أعمال العنف وقمت بإرسال عشرة مراقبين تم توزيعهم على مقاطعات مختلفة خلال أسبوع العمل الجماهيرى وكان لوجودهم كمراقبين للأمم المتحدة أثر فعال وفى أغسطس قدمت إلى مجلس الأمن تقريرى عن بعثة السيد فانس وقلت إنى تأثرت بعمق استقبال وفد الأمم المتحدة من كافة قطاعات المجتمع بانفتاح واستجابة وكان ذلك دليلا آخر على حدوث تحول فى جنوب أفريقيا إذ سعى زعماؤها وشعوبها إلى إقامة بلد موحد ديمقراطى لا عنصرىولكنى أضفت أن عقودا من القصف العنصرى تركت رواسب أليمة من عدم الثقة وأنه لابد من السيطرة على العنف وتهيئة الظروف التى تكفل نجاح عملية التفاوض وتحقيقا لهذه الغاية كان اتخاذ القرار 765 (1992 ـ بالإجماع والذى ـ أبرز التوقعات بأن استمرار اشتراك مجلس الأمن فى هذه المرحلة الجديدة من تقدم جنوب أفريقيا سوف يتسم بفهم واستعداد للمساهمة البناءة فى عملية التغير السلمى ـ ثم قدمت مجموعة من التوصيات لدعم جهود لجنة جولدستون وتعزيز الآليات التى استحدثها اتفاق السلام الوطنى لمعالجة مشكلة العنف وأوصيت بأن تقدم الأمم المتحدة بعض المراقبين لكى يعملوا فى جنوب أفريقيا بالتعاون الوثيق مع أمانة السلام الوطنى ـ والتى كانت تشرف على الاتفاق كما تضمنت توصياتى ضرورة حل مشكلة السجناء السياسيين على وجه السرعة حيث من شأنها أن تسهم إسهاما كبيرا فى دفن الماضى كما يمكن أن تكون خطوة إيجابية على طريق بناء الثقة بين الأطراف المعنية، وقد لاقت هذه التوصيات تأييدا مطلقا من مجلس الأمن الذى طلب فى قراره 772 (1992) إلى الحكومة وجميع الأطراف الأخرى فى جنوب أفريقيا تنفيذ التوصيات التى تقدمت بها كما أقر المجلس اقتراحى بإرسال مراقبين من الأمم المتحدة إلى جنوب أفريقيا على وجه السرعة وبالأعداد الملائمة للتصدى بشكل فعال لحالة التوتر والقلق ولحث الأطراف على نبذ العنف وذلك بالتنسيق مع بل وتعزيز هياكل اتفاق السلام الوطنى كذلك دعا مجلس الأمن فى القرار نفسه منظمة المتحدة الأفريقية والكومنولث والاتحاد الأوروبى أن تنظر فى إرسال مراقبين إلى جنوب أفريقيا بالتنسيق مع الأمم المتحدة ـ وكان ذلك إيذانا ببدء الدور النشط والفعال للأمم المتحدة فى جنوب أفريقيا تنسيقا لأدوار ثلاث هيئات رئيسية وهى الجمعية العامة ومجلس الأمن والأمانة العامة والتى راحت تعمل فى تعاون كامل من أجل تحقيق هدف المصالحة الوطنية فى جنوب أفريقيا بعثة مراقبة الأمم المتحدة فى جنوب أفريقيا بالتشاور مع مجلس الأمن قمت يوم 9 سبتمبر 1992 بإصدار التوجيهات الخاصة بإرسال 50 مراقبا إلى جنوب أفريقيا وطلبت فى رسالة موجهة إلى وزير الخارجية أن تمنح حكومة جنوب أفريقيا بعثة الأمم المتحدة جميع الامتيازات والحصانات اللازمة لقيامها بمهمتهاومع نهاية نوفمبر كان قد تم انتشار المراقبين فى جميع مناطق جنوب أفريقيا الإحدى عشرة المحددة فى اتفاق السلام الوطنى ثم زاد عدد المراقبين إلى 60 مراقب فى شهر فبراير 1993 وأصبح 100 مراقب فى نوفمبر من العام نفسه وكان مقر البعثة فى جوهانسبرج ومكتبها الإقليمى فى دوربان وتركيز المراقبين فى إقليمى ـ ويتووترزاند ـ وكوازولوناتال ـ الذين شهدا حوالى 70% من أعمال العنف السياسى وعمل أعضاء بعثة الأمم المتحدة من مواقعهم على ضمان أن تكون المظاهرات والمسيرات والتجمعات والمواكب الجنائية وغيرها من إشكال التجمهر أو العمل الجماهيرى أعمالا سلمية يتم خلالها احترام المبادئ التوجيهية للجنة جولدستون للمسيرات والتجمعات السياسية وقد استغرق ذلك الكثير من الجهد والمثابرة وتقديم المساعدة والمشورة حتى أنه مع نهاية 1993 كان مراقبو البعثة قد حضروا ما يزيد على 9000 اجتماع كذلك تم التنسيق والتشاور الوثيق مع مراقبى منظمة الوحدة الأفريقية والكومنولث والاتحاد الأوروبى وفى كثير من الأحيان كان لتدخلات رئاسة البعثة لدى كبار المسئولين الحكوميين وقوى الأمن والمنظمات السياسية أثر فعال فى تجنب بعض المواقف الحرجة المحتملة أو تلافى بعض الأخطار التى كان يستشعرها المراقبون ولما كانت بعثة الأمم المتحدة فى جنوب أفريقيا بعثة مدنية بحتة فإن أمن المراقبين الشخصى إنما توقف إلى حد بعيد على حسن تقديرهم وحسن نوايا المجتمعات المحلية التى عملوا فيها وكان من أسباب سعادتى عدم وقوع أى اعتداء متعمد على أى عضو من أعضاء البعثة طوال فترة تواجدها فى جنوب أفريقيا استئناف المحادثات:ـ كان لتدخل الأمم المتحدة النشط والفعال أكبر الأثر فى بناء الثقة أى إمكانية الحد من العنف مما سهل استئناف المحادثات بين الحكومة والأطراف المعنية الأخرى وخاصة المؤتمر الوطنى الأفريقى سلسلة من الاجتماعات بدأت فى أغسطس 1992 للعمل على إزالة العقبات التى تواجه عملية استئناف المفاوضات وتمهيد الطريق لعقد اجتماع بين الرئيس دى كليرك والسيد مانديلا وتم الاتفاق على ضرورة إنشاء جمعية تأسيسية منتخبة بشكل ديمقراطى أو هيئة لصياغة الدستور لا تلتزم إلا بالمبادئ الدستورية المتفق عليها ـ واتفقت الحكومة والمؤتمر الوطنى الأفريقى أيضا على أن تعمل الجمعية التأسيسية خلال الفترة المؤقتة أو الانتقالية على اعتبار أنها برلمان مؤقت أو انتقالى وعلى أن تكون هناك حكومة وحدة وطنية مؤقتة أو انتقالية على أن تعمل هذه الحكومة فى حدود إطار دستورى انتقالى يتضمن أحكاما بشأن الحكم على الصعيدين الوطنى والإقليمى وينص على الحقوق والحريات المضمونة والمشروعة واتفق الطرفان على أن يتم الإفراج عن جميع الأشخاص المسجونين لأسباب متصلة بالنزاع السياسى فى الماضى