Share |
يناير 2000
1
القوات المسلحة والسياسة الخارجية المصرية
المصدر: السياسة الدولية


تعتبر القوات المسلحة واحدة من أهم أدوات السياسة الخارجية بالنسبة لأى دولة فى العالم، وتزداد أهميتها بالنسبة للقوى العظمى والقوى الدولية والقوى الإقليمية، ولاسيما فى الحالات التى تنطوى بالفعل على إمكانية تصاعد حركة التفاعلات فى اتجاه مواجهة عسكرية فعلية وبشكل عام، فإن المقصود بالقوات العسكرية هنا هو مجموع المقدرات الخاصة باستعمال أو التهديد باستعمال العنف المسلح المنظم من جانب دولة معينة ضد الدول الأخرى، وتشمل الأداة العسكرية إنشاء قوات مسلحة وتسليحها وتدريبها وتنظيم عملية التوزيع أو الفتح الاستراتيجى لها، واستعمال أو التهديد باستعمال هذه القوات، وتنظيم عملية الحصول على الأسلحة والمعدات والتطوير العسكرى وتتراوح أشكال استخدام القوة العسكرية ما بين الهجوم المسلح أو الغزو العسكرى أو تقديم المساعدات العسكرية أو المشورة العسكرية أو إبرام التحالفات العسكرية (1) وبشكل عام، فان دور القوات المسلحة فى السياسة الخارجية المصرية كان محكوما بالعديد من الاعتبارات، فالسياسة المصرية اتسمت دائما بالإدراك الدقيق لمتغيرات النظام الدولى والقيود المفروضة على استخدام القوة العسكرية فى العلاقات الدولية وفى الوقت نفسه، فان القوات المسلحة المصرية ذاتها تمتلك مدرسة عسكرية فكرية واضحة ومحددة المعالم منذ عام 1952، مبنية على أساس الاحتراف والالتزام الكامل بتعليمات وتوجيهات القيادة السياسية، باعتبارها حدى أدوات القيادة السياسية فى أداء مهامها القومية وتتمثل نقطة الانطلاق الأولى فى عمل المؤسسة العسكرية فى تحديد المصالح القومية، وفق رؤية القيادة السياسية، ثم ينبع من هذه المصالح استراتيجية أمن قومى شاملة لحماية وتأمين هذه المصالح، ثم تنبثق منها الاستراتيجية العسكرية الملائمة وحجم وشكل ونوع القوات المسلحة اللازمة لتحقيق الأهداف العسكرية وبالتالى، فان الاستراتيجية العسكرية والأهداف العسكرية هى التى تضع الإطار العام لعمل المؤسسة العسكرية المصرية (2) أولا: الأبعاد النظرية لدور القوة المسلحة فى السياسة الخارجية تتأثر السياسة الخارجية لأى دولة، عموما، بإجمالى قدراتها القومية، اقتصاديا وبشريا وعسكريا وجغرافيا وغير ذلك فكلما ازدادت مقومات القوة القومية الشاملة لدى الدولة، ازداد اتجاهها نحو تبنى سياسة خارجية نشطة على المستويين الإقليمى والدولى والعكس صحيح وهناك مجموعة من الأدوات الرئيسية التى تعتمد عليها السياسة الخارجية هى: الأداة الدبلوماسية، والاقتصادية والعسكرية، والدعائية، والثقافية وفى هذا الإطار، تلعب الأداة العسكرية دورا هاما فى السياسة الخارجية، حسب التطور فى علاقات الدولة المعنية مع الدول الأخرى وتنبع أهمية الأداة العسكرية عموما من أن الأهداف الكبرى لأى سياسة خارجية تتركز حول ثلاثة موضوعات رئيسية هى: الأمن والرفاهية والهيبة وتقوم الدول عادة باستخدام كافة الأدوات المتاحة لديها من اجل تحقيق هذه الأهدافوقد اختلفت وظيفة القوة العسكرية فى السياسات الخارجية للدول بدرجة كبيرة على مر الزمن وخلال الفترة الحالية من تطور المجتمع الدولى، أصبحت الحرب عملا منبوذا ومرفوضا فى العلاقات الدولية، حسب نص ميثاق الأمم المتحدة الذى يدين الحرب إلا فى حالتى الدفاع عن النفس أو الدفاع عن دولة ضعيفة عرضة للعدوان، إلا أن هذا الوضع لم يمنع قط استمرار عمليات التسلح والتطوير التكنولوجى الهائل للأسلحة والمعدات أضف إلى ذلك، انه حتى برغم قلة حالات الاستخدام المباشر والفعلى للقوة العسكرية فى العلاقات الدولية، إلا أن السياسات الخارجية لأغلب الدول تتجه فى الأساس نحو استخدام القوة العسكرية من أجل الردع والتخويف، أو من أجل تحقيق أهداف السياسة الخارجية من خلال الاستخدام غير المباشر للقوة العسكرية وبشكل عام، فان أهمية القوة العسكرية كأداة من أدوات السياسة الخارجية لا تنبع فقط من أنها توفر أداة فاعلة لتحقيق أهداف معينة للسياسة الخارجية، ولكن أيضا لأن توافر هذه الأداة بتفوق وكفاءة عالية لدى دولة معينة فإنها تغرى صانعى القرار فيها باستعمالها لتحقيق أهداف السياسة الخارجية، بل وربما تلجأ إلى استعمالها بدرجة اكبر من الدول الأخرى التى لا تكون القوة العسكرية متاحة لديها بسهولة وإذا ازدادت كثافة استخدام الأداة العسكرية فى السياسة الخارجية لدولة معينة، فان ذلك يطبع سياسة تلك الدولة بطابع ـ عسكرى ـ نتيجة لتكرار هذا الاستخدام وبشكل عام، فان هناك عددا من عناصر الالتقاء بين السياسة الخارجية والقدرات العسكرية للدولة، وهى تتمثل على وجه التحديد فى (3) ـ 1 ـ أن الدول التى تنتهج سياسة خارجية نشطة أو هادفة إلى التغيير فى المحيط الإقليمى أو الدولى، عادة ما تتبع سياسة تقوم على امتلاك المزيد من الأسلحة والمعدات وتنبع هذه العلاقة من أن تعزيز القدرات العسكرية للدول يفيدها فى العديد من النواحى سواء من اجل تعزيز مكانتها ومصداقيتها الإقليمية والدولية، أو حتى من اجل تبوء مكانة القوة العظمى فى العالم، أو على الأقل مكانة القوة الإقليمية العظمى فى محيطها الجغرافى، كما أن القوة العسكرية تفيد أيضا فى خوض أى صراعات ربما تدخلها هذه الدول، أو على الأقل التلويح بهذه القوة أو استخدامها فى أغراض الردع والتخويف والابتزاز فى العلاقات مع الدول الأخرى ـ 2 ـ أن امتلاك الدولة لجيش كبير نسبيا قد يغرى صانعى القرار فيها باستخدام الأداة العسكرية فى سياستهم الخارجية، حيث أن ازدياد القدرة العسكرية لهذه الدولة فى مواجهة خصومها، أو على الأقل فى تعاملاتها مع الدول الأخرى بشأن القضايا الخلافية أو المنازعات القائمة فيما بينهم، ربما يغريهم باستخدام قدراتها العسكرية من اجل تعزيز موقفها التفاوضى أو من اجل فرض شروطها ورؤاها بشأن القضايا محل النزاع وربما يتخذ استخدام القوة العسكرية هنا شكلا مباشرا أو غير مباشر، حيث أن من غير الضرورى أن تصل حركة التفاعلات بين الدولتين إلى درجة الصراع المسلح، الذى ينطوى على الاستخدام الفعلى للقوة العسكرية، وإنما يمكن الاكتفاء بممارسة نوع من ـ دارة الأزمات، والذى ينطوى على استخدام غير مباشر للقوة العسكرية، مثل الردع والتخويف والتلويح باستخدام القوة العسكرية، ولكن من دون استخدامها فعليا وإذا لم يفلح الاستخدام غير المباشر للقوة العسكرية، فان الموقف يمكن أن