Share |
يوليو 1998
1
الصراع الإريترى - الإثيوبى على الحدود
المصدر: السياسة الدولية
بقلم:   مختار شعيب

شهد القرن الأفريقى بؤرة توتر جديدة تضاف إلى ما يشهده منذ سنوات من حروب أهلية مهلكة بسبب النزاع الذى تفجر مؤخرا على الحدود بين إثيوبيا إريتريا، وجاء تفجير وتصعيد الصراع فى مناسبة احتفال البلدين بالعيد الوطنى السابع لكل منهما والذى يوافق الإطاحة بنظام منجستو هيلى ماريام، ومازال التوتر العنيف على الحدود المشتركة يهدد بتطور القتال الحدودى إلى حرب شاملة خاصة فى ظل إصرار الطرفين كل على موقفه وبما يهدد الأمن والاستقرار ليس فقط فى القرن الأفريقى وإنما أيضا فى منطقة أعالى النيل والبحر الأحمر ويتناول هذا التقرير تطورات هذا الصراع وأسبابه والموقف الدولى منه ومستقبله تطور الصراع وأسبابه:ـ تتنازع إثيوبيا وإريتريا السيادة على عدد من الجيوب الواقعة عند حدودهما المشتركة وذلك منذ استقلال إريتريا، وقد فشلت اللجنة المشتركة فى حسم هذا الخلاف، الذى سرعان ما تطور فى 6 مايو الماضى إلى نزاع مسلح باحتلال القوات الإريترية للأراضى المتنازع عليها وبما أدى إلى تفجير صراع مسلح بين البلدين حيث اندلعت معارك طاحنة بينهما كان أكثرها حدة معارك 19 مايو الماضى، وأخذ الصراع منحنى آخر بإغلاق السلطات الإريترية ميناء عصب على البحر الأحمر فى وجه السفن التجارية الإثيوبية حيث تمر عبره 75% من تجارة الترانزيت الإثيوبية فى 22 مايو الماضى، وذلك لفرض حصار اقتصادى إريترى على إثيوبيا على اثر ذلك حدوث إثيوبيا بحرب شاملة إذا لم تنسحب القوات الإريترية من الأراضى المتنازع عليها وبعد فشل جهود الوساطة الدولية فى 4 يونية الماضى اندلعت معارك طاحنة على طول الحدود بين الدولتين استخدمت فيها الدبابات والمدفعية الثقيلة، ونتيجة لعدم كفاءة القوات الإثيوبية ألحقت بها القوات الإريترية خسائر فادحة، أجبرت السلطات الإثيوبية على شن عدة غارات جوية واستخدام سلاح الجو الإثيوبى فى ضرب أهداف فى العمق الإريترى مثل العاصمة أسمره ومطارها، وبعد ذلك تبادلت الدولتان طرد الرعايا والدبلوماسيين، وفرضت إثيوبيا بفضل تفوقها فى سلاح الجو وفى البحرية حظرا جويا وبحريا على إريتريا فى 10 يونية الماضى لإجبارها على التخلى عن موقفها من النزاع، وعلى الرغم من الوساطة الأمريكية التى طلبها الجانبان منذ البداية ومناشدة الأطراف المعنية لها باللجوء إلى التفاوض لتسوية المشكلة وقبول الطرفين للوساطة والمساعى الحميدة، فإن القتال اتسع نطاقه بشكل درامى لدرجة قيام الطائرات بقصف الأهداف الحيوية مدنية وعسكرية، وبعد قبولهما للمبادرة الأمريكية الخاصة بوقف الغارات الجوية على الأهداف المدنية تحولت ساحة الصراع إلى معارك شرسة على الأرض ومنذ انفصلت إريتريا وأصبحت دولة مستقلة أثيرت نزاعات حدود دولية فى منطقة القرن الأفريقى كانت إريتريا أحد أطرافها ومن صراعها مع إثيوبيا تهدف أسمره إلى المطالبة بترسيم الحدود التى خططها الاستعمار الإيطالى خاصة وأن هذه المناطق تضم امتدادات سكانية لشعب إريتريا فى إثيوبيا ومن هؤلاء القومية النيجرية التى فرض أسياسى أفورقى لغتها ـ اللغة