والذين يمكن أن يكون الإفراج عنهم إسهاما فى المصالحة قبل 15 نوفمبر وقرر أيضا مع أخذ تقارير لجنة جولدستون فى الاعتبار التدابير التى يجب اتخاذها لمعالجة مشكلة العنف ثم تعهد الجانبان بالالتزام بتدعيم اتفاق عملية السلام وتهدئة التوترات وتعزيز المصالحة فى جنوب أفريقيا ـ وبالرغم من أن المؤتمر الوطنى الأفريقى كان قد أعرب عن ارتياحه لتحرك الحكومة نحو قبول فكرة إنشاء جمعية ديمقراطية تأسيسية فإنه كان يبدى قلقة الدائم إزاء إجراءات القمع التى تجرى ممارستها فى الأوطان وخاصة فى سيسكاى وبوفوتاتسوانا وبالفعل قامت قوات الأمن فى سيسكاى بإطلاق النار على المتظاهرين المنتمين إلى المؤتمر الوطنى الأفريقى والمنظمات المتحالفة معه وذلك فى أوائل سبتمبر 1992 مما أدى إلى مقتل 28 شخصا وإصابة قرابة مائتين بجروح وكان لهذا الحادث آثاره السلبية على المسيرة السلمية فى البلاد خاصة فى ظروف يشوبها القلق والتوتر وفقدان الثقة بين الأطراف ولذلك أصدر مجلس الأمن بيانا رئاسيا شجب فيه إطلاق النار وحث جميع الأطراف على ضبط النفس وبذلك كافة الجهود للمساعدة على كسر دائرة العنف المتزايد وقد سارعت بالكتابة إلى القاضى جولدستون معربا عن أملى فى أن تستطيع الأمم المتحدة المساهمة فى التخفيف من حدة التوتر ومشيدا بما تبذله لجنته من جهود ودور أساسى لتحقيق المصالحة فى جنوب أفريقيا وقامت لجنة جولدستون بالتحقيق فى أحداث سيسكاى وخلصت إلى أن إطلاق النار العشوائى على المتظاهرين إنما هو ـ عمل لا يغتفر أخلاقيا وقانونيا كما دعت سلطات سيسكاى إلى التحقيق مع الضباط المسئولين عن هذه المذبحة كما دعت اللجنة زعماء تختلف المؤتمر الوطنى الأفريقى إلى إدانة أعضاء التحالف الذين عارضوا المتظاهرين للخطر وفى تلك الأثناء كان المؤتمر الوطنى الأفريقى قد أجل مسيرته المعتزم القيام بها إلى بووفوتاتسوانا
ـ كما قمت أيضا بالكتابة إلى كل من الرئيس دى كليرك والسيد مانديلا مناشدا كلاهما أن يتغلبا على هذه العقبات وان يتمكنا من عقد اجتماع بينهما لما لمثل هذا اللقاء من أهمية ولما يمكن أن يولده من ارتياح لدى جميع سكان جنوب أفريقيا وبالفعل التقى الزعيمان فى 26 سبتمبر 1992 فى جوهانسبرج ووافقا على بيان تفاهم كما اتفقا على أن هذه القمة قد أرست أساسا لاستئناف المفاوضات كذلك اتفق الزعيمان أثناء اجتماعهما على عقد المزيد من اللقاءات للنظر فى المسائل التى لم يتطرق إليها اجتماع القمة وهى:ـ خلق مناخ موات للنشاط السياسى الحر وإلغاء تشريعات الأمن وغيرها من التشريعات القمعية وإنهاء العمليات المقنعة التى تقوم بها القوات الخاصة ووضع حد لأعمال العنف ـ وكانت الحكومة قد أعلنت فى ذات يوم اجتماع القمة عن الإفراج الفورى عن 150 مسجونا سياسيا وتم الإفراج عن 42 آخرين فى منتصف شهر نوفمبر وفى تلك الأثناء وابتداء من أغسطس أجريت الحكومة ومؤتمر الوحدويين الأفريقيين لا زانيا مناقشات استطلاعية وبعد اجتماع قمة امتد يومين أصدر الطرفان بيان أوجه اتفاق مشترك بشأن قضايا مثل حل النزاعات السياسية بالوسائل السلمية وبذل أقصى الجهود لإنهاء العنف والحاجة إلى دستور جديد لا عنصرى تتولى صياغته هيئة منتخبة من سجل عام الناخبين وإنشاء هيئة تفاوض تكون أكثر تمثيلا للجميع وطلب إلى مؤتمر الوحدويين الأفريقيين لا زانيا توضيحا عن موقف جناحه العسكرى فيما يتعلق بالعنف المرتكب ضد البيض وبالرغم من أن الاتفاقيات الجديدة بين الحكومة والمؤتمر الوطنى الأفريقى شكلت انفراجا فى عملية التفاوض كانت هناك اعتراضات من بعض الأطراف الأخرى، وبصلة خاصة استنكر الزعيم منجوستو بوتليزى رئيس حزب الحرية إنكاتا الاتفاقات ورفض مرة أخرى مفهوم الجمعية التأسيسية وفى الأشهر التالية، أنشئت جماعة جنوب أفريقيا المهتمة، المكونة من ممثلين لحزب الحرية إنكاتا والحزب المحافظ والجبهة الأفريكانية وأوطان كوازولو وبوفوتاتسوانا وسيسكاى للتعبير عما يساورها من قلق إزاء الاتفاقات التى تم التوصل إليها أو التى قد يتم التوصل إليها بين الحكومة والمؤتمر الوطنى الأفريقى وبادرت بالكتابة إلى كل من الزعيم مانديلا ورئيس حزب الحرية إنكاتا السيد بوتليزى داعيا إلى عقد اجتماع بينهما يمكن أن يكون خطوة كبرى على طريق المسيرة نحو المصالحة الوطنية كما عاودت الكتابة إليها فى شهر نوفمبر فى حين أجرى الرئيس دى كليرك من جانبه عدة محادثات ثنائية إلى أن تم اللقاء مع زعماء كوازولو وبوفوتاتسوانا وسيسكاى إلا أن هذا اللقاء لم يتوصل إلى أى اتفاق بعثة الأمم المتحدة لتقصى الحقائق:ـ أكلا فى دفع مسيرة السلام الوطنية فى جنوب أفريقيا ورغبة فى تضييق الفجوات التى مازالت تفصل بين الأطراف قمت بتعيين بعثة من ممثلين خاصين لزيارة جنوب أفريقيا وإجراء مباحثات مع كبار المسئولين فى الحكومة ومع ممثلى مختلف الأحزاب السياسية وكذلك المسئولين باللجنة الوطنية للسلام وكافة المنظمات والجماعات الأخرى المؤثرة فى الوضع فى جنوب أفريقيا سواء فى المجالات المدنية أو الدينية كما شملت مباحثاتهما المراقبين الدوليين ـ وقد قدمت توصيات هذه البعثة فى تقرير رفعته إلى مجلس الأمن فى الأسبوع الأخير من ديسمبر 1992 مشددا على أن هنالك اتفاق حول التعجيل بترتيبات المفاوضات المتعددة الأطراف فى جنوب أفريقيا وأنه يجب تشجيع ذلك ومجددا ندائى إلى جميع الزعماء السياسيين فى جنوب أفريقيا لاتخاذ إجراءات فورية لوضع حد للعنف ولإبداء التعاون الكامل مع لجنة جولستون ـ كذلك أصدرت الجمعية العامة قرارها 74 /116 ألف