ينتقل من حالة (الأزمة) إلى حالة (الحرب)، بما ينطوى عليه ذلك من استخدام واسع النطاق للقوة المسلحة لتحقيق أهداف السياسة الخارجية للدولة ومن ثم، فان امتلاك الدولة لقدرات عسكرية كبيرة نسبيا يجعل فكرة الاستخدام الفعلى لهذه القوة واردا ومطروحا بدرجة اكثر قوة من جانب القيادة السياسية فى هذه الدولة ـ 3 ـ أن القوات المسلحة ربما تمثل أحد المعوقات والقيود التى تؤثر على خيارات السياسة الخارجية وبدائلها ففى واقع الأمر هناك ثلاثة بدائل رئيسية يمكن للقوات المسلحة أو المؤسسة العسكرية أن تؤثر من خلالها على خيارات السياسة الخارجية، ويتمثل أولها فى إمكانية فرض خيارات معينة على القيادة السياسية فى الدولة، حيث من المعروف تقليديا أن المؤسسات العسكرية تكون اكثر ميلا إلى استخدام القوة المسلحة فى السياسة الخارجية، ولاسيما فيما يتعلق بالقضايا محل النزاع مع الدول الأخرى، وإعطاء الأولوية للأداة العسكرية على ما عداها من الأدوات، وبالذات الأداة الدبلوماسية وغيرها ومن ناحية ثانية، فان المؤسسة العسكرية ربما تمارس نفوذا متزايدا فى عملية صنع قرار السياسة الخارجية، وبالذات فى ظروف الأزمات والصراعات المسلحة، وذلك فى إطار عملية تعبئة الموارد القومية للدولة لخدمة احتياجات الصراع المسلح ومساندة المجهود الحربى وأخيرا، فان مثل هذه الظروف ربما تفضى إلى وصول العسكريين إلى السلطة فى هذه الدولة، اعتقادا منهم أن هذا الخيار ربما يكون الخيار الأفضل فى حالات الصراع من اجل امتلاك قدرة اكبر على إدارة هذا الصراع مع الخصوم ومن ثم، فان هناك العديد من نقاط الالتقاء الهامة بين القدرات العسكرية والسياسة الخارجية للدولة ومع ذلك، فانه يظل من الثابت أن دور القوات المسلحة يجب أن يكون تابعا ومساندا للقدرات الأخرى للدولة فى صياغة وتنفيذ سياستها الخارجية، وفق صيغة تقوم على التكامل والاندماج فيما بين تلك القدرات فى إطار رؤية سياسية واضحة وفى هذا الإطار، يكون اللجوء إلى الأداة العسكرية بمثابة الخيار الأخير من جانب القيادة السياسية فى الدولة، أى بعد فشل الأدوات الأخرى، وبالذات الأداة الدبلوماسية، كما أن من الممكن أن يكون دور الأداة العسكرية مكملا للأداة الدبلوماسية وهناك شكلان رئيسيان لاستخدام القوة العسكرية فى إطار السياسة الخارجية للدولة، هما: الاستخدام المباشر للقوة العسكرية، والذى ينطوى على استخدام فعلى للقوات المسلحة فى عمليات الهجوم المسلح أو الغزو أو التدخل العسكرى أو عمليات القصف الجوى أو الصاروخى أو غير ذلك، والاستخدام غير المباشر للقوة العسكرية، والذى ينطوى على التلويح باستخدام القوة العسكرية، ولكن من دون استخدامها بالفعل، إلا إذا اقتضت الظروف ذلك، وهو ما يعرف بالردع ثانيا: أنماط التطور التاريخى لدور القوات المسلحة فى السياسة الخارجية المصرية: تلعب القوات المسلحة دورا هاما فى تحقيق أهداف السياسة الخارجية المصرية فعلى سبيل المثال، كان للقوات المسلحة دور بالغ الأهمية فى مشروعات النهضة التى شهدتها مصر خلال القرن التاسع عشر والقرن العشرين، وبالذات تجربتى محمد على وجمال عبدالناصر ويعود هذا الارتباط إلى أن أى مشروع مصرى للنهضة لابد أن ينطوى بالضرورة على توجه إقليمى أو دولى واضح لتعزيز مكانة مصر الإقليمية والدولية، من خلال القوة العسكرية، سواء من خلال الاستخدام الفعلى لها من اجل تحقيق أهداف السياسة الخارجية للمشروع النهضوى فى مصر، كما حدث فى عهد محمد على، أو من خلال الردع لحماية مشروع النهضة الداخلى أو للدفاع عن الثوابت القومية، كما حدث فى عهد جمال عبدالناصر والواقع، أن نشوب حرب فلسطين عام 1948 شكل بداية انغماس القوات المسلحة المصرية فى قضايا السياسة الخارجية المصرية فى القرن العشرين، لأن مصر كانت قبل ذلك التاريخ دولة محتلة، ولم تكن تمتلك قوات مسلحة يعتد بها، وكانت عاجزة عن المساهمة فى تحقيق أهداف السياسة الخارجية المصرية وكان الإسهام الرئيسى للقوات المسلحة المصرية فى السياسة الخارجية المصرية طيلة هذه الفترة منصبا فى الأساس على الصراع العربى ـ الإسرائيلى، ومن الممكن تقسيم مراحل مشاركة القوات المسلحة فى السياسة الخارجية إلى المراحل الخمس التالية: ـ 1 ـ مرحلة 1948 ـ 1952، مرحلة رفض وجود دولة إسرائيل فى المنطقة، ظلت هذه المرحلة مستمرة بصورة أو بأخرى فى أواخر الأربعينات وأوائل الخمسينات، ولكنها اتخذت أشكالا مختلفة، كما أنها تزامنت فى بعض الفترات مع وجود توجهات أخرى اكثر قوة وأشد إلحاحا فى السياسة الخارجية المصرية ففى أواخر الأربعينات، كانت السياسة المصرية ترفض وجود إسرائيل فى المنطقة، وترى فى هذا الوجود اغتصابا لحق الفلسطينيين، ودخلت مصر حرب 1948 من هذا المنطلق، ولكن أداء القوات المسلحة المصرية فى تلك الحرب كان مرتبطا بحقيقة أن الأوضاع الداخلية وظروف الاحتلال البريطانى لمصر لم تكن تتيح لهذه القوات امتلاك درجة عالية من الكفاءة القتالية والقدرة التسليحية فنظام التجنيد المعمول به فى تلك الفترة كان يؤدى إلى اقتصار الجندية على أفقر الطبقات كما كان الاستعمار البريطانى يتحكم فى تشكيل وتدريب وتسليح الجيش المصرى من خلال البعثة العسكرية البريطانية (1937 ـ ـ 1947)، جنبا إلى جنب مع الأحوال الصحية السيئة وانخفاض مستوى التعليم كل ذلك تسبب فى إضعاف الجيش المصرى وحرمانه من مقومات الجيوش الحديثة وعندما اندلعت حرب فلسطين، تسبب التمزق والإفلاس السياسى فى توريط الجيش المصرى فى حرب لم يكن مستعدا لها، ولم يهتم النظام السياسى ـ سواء القصر الملكى أو الحكومات المتعاقبة ـ بتوفير الاحتياجات التسليحية والمادية لهذا الجيش (4) ـ 2 ـ مرحلة 1952 ـ 1967، وترتبط هذه المرحلة بقيام ثورة 23 يوليو 1952 فى مصر، حيث استمر خلال هذه المرحلة أيضا رفض السياسة المصرية لوجود إسرائيل فى المنطقة، بصورة اكثر حدة عن ذى قبل، وبالذات فى ظل التحرشات العدوانية الإسرائيلية بالنظام الثورى الجديد فى مصر وفى هذه المرحلة، وبالذات منذ عام 1956، ازدادت التطلعات القومية الوحدوية المصرية، كما اتجهت القيادة السياسية نحو العمل على إنشاء وطن عربى واحد، كانت القوات المسلحة واحدة من الأدوات الرئيسية لهذه السياسة، بما فى ذلك إمكانية الاستخدام الفعلى لهذه القوات فى المنطقة العربية والعمل خارج الحدود لدعم جهود الوحدة العربية ومؤازرة النظم الثورية الوحدوية الناشئة، كما حدث فى