Share |
ابريل 2000
1
عن العلاقات المصرية السودانية - رؤية مصرية
المصدر: السياسة الدولية
بقلم:   إجلال رأفت

العلاقات المصرية السودانية قضية واسعة ومتعددة المجالات لذا تتعدد إليها السبل بغية الوصول إلى الهدف الأساسى منها وهو التعاون بين الدولتين على كافة المستويات الإستراتيجية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية وذلك من أجل تحقيق أكبر قدر ممكن من المصلحة للطرفين فبرغم الأزمة التى شابت العلاقات المصرية السودانية فى السنوات العشر الأخيرة ظل الارتباط المباشر بين أمنهما حقيقة، بل أكثر من ذلك برز عمق العلاقات الإنسانية بين الشعبين نسبا وثقافة وتاريخا، حيث استقبلت مصر بكل ترحاب أعدادا غفيرة من الأخوة السودانيين من جميع المشارب والاتجاهات الفكرية بعائلاتهم وأموالهم واستثماراتهم من ثم يحدد هذا الواقع الخاص للشعبين منهج تناول موضوع العلاقات المصرية السودانية حيث يصبح التركيز على تحليل العلاقات بين الحكومات فقط قاصرا عن تبيان حقيقة هذه القضية الحيوية يتحتم إذا أن نوسع من رؤيتنا ونتناول العلاقة بين القوى السياسية والشعبية فى الدولتين وطبيعة نشأتها، ثم نستنتج من هذه الجذور نقاط القوة والضعف فى هذه العلاقات ثم نختم بتصور ثوابت موضوعية يمكن أن تقوم عليها علاقة دائمة ومستقرة بين القطرين الشقيقين فى إطار مؤسسى لا يتأثر بتغير الحكام وأمزجتهم الشخصية جذور العلاقة بين مصر وأهم القوى السياسية والاجتماعية فى السودان:ـ حزبا الأمة والاتحادى:ـ فى سنة 1945 أنشأ أنصار عبد الرحمن المهدى رئيس الطريقة المهدية فى ذاك الوقت حزب الأمة برئاسة الصديق بن عبد الرحمن المهدى وقد أعلن الحزب منذ نشأته مطالبته باستقلال السودان معارضا فى ذلك قطاعا من المثقفين السودانيين الذين كانوا ينادون بوحدة وادى النيل والذين تجمعوا سياسيا فى حزب الأشقاء الذى أنشئ سنة 1942 وقد دفعت العلاقة العضوية بين حزب الأمة والطريقة الصوفية المهدية حزب الأشقاء إلى الاقتراب من الطريقة الصوفية الختمية بزعامة السيد على الميرغنى ومحاولة الارتباط بها لتكفل له سندا جماهيريا قويا يمكنه من مجابهة الأمة هكذا ولد حزب الأمة من رحم المهدية حاملا تاريخها مع الحكم التركى المصرى ورؤيتها لسودان المستقبل، كما نشأ أول حزب اتحادى سودانى متصلا اتصالا مباشرا بالطريقة الختمية وحاملا هو أيضا ميراثها الفكرى ورؤيتها للعلاقات مع مصر قامت الثورة المهدية على ركنين أساسيين:ـ أولا:ـ الدعوة الدينية للسيد محمد أحمد المهدى الذى أعلن فيها أنه مكلف بنشر الدعوة والجهاد لإرساء العدل ثانيا:ـ الدعوة السياسية التى تقوم على تجنيد الأنصار للجهاد فى سبيل التخلص من الحكم التركى المصرى الذى يقهر السودانيين ويفرض عليهم الضرائب ويسوقهم مكبلين بالقيود لتجنيدهم فى الجيش التركى وقد انعكس الشق الخاص بالدعوة الدينية للمهدى على السودانيين بشكلين مختلفين فبالنسبة للعامة آمن بدعوته قطاع كبير من الشعب ولا سيما فى غرب السودان وقد ساعد على ذلك أن الفكر الصوفى أقرب إلى نفوس الناس وأكثر تغلغلا فيهم من فكر العلماء الدينيين المبنى على المنطق الصارم أما بالنسبة لعلماء الدين من السودانيين الذين تعلموا فى الأزهر فلم يؤمنوا بدعوة السيد محمد أحمد المهدى ويعود موقفهم هذا إلى سببين:ـ أحدهما موضوعى وهو السجال الدينى الذى حاولوا من خلاله دحض حجج المهدى والآخر شخصى وهو ارتباطهم الوظيفى المباشر بالسلطة فى مصر أما الحكم التركى فلم يصدق دعوة المهدى الدينية وأعلن تكذيبه لها على لسان الخليفة العثمانى والأزهر الشريف أما الشق الخاص بالدعوة السياسية للمهدى فقد حاربها بطبيعة الحال الحكم التركى المصرى بحجة أنها تمرد على النظام الشرعى للبلاد وعصيان يجب ردعه كما حاربها فى البداية العلماء السودانيون متضامنين مع الحكم التركى ومتجاهلين الظروف الموضوعية التى أدت إلى حركات التمرد الشعبية التى مهدت بعد ذلك لاندلاع الثورة المهدية ونجاحها، ليس فقط فى الشق السياسى بل أيضا على المستوى الدينى وعند ذلك عاد بعض هؤلاء العلماء واعترفوا بها من ناحية أخرى، استفادت الحركة المهدية والمملكة المتحدة كل من الأخرى، حيث كان من مصلحتهما المشتركة التخلص من الحكم التركى