والذى حثت فيه ممثلى شعب جنوب أفريقيا على أن يستأنفوا دون مزيد من الإبطاء المفاوضات العريضة القاعدة المتعلقة بوضع ترتيبات انتقالية ومبادئ أساسية من أجل عملية التوصل إلى اتفاق بشان وضع دستور ديمقراطى غير عنصرى جديد ودخوله حيز النفاذ على وجه السرعة استئناف المفاوضات:ـ وتوالت الجهود والمبادرات الهادفة إلى استئناف المفاوضات وقام وفد من اللجنة الخاصة لمناهضة الفصل العنصرى بزيارة جنوب أفريقيا فى مارس 1993 وأجرى مشاورات واسعة النطاق مع ممثلى كافة الأطراف الرئيسية فى العملية السياسية ـ وعقد ممثلو 26 حزبا مؤتمر تخطيط اتفقوا خلاله على البدء فى مفاوضات جديدة متعددة الأطراف كما وافق المؤتمر على آلية لإنهاء الأزمة وهى أن تتخذ كافة القرارات بتوافق الآراء وإذا لم يتحقق ذلك يلجأ المؤتمر إلى توافق الآراء الكافى إلا أنه بالرغم من نجاح المؤتمر فى التوصل إلى نتائج إيجابية فإن الحزب المحافظ امتنع عن التصويت لصالح هذا القرار وتغيبت منظمة الشعب الازانى وحركة المقاومة الأفريكانية ورفضتا المشاركة فى المحادثات ومرة أخرى توجهت كتابة إلى كل من الرئيس دى كليرك والسيد مانديلا فى مارس 1993 معربا عن الارتياح لما حققه المؤتمر من نتائج إيجابية أملا أن تحقق الجولة القادمة من الاجتماعات نجاح مماثل ومؤكدا التزام الأمم المتحدة المستمر بتقديم المساعدة من أجل إقامة جنوب أفريقيا ديمقراطية موحدة ولا عنصرية وفى أول إبريل 1993 بدأت المحادثات بين ممثلى الأحزاب أل 26 واستمرت هذه المحادثات حتى شهر يوليو حين اعتمد المجلس التفاوض المتعدد الأطراف إعلانا بشأن إنهاء الأعمال القتالية والمعارضة المسلحة والعنف كما اتخذ قرارا بشأن الشروط الضرورية للقضاء على العنف ومع بداية يوليو اعتمد المجلس التفاوض بتوافق الآراء 27 مبدأ دستوريا ليتضمنها ـ إضافة إلى ميثاق الحقوق ـ كل من الدستور المؤقت والدستور النهاش الذى من المقرر أن تعتمده جمعية تأسيسية كما قرر المجلس بتوافق الآراء الكافى أن انتخابات لا عنصرية ديمقراطية سوف تجرى فى جنوب أفريقيا يوم 27 إبريل 1994 لإنشاء جمعية تأسيسية واعترض ممثلو بوفوتاتسوانا وسيسكلى ووازولو وحزب الحربة إنكاتا على هذا التاريخ وانسحبوا من المفاوضات مما دعانى إلى معاودة الكتابة إلى الزعيم بوتليزى لحثه وحزب الحرية إنكاتا على العودة إلى المفاوضات والعمل على دفع مسيرة السلام الوطنية إلا أن حزب إنكاتا والحزب المحافظ وحلفائهما أنشئوا فى أكتوبر ـ تحالف الحرية ـ واستمروا فى مقاطعتهم لعملية التفاوض ثم أصدر برلمان جنوب أفريقيا فى سبتمبر قانونا ينص على إنشاء مجلس تنفيذى انتقالى للإشراف على ما تضطلع به الحكومة من عمليات وأعمال تحضيرية من أجل الانتخابات وفى اليوم نفسه التقيت بالرئيس دى كليرك فى نيويورك وهنأته على القرار التاريخى وأعلمته كذلك باعتراض تقوية بعثة الأمم المتحدة فى جنوب أفريقى وفى اليوم التالى وفى نيويورك أيضا قال السيد مانديلا فى اجتماع للجنة الخاصة لمناهضة الفصل العنصرى:ـ لقد بدأ العد التنازلى نحو الديمقراطية فى جنوب أفريقيا وأصبح تاريخ زوال نظام الأقلية البيضاء مقررا ومحددا ومتفقا عليه وناشد مانديلا المجتمع الدولى أن يرفع الجزاءات المفروضة على جنوب أفريقية وذلك استجابة لهذه التطورات التاريخية وأيدت منظمة الوحدة الأفريقية هذا الطلب وأثناء زيارتى إلى موبوتو فى أكتوبر اغتنمت الفرصة لالتقى بالزعماء السياسيين فى جنوب أفريقيا بمن فيهم وزير الشئون الخارجية رولف بوتا والزعيم بوتيليزى قائد حزب إنكاتا وأكدت فى هذه المناقشات على الأهمية التى توليها الأمم المتحدة لعملية السلام فى جنوب أفريقيا وناشدت الزعيم بوتيليزى أن يشارك التحالف من أجل الحرية فى العملية الانتخابية المقررة فى إبريل ـ 1994 ـ وبعد عملية طويلة من التفاوض اعتمد المجلس التفاوض المتعدد الأطراف فى مجلسة عامة إنشاء عدة مؤسسات خاصة بانتخابات وتم اعتماد دستورا مؤقتا ومجلسا تنفيذيا انتقاليا واستمرت أطراف التحالف من أجل الحرية فى مقاطعتها لأعمال المجلس التفاوض وكانت مهمة المجلس التنفيذى الانتقالى هى العمل بالاشتراك مع كافة الهياكل التشريعية القائمة على تيسير عملية الانتقال إلى نظام حكم ديمقراطى فى جنوب أفريقيا والإعداد لذلك عن طريق إجراء انتخابات حرة ونزيهة وقد نص الدستور المؤقت على أن جنوب أفريقيا الجديدة سوف تقسم إلى تسع مناطق لكل منها مجلس تنفيذى وهيئة تشريعية وهيئات إدارية ـ وقد بدأ المجلس التنفيذى الانتقالى عمله فى الأسبوع الأول من ديسمبر 1992 وبعد ذلك بأيام صدق البرلمان على إعادة الجنسية إلى حوالى 10 مليون شخص يقيمون فى ـ الأوطان المستقلة:ـ ترانسكاى وبوفوتاتسوانا وفاندا وسيسكاى ـ وفى تلك الأثناء كنت قد تلقيت رسالة من وزير خارجية جنوب أفريقيا يقترح فيها لأن تقوم الأمم المتحدة بدور فعال عندما تبدأ أعمال اللجنة الانتخابية المستقلة والمجلس التنفيذى الانتقالىوقد أعلمت السيد بوتا فى ردى على رسالته أننى قد قررت بعد التشاور مع منظمة الوحدة الإفريقية والاتحاد الأوروبى والكومنولث إرسال بعثة إلى جنوب أفريقيا لإجراء مشاورات بشأن الترتيبات التحضيرية لدور الأمم المتحدة فى عملية الانتخابات رفع العقوبات عن جنوب أفريقيا:ـ بدأت الأمم المتحدة فى الأشهر الأخيرة من عام 1993 فى إنهاء العزلة الدولية المفروضة على جنوب أفريقيا وذلك استجابة للتطورات الإيجابية وبعد الاتفاقات التى تم التوصل إليها لإنهاء السياسة العنصرية وكانت