Share |
يناير 1998
1
الجيش والسياسة فى تركيا
المصدر: السياسة الدولية
بقلم:   معتز سلامة

الجيش التركى هو ثانى أكبر الجيوش، من حيث العدد، فى حلف الناتو، بعد الولايات المتحدة ومؤخرا أعلن وزير الدفاع نورهان تايان أن بلاده ستنفق 31 مليار دولار على خطة تحديث الجيش خلال السنوات العشر القادمة وفى بلد مثل تركيا، فإن ذلك يعنى حرص المؤسسة العسكرية على التجاوب مع التطورات داخل المجتمع التركى، وعلى البقاء كضامن رئيسى لمبادئ وتعاليم الدولة كما أسسها أتاتورك، منذ 1923 فى تركيا، ليس هناك انفصال بين الجماعة المدنية، والجماعة العسكرية فكلتا الجماعتين تنتظمان فى أكثر من إطار مدنى وعسكرى داخل الجهاز الحاكم والقاعدة الرئيسية أن للجيش الدور الرئيسى فى حراسة النظام ضد المخاطر، وقد اضطلع الجيش بهذا الدور فى أكثر من مناسبة وفى غير ذلك من الأوقات، وقف الجيش على الدوام خلف الجهاز المدنى، فى ظل أوقات الحكم الدستورى ـ الديمقراطى، ليضع بذلك سقفا على حركة النظام والمجتمع وفى كل الأحيان كان المدنيون واجهة النظام، وكان العسكريون قاعدته الرئيسية أن مركزية دور المؤسسة العسكرية التركية يعود إلى ما حدده لها الدستور والقوانين، وأيضا، إلى تراث من التعاليم والمبادئ التى تشربت به النخبة العسكرية على مدى العقود الثمانية الماضية لعل ذلك ما يفسر حركة الجيش مؤخرا ضد نجم الدين أربكان زعيم حزب الرفاه، والذى أجبره فيها قادة الجيش على تقديم استقالته، فى انقلاب أطلق عليه الانقلاب ـ اللطيف ـ أو ـ المخملى ـ أن تناول دور الجيش فى السياسة التركية يتطلب التعرض لعدة تساؤلات:ـ أولا، ماذا عن تركيبة الجيش التركى والدور المنوط به طبقا للدستور والقوانين؟ وثانيا، متى يخرج العسكريون الأتراك للإطاحة بالحكم المدنى؟ وثالثا، لماذا تدخل العسكر ضد أربكان؟ وأخيرا، ما هى آفاق مستقبل العلاقة داخل الائتلاف المدنى ـ العسكرى العلمانى؟ تركيبة الجيش:ـ يتكون الجيش التركى من أربعة أفرع أساسية هى:ـ القوات الجوية، والقوات البحرية التى تتبعها قوات حرس السواحل، وقوات الجندرمة، والقوات البرية ويبدأ التسلسل القيادى فى الجيش من رئيس الدولة، ثم رئيس الوزراء، فرئيس الأركان العامة، والذى يليه قيادات الأفرع الأربعة، قائد القوات الجوية، قائد القوات البحرية وقائد حرس السواحل، قائد قوات الجندرمة، وقائد القوات البرية طبقا للدستور التركى الصادر فى 1982، وكما ورد فى المادة (117) ، فإن ـ القيادة العليا للجيش هى جزء من المجلس الوطنى الكبير ( البرلمان) ، ويمثلها رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء مسئول أمام المجلس الوطنى الكبير عن الأمن القومى وإعداد القوات المسلمة للدفاع عن البلد ـ ومجلس الأمن القومى هو المحدد الرئيسى للسياسة العسكرية وطبقا للمادة (118) ، يتألف مجلس الأمن القومى من:ـ رئيس الوزراء، ورئيس الأركان العامة، ووزراء الدفاع، والشئون الخارجية، والداخلية، وقيادات الجيش من أفرع:ـ القوات البرية والقوات البحرية، والجوية، والقائد العام للجندرمة وذلك تحت رئاسة رئيس الجمهورية والعلاقة بين مجلس الوزراء ومجلس الأمن القومى