المصرى، الأولى لكى تستقل والثانية لكى تنفرد بعد ذلك تماما بالسودان وفى عهد السيد عبد الرحمن المهدى نجحت بريطانيا فى الحصول على مبايعة القوى السودانية للحكم البريطانى إبان الحرب العالمية الأولى لضمان عدم انحيازها إلى جانب الأتراك ضد الحلفاء وقد استطاعت بعد ذلك المهدية أن تستقر فى أرض الجزيرة وفى مناطق غرب النيل الأبيض على ذلك، وبسبب صلة الرحم التى تربط حزب الأمة بالطريقة الصوفية المهدية يمكن إرجاع جذور الخلاف بين حزب الأمة والحكومات المصرية المتتالية إلى الخلاف التاريخى بين الحكم التركى المصرى والثورة المهدية فقد ورث الحزب عنها عدم ثقتها فى مصر والرغبة القوية فى الاستقلال التام عنها وبطبيعة الحال عملت السياسة البريطانية بدأب بعد ذلك على توسيع شقة الخلاف بينه وبين مصر المستقلة التى ظلت وحدة وادى النيل قضية من قضاياها الوطنية الرئيسية فقد تبنتها كل الحكومات المصرية على اختلاف أطيافها حتى اندلاع ثورة يوليو سنة 1952 وتغير الظروف الإقليمية والدولية أما الكلام عن نشأة الطريقة الختمية وجذور علاقاتها بالإدارة التركية المصرية فيعيدنا إلى القرن الثامن عشر الذى شهد ازدهارا واسعا للطرق الصوفية فى السودان وقد اشتهر عديد من هذه الطرق منها الإدريسية التى تنتسب إلى أحمد بن إدريس الفاسى الذى كان رائدا من رواد الإصلاح الدينى وقد تتلمذ على يديه عدد من الصوفيين السودانيين كان أوسعهم نفوذا فى السودان السيد محمد عثمان الميرغنى الذى أخذ فى صياغة رافده الخاص من الطريقة الإدريسية فأنشأ الطريقة الميرغنية أو الختمية التى انتشرت سريعا فى شمال وشرق السودان حتى أضحت أهم الطرق الصوفية وأوسعها تأثيرا على السودانيين ويبدو أن انتشارها وسعة نفوذها كانا مرتبطين إلى حد كبير بعلاقاتها بالحكم التركى المصرى وقد يكون من أسباب التقارب المصرى مع الطريقة الختمية تزامن وفود السيد محمد عثمان الميرغنى إلى السودان من مكة المكرمة ودخول محمد على باشا السودان وقد يكون أيضا التقارب المصرى مع الطريقة الختمية فى أسلوب التفكير والحياة والمعيشة من ناحية أخرى، شرع محمد على باشا بعد أن استقر حكمه فى السودان فى تشييد نظام مركزى دقيق للقضاء والإفتاء لم يعرفه السودان من قبل فكان قاضى عموم السودان والمفتى يعينان من قبل خديوى مصر وقد أدى ذلك إلى انقسام فى الحياة الدينية السودانية بين طائفة العلماء ـ(القضاة وعلماء الدين)ـ وبين طائفة الصوفيين التى ظلت بعيدة عن سلطة الدولة وإن ظلت ذات نفوذ كبير على جموع الشعب السودانى ومن القضاة السودانيين الذين وقفوا مع دولة الخلافة العثمانية ضد الثورة المهدية السيد أحمد الأزهرى شيخ الإسلام فى عموم غرب السودان وقد استمر خلفاء الشيخ فى الارتباط الوظيفى بالإدارة والتعليم المصرى من هنا تأسست جذور العلاقة بين عائلة الأزهرى ومصر والتى ترجمت بعد ذلك فى مواقف سياسية موالية للاتحاد معها نتج عن تمييز الحكم التركى المصرى للطريقة الختمية أن اتسعت الهوة بين هذا الحكم والطرق الصوفية الأخرى وبخاصة الطريقة السمانية وتجدر الإشارة هنا إلى أن السيد محمد أحمد المهدى كان من أتباع الطريقة السمانية قبل أن يؤسس دعوته الخاصة وقد تفسر هذه الحقيقة التاريخية ولو جزئيا الأمور التالية:ـ ـ ـ المنافسة السياسية بين الختمية والمهدية ـ ـ المعارضة المهدية للحكم التركى المصرى واستعانتها بالجانب البريطانى ـ ـ الاحتجاج الذى أبداه الزعماء المسلمون التقليديون على هذا النظام الوافد الذى هز وضعهم فى المجتمع فى ذلك الوقت حركة الإخوان المسلمين:ـ ولدت الحركة الإسلامية فى السودان من رحم تنظيم الإخوان المسلمين فى مصر فقد بدأت إرهاصاتها منذ سنة 1949 فى الوسط الطلابى فى جامعة الخرطوم، وسميت فى ذلك الوقت ـ حركة التحرير الإسلامى ـ وتترجم هذه التسمية الدافع الثقافى والاجتماعى الذى شكل أساسا من الأسس الجوهرية التى قامت عليها تلك الحركة ففى نهاية القرن الماضى وبداية القرن العشرين كانت الثقافة الغربية العلمانية قد نبتت وترعرعت بين المثقفين المسلمين فى مصر وغيرها من دول المنطقة ويبدو أن بعض الشباب المسلم قد شعر بالاغتراب الثقافى والنفسى فعاد إلى جذوره الإسلامية يتمسك بها كرد فعل للمد الغربى