الخطوات الأولى فى هذا الصدد هى رفع العقوبات الاقتصادية والتى كانت الأمم المتحدة قد فرضتها على بريتوريا على مدى العقود السابقة ثم أوقفت اللجنة الخاصة العمل بسجلات مقاطعة جنوب أفريقيا فى المجالين الرياضى والثقافى وطالبت الجمعية العامة بعد الرفع الفورى للعقوبات الاقتصادية رفع الحظر النفطى عندما يبدأ المجلس التنفيذى الانتقالى عمله وتم ذلك فى بداية ديسمبر 1992 ثم ألغت الجمعية العامة بعد ذلك بأيام ولاية الفريق الحكومى الدولى لرصد توريد ونقل النفط والمنتجات النفطية إلى جنوب أفريقيا اعتمدت الجمعية العامة قرارا تحث فيه السلطات فى جنوب أفريقيا على القيام بمسئولياتها الرئيسية وحماية جميع السكان وتأمين حقهم فى المشاركة فى العملية الديمقراطية كما حثت جميع الأطراف بما فيها تلك التى قاطعت المفاوضات على احترام ما تم التوصل إليه من اتفاقات والاشتراك فى الانتخابات وحل المسائل المعلقة بالطرق السلمية الانتخابات الوطنية:ـ بدأت العملية الانتخابية فى جنوب أفريقيا رسميا فى ديسمبر 1993 وتولت الحكومة والمؤتمر الوطنى الأفريقى وذلك بدعم من الأمم المتحدة القيام بمسئولياتها فى الأعداد لانتخابات حرة نزيهة ومحاولة إقناع جميع الأطراف بالتعاون من أجل تنفيذ ذلك ومع نهاية شهر يناير 1994 انفصلت سيسكاى عن تحالف الحرية انضمت إلى المجلس التنفيذى الانتقالى وأعلنت أنة سوف تشارك فى الانتخابات كما شارك مؤتمر الوحدويين لا زانيا فى العملية الانتخابية بعد أن أعلن فى الشهر نفسه وقف كفاحه المسلح، غير أنه استمر فى مقاطعته للمجلس التنفيذى الانتقالى وكان المجلس التنفيذى الانتقالى قد طلب إلى الأمم المتحدة إرسال عدد كاف من المراقبين الدوليين لرصد الانتخابات وأن تقوم الأمم المتحدة بنشر هؤلاء المراقبين بما فى ذلك مراقبى منظمة الوحدة الأفريقية والكومنولث والاتحاد الأوروبى وذلك بالتنسيق مع اللجنة الانتخابية المستقلة وقد أرسلت بعثة لتقدير احتياجات الأمم المتحدة ثم بعد التشاور مع مجلس الأمن قمت بتعيين السيد الأخضر الإبراهيمى وزير خارجية الجزائر السابق ممثلا خاصا فى جنوب أفريقيا لتولى مهمة المساعدة فى تنفيذ قرارات مجلس الأمن بشأن جنوب أفريقيا وتنسيق الإشراف على أنشطة المراقبين الدوليين الأخريين وفقا لما طلبه المجلس التنفيذى الانتقالى ووافق كل من مجلس الأمن والجمعية العامة على اقتراحى بتوسيع ولاية بعثة الأمم المتحدة لتشمل مراقبة الانتخابات كما تمت الموافقة على ميزانية قدرها 389 مليون دولار لبعثة مراقبى الأمم المتحدة فى جنوب أفريقيا يتم تخصيصها من الميزانية العادية للأمم المتحدة وقد تضمنت ولاية البعثة المهام الآتية:ـ
أ ـ مراقبة إجراءات اللجنة الانتخابية المستقلة وأجهزتها والتحقق من مطابقتها لسير الانتخابات الحرة والنزيهة
ب ـ مراقبة مدى حرية التنظيم والانتقال والتجمع والتعبير أثناء الحملة الانتخابية
ج ـ رصد امتثال قوات الأمن لمقتضيات القوانين ذات الصلة وقرارات المجلس التنفيذى الانتقالى
د ـ التحقق من تنفيذ أحكام قانونى اللجنة المستقلة لوسائل الأعلام والسلطة الإذاعية المستقلة تنفيذا مرضيا
ه ـ التحقق من أن ما تبذله السلطات الانتخابية والأطراف المعنية الأخرى من جهود لتثقيف الناخبين كاف
و ـ التحقق من عدم حرمان الناخبين المؤهلين من وثائق الهوية أو بطاقات الانتخاب المؤقتة التى ستمكنهم من ممارسة حقهم فى التصويت
ز ـ التحقق من أن التصويت يجرى أيام الانتخابات فى جو خال من التخويف وفى ظروف تضمن الوصول بحرية إلى مراكز الاقتراع وسرية التصويت، والتحقق من اتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان نقل صناديق الاقتراع وحراستها على النحو الملائم، وأمن عملية عد الأصوات والإعلان عن النتائج فى حينها
ح ـ تنسيق أنشطة جميع مراقبى الانتخابات ـ وقبل ما يقرب من شهرين من الانتخابات كان لبعثة مراقبى الأمم المتحدة فى جنوب أفريقيا دور هام فى رصد عملية الانتخابات فى كل مرحلة وفى تقييم نزاهة العملية الانتخابية ـ وبنهاية شهر مارس كان قد تم نشر 500 مراقب فى ستين موقعا كان من بينهم 200 من متطوعى الأمم المتحدة ينتمون إلى 44 بلدا وكان 55% من المتطوعين من أبناء القارة الأفريقية وأبرمت الأمم المتحدة اتفاقات ثنائية مع كل من فنلندا وهولندا والسويد وسويسرا لتزويد بعثة الأمم المتحدة فى جنوب أفريقيا بمراقبى انتخابات من 17 إبريل فصاعدا بلغ عدد المراقبين الدوليين 2120 مراقبا فى حين قدمت المنظمات الحكومية الدولية الأخرى مجموع 596 مراقبا منهم 150 من منظمة الوحدة الأفريقية 120 من الكومنولث، 326 من الاتحاد الأوروبى كما قدمت بعض الدول عدد 600 مراقب بالإضافة إلى تقديم 97 من المنظمات غير الحكومية ما يقرب من 3000 مراقب كان من بينهم 400 برلمانى ـ ومع اقتراب تاريخ الانتخابات أصبح من الواضح أن أول انتخابات جنوب أفريقيا الموحدة الديمقراطية اللا عنصرية ستكون تحت مراقبة دولية لم يشهد لها التاريخ مثيلا وفى أثناء نشر المراقبين الدوليين فى جنوب أفريقيا أعلن السيد مانديلا أن المؤتمر الوطنى الأفريقى قد وافق على إدخال بعض التعديلات على الدستور المؤقت تأخذ فى الاعتبار تحفظات الأحزاب التى قاطعت المفاوضات ذلك لتشجيعهم على الانضمام للعملية الديمقراطية وقد أقر المجلس التفاوضى المتعدد الأطراف هذه التعديلات ثم اجتمع السيد مانديلا مع الزعيم بنتليزى وأعلنا إنها سيعملان على حل خلافاتهما بالوساطة الدولية ووافق حزب الإنكاتا على التسجيل من أجل