متداخلة ومتشابكة فبينما يتبع مجلس الأمن القومى (المعنى بشئون الدفاع والأمن) مجلس الوزراء (المعنى بسياسة الدولة) فى اتخاذ القرارات، والالتزام بسياسة الدولة داخل المؤسسة، وتنفيذ السياسة الأمنية، فإن مجلس الوزراء عليه أن يعطى الأولوية لقرارات مجلس الأمن القومى، فيما يتعلق بالإجراءات التى تبدو ضرورية لحفظ وجود الدولة واستقلالها، وتكامل الوطن ووحدته، وسلامة المجتمع وأمنه وفى الغالب، فقد طغى دور مجلس الأمن القومى على دور مجلس الوزراء، حيث احتفظ المجلس لنفسه بسلطة الاعتراض دون إبداء الأسباب والمجلس، من الناحية الرسمية هو هيئة استشارية، وبالرغم من ذلك، فلم يحدث أن اتخذت الحكومة قرارا يتناقض مع قرار المجلس ويلتزم مجلس الوزراء عادة بالنصائح التى يتقدم بها العسكريون فى الحكومة ويصدق على القرارات التى تأتى من الجيش بطريقة آلية أن ثقل مجلس الأمن القومى فى صنع السياسة العسكرية والأمنية التركية تتضح من تركيبة المجلس، الذى يضم صناع السياسة المركزية للدولة من الفرعين المدنى والعسكرى ولقد حاول سليمان ديميريل، رئيس وزراء تركيا، فى 1992، أن يقلل من أهمية الحديث عن دور مجلس الأمن القومى وفى مؤتمر صحفى، أنكر أن تكون الحكومة تنفذ ما تمليه عليها المؤسسة العسكرية، قائلا أن مجلس الأمن هو منبر لتبادل الآراء بين جناحى المؤسسة الحاكمة، فى محاولة لأن يقنع أحدهما الآخر وهذا أكبر دليل على دور هذا الجهاز (مجلس الأمن) ، إذ أنه جناح رئيسى فى صنع سياسة الدولة، ولا تتم العلاقة بينه وبين الجهاز المدنى من خلال علاقة إخضاع أو تنفيذ لأوامر، وإنما من خلال الإقناع وتبادل الرأى وبوجه عام، فليس للقضاء سلطان على قرارات السكرتير العام لمجلس الأمن القومى أو رئيس المجلس العسكرى الأعلى، وهو جهاز يجتمع كل ستة أشهر للنظر فى ترقية الضباط وإحالتهم للتقاعد أما من حيث التربية العقائدية، فالضباط فى الكليات والأكاديميات العسكرية يلقنون مبدأ رئيسيا، هو أنهم ليسوا فقط حماة للوطن، وإنما أيضا حماة للنظام الديمقراطى/ العلمانى وهذا الشعار ركن فى قانون الخدمة الداخلية للقوات المسلحة، وهو الأساس الشرعى لتدخل الجيش فى السياسة دورة الانقلابات:ـ على امتداد ثلاثين سنة، منذ 1960 وحتى 1980، قامت المؤسسة العسكرية التركية بثلاثة انقلابات أطاحت فيها بالحكم المدنى الأول، فى 27 مايو 1960، ضد نظام حكم ـ عدنان مندريس ـ والثانى، فى 12 مارس 1971، ضد سليمان ديميريل رئيس الوزراء آنذاك الثالث، فى 12 إبريل 1980، ضد الرئيس فخرى كوروتورك وذلك بمعدل انقلاب كل عشر سنوات وإذا أضفنا إلى ذلك ضغوط الجيش، والتى أسفرت عن تقديم نجم الدين أربكان لاستقالته فى يونيو 1997، نكون إزاء أربعة انقلابات عسكرية وتكون الفترة من 1980 وحتى ـ 1997، أطول مدة ما بين انقلابين فى تركيا منذ 1960 وللانقلابات العسكرية التركية نمط متشابه، خاصة الثلاثة الأولى، من حيث طبيعة الظروف التى أدت إلى الانقلاب أو من حيث المبررات التى ساقها الجيش للانقلاب، أو سواء بالنسبة لفترة بقاء الجيش فى السلطة عقب الانقلاب ومن ثم، فهناك سيناريو واحد ومتكرر للانقلابات التركية إذ يبدأ الانقلاب