العراق وليبيا واليمن والجزائر وقد أثر هذا التوجه على هيكل وتسليح القوات المسلحة المصرية، من حيث الحرص على امتلاك اليد الطويلة من اجل العمل على مسافات بعيدة، وذلك من خلال الحصول على قاذفات قنابل بعيدة المدى وطائرات النقل والإبرار الجوى البعيدة وقطع البحرية القادرة على العمل فى المياه العميقة والمحيطات وخارج المياه الإقليمية المصرية ومن ثم، فان الغرض من سياسة التسلح المصرية فى هذه المرحلة ركز على امتلاك القدرات الكفيلة بالوصول إلى أراضى إسرائيل واختراقها، بالإضافة إلى إمكانية تقديم الدعم العسكرى للتجارب الوحدوية القومية العربية وفى هذه المرحلة تطور عمل المؤسسة العسكرية المصرية حسب تطور السياسة الخارجية المصرية، وكانت هناك على الدوام ثلاثة اعتبارات رئيسية تحكم تكوين وأداء المؤسسة العسكرية المصرية هى: الصراع مع إسرائيل، والتطلعات القومية الوحدوية لمصر، ومصالح مصر القومية الأخرى (5) ولكن على الرغم من أن السياسة المصرية ركزت فى هذه الفترة على التصدى لإسرائيل، وعملت أيضا على دفع حركة الوحدة العربية، إلا أن القيادة السياسية المصرية لم تفلح فى إقامة بناء عسكرى قادرا على تحقيق هذه الأهداف، بالإضافة إلى أن الإنفاق العسكرى الكبير نسبيا شكل عبئا على ميزانية الدولة، مما أضر كثيرا بالقدرات الاقتصادية للدولة وقد أدت هذه العوامل معا إلى وقوع هزيمة يونيو 1967، والتى شكلت نقلة تحول بالغة الأهمية فى التوجهات السياسية لنظام الحكم فى مصر، كما كانت هذه الهزيمة أيضا بمثابة امتداد لنمط التعامل الدولى مع أى مشروع نهضوى مصرى، وهو نمط يقوم على أن القوى الدولية ـ وأيضا بعض القوى الإقليمية ـ تسعى إلى ضرب ووأد المشروع النهضوى المصرى، ومنعه من تحدى مصالح تلك القوى أو تغيير خريطة التوازن الاستراتيجى فى المنطقة ـ 3 ـ المرحلة الثالثة، مرحلة إزالة آثار العدوان 1967 ـ 1977، واقتصرت أهداف القيادة السياسية المصرية فى هذه المرحلة فى تبنى أهداف اكثر تواضعا بالقياس على المراحل السابقة، حيث اكتفت بالعمل على إزالة آثار عدوان 1967، وبالذات إخراج القوات الإسرائيلية من الأراضى التى احتلتها عام 1967، ونظرا لامتناع إسرائيل عن التجاوب مع المبادرات السلمية التى طرحتها المنظمات الدولية والقوى السلمية فى تلك الفترة، اندلعت حرب أكتوبر 1973، وعلى الرغم من أن القدرات العسكرية المصرية والسورية خصوصا، والعربية عموما، لم تكن تتيح إلحاق هزيمة عسكرية كاملة بإسرائيل، فان الهدف المصرى ـ السورى فى حرب أكتوبر 1973 كان محدودا، ويتمثل فى تحدى نظرية الأمن الإسرائيلى ـ القائمة على أتساس التخويف النفسى والسياسى والعسكرى ـ ـ عن طريق عمل عسكرى هادف إلى إلحاق اكبر قدر ممكن من الخسائر بالعدو، وإقناعه أن مواصلة احتلال الأراضى العربية يفرض عليه ثمنا لا يستطيع دفعه ـ 4 ـ المرحلة الرابعة، مرحلة السلام مع إسرائيل 1977، فتحت حرب أكتوبر 1973 الباب أمام تطورات سياسية واسعة فى منطقة الشرق الأوسط، كان أبرزها إفساح الطريق أمام إبرام تسوية سياسية بين مصر وإسرائيل، عقب مبادرة الرئيس السابق أنور السادات فقد كانت حرب أكتوبر هى التى مهدت الطريق للسلام ومن دون الانتصار الذى حققته مصر، كان سيصبح من المستحيل أن تتجه إسرائيل نحو السلام وعلى الرغم من إبرام معاهدة السلام المصرية ـ الإسرائيلية عام 1979، وإنهاء حالة الحرب بين الجانبين، إلا أن عمليات تطوير وتحديث قواتها المسلحة المصرية لم تتوقف، وكان هذا التطوير نابعا فى الأساس من الإيمان العميق بمبدأ (السلام القائم على العدل) والسلام الذى تحميه القوة، وهو ما أكد على أن القوة العسكرية المتطورة ضرورية ولازمة لحماية السلام كما ينبع هذا الاهتمام من رغبة مصر فى حماية أمنها الوطنى وحقوقها الوطنية، إيمانا منها بأنه لابد للحق من قوة رادعة تحميه بالإضافة إلى أن هذا الاهتمام ينبع من أن مصر تعتبر الدولة الكبرى فى الشرق الأوسط والمنطقة العربية، مما يفرض عليها أعباء والتزامات واسعة فى مجال حفظ الأمن والاستقرار الإقليمى، مما يستلزم منها الاحتفاظ دوما بقوات مسلحة متطورة، وقادرة على الردع والتصدى لأى تهديدات خارجية ـ 5 ـ المرحلة الخامسة، مرحلة الدور الإقليمى والدولى النشط فى التسعينات، أدت التطورات الإقليمية منذ نهاية الثمانينات وبداية التسعينات إلى تعزيز مكانة مصر كقوة رئيسية فى الشرق الأوسط، حيث نجحت مصر فى إعادة توطيد علاقاتها العربية عقب فترة الجمود التى أصابت هذه العلاقات بعد إبرام معاهدة السلام المصرية ـ الإسرائيلية، بالإضافة إلى بناء علاقات وطيدة مع القوى الدولية الرئيسية، ومواصلة عملية الإصلاح الاقتصادى الداخلى فى مصر، كما أن حالة الفراغ الاستراتيجى التى نشأت فى المنطقة عقب حرب الخليج 1991 ألقت أعباء جديدة على كاهل السياسة المصرية من اجل احتواء هذه الأوضاع وبشكل عام، فان المكانة الإقليمية لمصر ظلت على الدوام نابعة من التوقعات الإيجابية تجاهها من جانب الدول والشعوب العربية الأخرى بفضل دور مصر الثقافى وتضامنها مع بقية الدول العربية، وهو التضامن النابع من إحساس مصر القوى بالتزاماتها القومية والأخلاقية والتاريخية والجغرافية وقد سعت مصر خلال التسعينات إلى استعادة التضامن العربى الذى تبدد بسبب الغزو العراقى للكويت فقد أدى هذا الغزو إلى إحداث حالة من الشرخ الرأسى فى العالم العربى، ومازالت هذه الحالة قائمة بدرجة اقل فى العلاقات بين العراق والعالم العربى ومازال العالم العربى يعيش الآثار الدامية لتلك الأزمة حتى الوقت الراهن ورغم أن السياسة المصرية ظلت حريصة على تأكيد المسئولية الكاملة التى يتحملها النظام العراقى عن الأزمة والحرب فى منطقة الخليج، وبالتالى التأكيد على مسئولية النظام العراقى على الانشقاق الرأسى الذى أصاب العلاقات العربية ـ العربية، وان القيادة العراقية تسببت بذلك فى اختلالات فادحة أصابت الأمة العربية بأسرها حينما أقدمت على غزو الكويت، إلا أن ذلك لم يمنع تبلور رأى عام فى الأوساط الشعبية والرسمية فى مصر، بل وأيضا فى العالم العربى، يأسف ويتألم لما يعانى منه الشعب العراقى، كما ترى مصر أن إنهاء الوضع الشاذ والمتوتر لعلاقات العراق مع محيطه الإقليمى والعربى، ومع المجتمع الدولى، يستلزم من العراق التزاما كاملا وغير مشروط بشأن التعاون مع اللجنة الدولية الخاصة بنزع أسلحة الدمار الشامل العراقية، وكذلك