الانتخابات ومع حلول الموعد المحدد للتسجيل والذى تم تمديده لمدة 48 ساعة كانت عشرة أحزاب إضافية قد سجلت من بينها حزب الإنكاتا وأصبح مجموع الأحزاب 29 حزبا ـ وفى غضون ذلك اتخذ المجلس التنفيذى الانتقالى بالتعاون مع حكومة جنوب أفريقيا سلسلة من الإجراءات من أجل إعادة دمج الأوطان فى جنوب أفريقيا لضمان تمكن جميع الأحزاب السياسية من القيام بحملاتها الانتخابية بحرية فى تلك الأقاليم بدون تهديد، وتمكين اللجنة الانتخابية المستقلة من إنشاء الهيكل الأساسى الضرورى لإجراء الانتخابات أما رئيس وزراء بوفوتاتسوانا السيد منجوبى، عضو التحالف من أجل الحرية فقد قاطع الانتخابات وعلى الرغم من تحذيرات المجلس التنفيذى الانتقالى فإنه منع المؤتمر الوطنى الأفريقى من القيام بحملاته الانتخابية فى الوطن كما رفض طلبا من اللجنة الانتخابية المستقلة للسماح بالحملات الانتخابية والاقتراع هناك وأثار موقف السيد منجوتى احتجاجات واسعة فى بوفوتاتسوانا فقد قامت مظاهرات ضخمة فى أوائل مارس فى أعقاب إضراب قام به موظفو الخدمة المدنية، وطالب المتظاهرون بالإدماج الفورى للإقليم فى جنوب أفريقيا وقتل عدد منهم وجرح عدد آخر كما دخل نحو 3000 من جنود الجناح اليمينى البيض المدججين بالسلاح إلى الوطن لمساعدة السيد منجوبى واستولوا على القاعدة الجوية بموافقته إلا أن خلافا وقع بين زعماء اثنين من الفصائل وقد أطلقت إحدى الجماعتين النار فقتلت وجرحت عددا من المدنيين قبل مغادرة الوطن أما السيد منجوبى فقد هرب من العاصمة عندئذ تدخلت قوات دفاع جنوب أفريقيا ووافقت 2000 من أفراد الجناح اليمينى الذين انقطعت بهم السبل فى القاعدة الجوية خارج المنطقة وتمت إقالة منجوبى من منصبة وعين المجلس التنفيذى الانتقالى فى اليوم التالى مسئولا إداريا يشرف على الإقليم حتى الانتخابات وبذل المؤتمر الأفريقى والحكومة جهودا مكثفة لإقناع حزب الحرية إنكاتا وملك الزولو بالانضمام إلى العملية الانتخابية حتى يمكن إجراء الانتخابات فى كوازولو فى جو خال من الخوف والتهديد والعنف إلا أن هذه الجهود تعقدت عندما رفض الملك الدستور المؤقت وطالب بالسيادة على إقليم كوازولو ناتال كله وتزايدت أعمال العنف المتعلقة بالعملية الانتخابية من محاولات لمنع توعية الناخبين وتثقيفهم وخاصة فى إقليم كوازولو ناتال حيث ارتفع عدد الضحايا من 180 خلال شهر فبراير إلى 311 خلال شهر مارس وقد سجلت لجنة جولدستون مسئولية بعض كبار الضباط فى شرطة جنوب أفريقيا وحزب الحرية إنكاتا فى أعمال العنف التى وقعت فى كوازولو/ ناتال وفى منطقة النشاط التجارى فى جوهانسبرج وأصدر مجلس الأمن بيانا أعرب فيه عن أسفه لأعمال العنف التى هدفت بشكل واضح إلى إخراج العملية الانتقالية عن مسارها، ودعا جميع سكان جنوب أفريقيا إلى أن يضعوا حدا لأعمال العنف وأكد الأهمية التى يوليها المجلس ـ لإجراء أول انتخابات عامة حرة ديمقراطية فى جنوب أفريقيا ـ وفى ذلك اليوم نفسه عقد ممثلى الخاص لرؤساء بعثات منظمة الوحدة الأفريقية والكومنولث والاتحاد الأوروبى مؤتمرا صحفيا فى جوهانسبرج وأصدروا بيانا أعربوا فيه عن أسفهم إزاء أعمال العنف كما أعربوا ـ عن قلقهم العميق إزاء أثر الكلام عن الحرب والتهديدات والتحديدات التى قصد بها إثارة السكان ـ ومع ازدياد حالة التوتر قام الرئيس دى كليرك بالتشاور مع المجلس التنفيذى الانتقالى بإعلان حالة الطوارئ فى كوانولو/ ناتال فى 31 مارس ووزع 3000 جندى فى المنطقة وفى اجتماع قمة السلام الذى عقد فى 8 إبريل وحضره السيد مانديلا والرئيس دى كليرك والزعيم بوتليزى وملك الزولو قدم السيد مانديلا عدة مقترحات بهدف تلبية مطالب الملك إلا أن الملك والزعيم بوتليزى رفضا هذه المقترحات، كما أن المحاولة التى جرت للوساطة الدولية قد فشلت عندما رفض المؤتمر الوطنى الأفريقى وحكومة جنوب أفريقيا مطلب الزعيم بوتليزى بأن تكون تواريخ الانتخابات أحد مواضيع المناقشة ـ وفى 19 إبريل توصل المؤتمر الوطنى الأفريقى وحزب إنكاتا للحرية والحكومة إلى اتفاق يعترف بمؤسسة ملكية الزولو ووضعها ومركزها الدستورى ويحميها، وهو ما سينص عليه فى دستور مقاطعة كوازولو سناتال ونتيجة لذلك وافق حزب الحرية إنكاتا على المشاركة فى كل من الانتخابات الوطنية والإقليمية كما أيد الملك الاتفاق ودعا شعبه إلى المشاركة فى الانتخابات ولقد رحبت بهذا الإنجاز الكبير وأعربت عن أملى فى أن يضمن أن تكون الانتخابات سلمية وفى25 إبريل اجتمع برلمان جنوب أفريقيا فى دورة استثنائية لسن قانون التعديل الثانى لدستور جمهورية جنوب أفريقيا الذى تضمن الاتفاق وقد أدى ذلك إلى انخفاض كبير فى أعمال العنف فى كوازولو/ ناتال ـ وكان جناح البيض اليمينى وراء عدة أحداث مؤلمة فى محاولة لعرقلة الانتخابات حيث وقعت 40 حادثة تفجير قنابل فى مكاتب المؤتمر الوطنى الأفريقى وخطوط السكك الحديدية ومحطات الطاقة وملاجئ الأطفال وفى خلال أربعة أيام فقط من 25 ـ 29 إبريل قتل 21 شخصا سير العملية الانتخابية:ـ بمشاركة حزب الحرية إنكاتا بلغ عدد الأحزاب السياسية المتنافسة فى الانتخابات الوطنية 19 حزبا فيما ظهر على بطاقة الاقتراع الإقليمية 28 حزبا فى أول انتخابات ديمقراطية وغير عنصرية فى جنوب أفريقيا ولم تشارك فى الانتخابات منظمة آزانيا الشعبية وحركة وعى السود والحزب المحافظ والجبهة الشعبية الأفريكانية وبلغ عدد مواطنى جنوب أفريقيا الذين يتمتعون بأهلية الانتخابات 227 مليون من مجموع 403 مليون نسمة كذلك فإن