بإنذار توجهه القوات المسلحة إلى رأس السلطة، سواء رئيس الوزراء أو رئيس الدولة، مصحوبا بشروط تطرحها المؤسسة، وإذا لم يستجب الحاكم لإنذار الجيش يحدث الانقلاب ويتولى الجيش الحكم لفترة محدودة سنة أو اثنتين أو ثلاثة، يوضع خلالها دستور، كما حدث أثر انقلاب 1960 وانقلاب 1980، ثم يتراجع الجيش وتبدأ الحياة البرلمانية العادية، وذلك بعد أن تكون حدثت بعض التطهيرات فى صفوف الجيش، واستبعد البعض من أوساط الجماعة المدنية فى النظام إذن، ليس من تقاليد المؤسسة العسكرية التركية البقاء فى الحكم، وانقلاباتها ليست من النمط الدموى، ومن ثم، هى ـ أنصاف انقلابات ـ ، إن صح التعبير وهدف المؤسسة منها هو مواجهة خطر أو إصلاح خلل داخل الجهاز المدنى وهناك قدر من الإيمان داخل المؤسسة أن دورها هو حراسة النظام وليس السيطرة عليه، وأن من المهم لذلك أن تحافظ على استقلاليتها قدر الإمكان ولا يتدخل الجيش إلا فى حالات تدهور الأوضاع إلى حد يهدد الدستور ومبادئ الدولة لقد أظهرت خبرة الانقلابات التركية عدة أسس بالنسبة للمؤسسة العسكرية تتمثل فى:ـ ـ 1 ـ أن السلطة يجب أن تنحصر فى قمة القوات المسلحة (قيادة الأركان العامة وقيادات الجيش) ، لأن البديل سيكون تجزئة السلطة، كما حدث ما بين 1960 ـ 1963 ـ 2 ـ السلطة السياسية لا يجب أن تنفصل عن قيادة الجيش مثلما كان فى 1960، ومن ثم، إمكانية أن يجمع الجنرالات فى الحكم بين مناصبهم السياسية ومواقعهم العسكرية داخل المؤسسة ـ 3 ـ ضرورة امتلاك برنامج وخطة عمل واضحة قبل أن يتم التدخل وبدون ذلك لن يكون العسكريون قادرين على اقتسام السلطة مع السياسيين الجيش والإسلاميون:ـ فى حياتهم الخاصة، ما يزال الكثير من قيادات الجيش مسلمين يمارسون شعائر الدين، والرئيس ـ ايفرين ـ الأسبق هو أبن لشيخ كان إماما ولكن ما يعارضه فى الجيش هو الإضرار بالعلمانية، أو بمعنى آخر، أى مضامين سياسية للدين أو العقيدة إن تصدى الجيش للإسلاميين يمثل مهمة جديدة فى دور المؤسسة العسكرية ومنذ أواسط الثمانينات تقريبا، حارب الجيش أى دلائل أو مؤشرات لتكون بؤرا أو خلايا إسلامية من داخله وقد بدأت مسألة الإسلاميين بالجيش تحتل اهتمام القيادة العسكرية منذ 86 ـ ـ 1987، حيث كشف عن بعض خلايا إسلامية فى صفوف المؤسسة وفى فبراير 1987، بدأت السلطات تحقيقا شاملا، فى معاهد وأكاديميات تدريب الضباط، شمل 100 منهم، بتهمة الانتماء لجماعات إسلامية سرية محظورة تستهدف تطبيق الشريعة، وقلب النظام العلمانى وكانت تلك البدايات الجنينية فى رحم المؤسسة لكن الصدام الفعلى بين الجيش والإسلاميين تطور مع بزوغ نجم حزب الرفاه وزعيمه نجم الدين أربكان فعندما استشعر الجيش احتمال فوز الرفاه، بدأ يساوره القلق وبدأ حملة تطهير ضد الإسلاميين فى صفوفه، لكل من له صلة بالجماعات والطوائف الأصولية لكن الجيش بدأ فى البداية حريصا على حياده إزاء الصراع بين الأحزاب المدنية، وفى ذروة الحملة الانتخابية فى 4 مارس 1996 نفى الجنرال شفيق بير، أحد قيادات المؤسسة العسكرية، الشائعات باحتمال تدخل الجيش من أجل تشكيل حكومة ائتلافية بين حزبى الوطن الأم والطريق المستقيم، للحيلولة