التزام العراق بتنفيذ قرارات مجلس الأمن ذات الصلة بالغزو العراقى للكويت وترفض مصر بشدة الدعوات والأفكار الأمريكية والغربية بشأن الإطاحة بنظام صدام حسين، وترى أنها تمثل تدخلا سافرا فى الشئون الداخلية للعراق، وترى أن مسألة التغيير هذه تمثل شأنا داخليا خاصا بالشعب العراقى فقط، كما ترفض مصر بشدة كافة الأفكار التى تنطوى على مساس بسيادة العراق وسلامة أراضيه وبينما تشدد مصر على أهمية استكمال عملية المصالحة العربية وإعادة العراق إلى الأسرة العربية، فإنها ترى أن هذه العملية يجب أن تأتى تتويجا للانتهاء من كافة رواسب الغزو العراقى للكويت وتجاوز الفجوة القائمة بين العراق وجيرانه، وبالذات الكويت، كما ترى مصر ضرورة أن ينفذ العراق قرارات مجلس الأمن بالكامل من اجل إعادة العلاقات أو التطبيع الدبلوماسى الكامل ثالثا: أشكال دور القوات المسلحة فى السياسة الخارجية المصرية تنوعت أشكال استخدام القوات المسلحة المصرية فى تنفيذ أغراض السياسة الخارجية المصرية والملاحظ بشكل عام أن الصراع العربى الإسرائيلى ظل على الدوام هو الجانب الأكثر أهمية وإلحاحا فى عمل القوات المسلحة المصرية ويثير الحديث عن أشكال دور القوات المسلحة المصرية فى السياسة الخارجية مسألة تنظيم هذا الدور وكيفية تبلوره، حيث يشير نمط تطور هذا الدور خلال النصف الثانى من القرن العشرين إلى أن هذا الدور كان يتحدد فى الأساس من خلال رؤية وتوجيهات القيادة السياسية للدولة، فهى التى تحدد أولويات السياسة الخارجية ومجالات عمل القوات المسلحة كما أن وزارة الخارجية (أو الجهاز الدبلوماسى) ذاته يعمل أيضا فى إطار توجيهات وتعليمات القيادة السياسية، وليست هناك فى المقابل آلية مؤسسية وتنظيمية للتنسيق الثنائى بين الدفاع والخارجية وبشكل عام، فان هناك ثلاثة مجالات رئيسية لمشاركة القوات المسلحة فى السياسة الخارجية المصرية وهى: ـ 1 ـ القوات المسلحة المصرية والصراع العربى الإسرائيلى: استعرضنا فى الجزء السابق دور القوات المسلحة فى الصراع العربى ـ الإسرائيلى، وبدا واضحا أن هذا الصراع كان المجال الرئيسى لاستخدام القوات المسلحة المصرية فى قضايا السياسة الخارجية المصرية، بسبب اغتصاب إسرائيل لأراضى فلسطين، ثم اغتصابها للمزيد من الأراضى العربية فى عام 1967، وأيضا باعتبار إسرائيل تمثل تهديدا خطيرا لأمن مصر وبشكل عام، فان العديد من الأدبيات تشير إلى أن هذا الصراع كان بمثابة الحافز الرئيسى للقوات المسلحة المصرية على النمو والتطور والتنظيم، وبالذات فى مجال زيادة الكفاءة القتالية والتطور التسليحى وتعزيز فاعلية القيادة وتطوير نظم الاتصالات (6) ومنذ عام 1978، شهدت حركة التفاعلات المصرية الإسرائيلية اتجاهها نحو التسوية السلمية للصراع القائم بين الجانبين، وكان اهتمام مصر بالسلام عائدا إلى العديد من الاعتبارات، أبرزها أن مصر أدركت مبكرا أن الصراع المسلح لن يؤدى إلى استعادة الحقوق العربية المغتصبة من إسرائيل، وان الحروب لن تؤدى سوى إلى المزيد من الدمار والاستنزاف الاقتصادى لموارد وقدرات دول المنطقة، بالإضافة إلى أن السياسة المصرية بدأت منذ منتصف السبعينات فى التركيز بقوة على إعطاء الأولوية المطلقة لعملية التنمية فى الداخل من اجل مواجهة المشكلات الاقتصادية المتفاقمة ـ 2 ـ التدخلات الخارجية للقوات المسلحة المصرية: كان التدخل العسكرى فى بعض الأزمات الإقليمية واحدا من الأدوات التى لجأت لها القيادة السياسية المصرية فى حالات قليلة وكان التدخل فى هذه الحالات محكوما باعتبارات سياسية بالغة الأهمية وبشكل عام، فان مثل هذا السلوك لم يتكرر كثيرا فى السياسة الخارجية المصرية، وسوف نركز هنا على وجه التحديد على حالتى التدخل المصرى فى اليمن، والمشاركة المصرية فى حرب الخليج 1990 ـ 1991 أ ـ التدخل المصرى فى اليمن، حيث كان التدخل المصرى فى اليمن، خلال الفترة ما بين سبتمبر 1962 حتى أواخر عام 1967 محكوما بالاعتبارات السياسية فقد كان الهدف من هذا التدخل هو دعم ومساندة الثورة اليمنية بقيادة العميد عبدالله السلال وذلك بهدف توجيه ضربة مضادة للمعسكر المناهض لمصر فى تلك الفترة، وكانت أهمية هذا التدخل أنها وضعت القوات المصرية على الحدود الجنوبية للمملكة العربية السعودية التى كانت تتزعم المعسكر المناهض لمصر فى ذلك الوقت وعقب قيام هذه الثورة، بدأت الاشتباكات المسلحة بين الجمهوريين والملكيين فى اليمن، وطلب الجمهوريون تدخل مصر عسكريا إلى جانبهم لحماية الثورة الوليدة وقد بدأ وصول القوات المصرية إلى اليمن منذ سبتمبر 1962، وكان نمط قتال القوات المصرية هناك اقرب إلى (حرب العصابات) حيث لم يكن العدو الذى تقاتله القوات المصرية جيشا نظاميا منضبطا، بل كانوا مجرد شرذمة من رجال القبائل المسلحين تسليحا بدائيا ومع مرور الوقت، زاد انغماس القوات المصرية فى العمليات الحربية فى اليمن، وازداد نطاق هذه العمليات اتساعا وعنفا وبدأ رجال القبائل فى استخدام أسلحة اكثر تطورا، مما أدى إلى ازدياد عدد القوات المصرية هناك حتى فاقت فى وقت من الأوقات حجم القوات الموجودة داخل مصر ذاتها وعلى الرغم من أن التدخل المصرى فى اليمن ساعد على حماية الثورة الوليدة، ووطد أركان الحكم الجمهورى فى اليمن، ووضع لبنان الدولة الحديثة هناك، إلا أن التدخل المصرى فى اليمن يعتبر أحد أسباب هزيمة 1967 لأن هذا التدخل اثر سلبا على خطط الدفاع عن سيناء بسبب عدم كفاية القوات اللازمة لمواجهة القوات الإسرائيلية أضف إلى ذلك، أن العمليات العسكرية المصرية فى اليمن أدت إلى اكتساب القوات لعادات سلبية فى العمل العسكرى، حيث لم يكن لهذه العمليات أى قيمة من الناحية العلمية والفنية، وكانت مجرد حرب عصابات أو عمليات بوليسية تأديبية لرجال القبائل المتمردين المسلحين تسليحا خفيفا، ولم تراع القوات المصرية هناك مبادئ الحرب، كما أن نجاح القوات المصرية فى معارك اليمن أدى إلى زيادة الثقة بالنفس إلى درجة الغرور رغم تفاهة تلك العمليات وبالتالى، كانت العمليات العسكرية فى اليمن سببا من أسباب هزيمة يونيو 1967 وقد انتهى التدخل المصرى فى اليمن فى أواخر عام 1967، عقب إبرام اتفاق بين مصر والسعودية نص على انسحاب القوات المصرية من اليمن، وترك الأمور لليمنيين، دون تدخل خارجى، وهو ما كان بمثابة نتيجة منطقية لهزيمة يونيو 1967 (7) ب ـ المشاركة فى حرب الخليج، حيث شاركت القوات المصرية فى إطار التحالف الدولى الذى طرد القوات العراقية من الكويت عام ـ 1991، وكانت القوات المصرية تعتبر ثانى اكبر قوة عسكرية مشاركة فى قوات التحالف بعد الولايات المتحدة مباشرة فقد كان الغزو العراقى للكويت بمثابة صدمة قاسية للسياسة المصرية على العديد من المستويات لما انطوى عليه هذا الغزو من تهديد للمصالح العربية والإقليمية لمصر، حيث أدى هذا الغزو إلى تقويض مناخ التضامن العربى الذى كانت مصر قد اجتهدت كثيرا فى بنائه خلال فترة ما قبل الغزو، علاوة على أن الخطوة العراقية كانت تمثل فى جوهرها محاولة لتعظيم الوزن الإقليمى العراقى، وهو ما كان ينطوى على تهميش أو تقليل الدور الإقليمى لمصر، على الأقل فى منطقة الخليج العربى، والتى تحتفظ مصر فيها بعلاقات اقتصادية حيوية وبالغة الأهمية، ورأت القيادة السياسية المصرية فى تلك الخطوة العراقية محاولة ليس فقط للسيطرة على بترول الخليج ولكن أيضا محاولة للسيطرة على الوطن العربى كله، سعيا إلى السيطرة على مصر ذاتها، بما فى ذلك انتزاع الزعامة منها ومن ثم أكدت القيادة المصرية منذ البداية على إدانة الغزو العراقى للكويت، باعتباره ينذر بمخاطر بالغة على الأمة العربية كلها وأكدت السياسة المصرية رفضها لمبدأ استخدام القوة فى العلاقات العربية ـ العربية، كما رفضت النتائج المترتبة على هذا الاستخدام، ورفضت أيضا مبدأ التدخل فى الشئون الداخلية لقطر عربى من جانب قطر عربى أخر وفى نفس الوقت، رفضت مصر مبدأ الحق التاريخى للعراق فى أراضى الكويت، كما اعترضت مصر على فكرة تقاسم الثروات العربية الذى طرح كمبرر لغزو العراق للكويت أما فيما يتعلق بالتدخل العسكرى الأجنبى فى الخليج، فقد اتخذت السياسة المصرية موقفا ضمنيا يقوم على اعتبار هذا التدخل غير مرغوب فيه، ولكنها تفهمت مع ذلك الدوافع التى حدت بالسعودية ودول الخليج لطلب هذا التدخل الأجنبى وفى إطار هذه المواقف تحركت السياسة المصرية سياسيا وعسكريا بهدف الوصول إلى تسوية سياسية للازمة، ثم وجدت مصر أن الخيار العسكرى سوف يصبح حتميا إذا فشلت الجهود السياسية (8) والواقع، أن الإدارة المصرية لازمة الخليج مرت بثلاث مراحل رئيسية، تمثل أولها فى القيام بدور الوساطة بين العراق والكويت خلال المراحل الأولى السابقة على الغزو، بهدف البحث عن تسوية سلمية للأزمة عقب تفجرها ووصلت هذه الجهود إلى ذروتها مع قيام الرئيس مبارك بجولة فى منطقة الخليج للوصول إلى مثل هذه التسوية وقد تمثلت المرحلة الثانية فى محاولة الوصول إلى تسوية جماعية عربية للأزمة، وكانت هذه المحاولة لاحقة مباشرة على الغزو العراقى للكويت، حيث ركزت السياسة المصرية على ضرورة التزام العراق بالانسحاب من الكويت والامتناع عن محاولة تغيير نظام الحكم فى الكويت بالقوة علاوة على ضرورة التزام البلدين بتسوية خلافاتهما بالمفاوضات السلمية، إلا أن الموقف المصرى هنا اصطدم برفض العراق مبدأ الانسحاب من الكويت أما المرحلة الثالثة، فقد تمثلت فى المشاركة فى التحالف الدولى لطرد القوات العراقية من الكويت، فقد أدى الإصرار العراقى على عدم الانسحاب من العراق إلى ازدياد الوزن النسبى للخيار العسكرى بصورة تدريجية والواضح، أن السياسة المصرية لم تكن تفضل الخيار العسكرى، ولكنها قامت بالمشاركة فى بناء التحالف الدولى المناهض للعراق، حيث قامت مصر بإرسال قواتها إلى المملكة السعودية والإمارات العربية بموجب قرار مؤتمر القمة العربية للدفاع عنهما، ثم تطورت مشاركة هذه القوات لاحقا إلى الإسهام فى طرد القوات العراقية من الكويت، إلا أن السياسة المصرية شددت فى هذه المرحلة على أن القوات المصرية لا شأن لها بدخول العراق تحت أى مسمى، حتى لو كان دخول العراق كقوات سلام، مع حصر دور هذه القوات فى تحرير الكويت فقط ومع ذلك، فانه على الرغم من أن السياسة المصرية اعتبرت أن الخيار العسكرى سوف يصبح حتميا ما لم تنسحب القوات العراقية من الكويت، إلا أنها لم تستبعد خيار التسوية السلمية تماما، بل أن الرئيس مبارك شدد مرارا على استعداده للقيام بأى جهد يؤدى إلى تجنب وتفادى الصدام العسكرى فى الأزمة والوصول إلى تسوية سلمية للنزاع، إلا أن التعنت العراقى أدى فى نهاية المطاف إلى جعل الخيار العسكرى بمثابة الخيار الوحيد المتاح للتعامل مع الأزمة ومن ثم، فانه على الرغم من أن مصر حرصت على بذل كافة الجهود السياسية المصرية للوصول إلى تسوية سلمية هذه الأزمة، إلا أن رفض القيادة العراقية مبدأ الانسحاب من الكويت قد جعل الخيار العسكرى مطروحا بقوة، لاسيما عقب صدور القرار رقم 678 عن مجلس الأمن فى 29 نوفمبر 1990، وهو ما دفع مصر إلى الانتقال من مرحلة الاكتفاء بالمساعى الدبلوماسية إلى المشاركة بالقوة العسكرية فى التحالف الدولى الرامى إلى حماية دول مجلس التعاون الخليجى والتصدى للتهديدات العراقية وتحرير الكويت، وهو ما كان يرمى من ناحية إلى تأمين عامل للحماية والردع لتلك الدول علاوة على الحيلولة دون اقتصار عملية حماية دول مجلس التعاون الخليجى والتصدى للعراق على القوات الأمريكية والأوروبية، وكان واضحا على السياسة المصرية فى هذا الشأن الحرص على إيجاد تمثيل عربى قوى فى ذلك التحالف، تأكيدا على استمرار الدور الجماعى العربى فى الحل العسكرى لقضية الغزو العراقى للكويت ـ 3 ـ دور القوات المسلحة المصرية فى عمليات حفظ السلام: اهتمت مصر منذ فترة مبكرة بالمشاركة فى عمليات حفظ السلام تحت مظلة الأمم المتحدة، حيث شاركت فى قوات حفظ السلام فى الكونغو (زائير سابقا)، أثناء فترة الحرب الأهلية الكنغولية الأولى خلال الفترة 1960 ـ 1964، وحرصت مصر منذ ذلك الحين على المشاركة فى معظم عمليات حفظ السلام فى أفريقيا، وذلك باعتبار أفريقيا دائرة محورية للأمن القومى المصرى، وأيضا بهدف تعزيز مكانة مصر الإقليمية على الساحة الأفريقية ومنذ بداية عقد التسعينات، ازداد الاهتمام المصرى بالمشاركة فى عمليات حفظ السلام، وذلك فى إطار اتساع نطاق عمليات حفظ السلام التى تقوم بها الأمم المتحدة ففى فترة ما بعد الحرب الباردة، شهدت الساحة الدولية عموما، والأفريقية خصوصا، تحولا فى طبيعة الصراعات المسلحة، حيث أصبحت الصراعات الداخلية هى السمة الأغلب والأكثر شيوعا على الساحة الدولية، وشهدت هذه الصراعات مستويات مروعة للغاية من العنف والوحشية، واتخذت فى العديد من الحالات صورة القتل الجماعى والإبادة العرقية، مما