التيجرية ـ لغة رسمية لبلاده بدلا من اللغة العربية، وكان ذلك أحد مبرراته لاحتلال هذه الأراضى والتى كانت الحكومة الإثيوبية فى عام 1997 قد نشرت خرائط تظهرها مضمونة إليها، فهناك من 5 ـ 6 مناطق متنازع عليها منها منطقة زالامبسا (160كم شمال ميكى عاصمة ولاية تيجراى الإثيوبية) ومنطقة بورى قرب جبل موسى على بعد 75 كم جنوب غرب ميناء عصب الإريترى المطل على البحر الأحمر، ومنطقة بادمى جنوب غرب إريتريا ومنطقة شيرارو على الحدود الغربية للبلدين، ومنطقة مثلث برجا والحميدة شمال غرب إثيوبيا وهو مثلث من الأراضى الصخرية مساحته 400كم تؤكد كل من الدولتين أنه جزء من أراضيها، إضافة إلى مناطق اليتينا، وأنداكيدا وعفر، وتيجراى خاصة مدن ميكيلى عاصمة ولاية تيجراى، وأبيجى، ومنطقة بورو، ومنطقة أردى ماتيوس، وهذه الأقاليم تخضع للسيادة الإثيوبية لكن يخضع معظمها الآن لسيطرة القوات الإريترية ويبدو أن حكومة إريتريا تريد عودة الحدود إلى ما كانت عليه إبان الاستعمار الإيطالى فى الفترة من نهاية القرن التاسع عشر وحتى استيلاء بريطانيا عليها عام 1941 حيث تم تعديل الخريطة عام 1952 الأمر الذى أدى إلى النزاع الحالى خاصة وأن هذه الحدود غير محددة وتحتاج إلى الترسيم، وبالنسبة لإثيوبيا فإن وضعها الجغرافى الحالى وحرمانها من المنافذ البحرية ورغم مساحتها الشاسعة يعد سببا قويا لهذه الحرب نظرا لأنها تعتمد حاليا على ميناء جيبوتى كمنفذ بحرى وحيد لوارداتها ومنها النفط ومن ثم تسعى للحصول على ميناء عصب الإريترى أو أى منفذ لها على البحر الأحمر يخضع لسيطرتها إضافة إلى الخلاف الحدودى هناك مصادر أخرى لهذا الصراع على الرغم من العلاقات الشخصية التاريخية الوطيدة بين أسياسى أفورقى وملس زيناوى اللذين جمعتهما حربا واحدة واستطاعا سويا أن يغيرا ما رفضه المجتمع الدولى خلال أكثر من 40 عاما ، كما رتبا معا كل المسائل المتعلقة باستقلال إريتريا ومستقبل علاقاتها مع إثيوبيا وذلك فى اتفاقيتى أغسطس 1991، وأغسطس 1993 واللتان أكدتا على التعاون فى المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ورفع العقبات أمام تنقلات السكان فى البلدين ومنحهم الجنسية المزدوجة وعدم تدخل كل منهما فى الشئون الداخلية للطرف الآخر والتعاون فى مجالات الدفاع والأمن والنقل والمواصلات ومنح إثيوبيا تسهيلات فى الموانئ الإريترية، ومن هذه المصادر إصدار إريتريا عملة وطنية خاصة بها (ناكفا) لتحل محل العملة الإثيوبية (البر) التى كانت تستخدمها أسمره لدعم استقلالها الاقتصادى، فبدأت العلاقات تسوء بين الدولتين، حيث رفضت إثيوبيا الموافقة على إصدار هذه العملة، ورفضت مساعى إريتريا لمساواة قوتها الشرائية بالعملة الإثيوبية بحجة اختلاف السياسات المالية والاقتصادية المتبعة فى البلدين، وقامت أديس أبابا بوقف استخدام الموانئ الإريترية ماعدا ميناء عصب والتحول إلى ميناء جيبوتى الأمر الذى حرم الإريتريين من حصيلة الجمارك ومصاريف الشحن وغيرها من الخدمات، كما جعلت التحويلات بين البلدين بالعملات الأجنبية ولم تعترف بالعملة الإريترية لتسوية تعاملاتها مع أسمره، وألغت رحلات شركة