والاشتراكى الذى انتشر فى السودان منذ سنة 1924 وبخاصة بعد الحرب العالمية الثانية فى بداية الخمسينيات كان هؤلاء الطلاب قد تخرجوا من الجامعة وانتشروا فى وظائف ومجالات شتى وبدأ تأثيرهم على المجتمع السودانى يتضح غير أنهم كانوا فى ذلك الوقت متفرقين فى تجمعات إسلامية متعددة وفى سنة 1954 توحدت هذه الحركات الإسلامية فى تنظيم الإخوان المسلمين وجدير بالملاحظة أن الروافد الدينية التى صبت فى تنظيم الإخوان المسلمين فى السودان كان أهم منبع لها جماعة الإخوان بمصر بزعامة المرشد حسن البنا ذلك أن بعض السودانيين الذين تلقوا العلم فى مصر انضموا إليها أثناء وجودهم فى القاهرة وعند عودتهم إلى السودان كونوا مجموعات مماثلة للتنظيم الأم ولا تنفى هذه الحقيقة وجود بعض الروافد الأخرى التى تقل فى أهميتها عن المصدر الأول والواردة إلى السودان من باكستان وبعض الدول الإسلامية الآسيوية وقد ظهر جليا التأثير المصرى على جماعة الإخوان فى السودان فى جوهر الدعوى وشكلها، فقد شكل الهيكل التنظيمى للحركة على نسق التنظيم الأم فى مصر نتج عن العلاقة العضوية بين تنظيمى الإخوان المسلمين فى مصر والسودان أن تكاتفوا أيضا على مستوى الأحداث السياسية فى الدولتين فعندما ضرب النظام الناصرى الإخوان فى مصر فى الخمسينيات قام نظراؤهم فى السودان بحملة سياسية لنصرة إخوانهم فى مصر وقد ساعدهم فى ذلك أن الحكومة التى كانت على رأس السلطة فى السودان كانت حكومة ديمقراطية منتخبة ـ إسماعيل الأزهرى ـ(اتحادى)ـ ثم عبد الله خليل ـ(أمة)ـ ـ تسمح بالتعبير الحر لكافة الاتجاهات الفكرية والسياسة وظل الإخوان فى السودان يعادون نظام عبد الناصر حتى جاء الانقلاب العسكرى الأول برئاسة الفريق إبراهيم عبود فحل جميع الأحزاب السياسية والتنظيمات الدينية والنقابية فنال الإخوان المسلمون فى السودان من الاضطهاد ما ناله إخوانهم فى مصر وبعد انهيار حكم عبود عادت حركة الإخوان تمارس نشاطها فى السودان وفى سنة 1965 حل محل جماعة الإخوان تنظيم جديد أطلق عليه ـ جبهة الميثاق الإسلامى ـ التى اتبعت نفس سياسة وتعاليم جماعة الإخوان السابقة ويبدو أن سببا من أسباب هذا التغيير كان رغبة الجماعة فى أن تنشئ لنفسها شكلا استقلاليا عن الحركة الأم فى مصر وجدير بالإشارة أن حسن الترابى كان عضوا نشطا فى جماعة الإخوان المسلمين ثم ترأس بعد ذلك ـ جبهة الميثاق الإسلامى ـ ثم ـ الجبهة الإسلامية للدستور ـ ثم ـ الجبهة القومية الإسلامية ـ ثم ـ الحركة الإسلامية بالسودان ـ استمرت ـ جبهة الميثاق الإسلامى ـ فى عملها التنظيمى الدؤوب وفى انتشارها بين مختلف الفئات الاجتماعية والسياسية فى السودان فتعاونت ابتداء من سنة 1983 مع نظام جعفر نميرى الذى أعلن تطبيق الشريعة الإسلامية ثم مع حكومة الصادق المهدى فى سنة 6198 وعندما قام عمر حسن البشير بالانقلاب العسكرى فى يونيو سنة 1989، اتضح أنه والمجموعة العسكرية التى عملت معه لقلب نظام الحكم يشكلون الجناح العسكرى للجبهة الإسلامية فى الجيش السودانى وقد تسبب ذلك فى فتور العلاقات المصرية السودانية، ثم تدهورها بعد ذلك إلى حد لم تشهده هذه العلاقات من قبل حركة الشيوعيين:ـ تسربت الأفكار الشيوعية إلى السودان منذ سنة 1924، وذلك من خلال روافد أربعة:ـ ـ 1 ـ عن طريق حزب الحركة الديمقراطية للتحرر الوطنى ـ(حدتو)ـ وهو أول حزب شيوعى مصرى تأسس فى سنة 1919 ـ 2 ـ عن طريق عدد من العمال الشيوعيين العاملين بإدارة السكة الحديد بعطبرة والذين كانوا ينتمون إلى أرمينيا ووسط أوروبا ـ 3 ـ عن طريق الجنود البريطانيين المشتركين فى الحرب العالمية الثانية والذين ينتمون بفكرهم إلى الأيديولوجية الماركسية ـ 4 ـ عن طريق على أحمد صالح عضو اللواء الأبيض الذى كان متصلا بالأحزاب الشيوعية الأوروبية ثم هرب إلى ألمانيا فى أعقاب الهزيمة التى لحقت بالثوار السودانيين سنة 1924، واستقر بها حيث أصبح عضوا فى الحزب الشيوعى الألمانى ببرلين وكانت أفكاره تتسلل إلى السودان من خلال مكاتباته إلى أصدقائه فى الوطن كان تأثير هذه الروافد الفكرية على المجتمع السودانى هو زرع جذور الأيديولوجية الاشتراكية وتعاليمها، هذه الجذور التى مهدت بعد ذلك لتأسيس الحزب الشيوعى السودانى فى أم