أضطر المجتمع الدولى إلى ايلاء عناية اكبر تجاه هذه النوعية من الصراعات، ولاسيما أن العلاقات الدولية شهدت نشوء درجة عالية من التوافق بين القوى الدولية الكبرى بشأن بروز مفهوم (التدخل الإنسانى)، والذى كان بمثابة نوع من الاستجابة للزيادة المطردة فى تلك الصراعات وقد استأثرت المنطقة الأفريقية ومنطقة الشرق الأوسط بالنسبة الأكبر من عمليات حفظ السلام التى قامت بها الأمم المتحدة منذ بداية التسعينات وفى هذا الإطار، قامت السياسة المصرية على أساس أن قضية التدخل الإنسانى تعتبر قضية هامة للمجتمع الدولى ككل، وليس لحفنة قليلة من القوى الدولية الكبرى، ولابد من أن تتقرر هذه القضية من جانب جميع الدول، وأن تعبر عن مصالح ورؤى هذه الدول جميعا وليس فقط التعبير عن مصالح مجموعة معينة من الدول، واهتمت مصر دائما بالتأكيد على أن الموافقة على التدخل وأهدافه والياته يجب أن تتقرر أصلا داخل مجلس الأمن الدولى باعتباره صاحب الاختصاص الأصيل والمسئولية الرئيسية فى حفظ السلم والأمن الدوليين، فان لم يستطع المجلس فيتم اللجوء إلى الجمعية العامة باعتبارها المنبر الرئيسى لصياغة المصالح المشتركة لجميع الدول، مع ضرورة صياغة المبادئ والأفكار الحاكمة لهذه الاتجاهات الجديدة بطريقة موضوعية وديمقراطية، ومن خلال الحوار الموسع بين جميع الدول ومن ثم، فان الموقف المصرى تجاه عمليات حفظ السلام كان مبنيا على أساس ضرورة الحفاظ على استقلالية الأمم المتحدة فى أدارتها لهذه العمليات، والابتعاد بها عن حسابات القوى الكبرى وقد شكلت المشاركة فى قوات حفظ السلام فى الصومال (يونيصوم 2 ) المشاركة المصرية الأبرز فى هذه العمليات، حيث وصلت القوات المصرية فيها إلى حوالى 1666 فردا وكانت المشاركة المصرية هنا بمثابة محاولة لسد الفراغ الناشئ عن انسحاب القوات الأمريكية من الصومال وتخلى الإدارة الأمريكية عن مهمة التدخل الإنسانى فى الصومال إلى الأمم المتحدة، مما دفع الأخيرة إلى العمل بسرعة على تشكيل قوة بديلة مكونة من 14 دولة لسد هذا الفراغ، وكانت القوات المصرية هى الثالثة من حيث الحجم بعد كل من باكستان والهند، وكان تكوين القوات المصرية مؤلفا من لواء مشاه ميكانيكى مكلف بحماية وتأمين مطار مقديشيو وتدريب عناصر الشرطة الصومالية وفى الوقت نفسه، شاركت القوات المصرية فى عمليات حفظ السلام فى كل من ليبيريا ورواندا وموزمبيق وأنجولا وأفريقيا الوسطى والصحراء الغربية، وذلك تحت مظلة الأمم المتحدة أما خارج نطاق القارة الأفريقية، فقد شاركت القوات المصرية فى عمليات حفظ السلام فى أوروبا، وذلك فى إطار دعمها لمفهوم حفظ السلام على المستوى العالمى، وكانت المشاركة المصرية الأبرز فى هذه العمليات هى تلك التى جرت فى البوسنة، حيث زاد عدد القوات المصرية المشاركة فى عملية حفظ السلام فى البوسنة فى بعض الفترات عن 450 فرد وقد شاركت هذه القوات فى فرض السلام فى البوسنة ووقف سياسة التطهير العرقى التى مارسها الصرب ضد المسلمين فى تلك الجمهورية، وكان دور القوات المصرية يتمثل فى الإسهام فى تأمين قوافل الإغاثة فى سراييفو وتأمين العناصر المدنية العاملة فى البوسنة وفى الوقت نفسه، شاركت مصر أيضا بمراقبين فى عمليات حفظ وصيانة السلام فى كل من كرواتيا وجورجيا ومقدونيا وعلى هذا الأساس، يبدو واضحا أن مشاركة القوات المسلحة المصرية فى عمليات حفظ السلام تحت مظلة الأمم المتحدة باتت تمثل مجالا رئيسيا لنشاط هذه القوات فى إطار السياسة الخارجية المصرية، والتى تقوم على أن عمليات التدخل الإنسانى فى الصراعات الداخلية والدولية باتت تعتبر واحدة من ابرز ملامح النظام الدولى لفترة ما بعد الحرب الباردة، وترغب مصر فى الانخراط بفاعلية ضمن منظومة الشرعية الدولية، سعيا إلى تعزيز مكانتها الدولية والإقليمية، بالإضافة إلى أن هذه المساهمة تتيح لمصر الحق بدرجة اكبر فى المشاركة فى بلورة وصياغة مفهوم التدخل الإنسانى والياته وشروطه، كما أن هذه المساهمة تعتبر واحدة من المرتكزات التى تسعى مصر من خلالها إلى اكتساب المصداقية والأحقية فى الحصول على مقعد دائم فى مجلس الأمن فى إطار عملية توسيع العضوية فى المجلس ومن الملاحظ على وجه العموم أن المجال الرئيسى للمساهمة المصرية فى عمليات حفظ السلام ينصب أساسا فى القارة الأفريقية باعتبارها العمق الاستراتيجى لمصر ودائرة مهمة للحركة السياسية والاقتصادية المصرية، كما أن الملاحظ أن المشاركة المصرية فى هذه العمليات لم تتطرق قط إلى الدخول فى عمليات قتالية فعلية، وإنما شاركت مصر فى عمليات الحماية والتأمين أو المراقبة العسكرية أو تدريب قوات الشرطة فى الدولة المعنية، وترغب مصر بذلك فى الالتزام بقواعد الشرعية الدولية والحفاظ على علاقات جيدة مع كافة أطراف الصراع والحيلولة دون تعقيد الصراع القائم وعلى الرغم من اهتمام مصر بالمشاركة فى عمليات حفظ السلام إلا انه يلاحظ أن مصر تظل خارج دائرة المساهمين الكبار فى قوات حفظ السلام فالمساهمون الرئيسيون فى هذه القوات هم: بولندا، وبنجلاديش، والنمسا، وغانا، وفنلندا، والنرويج، وايرلندا، والأرجنتين، وفرنسا، ونيبال، والولايات المتحدة، وفيجى والمملكة المتحدة، والهند، وكندا والملاحظ أن المساهمين الكبار فى هذه القوات ليسوا بالضرورة من الدول الكبرى، وإنما هم من بين الدول المتوسطة القوة، أو حتى من الدول الصغرى، ولكنها تبدى حرصا اكثر من غيرها على للمشاركة فى قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة ومن المتوقع أن يتعزز هذا الاتجاه فى المستقبل القريب، فعمليات حفظ وصيانة وإقرار السلام باتت تمثل ركيزة أساسية من توجهات النظام الدولى وهناك الكثير من الدول، وبالذات فى أوروبا الغربية، التى بدأت فى إعادة هيكلة قواتها المسلحة، بحيث تصبح قوات حفظ سلام، وليس قوات هجومية أو دفاعية، وهو ما من شأنه أن يغير كثيرا من شكل ومهام بعض عناصر القوات المسلحة لتلك الدول وعلى وجه العموم، فان إجراء مثل هذه التغييرات الهيكلية والتسليحية والعقائدية فى أى قوات مسلحة، بحيث تصبح ملائمة بدرجة اكبر لأداء مهام حفظ وصيانة وإقرار السلام، سوف يتطلب فى البداية زيادة الإنفاق العسكرى لتغطية المستلزمات المطلوبة لهذا الغرض، ولكن هذا الاتجاه سوف يؤدى على المدى الطويل إلى خفض الإنفاق العسكرى بصورة غير مباشرة رابعا: القدرات العسكرية المصرية وأدوارها المحتملة فى