الطيران الإثيوبية إلى أسمره، وطالبتها بتسديد ديونها بالدولار الأمر الذى رفضته الأخيرة، إضافة إلى خلافات تجارية بين البلدين بشأن التجارة عبر الحدود والرسوم على البضائع التى يتم إنتاجها بصورة مشتركة أو تنتجها إثيوبيا فقط، علاوة على التنافس بينهما على النفوذ فى منطقة القرن الأفريقى وقيادة المنطقة ومجموعة القادة الجدد التى تشكلت من إثيوبيا وإريتريا وأوغندة ورواندا إضافة إلى سبب خاص بالرئيس الإريترى ذاته الذى يبدو من خلال قراءة سياساته أنه سيظل بحاجة مستمرة إلى إثارة المنازعات مع جيرانه ـ على الرغم من تخلصه من خصومه السياسيين ـ بهدف تأمين بقائه فى الحكم، والحفاظ على تماسك إريتريا التى تتنازعها مجموعة فصائل مختلفة، كما يساهم هذا النزاع فى إرجاء الانتخابات الديمقراطية التى كان من المقرر عقدها هذا العام لأجل غير مسمى وبما يساهم فى تحقيق أهداف أفورقى أثار هذا الصراع:ـ فإذا انتقلنا إلى الآثار السلبية التى ستترتب على استمرار هذا الصراع محليا وإقليميا نجد أنها لن تكون بسيطة فعلى الصعيد المحلى ستلحق الحرب باقتصاد البلدين ضررا بالغا يتمثل فى استنزاف مواردهما الشحيحة لتمويل المجهود الحربى بدلا من مشروعات التنمية التى انتظرها الشعبان طويلا ، فالدولتان من أكثر دول العالم فقرا واحتياطهما من العملة الصعبة يكاد يكون منعدما وقد خسرت إريتريا بذلك عائدات تدفق 75% من تجارة إثيوبيا عبر أراضيها وموانئها، وكان من المقرر إجراء انتخابات عامة فى إريتريا هذا العام لتتحول من الشرعية الثورية إلى الشرعية الديمقراطية ولكن الحرب ألقت بظلال من الشك حولها، أما على المستوى الإقليمى فإن الحرب لن تسمح بعودة مئات الآلاف من اللاجئين الإثيوبيين والإريتريين فى الدول المجاورة وتشريد الآلاف فى الداخل وهروب الآلاف إلى الخارج بما فى ذلك هجرة العقول والأموال والاستثمارات اللازمة للتنمية وإعادة بناء ما دمرته الحرب ضد منجستو، وأضعاف موقف كل من أسمره وأديس أبابا فى مواجهة كل من الخرطوم ومقديشيو، وعلى الصعيد الإقليمى ـ الدولى يعد النزاع شرخا كبيرا فى الحائط الذى أرادت الولايات المتحدة والدول الغربية عموما إقامته فى المنطقة لمواجهة ما تصفه بالتطرف الإسلامى ودعم الاستقرار الإقليمى من منظورها حيث أدت الأزمة إلى تفكك مجموعة القادة الجدد الأفارقة التى تضم الرئيس الإريترى أسياسى أفورقى، ورئيس وزراء إثيوبيا ملس زيناوى، والرئيس الرواندى والرئيس الأوغندى، وأيضا يمكن لهذا الصراع تهديد الأمن والاستقرار فى منطقتى البحر الأحمر وأعالى النيل وبما يؤثر على الأمن القومى المصرى والعربى الموقف الدولى:ـ يمكن استعراض الموقف الدولى من النزاع والصراع الإثيوبى ـ الإريترى كالتالى:ـ أولا:ـ الجهود الجيبوتية فبمجرد نشوب الأزمة بين إريتريا وإثيوبيا وفى محاولة لاحتواء الموقف أسرع فى 51 مايو الماضى الرئيس الجيبوتى حسن جوليد الذى يرأس الدورة الحالية لمنظمة حكومات شرق أفريقيا للتنمية ومكافحة التصحر (إيجاد) التى تضم فى عضويتها إريتريا وإثيوبيا ورافقه فى جولته المكوكية بين أديس أبابا وأسمره أمين عام المنظمة الإريترى الجنسية ـ بتسكتى جبرى ـ وعلى الرغم من فشل جهوده لتسوية النزاع إلا أنه جددها فى 52 من الشهر ذاته لكنه فشل فى إقناع إريتريا بسحب قواتها من المناطق الحدودية المتنازع عليها مع إثيوبيا والذى تعتبره أديس أبابا شرطا مسبقا للدخول فى مفاوضات حل النزاع ثانيا:ـ الجهود الأمريكية ـ الرواندية حيث قامت سوزان رايس مساعدة وزيرة الخارجية الأمريكية للشئون الأفريقية بجولة فى المنطقة فى 71 مايو الماضى لم تحقق نتائج إيجابية أعقبها فى 62 من نفس الشهر زيارة وفد أمريكى للمنطقة وضم الوفد ديفيد دان المسئول عن شرق أفريقيا بدائرة الشئون الأفريقية بالخارجية الأمريكية، وروبرت هوك السفير الأمريكى السابق فى إريتريا كما توسطت رواندا فى النزاع بالتنسيق مع الولايات المتحدة حيث قام نائب رئيس رواندا بول كاجامى بجولة بين أديس أبابا وأسمره وذلك عقب زيارة أسياسى أفورقى الى كيجالى وأوغندا ولقائه بالمسئولين هناك، وأخرى فى 11 يونية السابق، وقد أسفرت هذه الجهود عن مبادرة أمريكية ـ رواندية مشتركة أعلنت فى أول يونية الماضى من أربع نقاط هى:ـ انسحاب القوات الإريترية من الأراضى المتنازع عليها، ونزع سلاح المناطق المتنازع عليها، وإخضاع تلك المناطق لمراقبة وسطاء دوليون مع عودة الإدارة المدنية إليها، وبدء مفاوضات ترسيم الحدود، وتستجيب الخطة لمطلب إثيوبيا سحب القوات الإريترية، كما تستوعب اقتراح إريتريا الداعى إلى نزع السلاح فى المناطق المتنازع عليها وبدء المفاوضات، وفى 8 يونية الماضى أجرى الرئيس الأمريكى اتصالات هاتفية بكل من أسياسى أفورقى وميلسى زيناوى لوضع حد للقتال بينهما، فى الوقت نفسه قامت الولايات المتحدة بالاشتراك مع إيطاليا فى 41 من نفس الشهر بتقديم اقتراح بوقف الغارات الجوية على الأهداف المدنية فورا وقبلته أسمره وأديس أبابا ثالثا:ـ الجهود الأفريقية، والتى بدأت بإدانة منظمة الوحدة الأفريقية لاستخدام الخيار العسكرى فى تسوية النزاع ودعت الطرفين لاستخدام الوسائل السلمية لتسويته وقام سالم أحمد سالم السكرتير العام للمنظمة بجولة مكوكية بين الدولتين فى 62 مايو الماضى ورفضت أديس أبابا وساطة المنظمة وتدعيما لهذه الجهود أجرى العقيد الليبى القذافى ورئيس تجمع دول الساحل والصحراء فى 22 من نفس الشهر اتصالات هاتفية بكل من أسياسى أفورقى، ومليس زيناوى لتسوية النزاع وكلف الأمين العام والأمين العام المساعد متابعة هذه الجهود، وفى 2 يونية قدمت ليبيا اقتراحا بإرسال قوة فصل أفريقية فى المنطقة الحدودية المتنازع عليها، وفى 6 يونية السابق تبنى مجلس وزراء خارجية دول منظمة الوحدة الأفريقية اقتراحا مصريا يقضى بوقف الأعمال العدائية بين الدولتين فورا والقبول بالمبادرة الأمريكية ـ الرواندية كأساس للمفاوضات وقد احتل هذا النزاع مكانا بارزا فى مباحثات قمة الدول الأفريقية أل 34 فى واجادوجو ببوركينافاسو حيث دعا البيان الختامى إلى ضرورة وقف الأعمال العدائية بين البلدين واللجوء إلى الحوار لتسوية الأزمة، واتفق القادة على مبدأ الوساطة لحل هذا النزاع وتشكيل لجنة خاصة بذلك يترأسها الرئيس البوركينى بليز كامباورى ورحبت إريتريا بوساطة منظمة الوحدة