نسبة 70% من هؤلاء لم يسبق لهم التصويت من قبل بل وكان الكثير منهم أميين وقامت اللجنة الانتخابية المستقلة بتوظيف وتدريب ونشر ما يقرب من 200000 من موظفى الاقتراع والعدادين والمسئولين الانتخابيين للعمل كموظفين فى أكثر من 9000 مركز اقتراع فى جميع أنحاء البلاد واضطلعت بحملة مكثفة لتثقيف الناخبين بمساعدة عدد كبير من المنظمات غير الحكومية من جنوب أفريقيا وخارجها على السواء وبالإضافة إلى 9000 راصد من مواطنى جنوب أفريقيا دربتهم اللجنة الانتخابية المستقلة قام حوالى 6000 مراقب دولى برصد الانتخابات وكان من المقرر أن تجرى الانتخابات فى الفترة من 26 ـ 28 إبريل إلا أن مشاكل عملية كثيرة نشأت بسبب ضيق الوقت المتاح للجنة الانتخابية المستقلة للأعداد للانتخابات وتأخر حزب الحرية إنكاتا فى دخول الانتخابات ومددت ساعات الاقتراع وأضيف يوم رابع للاقتراع فى ثلاث من مناطق الاقتراع التسع فى البلد وهى ترانسفال الشمالية جازانكولو وليبوا وفندا، والكاب الشرقية، سيسكاى وترانسكى، وكوازولو/ ناتال وقد خصص اليوم الأول من الاقتراع للمسنين والعجزة ومواطنى جنوب أفريقيا المقيمين فى الخارج وكان هنالك 190 مركز اقتراع فى الخارج حيث أدلى حوالى 300000 من مواطنى جنوب أفريقيا المقيمين فى الخارج بأصواتهم، وقدمت وحدة المساعدة الانتخابية التابعة للأمم المتحدة مراقبين فى 120 مركزا اقتراعا فى 57 بلدا وأقيم مركز اقتراع بمقر الأمم المتحدة فى نيويورك كان العاملون فيه من مواطنى جنوب أفريقيا وموظفى الأمم المتحدة ـ وأدلت الغالبية العظمى من مواطنى جنوب أفريقيا بأصواتها بحماس كبير وعلى الرغم من وجود بعض الارتباكات التنظيمية الحادة والصفوف الطويلة التى نقلت صورتها المعبرة وسائل الأعلام الدولية فقد جرت الانتخابات فى جو احتفائى خال من العنف وقدرت نسبة الذين شاركوا فى الانتخابات بحوالى 86 فى المائة وقام مراقبو الأمم المتحدة فى أيام الانتخابات بزيارة آلاف مراكز الاقتراع وقدموا التقارير عنها كما شهد مراقبو الأمم المتحدة بعض عمليات عد الأصوات ـ وفى اليوم التالى لانتهاء التصويت أصدر السيد الإبراهيمى ورؤساء بعثات المراقبة الدولية الأخرى بيانا مشتركا ذكروا فيه أن سكان جنوب أفريقيا قد أظهروا بجلاء التزامهم بإنهاء الفصل العنصرى والتحول إلى ديمقراطية غير عنصرية بإقبالهم على التصويت بإعداد ضخمة وكان أغلبهم يدلى بصوته للمرة الأولى فى حياته وأعربوا عن ارتياحهم لأن سكان جنوب أفريقيا تمكنوا من المشاركة فى التصويت بحرية وقالوا ما شاهدوه خلال أيام التصويت الأربعة كان اتجارا عظيما لجنوب أفريقيا فقد اجتمع هذا الشعب الذى كان فى الماضى خاضعا لفصل منهجى فى مناسبة تاريخية وطنية عبر فيها عن تصميمه على إقامة جنوب أفريقيا سلمية غير عنصرية وديمقراطية ـ وذكرت بعثات المراقبة الدولية فى بيان أصدرته فى 5 مايو أنها تشترك فى رأى جماعى بأن نتيجة الانتخابات عكست إرادة شعب جنوب أفريقيا وأضافت أن التسامح والصبر اللذين أظهرهما أبناء جنوب أفريقيا خلال فترة التصويت والانخفاض الكبير فن مستوى العنف السياسى والالتزام الذى عبرت عنه الأحزاب السياسية بالمصالحة الوطنية لبشر بالخير لجنوب أفريقيا الجديدة النتائج الرسمية للانتخابات:ـ وحسب النتائج النهائية الرسمية فاز المؤتمر الوطنى الأفريقى ب 626 فى المائة من الأصوات وحصل الحزب الوطنى على 204 فى المائة وحزب الحرية إنكاتا على 105 فى المائة ولم يحصل أى من الأحزاب الأخرى على الخمسة فى المائة من الأصوات المطلوبة للتمثيل فى الحكومة وحصل المؤتمر على أغلبية المقاعد فى سبعة من المجالس التشريعية الإقليمية التسعة، وظفر الحزب الوطنى بالأغلبية فى المجلس التشريعى فى الكاب الغربى بينما فاز حزب الحرية إنكاتا بالأغلبية فى كوازولوا/ ناتال ـ وفى 6 مايو قال رئيس اللجنة الانتخابية المستقلة وهو يعلن النتائج النهائية للانتخابات إنه على الرغم مما أصاب العملية الانتخابية من أخطاء فقد كان الانتخابات عادلة وحرة بما فيه الكفاية أو استطعنا الوقوف على أراده الشعب ـ وقد أصدرت بيانا فن ذلك اليوم نفسه أنقل فيه تهانى الحارة إلى شعب جنوب أفريقيا وجميع قياداته انتخابات نيلسون مانديلا أول رئيس لجنوب أفريقيا الديمقراطية اللا عنصرية:ـ وأعلنت الجمعية الوطنية المنتخبة حديثا فى جلستها الأولى التى عقدت فى كيب تاون فى 9 مايو، بالإجماع انتخاب السيد نيلسون مانديلا رئيسا لجنوب أفريقيا، وانتخب السيد تابو مابيكى نائبا أول للرئيس، وفى اليوم التالى أدلى السيد نيلسون روليهلا هلا مانديلا اليمين الرسمية كأول رئيس منتخب بطريقة ديمقراطية لجنوب أفريقيا فى احتفال أقيم فى مبانى الاتحاد فى بريتوريا ودعا الرئيس مانديلا فى خطابه الافتتاحى شعب جنوب أفريقيا إلى العمل معا من أجل المصالحة الوطنية وبناء الأمة وشكر المجتمع الدولى وناشده الاستمرار فى دعمه لجنوب أفريقيا وهى تواجه تحديات بناء السلام والرخاء والمساواة على أساس الجنس واللا عنصرية والديمقراطية وشكلت حكومة وطنية فى اليوم التالى وتم تنصيب السيد مانديلا رئيس فى احتفال كان لى شرف حضوره كان يوم 9 مايو 1994 يوما تاريخيا ليس فى حياة شعب جنوب أفريقيا وإنما للمجتمع الدولى بأسره والذى جنى فى هذا اليوم ثمار كفاح طويل من أجل الحق والحرية والمساواة فقد تم فى ذلك اليوم انتخاب الجمعية الوطنية المنتخبة حديثا لنيلسون مانديلا بالإجماع ليكون أول رئيس لجنوب أفريقيا الديمقراطية الموحدة اللا عنصرية كذلك انتخب