Share |
يناير 2000
1
الشرق الأوسط - استئناف المفاوضات السورية - الإسرائيلية
المصدر: السياسة الدولية
بقلم:   مالك عونى

شهدت العاصمة الأمريكية واشنطن يوم الأربعاء الخامس العشر من ديسمبر 1999، استئناف مفاوضات التسوية السلمية على المسار السورى الإسرائيلى، بحضور فاروق الشرع وزير الخارجية السورى، وإيهود باراك رئيس الوزراء الإسرائيلى، وبرعاية الرئيس الأمريكى كلينتون وبعد أن ألقى المسئولون الثلاثة كلمات افتتاحية فى حديقة البيت الأبيض وسط جو بارد، انتقل الشرع وباراك إلى بلير هاوس، حيث اجتمعا لمدة ثمانية وأربعين ساعة عادا بعدها إلى حديقة البيت الأبيض، ليعلن الرئيس كلينتون أمام الصحفيين أن محادثات السلام الإسرائيلية السورية التى بدأت هنا هذا الأسبوع ستستكمل فى الثالث من يناير القادم ويأتى استئناف المفاوضات على هذا المسار، الذى يعد أحد مسارات أربعة (الفلسطينى الإسرائيلى، الأردنى الإسرائيلى اللبنانى الإسرائيلى، السورى الإسرائيلى، فى الثالث من يناير القادم، بعد توقف دام ما يزيد على ثلاث سنوات منذ تولى بنيامين نيتانياهو زعيم حزب الليكود آنذاك رئاسة الوزراء فى إسرائيل عقب انتخابات يونيو 1996 وكانت المفاوضات قد توقفت نتيجة رفض نيتانياهو الالتزام استكمال المفاوضات مع السوريين من النقطة التى توقفت عندها مع حكومة رابين بيريز التابعة لحزب العمل، وخاصة ما يتعلق بالتزام رئيس الوزراء السابق إسحاق رابين بالانسحاب من الجولان إلى ما وراء خطوط 4 يونيو 1976 وقد صرح الرئيس كلينتون فى كلمته الختامية بأن السلام العادل والدائم والشامل فى الشرق الأوسط يقوم على أساس قرارى الأمم المتحدة رقم 242 و 338 ومرجعيته مؤتمر مدريد ، وتستند المقررات جميعها على مبدأ الأرض مقابل السلام ومطالبة إسرائيل بالانسحاب من الأراضى العربية المحتلة، الأمر الذى كان مثار ترحيب الأوساط الرسمية فى سوريا ولعل حصول دمشق على ضمانات أمريكية، من مثل ذلك التصريح الذى يستند بالتأكيد إلى تحول مبدئى فى الموقف الإسرائيلى بخصوص التزام باراك باستئناف المفاوضات من حيث توقفت عام 1969، وبخاصة فيما يتعلق بقضية الانسحاب، يمثل العامل الرئيسى ضمن عوامل أخرى الذى شجعت النظام السورى ليس فقط على اتخاذ قرار العودة إلى مائدة المفاوضات، بل والمشاركة بوفد دبلوماسى رفيع المستوى برئاسة وزير الخارجية ومن المعلوم أن كل المحادثات التى شهدها هذا المسار منذ انطلاقة، تمت على المستوى الفنى فقط وإذا ما كان لهذا التطور من دلالة، فهى وجود حافز قوى لدى الطرفين لإحراز تقدم جوهرى وسريع نسبيا خاصة بعد أن تبلورت القضايا وأصبحت المصاعب محددة ، حسبما ذكر الوزير الشرع فى كلمته الافتتاحية وقد ذكرت مصادر فى واشنطن أن الجولة التالية من المفاوضات سوف تستأنف فى فندق يقع على ضفاف نهر بوتوماك فى مدينة شفردستاون، غرب فيرجينيا، على بعد ساعتين بالسيارة من العاصمة واشنطن ويسمح قرب هذه المدينة بدرجة كافية من واشنطن بأكبر تدخل ممكن لكل من الرئيس الأمريكى بيل كلينتون ووزيرة الخارجية مادلين أولبرايت، إلا أنها توفر كذلك درجة كافية من العزلة لتسهيل إجراء مفاوضات مكثفة بعيدا عن تدخلات وسائل الإعلام، على غرار واى ريفر بلانتيشن وصرح مسئول فى وزارة الخارجية الأمريكية بأنه لم يتم تحديد تاريخ لانتهاء تلك الجولة، إلا أنه من المتوقع أن تستمر ما بين 10 أيام وأسبوعين، إذا ما سارت الأمور بشكل طبيعى ومن المتوقع كذلك أن يرأس الشرع وباراك وفدى بلديهما خلال الأيام القليلة الأولى من تلك المحادثات التى ستركز على مضمون المفاوضات وتناقش كافة القضايا الجوهرية المطروحة أمامها