الأفريقية لكن إثيوبيا تحفظت، وضمت اللجنة عضوية رئيس رواندا ورئيس زيمبابوى ووزير خارجية جيبوتى، وسالم أحمد سالم الأمين العام للمنظمة، والتى قامت بزيارات مكوكية بين أديس أبابا وأسمره على أساس الدفع بالمبادرة الأمريكية ـ الرواندية وفشلت جهود المنظمة لرفض أسمره سحب قواتها إلى حدود ما قبل 6 مايو الماضى، وإعلانها موت المبادرة الأمريكية ـ الرواندية، وأعلنت المنظمة فى 20 يونية الماضى أنها ستشكل لجنة من عدد من الخبراء والسفراء لبحث خرائط المنطقة والمعاهدات المبرمة خلال العهد الاستعمارى مع جميع الوثائق التاريخية ذات الصلة بهدف تحديد حق أى من الدولتين فى المناطق المتنازع عليها رابعا:ـ موقف الأمم المتحدة، أصدر مجلس الأمن فى اجتماع طارئ فى 5 يونية الماضى بيانا طالب بوقف فورى لإطلاق النار بين البلدين منددا بنشوب النزاع المسلح وداعيا إلى اللجوء للوسائل السلمية لتسوية النزاع وحاولت الأمم المتحدة القيام بوساطة بين الدولتين عن طريق أمينها العام إلا أن إريتريا رفضت تدخل الأمم المتحدة فى النزاع خاصة ـ مجلس الأمن ـ وأعلنت أن اللجوء إلى الأمم المتحدة مضيعة للوقت فى الوقت الذى رحبت فيه إثيوبيا بوساطة المنظمة الدولية، وتدعم الأمم المتحدة محاولات الوساطة التى تقوم بها الأطراف المعنية خاصة المبادرة الأمريكية ـ الرواندية، وجهود منظمة الوحدة الأفريقية خامسا:ـ الموقف الأوروبى والذى التزم بإدانة اللجوء للوسائل العسكرية لحل النزاع ودعا إلى وقف إطلاق النار والتفاوض لتسويته فى بيان صدر عن وزراء خارجية الاتحاد بلوكسمبورج فى 8 يونية الماضى، وقامت إيطاليا بجهود للوساطة بين الجانبين حيث أرسلت مبعوثا إيطاليا للمنطقة وفى 16 يونية 1998 أعرب زعماء الاتحاد الأوروبى فى قمة كارديف عاصمة ويلز عن تأييدهم لجهود الوساطة الأمريكية ـ الرواندية كأساس لإنهاء النزاع سادسا:ـ الموقف العربى والمصرى، حيث شددت الدول العربية على ضرورة حل الدولتين للنزاع الحدودى بينهما بالطرق السلمية وتجنب استخدام القوة، فمن ثوابت السياسة الخارجية المصرية أن القرن الأفريقى يعتبر الحزام الجنوبى للأمن القومى العربى والمصرى وأن هذا الأمن يدور فى واقع الأمر حول قضية أمن البحر الأحمر وقضية حماية مياه النيل، وفى هذا الإطار بمجرد نشوب الأزمة دعت مصر الدولتين لحلها بالطرق السلمية واستبعاد الخيار العسكرى، إذ أن الاستقرار فى منطقة القرن الأفريقى يؤثر على الاستقرار العام فى البحر الأحمر وأعالى النيل، وتؤكد مصر على أن موقفها من النزاع هو جزء من الموقف الأفريقى ولا توجد مبادرة مصرية لحل النزاع بين الدولتين ولكنها مبادرة أفريقية ومصر جزء منها وتتحرك مصر فى هذا الإطار الذى يدعو للوقف الفورى لإطلاق النار، وبدء حوار فورى بين الجانبين ودعم الأطراف التى تقوم بعملية الوساطة وجهود منظمة الوحدة الأفريقية التى تؤيد المبادرة الأمريكية ـ الرواندية، وعدم تعدد المبادرات الذى لن يكون فى صالح القضية وفى هذا الإطار استقبل الرئيس مبارك فى 11 يونية وزير الخارجية الإثيوبى سيوم ميسفين الذى سلمه رسالة من رئيس وزراء إثيوبيا ميلس زيناوى بشأن هذا النزاع، وكان