درمان فى أغسطس سنة 1945 ورغم المصادر المتعددة سالفة الذكر للفكر الاشتراكى فى السودان قام الحزب الشيوعى أساسا على الرافد المتمثل فى حزب ـ(حدتو)ـ المصرى فكان بعض الطلاب السودانيين الذين تلقوا العلم فى مصر قد انضموا إلى هذا الحزب وعند عودتهم إلى السودان استأنفوا نشاطهم بتكوين ـ الحركة السودانية للتحرر الوطنى ـ التى اعتبرت امتدادا للحركة الأم فى مصر وفى هذا الصدد استطاعت مجلة ـ أم درمان ـ التى أصدرتها جماعة من الماركسيين السودانيين أن تجذب اهتمام آلاف الطلاب السودانيين المقيمين بالقاهرة استمرت العلاقة بين الحركتين الشيوعيتين فى مصر والسودان على أحسن ما يرام وذلك على المستوى الفكرى والسياسى، وأهم أسباب ذلك:ـ ـ 1 ـ الحركة الشيوعية فى السودان ولدت من رحم الحزب الشيوعى المصرى واتبعت تعاليمه ـ 2 ـ كان ـ(حدتو)ـ يدعو إلى حق تقرير المصير للسودانيين كشرط للوحدة مع مصر فى الوقت الذى كانت كل الأحزاب المصرية الأخرى ترفع شعار وحدة وادى النيل تحت التاج المصرى بدون قيد ولا شرط ـ 3 ـ الحركتان كانتا تدعوان إلى التحرر الوطنى من الاستعمار البريطانى وتنسقان وتركزان نشاطهما فى هذا الاتجاه ـ 4 ـ كان حزب ـ(حدتو)ـ من أوائل القوى السياسية التى دعت إلى الاهتمام بأبناء جنوب السودان وتجنيدهم فى الحزب الشيوعى السودانى وكان الحزب يهدف من ذلك إلى تجنب انقسام الطبقة العاملة فى الجنوب والشمال مما يتفق وجوهر الفكر الاشتراكى وعن موقف الحزب الشيوعى السودانى من القوى السياسية السودانية التقليدية فهو معارض لها وبخاصة حزب الأمة الذى كان على علاقة طيبة بالإدارة البريطانية وكان ينسق معها أحيانا لإزاحة الوجود المصرى فى السودان أضف إلى ذلك أن حزبى الأمة والاتحادى حزبان دينيان كانا يتمسكان فى ذلك الوقت بالدولة الإسلامية وبذلك اختلفت مبادئهما اختلافا جذريا مع علمانية الحزب الشيوعى وعندما جاء نميرى إلى الحكم استعان فى بداية حكمه بالشيوعيين وربما كانت هذه الفترة فى بداية السبعينيات هى السنوات الوحيدة التى شارك فيها الشيوعيون فى حكم السودان غير أنها لم تدم طويلا وحكم نميرى بالإعدام على عدد كبير منهم واعتقل الآخرين أو حدد إقامتهم أما على مستوى العلاقات المصرية بالحزب الشيوعى السودانى فقد انقسمت إلى مستويين المستوى الرسمى والمستوى الشعبى أما على المستوى الرسمى فقد كانت أزهى عصور هذه العلاقة فى عهد عبد الناصر فكان وجود عدد من الشيوعيين ضمن المجلس العسكرى الذى قام بانقلاب سنة 1969، من دواعى سرور عبد الناصر حتى أنه سارع بتأييد انقلاب نميرى رغم أن علاقته بالحكومة الديمقراطية التى سقطت كانت جيدة أما فى عهد السادات فقد فترت تماما هذه العلاقة حيث عرف السادات بعداوته للشيوعيين بشكل عام سواء فى داخل مصر أو فى خارجها ثم كان ما كان من تفكك الحزب الشيوعى فى السودان ثم انهيار الحركة الاشتراكية فى العالم ثم تولى الجبهة الإسلامية الحكم فى السودان كل هذه العوامل أدت إلى إضعاف الحزب الشيوعى حتى أنه أصبح قليل التأثير على السودانيين أنفسهم أما على المستوى الشعبى فقد ظلت الروابط قوية بين الحزب الشيوعى السودانى وحزب التجمع فى مصر، الذى كان يضم إلى عهد قريب كثيرا من التيارات الراديكالية المصرية ومنها التيار الناصرى والشيوعى وكان الحزبان ينسقان مواقفهما السياسية إزاء الأحداث الإقليمية والدولية التى تهم الدولتين الحركة الطلابية والعمالية:ـ ارتبط التاريخ السياسى للطلبة السودانيين بالحركات الإسلامية من ناحية وبالحركة الشيوعية من ناحية أخرى فكان الشباب هم اللبنة التى انبثقت منها تلك الحركات الفكرية التى أثرت تأثيرا مختلف الدرجات على السياسة الداخلية والخارجية السودانية أما الحركة العمالية، فقد ارتبطت بشكل وثيق بالحزب الشيوعى السودانى فقد صدر فى سنة 1948 للمرة الأولى قانون نقابات العمال، وأنشئ سنة 1950 الاتحاد العام لهذه النقابات، الذى تبنى المبادئ الاجتماعية والسياسية للحزب الشيوعى ومن أهمها بالنسبة للعلاقات المصرية السودانية، المطالبة بحق تقرير المصير للسودانيين فى جو حر خال من أى تأثير أجنبى وعلى ذلك انضم اتحاد نقابات العمال فى سنة 1951 للجبهة المتحدة لتحرير السودان التى كانت تضم الحزب