السيد تابومبيكى نائبا أول للرئيس وانتخب السيد فودى كليرك نائبا ثانيا للرئيس وفى يوم 10 مايو كان احتفال شعب جنوب أفريقيا بل شعوب القارة الأفريقية بآسرها تشاركها شعوب العالم بتنصيب الرئيس نيلسون روليهلاهلا مانديلا وأدائه اليمين الدستورى كأول رئيس منتخب بطريقة ديمقراطية لجنوب أفريقيا ودعا الرئيس مانديلا فى خطابة التاريخى شعب جنوب أفريقيا إلى العمل من أجل المصالحة الوطنية وبناء الأمة وشدد على شكر المجتمع الدولى لما قدمه من مساندة طوال كفاح هذا الشعب ـ وناشده الاستمرار فى دعمه لجنوب أفريقيا وهى تواجه تحديات بناء السلام والرخاء والمساواة وكما قلت فى بداية هذه الدراسة فقد حرصت على حضور هذا الحفل بنفسى وكان لى شرف أن أكون أول المهنئين للرئيس مانديلا على هذا الانتصار التاريخى وبهذه المناسبة فقد تعهدت بأن الأمم المتحدة ووكالتها المتخصصة وبرامجها لعلى استعداد لتقديم الدعم المتواصل لتحقيق الكرامة والحقوق المتساوية والتقدم الاجتماعى لشعب جنوب أفريقيا بأسره وأن الثقة التى اكتسبتها حكومة جنوب أفريقيا الديمقراطية فى المجتمع الدولى والأعمال التمهيدية التى اضطلعت بها وكالات الأمم المتحدة لهى ضمان لتعاون بناء فى النهوض بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية لجنوب أفريقيا الجديدة الأمم المتحدة وجنوب أفريقيا الجديدة:ـ وقبل نهابة شهر مايو 1994 كان مجلس الأمن قد أنهى الحظر على الأسلحة وهو آخر العقوبات المتبقية من تلك التى كانت مفروضة على جنوب أفريقيا وقدمت اللجنة الخاصة لمناهضة الفصل العنصرى أخر تقارير إلى الجمعية العامة والذى ذكرت فيه أن نظام الفصل العنصرى فى جنوب أفريقيا قد انتهى وأن اللجنة بذلك تكون قد استكملت ولايتها بنجاح وفى 23 يونيو 1994، قبلت الجمعية العامة وثائق تفويض وفد جنوب أفريقيا برئاسة وزير الخارجة الجديد السيد الفريد تزو ورحبت فى قرارها 48 / 258 ألف بعودة جنوب أفريقيا إلى الأسرة الدولية كما تم حذف البنود التى كانت مدرجة حول الوضع فى جنوب أفريقيا فى كل من الجمعية العامة ومجلس الأمن، واستأنفت جنوب أفريقيا مشاركتها فى الوكالات المتخصصة والهيئات السياسية للوكالة الدولية للطاقة الذرية وبينما تم القضاء على الفصل العنصرى والتمييز العنصرى فى جنوب أفريقيا وقامت حكومة جديدة غير عنصرية ملتزمة بتعزيز المساواة فى الحقوق وفى الفرص لشعب جنوب أفريقيا بأسره، لازالت هناك أعمال هائلة وهى التغلب على تركة طال أمدها هى تركة التمييز والفصل العنصريين والقضاء على الفقر والحرمان ومن أجل مساعدة جنوب أفريقيا على مواجهة هذا الإرث الهائل من عوائق التنمية الشاملة اشتركت اللجنة الخاصة مع مراكز دراسة اقتصاد جنوب أفريقيا والشئون المالية الدولية التابع لمدرسة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية فى رعاية حلقة دراسية موضوعها النمو والتنمية الاقتصادية المستديمة فى جنوب أفريقيا أولويات السياسة للسنوات الأولى للحكم الديمقراطى وركزت اهتمامها على مسألة تنظيم الموارد المحلية عن طريق التخطيط المالى والضريبى وتعبئة الموارد الخارجية وإدارة السياسات المالية الخارجية وسياسة سعر الصرف وإعادة تشكيل الاقتصاد الوطنى من خلال سياسات سوق العمل والاستراتيجيات التجارية والصناعية وقبل ذلك اتخذت بناء على طلب الجمعية العامة خطوات كى تقوم منظمة الأمم المتحدة باستجابة متضافرة لما يقدم من مساعدة فى الحاضر والمستقبل، وقدمت تقارير سنوية إلى الجمعية العامة وكشفت هذه التقارير عن أن كثيرا من الوكالات قامت، من أجل تقييم الاحتياجات وإعداد الخطط بإجراء اتصالات، مع حركات التحرير، والهيئات المناوئة للفصل العنصرى وغيرها من المؤسسات المعنية بمساعدة الفئات المحرومة فى جنوب أفريقيا وأشارت تقارير أخرى إلى الاستعداد لتقديم المساعدة فى أقرب وقت يتم فيه إقامة الحكومة الديمقراطية وبدأ برنامج الأمم المتحدة الإنمائى بالتشاور مع وكالات أخرى فى صياغة سياسات لتقديم المساعدة الفنية إلى جنوب أفريقيا وأجرت منظمة العمل الدولية عدة مشاورات مع ممثلى نقابات العمال ومنظمات أصحاب الأعمال وكذلك حركات التحرير فى تخطيط تعاونها الفتى ومساعدتها ونظمت اليونسكو حلقات عمل لمناقشة مسائل تتعلق بجنوب أفريقيا فيما بعد الفصل العنصرى وأرسلت منظمة الصحة العالمية وصندوق الأمم المتحدة للسكان وصندوق الأمم المتحدة الإنمائى للمرأة بعثات إلى جنوب أفريقيا كما بدأ برنامج الأمم المتحدة التعليمى والتدريبى للجنوب الأفريقى عددا من البرامج التعليمية والتدريبية للسكان، المحرومين فى جنوب أفريقيا وبدأت جامعة الأمم المتحدة فى تحليل الآثار المترتبة على التصنيع فى جنوب أفريقيا الجديدة بالنسبة لسياسة التكنولوجيا والنظر فى الدور الذى يمكن لجامعة الأمم المتحدة أن تؤديه فيما يتعلق بتطوير الجامعات وساعد اليونسيف على تشجيع تشكيل لجنة حقوق الطفل الوطنية التى اضطلعت بدراسة لمشاكل المرأة والطفل فى جنوب أفريقيا لتكون أساسا لاستحداث برنامج عمل لذلك فقد بدأ البنك الدولى فى دراسات عن قطاعات مختلفة لاقتصاد جنوب أفريقيا وشرع فى برنامج لتدريب مواطنى جنوب أفريقيا على أسس السياسة الاقتصادية وإدارة مشاريع تنمية المدن وأيد البنك تأسيس معهد مستقل للأبحاث الاقتصادية فى كيب تاون وبدأ برنامجا لمساعدة مؤسسات جنوب أفريقيا على تدريب المواطنين فى مجال التنمية وأشار إلى استعداده لاستئناف الإقراض ذلك أن حكومة ديمقراطية قد أقيمت الآن فى جنوب