قد سبقه فى 10 يونية استقبال الرئيس مبارك لوزير الحكومات المحلية الإريترى والذى سلم الرئيس مبارك رسالة من الرئيس أفورقى حول نفس الموضوع، كما تلقى الرئيس مبارك رسالة من أسياسى أفورقى فى 14 يونية سلمها له وزير خارجية إريتريا ورحبت الدولتين بتدخل ودور مصرى سريع لحل الأزمة لما لمصر من دور أفريقى متميز إلا أن الموقف المصرى صار فى اتجاه دعم الجهود المبذولة عن طريق منظمة الوحدة الأفريقية ومن ثم اتسم الموقف الدولى إزاء هذا الصراع بالآتى:ـ ـ 1 ـ سرعة رد الفعل الدولى أو الاستجابة الدولية لنشوب النزاع وسرعة التدخل الدولى بالوساطة والمساعى الحميدة خاصة من قبل جيبوتى، ورواندا، والولايات المتحدة، وإيطاليا، التى لها مصالح أكيدة فى تسوية النزاع وعدم تفاقمه إضافة إلى دور منظمة الوحدة الأفريقية ومصر وليبيا والتى تهتم بحفظ الأمن والاستقرار فى القارة وفى منطقة القرن الأفريقى وأعالى النيل لأهميتها الحيوية ـ 2 ـ الإدانة الدولية لأسلوب الخيار العسكرى فى تسوية النزاع ودعوة البلدين لوقف القتال والعودة للوسائل السلمية لتسويته باستخدام الوسائل السياسية كالوساطة والمساعى الحميدة أو المفاوضات، أو من خلال الوسائل القضائية كالتحكيم ـ 3 ـ على الرغم من تعدد جهود الوساطة إلا أنها اتسمت بالتنسيق فيما بينها وأساسا مع الجهود الأمريكية ـ الرواندية والتى أفرزت مبادرة من أربع نقاط تعد أساسا لتسوية الأزمة وتقوم الجهود الأخرى على أساس دعم هذه المبادرة التى تطرح أسس تسوية الصراع سلميا ـ 4 ـ فشلت جميع الجهود الدولية للوساطة أو التوفيق بين الدولتين فى تسوية الصراع ما عدا المبادرة الأمريكية ـ الإيطالية القاضية بوقف الغارات الجوية المتبادلة رؤية كل من إريتريا وإثيوبيا لتسوية الصراع :ـ مع بداية النزاع طالبت إريتريا بحل المشكلة بين البلدين من خلال مواصلة مفاوضات اللجنة المشتركة وإشراك طرف ثالث بصفة مراقب وفى حالة عدم التوصل إلى حل تحال القضية إلى محكمة دولية للبت فى النزاع، وأرادت أريتريا فيما يبدو إثارة نزاع يتطور إلى اشتباكات يسارع البعض إلى الوساطة لاحتوائها وتجميد الوضع على ما هو عليه حتى يوافق الطرفان على إحالته للتحكيم الدولى وهو ما حدث بالضبط مع اليمن حول جزر حنيش، غير أن هذا الموقف الإريترى يتناقض مع مبدأ أساسى فى ميثاق منظمة الوحدة الأفريقية يقضى بعدم السعى لتعديل الحدود الموروثة عن الاستعمار بين الدول الأعضاء حتى لا تنفتح أبواب الجحيم وتنشب الحروب لأن دولا لا حصر لها تدعى حقوقا إقليمية لها فى دول مجاورة، والمفهوم لمعنى كلمة الاستعمار هو آخر مستعمر احتل البلاد وهم الإنجليز لكنه يبدو أن الإريتريين يفسرونها على أنها الاستعمار الإيطالى وبالتالى اعتبرت أسمره أن قواتها لم تدخل أراضى إثيوبيا وفقا لترسيم الحدود إبان الاستعمار الإيطالى وتصر إريتريا على أن الأراضى المتنازع عليها جزء لا يتجزأ منها وقد اقترحت أريتريا إطار عمل من خمس نقاط لحل المشكلة يشمل الدعوة للوساطة الدولية، ونزع سلاح المنطقة المتنازع عليها وتحييدها بوضعها تحت إشراف دولى، وتمركز قوات لحفظ السلام على الحدود المشتركة تساهم