الشيوعى والأحزاب الاتحادية ومنظمات الطلبة والمزارعين، وكان نشاطها معاديا للحكومة البريطانية المصرية وجدير بالإشارة هنا أن اتحاد نقابات العمال كان على خلاف دائم مع حزب الأمة بسبب الخلافات الأيديولوجية وتنسيق الحزب مع الحكومة البريطانية وعلى العكس من ذلك كان سنده الحزبى يتمثل فى الأحزاب الاتحادية على ذلك يمكن اعتبار أن الحركة الطلابية والعمالية قد مارست تأثيرها على العلاقات المصرية السودانية من خلال التنظيمات الدينية والأيديولوجية التى ارتبطت بها ألا وهى حركة الإخوان المسلمين والحزب الشيوعى هكذا، من استرجاع جذور العلاقات بين القوى السياسية الرسمية والشعبية فى كل من مصر والسودان، تتضح لنا الخطوط العامة التى ميزت العلاقات بين الحكومات المختلفة فى الدولتين:ـ ـ 1 ـ تحفظ مصرى مشوب بالحذر إزاء الحكومات التى شكلها حزب الأمة ـ 2 ـ ود متصل مع الاتحاديين، فيما عدا بعض الاستثناءات النادرة ـ 3 ـ تناقض مصلحى بين الحكومات المصرية والإخوان المسلمين فى السودان، باعتبارهم امتدادا فكريا لجماعة الإخوان المسلمين فى مصر، وهى تعتبر من أهم القوى المعارضة المصرية وحتى عندما استقلت هذه الحركة الفكرية السودانية عن رافدها الأصيل، ظلت محتفظة بعلاقات طيبة معه وبشىء كثير من التنسيق فى القضايا الفكرية المختلفة وقد اتضح هذا المنحى جليا فى تردى علاقة مصر بشكل غير مسبوق بحكومة الإنقاذ ـ 4 ـ تنوعت العلاقات المصرية بالشيوعيين السودانيين بين القبول والرفض، بينما رحب عبد الناصر باشتراكها فى الحكم فى بداية عهد نميرى، وتحفظت إزاءها الحكومات المصرية التى سبقت عهد عبد الناصر، ثم التى لحقت به ـ 5 ـ توافق وتكامل فى السياسات المصرية السودانية فى ظل الحكمين العسكريين الأول والثانى فقد ولد النظام المصرى منذ سنة ـ 1952 من رحم الجيش، واستمر حتى الآن يحمل فى طياته جوهر الفكر العسكرى، وهو أحادية السلطة ووجوب خضوع الأطراف خضوعا تاما للمركز وهكذا توافقت طبيعة الأنظمة العسكرية فى مصر والسودان من العرض السابق يمكن استنباط نقاط القوة والضعف فى العلاقات المصرية السودانية، وهى ضرورة إذا أردنا فهما أعمق لهذه القضية، يتيح لنا علاقة مؤسسية قوية بسودان المستقبل نقاط القوة والضعف فى العلاقات المصرية السودانية:ـ نقاط القوة:ـ ـ * حقيقة جغرافية:ـ مياه النيل، وهى شريان الحياة فى الدولتين باعتبارهما دولتى عبور ومصب وقد ترجمت هذه الأهمية فى معاهدة ـ 1959 بين مصر والسودان ومهما قيل فى وجوب مراجعة هذه الاتفاقية، فهى قد شكلت أساسا ساريا حتى الآن فى العلاقة المائية بين الدولتين وجدير بالملاحظة أنها الاتفاقية المائية الوحيدة التى أبرمت داخل مجموعة دول حوض النيل المستقلة حتى الآن ـ * حقيقة سياسية:ـ رغم سلبيات الحكم المصرى التركى للسودان، يعود إليه فضل توحيد الممالك السودانية المختلفة فى دولة واحدة منذ سنة 1821 ـ * حقيقة اجتماعية:ـ أصبح لهذه الدولة علاقات متنوعة بمصر، فى إطار إدارة حديثة قننت هذه العلاقات، ولاشك أن هذا الإطار للعلاقة رغم سلبياته، أقام مؤسسات رسمية كالتعليم الأزهرى والوظائف العامة، كان لها الأثر الفعال فى اختلاط أفراد الشعبين وتلاحمهما الذى ظهر واضحا فى علاقات العمل والتجارة والنسب هذه العلاقات الاجتماعية صبغت العلاقات المصرية السودانية بطبيعة خاصة تميزت بها الدولتان عن بقية الدول العربية أدت الحقائق السابقة إلى إدراك عميق لدى الجانبين لحيوية التعاون السودانى المصرى فى مسألة الأمن القومى للدولتين وقد برز هذا الإدراك حتى فى فكر حزب الأمة، وذلك رغم الفتور الذى خلفته الظروف التاريخية والسياسية بينه وبين الحكومات المصرية المتتالية فقد حافظ الجانبان على استمرارية العلاقات بين الدولتين حتى فى أكثر العهود توترا نقاط الضعف:ـ ـ 1 ـ اتسمت الرؤية المصرية للتعاون المصرى السودانى بخاصية نفرت غالبية القوى السياسية السودانية فكان المفهوم المصرى للتعاون، سياسات داخلية وخارجية على الجانبين تكاد تتطابق ولم يدرك الجانب المصرى أن التعاون لا يعنى التبعية، وأن السودان المستقل فى قراراته يمكن أن يبنى علاقات تعاون أفضل مع مصر، لأنها تكون خالية من الحساسية التى كثيرا ما دمرت العلاقة بين الدولتين ـ 2 