السياسة الخارجية المصرية تعتبر مصر واحدة من اقوى القوى الإقليمية فى الشرق الأوسط، وأكثرها نفوذها وتأثيرا على حركة التفاعلات الإقليمية فى المنطقة، حيث يعتبر الجيش المصرى واحدا من افضل واقوى الجيوش فى الشرق الأوسط وأكثرها تحديثا وتسليحا و~عدادا، وذلك بفعل عمليات التطوير المستمر لهذه القوات المسلحة المصرية وعلى الرغم من إبرام معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل عام 1979، إلا أن الجيش المصرى ما زال واحدا من اضخم الجيوش فى الشرق الأوسط، وأفضلها تجهيزا وتسليحا وإعدادا وقد كان كبار المسئولين السياسيين والعسكريين المصريين حريصين دوما على التأكيد أن السلام مع إسرائيل لا يعنى إطلاقا التخلى عن أهداف التطوير المستمر للقوة العسكرية المصرية وفى هذا الإطار، نفذت مصر خلال السنوات الماضية عملية ضخمة للتحول من المعدات السوفيتية القديمة إلى النظم العسكرية الجديدة القادمة من الغرب، جرى بموجبها الاهتمام بزيادة ميكنة القوات البرية، بالإضافة إلى الاهتمام بتقوية وتحديث السلاح الجوى المصرى ووفقا لتقديرات تقرير الميزان العسكرى، فان تعداد القوات المسلحة المصرية يكاد يصل إلى نصف مليون عسكرى وتمتلك القوات البرية المصرية 3700 دبابة قتال رئيسية، و412 عربة استطلاع مدرعة، و790 مركبة ميكانيكية، و3904 ناقلة جنود مدرعة، 276 قطعة مدفعية ذاتية الحركة، و971 قطعة مدفعية مقطورة، 296 قاذفات متعددة الفوهات، و2460 قطعة هاون، وما لا يقل عن 19 منصة صواريخ ارض ـ ارض، بالإضافة إلى أعداد ضخمة من الصواريخ المضادة للدبابات والمضادة للطائرات وفى المجال البحرى، مازالت القوات البحرية المصرية تعتبر الأضخم من نوعها فى الشرق الأوسط، حيث تمتلك 8 غواصات، ومدمرة واحدة، و8 فرقاطات، و25 زورقا للهجوم الصاروخى السريع، و18 زورقا خاصا بأعمال الدورية الساحلية، و11 كاسحة الغام، و12 قطعة برمائية أما القوات الجوية المصرية فتمتلك حوالى 572 طائرة قتالية، من بينها 135 طائرة خاصة بأعمال الهجوم الأرضى، و338 مقاتلة اعتراضية وخلال الآونة الأخيرة حصلت القوات المسلحة المصرية فى هذا الإطار على دبابات القتال الرئيسية الأمريكية (ام 60) بطرازاتها المختلفة، ثم بدأت أيضا عملية التجميع المحلى ل 555 دبابة من طراز (أم ـ 1 ـ اية ـ 1 ابرامز) بمساعدة الولايات المتحدة منذ عام ـ 1992، وبلغ عدد الدبابات العاملة فى الخدمة الفعلية منها حوالى 400 دبابة مع عام 1997، وتوسعت مصر أيضا فى إدخال ناقلات الجنود المدرعة طراز (ام 111)، مما ساعد على زيادة التشكيلات المدرعة والميكانيكية فى القوات المسلحة المصرية وفى الوقت نفسه، حرصت مصر على صيانة ما لديها من الأسلحة السوفيتية، بهدف الاستفادة أطول فترة ممكنة من هذه الأسلحة من خلال عمليات التطوير المستمر لها، واتضح ذلك مثلا فى برنامج تزويد أسطول الدبابة الشرقية (ت ـ 55) بمدافع عيار 105 مم طراز (ل ـ 7) وقد برزت عملية التحديث بوضوح أيضا فى صفوف الدفاع الجوى المصرى، حيث جرى تطوير العناصر المدفعية والصاروخية للدفاع الجوى، من خلال الحصول على الصواريخ المتطورة (شاباريل) و (هوك) و (كروتال) أما فى مجال القوات البحرية، فقد توسعت مصر فى إدخال الفرقاطات وزوارق الهجوم الصاروخى السريع وزوارق الدورية وقطع مكافحة الألغام، كما اهتمت أيضا بإدخال الهليكوبتر طراز (سى كنج) للمعاونة فى أعمال القتال البحرى، بالإضافة إلى تزويد القطع البحرية بصواريخ حديثة، سواء كانت بحر ـ بحر أو صواريخ دفاع جوى فردية وفى مجال القوات الجوية، جرت عملية تحديث واسعة للغاية، وركز هذا التحديث على اقتناء طائرات قتالية متقدمة للغاية تمتلك قدرات افضل فى مجال المناورة والقوة النيرانية وبشكل عام، فإن هناك عددا من المحددات التى تحكم عملية تطوير وتحديث القوات المسلحة المصرية، يأتى فى مقدمتها: الخبرات العسكرية المصرية، واتجاهات التطور التكنولوجى العسكرى على الصعيدين الإقليمى والعالمى، والقدرات العسكرية للقوى الإقليمية المجاورة، واتجاهات التهديد الفعلى أو المحتمل للأمن القومى المصرى وعلى هذا الأساس، أصبحت سياسة التحديث العسكرى المصرى تقوم على أربعة مبادئ رئيسية، أولها التركيز على مبدأ الاستعاضة عن الكم بالنوع فى السياسة التسليحية من اجل امتلاك نوعيات متطورة جدا من الأسلحة والمعدات، بما يقلل من الحاجة إلى أعداد كبيرة من الأفراد لتشغيل السلاح أو المعدة، وثانيها يتمثل فى الحرص على إطالة أعمار الأسلحة والمعدات العاملة فى صفوف القوات المسلحة، بما فى ذلك الأسلحة السوفيتية، بهدف الاستفادة أطول فترة ممكنة من هذه الأسلحة من خلال عمليات التطوير المستمر لها أما المبدأ الثالث، فهو يتمثل فى التطوير التنظيمى للقوات المسلحة المصرية، بما يتناسب مع التطور فى الموقف السياسى ـ العسكرى لمصر وأخيرا، اهتمت سياسة التحديث العسكرى المصرية بتكثيف سياسة الاعتماد على النفس من خلال زيادة قدرات التصنيع العسكرى لمصر ومن ثم، فان سياسة التسلح المصرية تركز على امتلاك الأسلحة والمعدات المتطورة التى توفر تفوقا نوعيا فى ظروف الصراع المسلح، بالإضافة إلى محاولة تنويع مصادر السلاح، قدر المستطاع، جنبا إلى جنب مع تطوير القدرات الوطنية فى مجال التصنيع الحربى وتتسم هذه المبادئ الأربعة بالتكامل إلى حد كبير فيما بينها، وتصب إجمالا فى اتجاه العمل على الوصول بالقوات المسلحة المصرية إلى اعلى مستوى ممكن من التحديث التسليحى والكفاءة القتالية وتتمثل الخاصية الأكثر بروزا فى عمليات التحديث العسكرى المصرى فى تركيز القوات المسلحة على امتلاك أسلحة متطورة تتميز بالدقة العالية وارتفاع القدرة التدميرية وخفة الحركة وقلة عدد الأفراد المطلوبين لتشغيلها وقد استهدفت هذه العملية رفع المستوى النوعى للقوات المسلحة إلى اعلى درجة ممكنة وفى مجال القوات البرية، جرى الاهتمام بزيادة ميكنة القوات وتطوير دبابات القتال الرئيسية العاملة لديها، بالإضافة إلى تطوير تحديث عناصر المدفعية والصاروخية للدفاع الجوى، كما توسعت مصر فى إدخال الفرقاطات وزوارق الهجوم الصاروخى السريع وزوارق الدورية وقطع مكافحة الألغام فى القوات البحرية، بالإضافة إلى إجراء عملية تحديث واسعة للغاية للقوات الجوية المصرية، وركز هذا التحديث على اقتناء طائرات قتالية متقدمة للغاية وبصفة خاصة، تركز أيضا سياسة التسليح المصرية على تطوير الصناعة العسكرية