فيها إيطاليا والولايات المتحدة وتسوية القضية سلميا من خلال الحوار بإجراء مفاوضات مباشرة مع إثيوبيا، وقبول الوساطة الدولية على أساس أن الحدود بينهما موضحة بموجب معاهدات ثنائية وثلاثية موقعة بين إيطاليا وبريطانيا وإثيوبيا فى مطلع هذا القرن، وترى إريتريا أنها تقبل بوساطة منظمة الوحدة الأفريقية وترفض تدخل مجلس الأمن والأمم المتحدة فى النزاع، وتحفظت على المبادرة الأمريكية الرواندية كأساس للتسوية وترى أن هناك نقاط كثيرة بها تحتاج إلى المعالجة من ناحية أخرى تؤكد إثيوبيا أن إريتريا ارتكبت خطأ تاريخيا جسيما عندما لجأت إلى القوة لحل هذا النزاع الحدودى، وترى إثيوبيا أنه لابد من انسحاب القوات الإريترية من الأراضى المتنازع عليها والى حدود ما قبل 6 مايو الماضى قبل أى تفاوض ومن ثم ترفض إثيوبيا مبدأ الوساطة ومبدأ المفاوضات المباشرة، وتعتقد أن المبادرة الأمريكية ـ الرواندية تشكل أساسا لحل مقبول وتصر إثيوبيا على أن هذه الأراضى جزء منها وفقا للحدود التى تركها الاستعمار البريطانى مستقبل الصراع :ـ وبالرغم من تعدد جهود الوساطة الإقليمية والدولية إلا أن الجانبين لا يزالان يتمسكان بموقفيهما، ومن ثم يبدو أن هذا الصراع لن يجد حلا فى المستقبل القريب فى ضوء مواقف الطرفان وتوازن القوى القائم، حيث هناك تعادل فى ميزان القوى العسكرى بين الجانبين سواء من حيث العدد البشرى للقوات أو فى العتاد، فالأسلحة الإريترية معدات ضخمة جزء كبير منها غنمتها من الجيش الإثيوبى وعددت إريتريا مصادر تسليحها بعد حصولها على الاستقلال فى 1993 خاصة من الولايات المتحدة وإسرائيل وإيطاليا من دبابات وصواريخ ومدافع طويلة المدى وتلك المضادة للطائرات وأنشأت سلاحا للبحرية وسلاحا جويا بمساعدات إيطالية وأمريكية وإسرائيلية، وتعمد إريتريا أساسا فى حربها الحالية مع إثيوبيا على استخدام الدبابات والمدافع الأرضية والصواريخ ويضم الجيش الإريترى 220 ألف مقاتل منهم 60 ألف جندى عامل، 40 ألف فى الاحتياط، و 210 ألف متطوع لعدد سكان يصل إلى 3 ملايين نسمة أما إثيوبيا فمعظم أسلحتها ورثتها عن نظام منجستو هايلى مريام وهى أسلحة سوفيتية ومن دول اشتراكية سابقة، لكنها قديمة ومتهالكة ولم تجدد إثيوبيا قواتها ومعداتها، وسلاح الجو الإثيوبى يضم 400 طائرة غالبيتها من طراز ميج وقدرات إثيوبيا على الأرض ضعيفة مقارنة مع إريتريا، وتعتمد إثيوبيا على سلاح الجو فى معاركها مع إريتريا للتأثير على القدرات القتالية للقوات الإريترية الأكثر تدريبا والأكفاء ويصل تعداد جيش إثيوبيا 510 ألف علما بأن عدد سكانها يصل إلى 85 مليون نسمة وتواجه إثيوبيا مشكلة تعدد العرقيات إذ تضم قوميات عدة منها الأمهرا والأورومو والعفر، وتغلب عليها قومية التيجراى وتعتبر هذه القوميات أن الحرب الحالية هى حرب قومية التيجراى نظرا لأن مسرحها الأساسى يدور فى المنطقة التى تسكنها هذه القومية، وهذه العوامل تشجع على استمرار الصراع فى ضوء ضعف الموقف الدولى وعدم وجود موقف حاسم للوساطة وتسوية الصراع والذى لن يتم حسمه إلا بالوسائل السلمية ولكن بعد أن تعيش البلدان جولات أخرى من الصراع العسكرى