على أن يغادرا بعد ذلك تاركين المحادثات التفصيلية للمسئولين من المستويات الأدنى وتؤكد تلك المشاركة ما سبق أن ذكرناه من وجود حافز قوى لإحراز تقدم جوهرى وسريع إلا أن التساؤل الذى يثور الآن، هو حول ماهية العوامل التى استجدت ودفعت كلا الجانبين إلى العودة لمائدة المفاوضات بدون شك فإن هذا الاحتفال العلنى فى البيت الأبيض ما كان له أن ينعقد لولا جهود مضنية قامت بها مختلف الأطراف المعنية طوال فترة امتدت، ليس فقط خلال الشهور الماضية، وإنما منذ توقف المفاوضات قبل نحو أربع سنوات وقد أثمرت هذه الجهود على الجانب الإسرائيلى مع وصول حكومة باراك إلى السلطة قبل خمسة أشهر ويبدو أن باراك قرر تغيير توظيف عملية التسوية فى الحياة السياسية الإسرائيلية عما كان سائدا فيها تقليديا، فبدلا من المراهنة على التشدد بهدف الاحتفاظ بما هو قائم والمكاسب التى يوفرها واكتساب تأييد الفئات المستفيدة منها، يبدو أن باراك قرر المراهنة على المكاسب التى يمكن أن تترتب على تغيير الوضع القائم سواء من حيث تجاوز التهديدات التى يطرحها استمرار هذا الوضع أو اقتناص الفرص التى يتيحها تغييره وكان باراك قد أعلن حين قدم حكومته أمام الكنيست أن هدفها الأول سيكون جلب السلام والأمن لإسرائيل بما يضمن كذلك مصالح الدولة العليا كذلك فإن تحقيق تقدم جوهرى على طريق تسوية الصراع على الجبهة السورية، والتى تعد أخطر جبهاته الراهنة سيتيح للحكومة الإسرائيلية موازنة أية عقبات يمكن أن تحدث على المسار الفلسطينى الذى يدخل مرحلته النهائية أو تفادى حدوث أى تقارب عربى حول محور سورى فلسطينى نتيجة لتلك العقبات فتلك المرحلة سيتم خلالها التفاوض على القضايا التى تمثل جوهر الصراع العربى الإسرائيلى ألا وهى القضايا المرتبطة بأرض فلسطين وأخيرا، فإن التوصل إلى تسوية مع سوريا يبدو وكأنه السبيل الوحيد لإنهاء التورط الإسرائيلى فى جنوب لبنان الذى أصبح من الواضح خلال العامين الأخيرين أنه يمثل نزيفا داميا للمجتمع الإسرائيلى بصدد استقرار أى من حكوماته أما على الجانب السورى، فلا يمكن إنكار الأثر الحاسم الذى أحدثته الضمانات الأمريكية التى أسلفنا الحديث عنها، إلا أن تغيرات أخرى أسهمت بالتأكيد فى تغيير الموقف السورى فنلاحظ أولا، قضية الخلافة السياسية التى أصبحت، حسبما توضح تحليلات عديدة فى الفترة الأخيرة، تفرض نفسها بشكل أساسى أمام القيادة السورية، التى ربما تبغى إغلاق ملف أخطر مصادر التهديد الخارجية وإحداث نصر سياسى داخلى باستعادة الجولان وثانيا، تعانى سوريا بالتأكيد من مخاطر التفوق الإسرائيلى فى سباق التسلح الذى قد يهدد بتكريس الوضع القائم، خاصة فى ظل تنامى تحالفها الاستراتيجى مع تركيا ومحدودية مصادر الإمداد وقدرات التطوير الذاتية المتاحة لسوريا وأخيرا، وليس أخرا، فإن سوريا ترغب فى اللحاق بقطار الترتيبات الاقتصادية الإقليمية وتحسين علاقتها بالولايات المتحدة الأمريكية التى طلبت منها سوريا، وفقا لبعض التقارير الصحفية، رفع اسمها من قائمة الدول المساندة للإرهاب وبالتالى تسهيل فرصة حصولها على مساعدات اقتصادية من الولايات المتحدة ومن شأن هذه الإجراءات أن تتيح مزيد من فرص النمو للاقتصاد السورى وبالتالى من استقرار النظام الحاكم وأيا ما كانت الأسباب والدوافع الحقيقية وراء هذا التطور الحاسم فى مسار مفاوضات التسوية السلمية، والذى من شأنه أن يجعل لبداية ألفية جديدة مغزى هام لإقليم الشرق الأوسط الذى لا تربطه بهذا التقويم الجريجورى علاقة حضارية واضحة، فإن آثاره لن تقتصر على الطرفين المباشرين وإنما ستمتد لتشمل مجمل السياسات والتفاعلات الإقليمية