دون وصول حزب الرفاه للحكم بما يحمله من خطر أسلمة تركيا مؤكدا أن من مبادئ الجيش الأساسية الابتعاد عن السياسة لكن ربما كان هناك انقساما، أو اختلاف فى وجهات النظر، أو توزيع أدوار داخل المؤسسة العسكرية، أو ربما يكون هناك اختلاف بين قادة الأفرع لقد حاول قادة الجيش عزل المؤسسة وصغار الجنود والضباط عن تأثير الحملة الانتخابية للرفاه وفى ذروة احتدام المعركة الانتخابية، صدر منشور عسكرى ينظم أداء العبادات فى ثكنات الدرك مطالبا كبار الضباط بأداء الصلوات فى بيوتهم أو فى مساجد خارج الثكنات العسكرية، وارتداء ملابس مدنية أثناء العبادات، وحظر إذاعة الآذان من خلال مكبرات الصوت صراع على الهوية:ـ بدأ الصدام الفعلى بين الجيش والإسلاميين بعد وصول الرفاه إلى الحكم حيث بدأ الجيش يتشكك بشأن نوايا أربكان فمثلا، بالنسبة للمسألة الكردية، الجيش يتشدد تماما فى هذه المسألة، وله تراث فى معالجة الأزمة فمنذ سنة 1980، وقع خلاف بين قائد الانقلاب آنذاك ـ كنعان ايفرين ـ ورئيس الوزراء المدنى ـ بيولنت أجاويد ـ إذ حاول الأخير تقليص سلطة الجيش فى التعامل مع المشكلة الكردية، باعتبارها قضية أمن داخلى، ليست من مهمة الجيش ولكن الجيش اعتبر مسألة الأكراد مهتمة واتهم ـ أجاويد ـ بخيانة الوطن، ونيته فى تقسيم البلاد وفصل كردستان، وتحريض الحكومة على الجيش ولقد حاول أربكان اقتحام تلك القضية، مما هدد الجيش فقد طرح مبادرة لإجراء محادثات غير مباشرة مع الانفصاليين الأكراد وزعمائهم بالسجون وقد اعتبر الجيش ذلك مساسا بأحد مهامه وكان أحد أسباب تدخله المتكرر فى شمال العراق على نحو واسع النطاق فى ظل حكم أربكان، بمثابة إجهاض لمبادرته فى معالجة المسألة الكردية الجيش وأسلمة تركيا:ـ لم يمثل أربكان تهديدا للمؤسسة العسكرية على نحو تكتيكى، وإنما على نحو أشمل إذ طرح تهديدا لوجهة الدولة ولوجهها أيضا والجيش التركى يمتلك عقيدة متكاملة، ومنظومة من المبادئ، لها شق سياسى وشق اقتصادى، وشق اجتماعى، وآخر ثقافى ولها معان خارجية وداخلية ونظرا لجسامة التهديد الذى طرحه أربكان واستشعره الجيش، فقد اعتبر الأخير أن النشاطات الأصولية تشكل التهديد الأكبر لتركيا، كأولوية، تأتى قبل الخطر الذى يمثله حزب العمل الكردستانى لعل ما عبر عنه الجنرال ـ إسماعيل حقى قره داى ـ رئيس هيئة الأركان فى سبتمبر 1996، يكشف عن رؤية المؤسسة العسكرية لمدى الخطر فقد حذر من محاولة تغيير النظام الديمقراطى العلمانى و ـ جر البلاد إلى ظلامية القرون الوسطى ـ ومؤكدا، أن:ـ ـ حرية المعتقد لا يمكن أن تكون مضمونة إلا فى إطار النظام الديمقراطى ـ من خلال هذا التصريح تتبين نظرة قيادات الجيش للدين ولأهمية العلمانية من أجل حرية العقيدة لكن، كيف هدد أربكان الجيش؟ فى الواقع، أن وجود أربكان فى رئاسة الوزراء تعنى أن له موقعا رئيسيا فى التسلسل القيادى للجيش وداخل مجلس الأمن القومى وهذا يعنى حضوره اجتماعات الهيئات العسكرية العليا، وإطلاعه على أفكار وتكتيكات الجيش وقد كان وجوده بهذه الصفة محل انتقاد وازدراء وعدم ترحاب فى أوساط قيادات المؤسسة العسكرية فالمدلولات السياسية/ العسكرية على أرض الواقع ـ بالنسبة لوجود أربكان ـ لم تكن أقل خطورة من رؤاه الشاملة لمستقبل تركيا ومن ثم، لم يستطع الجيش هضمه أو استيعابه، لأن وجوده يعنى تعديل أولويات وخيارات تركيا، وترتيب جديد لمهام الدولة والنظام والجيش وعلى أرض الواقع أيضا، تفسر بعض المصادر تشدد قادة الجيش ضد أربكان بأسباب أخرى مثل أعمار قيادات الجيش الذين أشرفوا على التقاعد ورغبة البعض منهم فى تجديد مدة خدمته، وقد وجد القادة فى الإسهام ضد الإسلاميين فرصة لإثبات الدور والوجود، ومن ثم الترقى وقد ربطت بعض المصادر بين تشدد قادة الجيش وبين تورط بعضهم فى قضايا فساد متنوعة كالرشوة، أو التورط فى صفقات سلاح مشبوهة من قبل عناصر فيما يسمى المركب الصناعى/ العسكرى الأيام الأخيرة:ـ بذل الجيش كل جهده من أجل تنفيذ انقلاب هادئ ضد أربكان فمارس ضغوطا متعددة على رئيس الوزراء السابق وأمام كل نشاط كان يقوم به الإسلاميون، كان الجيش يقدم تحذيرا، أو يقوم بحركة من أجل استعراض القوة وعندما عقد الإسلاميون ـ أمسية حول القدس ـ اجتازت نحو عشرين دبابة وعربة مدرعة تابعة للجيش التركى منطقة ـ سينكان ـ إحدى ضواحى أنقرة وفى اجتماع مجلس الأمن القومى فى فبراير 1997، تقدم الجيش بعشرين مطلبا لأربكان تكشف هذه المطالب عن نمط جديد للدور الذى تضطلع به المؤسسة العسكرية من بين هذه المطالب:ـ الوقوف فى وجه دعوات تطبيق الشريعة، وعدم السماح بالآراء المخالفة لمبادئ العلمانية، ورفض تسييس الدين، ومراقبة الموارد المالية للمؤسسات التى تديرها جمعيات دينية، والتطبيق الحرفى لمواد الدستور الخاصة بعلمانية الدولة، والتصدى لمحاولة الإسلاميين اختراق أجهزة الدولة ويعنى كل ذلك، توسيع نطاق دور الجيش، ومفهوم جديد لمعانى حراسة المبادئ العلمانية فالمطالب العشرون التى تقدم بها الجيش تمس كل مظاهر النشاط الاجتماعى والسياسى والثقافى وغيرهاوهذا الدور يختلف مع خبرة الجيش التركى، وكذلك يختلف مع الدور التقليدى للجيوش ومن المؤكد أن سيكون لذلك تأثيرات وانعكاسات على مستقبل العلمانية فى تركيا، وليس على مستقبل الإسلاميين فقط لأن قرارات وقوانين الجيش قد تتعارض مع نشاط البرلمان والقضاء وحرية هذين الجهازين هى أساس الديمقراطية ولقد حرص أربكان ـ حتى اللحظة الأخيرة ـ على تفويت الفرصة على الجيش للإطاحة بالحكم المدنى وبالتصادم مع الإسلاميين وامتنع عن التصريح بشىء يمكنه إثارة الجيش بل وقع على الوثيقة التى أعدها مجلس الأمن القومى والتى تحد من النشاط الإسلامى لحزبه ومن قبل ذلك وبعده، وقع على إجراءات فصل ضباط وضباط صف بالجيش على فترات مختلفة بضغط من قادة المؤسسة العسكرية وحسم الصراع بين الجيش وأربكان ببلاغ قدمه إسماعيل حقى، رئيس الأركان، إلى الرئيس ديميريل، موقع من الضباط جماعة، يقضى بضرورة العمل على إسقاط حكومة اربكان، على أن يكون الانقلاب مدنيا وليس عسكريا وإدراكا منه لتطور الأمور وموازين القوى قدم أربكان استقالته فى 18 يونيو 1997، كرد على حركة الجيش الذى حاصر حكومته وشل حركتها إلى حد كبير مستقبل المركب المدنى/ العسكرى:ـ ليس ثمة من ضمان أن يعود الجيش إلى الثكنات كما كان من قبل فحركة