ـ تجتمع آراء القوى السياسية السودانية على أن السياسة المصرية درجت على التدخل فى الشئون الداخلية السودانية ونذكر أمثلة تشهد على صحة هذه المقولة:ـ ـ ـ تدخل ثورة يوليو قبيل استقلال السودان من سنة 1953 حتى سنة 1956، حيث كانت تعمل بشتى الوسائل لدفع قوى سياسية على حساب قوى سياسية أخرى ويبدو أن هذه السياسة التى تنقصها الحنكة لم تستثن السيد إسماعيل الأزهرى، وهو نصير الاتحاد مع مصر وبذلك ساهم الجانب المصرى فى تشويه التجربة الديمقراطية الوليدة فى السودان ـ ـ المحاولات المصرية لاستقطاب الجيش السودانى أثناء حكم حزب الأمة سنة 1958، مما دعا الحزب إلى التنسيق مع الفريق إبراهيم عبود لتسلم السلطة بشكل مؤقت ـ ـ مساندة الجانب المصرى للانقلاب العسكرى الأخير ـ 3 ـ يعيب الجانب السودانى على مصر أنها لم تهتم بالقدر الكافى بالقوى الوطنية الديمقراطية فى السودان، ولم تنسق معها بشكل فيه ندية وحرص على مصلحة الطرفين وقد كان هذا الموقف المصرى مسئولا عن ابتعاد الأحزاب الاتحادية السودانية عن مبدأ الوحدة لتتبنى مبدأ الاتحاد ثم فى خطوة أخيرة تختار الاستقلال التام ـ 4 ـ لوحظ أن أهم اتفاقيات التعاون بين مصر والسودان قد أبرمت فى عهد النظم العسكرية غير الشرعية فى السودان ـ(اتفاقية المياه وميثاق التكامل ومعاهدة الدفاع المشترك)ـ وهذه مسألة تنفر الرأى العام السودانى بكل اتجاهاته السياسية من هذه الاتفاقيات، وتدفعه للمطالبة بإلغائها أو تجميدها أو مراجعتها ـ 5 ـ شابت التجربة الثقافية المصرية فى السودان بعض السلبيات الخطيرة التى دفعت القوى السياسية السودانية بمختلف مشاربها إلى الرغبة فى مراجعتها وأخيرا تم تدميرها بالإجراءات التى اتخذتها حكومة الإنقاذ فى بداية أزمتها مع مصر ومن هذه السلبيات أن جوهر التبادل الذى ينبغى أن يصبغ أى علاقة ثقافية بين دولتين مستقلتين، يعد غائبا فمصر تصدر للسودان النظم التعليمية والثقافية المصرية ولا تأخذ منه ما يكفى لإقامة علاقة متوازنة بين الشعبين ـ 6 ـ لم تستفد الإدارة المصرية من الخبرة الطويلة التى خاضتها فى السودان فرغم الروابط الشعبية العديدة، يبدو أنها لم تهتم بدراسة الهيكل الاجتماعى المركب للشعب السودانى، الذى يدفع به إلى رفض سيطرة السلطة المركزية من هنا كانت الأخطاء الجسيمة فى سياستها السودانية ـ 7 ـ يترتب على هذا التاريخ الممتد للعلاقات بين الدولتين، حساسية سودانية مفرطة تجاه التعاون مع مصر، لاسيما من قبل القوى الديمقراطية المختلفة أسس العلاقات المصرية السودانية:ـ تتفاعل الآن فى السودان الأحداث بشكل سريع ومتلاحق وترتبط بهذه الأحداث قوى سياسية متعددة ومتناقضة، تتجاذبها أطراف إقليمية ودولية كل لمصلحته وقد جاء الاجتماع الأخير للتجمع الوطنى الديمقراطى السودانى فى أسمره فى بداية شهر مارس الماضى ليفجر نزاعا خطيرا شق صفوف المعارضة فى وقت بالغ الحساسية وإزاء الخطورة التى يمثلها الواقع المعاش فى هذه الدولة الشقيقة، والارتباط المصلحى بينها وبين مصر، رأيت الوقت مناسبا لطرح تصور لموقف مصرى يناسب أهمية الأحداث ويتلخص هذا الموقف المصرى المرجو فى خطوات ثلاث:ـ أولا:ـ طرح الحساسيات التاريخية جانبا:ـ وضع أسس لعلاقات مصرية سودانية تبنى على رؤية جديدة للتعاون ورغبة صادقة فى رأب الصدع على الجانبين ولعل فى الخبرة التاريخية السابقة عبرة، فلم تؤد الخلافات المصرية السودانية إلا إلى تأخير لمشروعات التكامل والتنمية السياسية والاقتصادية، التى لو أنجزت منذ الاستقلال، لكان لمصر والسودان شأن فى المحيط العربى والأفريقى ثانيا:ـ الوساطة وإقرار السلام:ـ حيث الفرصة الآن مواتية لمصر كى تقوم بواجبها نحو تجميع القوى السياسية السودانية المختلفة نحو حل قومى لأزمة السودان فتعيش فى مصر الآن، أو على الأقل تتردد عليها، كل الأطياف السياسية والفكرية للشعب السودانى بالإضافة إلى ذلك استطاعت مصر بتبنيها موقفا حذرا ـ وإن اختلفت درجاته تجاه كل من حكومة الإنقاذ والمعارضة السودانية ـ أن تحافظ على توازن محسوب بين الطرفين، يجعل منها الآن وسيطا مقبولا لدى الجميع، بما فى ذلك الحركة الشعبية لتحرير السودان فقد نشأت الحركات الانفصالية فى الجنوب مع استقلال السودان ومن ثم لم تكن