الوطنية من اجل تحرير أرادتها الوطنية فيما يتعلق بتوفير اكبر قدر ممكن من الأسلحة والمعدات والذخائر بالجهود الوطنية ولم تكتف مصر بأجهزتها الوطنية العاملة فى مجال صناعات السلاح، ممثلة فى الهيئة القومية للإنتاج الحربى التابعة لوزارة الإنتاج الحربى، ولكن اهتمت مصر أيضا بخلق نواة لتعاون عربى فى مجال الصناعات الحربية من خلال إنشاء الهيئة العربية للتصنيع عام 1975 بالتعاون مع كل من السعودية والإمارات وقطر وعمان واستهدف إنشاء هذه الهيئة تجميع الجهود العربية فى مجال الإنتاج الحربى، بما يساعد فى تخفيف الأعباء التمويلية، ويضمن تجميع الجهود العربية فى هذا المجال وقد قطعت الهيئة شوطا هاما فى هذا المجال، ولكن دول الخليج المشاركة فى الهيئة انسحبت منها عقب توقيع معاهدة السلام المصرية ـ الإسرائيلية، مما دعا مصر إلى مواصلة تشغيل هذه الهيئة بمفردها، وعدلت بدرجة كبيرة من مفهوم وأهداف هذه الهيئة وفى ظل هذا الوضع، أصبحت الصناعات العسكرية المصرية فى الوقت الحالى تنتج العديد من منظومات السلاح المتطورة، بالإضافة إلى توفير الذخائر وقطع الغيار اللازمة للعديد من الأسلحة والمعدات العاملة فى صفوف القوات المسلحة المصرية خامسا: مستقبل دور القوات المسلحة فى السياسة الخارجية المصرية يشير تحليل دور القوات المسلحة فى السياسة الخارجية المصرية إلى وجود ثمة اختلافات فى ممارسة هذا الدور على المدى الزمنى خلال النصف الثانى من القرن العشرين، حيث ارتبط هذا الدور بطبيعة المشروع الوطنى وتوجهات القيادة السياسية وطبيعة الأولويات القومية المصرية وطبيعة المتغيرات الدولية والإقليمية القائمة وعلى وجه العموم، فان التركيز الأساسى فى دور المؤسسة العسكرية المصرية فى تعزيز المكانة الدولية والإقليمية لمصر اختلف ما بين دائرة جغرافية وأخرى فبالنسبة للدور المصرى فى الدائرة الأفريقية، كان دور المؤسسة العسكرية ضعيفا، فى حين أن هذا الدور كان قويا لتعزيز التحرك المصرى فى الدائرة العربية، وبالذات فى ظل التعاون العسكرى الفنى بين مصر والكثير من الدول العربية، وكذلك بالنسبة للتعاون فى مجال الإنتاج العسكرى المشترك وتبادل الخبرات وبالمثل، كان دور المؤسسة العسكرية قويا فى مجال التنسيق الاستراتيجى مع الغرب، وهو الدور الذى كان يساعد على تأمين تدفق المعونات والمنح من الدول والمؤسسات الغربية إلى مصر (9) وبالنسبة للمستقبل، فان مدرسة الفكر العسكرى المصرى تنطلق فى تحليلاتها الاستراتيجية وتقييمها العسكرى من أن هناك مجموعة من العناصر التى قد تدفع بأى أزمة بين مصر وإسرائيل، أو بين غيرهما من الدول، أما فى اتجاه الحرب أو فى اتجاه السلام فالأزمة هى نقطة وسطية بين الحرب والسلام، ويتوقف تطور الأزمة على طريقة أدارتها وتتركز هذه العناصر أساسا على نوايا الخصوم وقدراتهم وغير ذلك وإذا تم تطبيق هذه العناصر على حالة إسرائيل، يصبح ممكنا الإشارة إلى أن احتمالات نشوب الصراع المسلح بين مصر وإسرائيل، أو عدم نشوبها، تتوقف على العناصر الرئيسية التالية: وغموض أو عدم غموض النوايا الإسرائيلية تجاه مصر والدول العربية، غموض أو عدم غموض الإمكانيات العسكرية الإسرائيلية وتطورها، وحجم وشكل القوات المسلحة الإسرائيلية ونوعية نظم التسليح بها، وطبيعة مهامها الأساسية الدفاعية وقدراتها الهجومية، وطبيعة التحالفات والمحاور العسكرية التى تقيمها إسرائيل مع الدول الأخرى، ومضمون التهديدات التى تركز عليها هذه التحالفات والمحاور، وسرعة ونوعية اتخاذ القرار السياسى فى إسرائيل بشأن استخدام القوة المسلحة (10) ومن ثم، فان الالتزام بالشفافية فى الخطط والنوايا العسكرية، وفى برامج البناء العسكرى والقدرات العسكرية، واستمرار ودفع عملية التسوية العربية ـ الإسرائيلية، يمكن أن تساعد كثيرا فى الحيلولة دون نشوب صراعات مسلحة جديدة فى المنطقة، والعكس صحيح المراجع ـ 1 ـ د محمد السيد سليم، تحليل السياسة الخارجية (القاهرة: مركز البحوث والدراسات السياسية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، 1989)، ص102 ـ 2 ـ لواء أح متقاعد/ أحمد فخر، ـ دور المؤسسة العسكرية فى الداخل وعلى النطاق الإقليمى ـ، فى د أسامة الباز (محرر) ، مصر فى القرن الواحد والعشرين: الآمال والتحديات (القاهرة: مركز الأهرام للترجمة والنشر، 1996)، ص211 ـ 3 ـ اعتمدنا فى تحديد النقاط النظرية الرئيسية للتحليل فيما يتعلق بعناصر الالتقاء بين السياسة الخارجية والمؤسسة العسكرية على: دعلى الدين هلال ود بهجت قرنى، ـ مسح للأدبيات الرئيسية وإطار مقترح للتحليل ـ، فى د بهجت قرنى ود على الدين هلال، السياسات الخارجية للدول العربية، ترجمة د/ جابر سعيد عوض (القاهرة: مركز البحوث والدراسات السياسية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، 1994)، ص ص33 ـ 34 ـ 4 ـ للاستزادة حول هذا الموضوع، أنظر: د عبدالوهاب بكر محمد، الجيش المصرى وحرب فلسطين 1948 ـ 1952 (القاهرة: دار المعارف، 1982) ـ 5 ـ لواء أح متقاعد/ أحمد فخر، مصدر سابق، ص211 ـ 6 ـ د عبدالمنعم المشاط، ـ القدرات المؤهلة للدور الإقليمى ـ، فى د عبدالمنعم المشاط (محرر)، الدور الإقليمى المصرى فى الشرق الأوسط (القاهرة: مركز البحوث والدراسات السياسية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة ـ 1995)، ص ص 93 ـ 94 ـ 7 ـ للاستزادة حول طبيعة التدخل المصرى فى اليمن، وأداء القوات المصرية فيها، أنظر: الفريق صلاح الحديدى، شاهد على حرب ـ 67 (القاهرة: دار الشروق، بدون تاريخ)، ص ص37 ـ 50 ـ 8 ـ أعتمدها فى رصد الاتجاهات العريضة للسياسة المصرية من أزمة الخليج على الجزء الخاص ب: ـ السياسة المصرية تجاه أزمة الخليج ـ، فى السيد ياسين (المشرف ورئيس التحرير)، التقرير الاستراتيجى العربى 1990 (القاهرة: مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، 1991)، ص ص504 ـ 509 ـ 9 ـ د جهاد عودة، ـ المؤسسة العسكرية والسياسة الخارجية فى فترة الرئيس مبارك 1981 ـ 1987 ـ، فى د أحمد عبدالله (محرر)، الجيش والديمقراطية فى مصر (القاهرة: دار سينا للنشر، 1990)، ص 60 ـ 10 ـ لواء أ ح / حمد فخر، ـ وجهة النظر العسكرية بشأن كيف نمنع نشوب حرب جديدة ـ، فى، الندوة الاستراتيجية: حرب أكتوبر بعد 25 عاما: المحور العسكرى وحلقة النقاش (القاهرة: إدارة الشئون المعنوية، وزارة الدفاع، 1998)، ص ص247 ـ 249