الجيش الأخيرة أدخلت علاقة الائتلاف أو المركب المدنى/ العسكرى فى جهاز السلطة إلى مرحلة جديدة وإلى توازنات جديدة، ربما قد تأتى على الكثير من تقاليد العسكر فالسياسات التى اتخذها الجيش ـ نكاية فى أربكان ـ لها امتداداتها فى ظل حكومة مسعود يلمظ وهى تربط العسكريين بمسائل فى الداخل والخارج لمدة قادمة فلقد وسع الجيش نطاق عملياته فى الشمال العراقى ضد الأكراد، ودخل فى ارتباطات خارجية ـ أدارها باستقلال كبير عن الخط السياسى ـ فى عهد أربكان، كما وسع من مجال حركته ومفهومه لدوره فى الداخل وقد يطرح كل ذلك أعباء ومشكلات مع رئيس الوزراء الحالى مسعود يلمظ رغم تأييده حركة الجيش ضد أربكان وفى هذا الإطار قد يتعرض الائتلاف الثنائى المدنى/ العسكرى الحاكم فى تركيا للانقسام من داخله وأن المتغير الجديد فى الانقلاب ضد أربكان ـ بخلاف الانقلابات الثلاثة السابقة ـ هو أن هذا الانقلاب السلمى قد أتاح المجال لتدخل الجيش فى السياسة اليومية لتركيا واقترابه أكثر من حركة المجتمع وهذا الاقتراب كلما زاد كلما كان يعنى مخاطر على الديمقراطية أن تدخل الجيش ضد أربكان هو نموذج جديد للتدخل يختلف عن خبرة الانقلابات السابقة التى كانت تحدث ضد قلاقل أو فساد أو عنف وكان التدخل حينئذ ضد نخبة فى السلطة استهلكت شرعيتها، لكن تدخل الجيش ضد أربكان، تم بالمخالفة لقطاع كبير من المجتمع ولرصيد أربكان مدة سنة فى الحكم كما أن من شأن تدخل الجيش هذه المرة ضبط عمليات اجتماعية تتفاعل تلقائيا من داخل المجتمع وهذا ربما يكون داعما لممارسات تسلطية كما أن تقليص مساحة الديمقراطية، من خلال اقتراب الجيش من حركة المجتمع، يجعل احتمال الاصطدام بين العلمانية/ المدنية، والعلمانية/ العسكرية واردا أيضا فالعلمانية/ المدنية لا تستطيع التجديد فى السلطة إلا استنادا إلى الديمقراطية، فى حين أن العلمانية/ العسكرية لا تستطيع الاضطلاع بدورها من دون ممارسة التسلط على قطاع من المجتمع (الإسلاميين) وأن تعايش المركب العسكرى/ المدنى، يعنى الاقتراب من نظام علمانى نصف ديمقراطى/ نصف تسلطى يمارس الديمقراطية فى إطار الأحزاب العلمانية وقواعد العلمانية فى المجتمع، ويمارس التسلط ضد الإسلاميين وقواعدهم الاجتماعية وربما يخفف من تلك الثنائية، ما أجرى مؤخرا من تغيير شبه شامل لقيادات الجيش التى استهلكت مدة خدمتها، وجزءا من شرعيتها فى مواجهة الإسلاميين فقد شمل التغيير الأخير صفوف المؤسسة العسكرية قيادات الأسلحة الأربعة الذين أحيلوا للتقاعد، فضلا عن ـ 32 جنرالا وأدميرالا وتم ترقية 44 كولونيلا إلى رتبة جنرال وجددت الخدمة ل 48 جنرالا وأدميرالا، وأحيل على التقاعد 41 ضابطا كبيرا قد يعنى هذا التغيير اقتلاع جيل من داخل المؤسسة العسكرية، جيل تصرف مع خبرة أربكان ومن ثم، فإن القادة الجدد سوف يعودون إلى نفس مبادئ الانضباط السائدة قبل أربكان، وعدم التدخل فى شئون الحكومة وانحسار النفوذ فى يد وزير الدفاع ورئيس الأركان وإعادة الهيبة لرئيس الوزراء، الذى هو يحتل موقع قيادة فى مجلس الأمن القومى وجميع هذه الاحتمالات هى جوانب مختلفة لصورة مستقبل العلاقة بين الجيش والسياسة فى تركيا