للإدارة المصرية علاقة بتطور هذه المشكلة هذا بالإضافة إلى أن بريطانيا كانت دائما حريصة أثناء الحكم الثنائى، على منع أى تدخل للجانب المصرى فى الجنوب لذلك فالحساسيات التاريخية التى كثيرا ما أفسدت ما بين مصر وقسم هام من القوى السياسية الشمالية، تعتبر غائبة فى البعد المصرى الجنوب سودانى وقد مهد ذلك لقبول مصر للتفسير الوحدوى الذى قدمه جون جارنج لأهداف حركته، كما ساعد ذلك على قبول الحركة لفكرة وساطة مصرية بينه وبين الحكومة السودانية ورغم هذا القبول العام للدور المصرى، تبقى عقبة هامة تتمثل فى اختلاف المواقف بين مصر من ناحية وجميع القوى السودانية من ناحية أخرى، حول مبدأ حق تقرير المصير للجنوب فمصر ترفضه لأنها تعتبره تصريحا بالنهاية الحتمية وهى الانفصال أما الجانب السودانى فيقبله ولكن بتنويعات مختلفة فى تفسيره فالمعارضة المتمثلة فى التجمع الوطنى الديمقراطى، تفهمه على أنه الفرصة الأخيرة لتجنب الانفصال أما الحكومة السودانية فلديها أكثر من حجة لقبول هذا المبدأ، فقد تراه فرصة لإزالة العقبة أمام التطبيق المستقر للشريعة الإسلامية؛ وقد تكون قد أجبرت عليه كنوع من التكتيك لمواجهة التجمع المعارض؛ وأخيرا قد تكون صادقة فى قبوله كحل للأزمة السودانية بعد أن فشلت فى القضاء على المعارضة أو استقطابها، سواء كان ذلك فى الشمال أو فى الجنوب على أية حال، إذا كان السودانيون حكومة ومعارضة، قد وافقوا على مبدأ حق تقرير المصير وأقروه، فما هى الحكمة فى أن تظل مصر الرسمية تعترض على هذا الإجماع، وهى الطرف الخارجى؟ صحيح أن لها مصلحة أكيدة فى وحدة السودان، ولكن قد يؤدى التشدد الذى يتسم به الموقف المصرى إلى القذف بالقضية برمتها إلى الحلول الدولية التى غدت الآن ـ بعد التقارب المصرى السودانى الأخير والمبادرة الليبية المصرية ـ تروج لضرورة أن يتم الاستفتاء على حق تقرير المصير فى غضون ستة أشهر، تفصل قبله القوات الدولية بين الإقليمين الشمالى والجنوبى فالولايات المتحدة ترى فى إلحاق الجنوب بالقرن الأفريقى مصلحة لاستثماراتها فى وسط القارة وترى الدول الأوروبية فيه الحل المنطقى للحرب الأهلية الدائرة فى الجنوب فإذا تضافرت المجهودات المصرية مع الطرح السودانى ـ وهو قبول حق تقرير المصير بعد فترة انتقالية تمتد إلى أربع سنوات لتعطى فرصة لسياسات سودانية عادلة فى الجنوب تعتمد على المشاركة السياسية والاقتصادية ـ ربما شكلت ضغطا إقليميا يستطيع أن يواجه بنجاح الضغوط الدولية حدث آخر يعقد مهمة الوساطة المصرية وفى نفس الوقت يحتاج إليها احتياجا مصيريا هذا الحدث هو إعلان حزب الأمة تجميد نشاطه فى التجمع، وذلك فى الجلسة الختامية لاجتماعات المعارضة فى أسمره، وهو ما يعتبر منعطفا خطيرا فى المعركة السياسية الدائرة منذ سنوات بين المعارضة السودانية وحكومة الإنقاذ تفاعلت فصائل التجمع بضغوط مختلفة مع الانشقاق فى السلطة السياسية فى الخرطوم فيعتقد حزب الأمة أن التجاوب مع هذه التغيرات المحلية، والتطورات الإقليمية والدولية التى تبعتها ضرورة حتمية، على المعارضة أن تلتقطها فتدفع بالبشير بالطرق السلمية إلى مزيد من الإصلاحات الديمقراطية تمهد لانتخابات تشريعية قادمة، تخوضها كل الأحزاب السياسية ويستند الأمة فى تحركه على تفعيل المبادرة المصرية الليبية وذلك دون تأخير أما بقية فصائل المعارضة فترى مجتمعة ـ بما فى ذلك التجمع فى داخل السودان ـ أن النظام أوشك على السقوط، وأن التفاوض معه يطيل من عمره، فالأفضل هو استمرار الضغط عليه بكافة الوسائل ومنها العسكرية، حتى ينهار وتستند هذه الفصائل فى رؤيتها هذه على التنسيق بين المبادرتين المصرية الليبية من جهة، وتلك التى طرحتها منظمة الإيجاد من جهة أخرى وقد شكلت فعلا اللجنة التى ستقوم بهذه المهمة على أية حال، لابد أن نعترف أن خروج حزب الأمة من التجمع الوطنى الديمقراطى يعد خسارة كبيرة للمعارضة فالأمة يعتبر أوسع الأحزاب السودانية تأثيرا على الرأى العام، فضلا عن أن غياب زعيم فى حجم الصادق المهدى، وفى حنكته ورؤيته السياسية الشاملة يشكل تراجعا لمسيرة التجمع فى هذه اللحظة الفارقة، لمصر دور تاريخى هو التحرك السريع لرأب الصدع بين حزب الأمة وبقية فصائل التجمع، حيث أن استمرار