أفريقيا وفى عام 1993 تسلمت جنوب أفريقيا أول قرض من صندوق النقد الدولى منذ عام 1982 وقد تابعت جميع الوكالات الوضع بغية تقديم المساعدة فى التنمية بعد إقامة حكومة ديمقراطية وذلك على الأخص لمعالجة الفوارق الاقتصادية والاجتماعية الفادحة التى خلقها نظام الفصل العنصرى وبعد رفع الجزاءات الاقتصادية ضد جنوب أفريقيا حثت الجمعية العامة بشدة فى قرارها 48/159 ألف المجتمع الدولى على أن يستجيب للنداء الذى وجهه شعب جنوب أفريقيا لتقديم المساعدة إليه فئ التعمير الاقتصادى لبلده ولكفالة أن تبدأ جنوب أفريقيا الجديدة وجودها على أساس اقتصادى وطيد وطلبت الجمعية العامة من الأمين العام أن يتخذ التدابير اللازمة لمباشرة التخطيط التفصيلى لبرامج المساعدة الاجتماعية ـ الاقتصادية وخاصة فى مجالات تنمية الموارد البشرية والعمالة والصحة والإسكان وللتنسيق فى هذا الشأن بين الأمم المتحدة والوكالات التابعة لها وذلك لكفالة تنسيق تلك البرامج مع الوكالات الدولية الأخرى ومع الهياكل غير العنصرية الشرعية فى جنوب أفريقيا وأصبح الطريق الآن مفتوحا أمام وكالات الأمم المتحدة والمجتمع الدولى عامة للمساعدة فى تحقيق هذه الأهداف وبالتالى مساعدة شعب جنوب أفريقيا فى توطيد أركان ديمقراطية كما ناشدت الجمعية العامة بقوة فى قرارها 48 /258 ألف الدولى الأعضاء والمجتمع الدولى توفير المساعدة بسخاء لحكومة وشعب جنوب أفريقيا فى مجال تنفيذ برامج التعمير والتنمية لبلدهما وطلبت إلى الأمين العام أن ينظر بالتشاور مع حكومة جنوب أفريقيا فى تعيين منسق رفيع المستوى للأنشطة الإنمائية التى تضطلع بها الأمم المتحدة فن ذلك البلد وسبق للأمم المتحدة أن عملت على التنسيق مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائى وأمانة الكومنولث بناء على طلب المجلس التنفيذى الانتقالى فى الأعداد لمؤتمر المانحين الدوليين من أجل تنمية الموارد البشرية فى جنوب أفريقيا لفترة ما بعد الفصل العنصرى والذى انعقد فى أكتوبر 1994 لتركيز الانتباه على احتياجات البلد وتشجيع البلدان والوكالات المانحة على تقديم المساعدة الملموسة أن مستقبل جنوب أفريقيا إنما يكمن فى تنوعيها البشرى والثقافى فهى بموقعها الجغرافى ومواردها وثرواتها مرشحة للقيام بدور رئيسى فى المجالات السياسية والاقتصادية والتجارية ليس فقط فى الإقليم لجنوب القارة بل على مستوى القارة بأسرها إلا أن ذلك يتوقف على مدى حرصها على تحقيق الحرية والعدالة والمساواة للجميع بما فى ذلك حقوق الأقلية البيضاء وإذ ا نظرنا اليوم إلى محصلة عام هو الأول فى عمر هذه التجربة الديمقراطية لنجد أنها محصلة إيجابية حيث نجحت الحكومة فى ظل القيادة الرشيدة الواعية للرئيس مانديلا فى المحافظة على وحدة البلاد وحماية أمنها كذلك فانه على الصعيد الاقتصادى نجحت جنوب أفريقيا فى جذب رؤوس الأموال وفتح مجالات الاستثمار ودفع عجلة التنمية الاقتصادية الشاملة ـ وكل ذلك يعتبر بلا شك بداية إيجابية للغاية تستحق تقدير وتشجيع المجتمع الدولى فجنوب أفريقيا التى ساندها المجتمع الدولى حتى أثمر كفاح شعبها الطويل عن دولة ديمقراطية لا عنصرية فهى فى حاجة أشد اليوم إلى هذا المجتمع نفسه لمواجهة تحدى السلام والأمن والاستقرار والتنمية كما واجهت تحدى التمييز العنصرى والعنف والظلم والإرهاب وستظل تجربة جنوب أفريقيا نبراسا مضيئا فى تاريخ نضال الشعوب وخاصة فى القارة الأفريقية حيث أثبتت هذه التجربة أن القارة السوداء قادرة على حكم نفسها ديمقراطيا وأن الديمقراطية هى أفضل الخيارات لشعوب هذه القارة حتى تتمكن من اللحاق بركب التقدم والازدهار
الهوامش:ـ تتضمن سلسلة الكتب الزرقاء طبعات بشأن القضايا التالية:ـ كمبوديا، السلفادور، معاهدة منع الانتشار النووى، حقوق الإنسان وتم نشرها، وجارى إعداد الكتب الزرقاء الخاصة بالصومال ـ موزمبيق ـ أنجولا ـ وموضوعات المرأة ـ أغلبية تسعة أصوات مقابل لا شئ وامتناع فرنسا والمملكة المتحدة ـ لم يكن للقرارين السابقين لمجلس الأمن عام 1963 والسابق الإشارة إليهما قوة الإنفاذ لأنهما لم يكونا تطبيقا للفصل السابع، كما لم يتم إقرارهما بالإجماع بل بالأغلبية ـ وكانت أنجولا قد حصلت على استقلالها عام 1975، وحصلت زيمبابوى على استقلالها عام 1980 ـ تبنت هذه الحملة السيدة لوثريتا سكوت من الولايات المتحدة والسيدة جون ليستر والسيد ديفيد سيتل من المملكة المتحدة ـ قرار الجمعية العامة (1979) لمراجعة البند ـ تقرير اللجنة الاقتصادية لأفريقيا ـ زعزعة استقرار الجنوب الأفريقى التكلفة الاقتصادية لخط المقاومة الأمامى للفصل العنصرى، أديس أبابا عام 1989 ـ القرار 22/182 هاء فى 24 يناير عام 1979، اعتمد بأغلبية 105 أصوات ضد 6 أصوات وامتناع 16 عضوا عن التصويت ـ قرار مجلس الأمن 569 (1985) Bicycle for Mandella ـ قرار الجمعية العامة 24/23 ألف (1987) قرار الجمعية العامة 34/50 دال (1988) UNOMSA ـ مثل حكومة جنوب أفريقيا السيد رولف ماير الوزير المكلف بإعداد الدستور وكان السيد سيريل راما فوزا الأمين العام للمؤتمر ـ تكونت البعثة من السيد فيراندرا دايال المساعد الأمين السابق والذى اشترك فى بعثة السيد فانس والسفير توم فيرالسين الأمين العام المساعد بوزارة الخارجية النرويجية ـ أنظر الجدول المرفق ـ بيان الأمين العام بمناسبة إعلان النتيجة الرسمية للانتخابات ـ بيان الأمين العام للأمم المتحدة فى بريتوريا بمناسبة تنصيب السيد نيلسون مانديلا رئيسا لجنوب أفريقيا.