تمزق المعارضة يعقد المساعى المبذولة لإقناع الأطراف الإقليمية والدولية بالمبادرة المصرية الليبية التى تطرح حلا شاملا للأزمة السودانية هذا هو الدور المنتظر من مصر الرسمية والإعلامية، على أن تنأى بنفسها عن مساندة طرف على حساب الآخر فالسياسة السودانية يصيغها السودانيون، وعندما تصبح مصر وسيطا فى مصالحة، عليها أن تلتزم، حتى تتم مهمتها بنجاح ثالثا:ـ تسوية المشكلات التقليدية بين مصر والسودان:ـ عندما تتم تسوية الأزمة الراهنة فى السودان، وتتولى حكومة ديمقراطية منتخبة، يصبح من المصلحة لمصر والسودان أن تقيما أسسا ثابتة لعلاقاتهما السياسية والاقتصادية والاستراتيجية ومن أهم القضايا التى ستطرح هى قضية المياه فرغم أن اتفاقية مياه النيل سنة 1959، قد حسمتها، إلا أن المطالبة بمراجعتها تكررت من أهم القوى السياسية السودانية على أساس أنها مجحفة بالجانب السودانى، وأنها قد أبرمت فى العهد العسكرى الأول، أى فى ظل حكومة غير شرعية وحيث أن استغناء مصر عن جزء من حصتها الحالية فى ماء النيل مستحيل، نظرا لتوقع هبوط دخل الفرد فى مصر من المياه العذبة فى سنة 2025 إلى أقل من خط الفقر المائى، يصبح التعاون لزيادة كمية المياه والاستخدام الأمثل لها هو البديل الواقعى المتاح وأتصور أن هذه القضية يمكن أن تجد سبيلها للحل عن طريق اتفاقية عامة ترتبط بها دول حوض النيل العشر فطلب المراجعة لا يقتصر على السودان، حيث تطالب أثيوبيا أيضا بموقف مماثل بالنسبة للاتفاقيات التاريخية التى تستند إليها مصر فى تعاملاتها المائية فالواقع الأفريقى اليوم فى حوض النيل قد تغير، وأصبحت مشروعات التنمية ضرورة حيوية لدوله ولعل الآلية الجديدة فى عنتيبى التى بدأت عملها منذ أكثر من عام تكون بداية طيبة تؤدى إلى عقد اتفاقية جماعية تنظم الاستخدام الأمثل لمياه نهر النيل ولاشك أن عضوية أثيوبيا الكاملة فى هذه الآلية ـ حيث كانت تكتفى دائما فى المحاولات السابقة بعضوية المراقب ـ تعتبر أساسية لعقد هذه الاتفاقية الجماعية المنشودة المشكلة التقليدية الثانية بين مصر والسودان، هى مشكلة الحدود ومهما حاولت بعض الأقلام على الجانبين، بدافع من الأخوة وحسن الجوار، أن تقلل من أهمية هذه المسألة، تظل الحدود غير المستقرة بين الدولتين سببا أو وسيلة تستخدم لتصعيد بعض المشاكل الأخرى وقد أوكلت فيما مضى مهمة علاج هذه القضية إلى لجان مشتركة ثنائية لا تجتمع، وإن اجتمعت لا تفعل شيئا ومن ثم أتصور أن التحكيم الدولى يكون الوسيلة الحضارية المثلى التى تقدم حلا عادلا ودائما لقضية الحدود بين مصر والسودان، على أن يتفق الجانبان على قبول نتائج التحكيم بصفة نهائية المشكلة الثالثة، هى ضرورة مد الجسور الدائمة والمستقرة بين مصر والقوى الديمقراطية فى السودان لاسيما الرئيسية منها وربما كان حزب الأمة هو التنظيم الذى يتطلب مجهودا أكبر للفهم المشترك والفرصة سانحة الآن بعد أن دعا فى تصريحاته إلى طرح الحساسيات التاريخية جانبا، وفتح صفحة جديدة فى العلاقات المصرية السودانية، كما أنه يعتبر اليوم من القوى الدافعة وراء تفعيل المبادرة المصرية الليبية ودعوة حزب الأمة لمصر دعوة هامة، من مصلحتها أن تتجاوب معها بصدق، فهى صادرة عن قوة ديمقراطية لها قاعدة شعبية واسعة مهدت لها النجاح فى كل الانتخابات البرلمانية الحرة التى أجريت فى السودان فيما عدا الحكومة الأولى برئاسة إسماعيل الأزهرى، حيث كانت المشاعر الاتحادية مازالت هى الغالبة وبالتالى إقامة التوازن بين الحزبين الرئيسيين:ـ حزب الأمة والحزب الاتحادى الديمقراطى، يجب أن يكون هدفا لأية سياسة مصرية قادمة فى السودان فإن أفلحت فى ذلك فتحت المجال لعلاقات هادئة ومستقرة على المستويين الشعبى والرسمى المشكلة الرابعة، هى إعادة صياغة العلاقات الثقافية بين الدولتين فقد يؤدى التقارب الحالى بين الحكومتين المصرية والسودانية، إلى الإسراع بإعادة التطبيع على المستوى العلمى ولعل الجانب المصرى يستفيد من سلبية التجربة السابقة، فيطرح تواصلا ثقافيا يقوم على التطورات العلمية والتكنولوجية الحديثة، ويهتم بجوهر التبادل الثقافى أى المشاركة الفعالة للجانبين مما يؤدى إلى تلاقح فى الأفكار يعمق الفهم المشترك على المستوى الشعبى والرسمى