Share |
اكتوبر 2000
1
إشكالية الهوية فى السودان
المصدر: السياسة الدولية
بقلم:   هشام بشير

يتناول هذا الكتاب مشكلة تعد الأخطر بين المشاكل التى يعانى منها المجتمع السودانى والتى أدت إلى قيام حرب أهلية لازالت تدور رحاها حتى الآن وهى مشكلة تحديد الهوية السودانية عربية أم أفريقية، وهذه المشكلة أخذت جدالا طويلا وخاصة عند المثقفين السودانيين منذ بداية القرن العشرين، ولكنها برزت بشكل كبير بعد الثمانينات من القرن العشرين بعد استفحال أزمة الحكم فى السودان وقد أخذت إشكالية الهوية أبعادا اجتماعية وثقافية فى خضم الصراع السياسى فترى الحركة الشعبية لتحرير السودان أن الأفريقية هى الهوية للسودان، حيث تمثل الأفريقية 61% من مجموع السكان بينما يمثل العنصر العربى أقل من الثلث وهناك رأى آخر تمثله التيارات الإسلامية التى تؤكد على الهوية العربية حيث أن عدد المسلمين يمثل أكثر من 70% من جملة السكان فى السودان وقد تفاقمت مشكلة الهوية إلى أن وصلت إلى مرحلة الصراع السياسى وخاصة فى فترة الثمانينات والتسعينات من القرن العشرين والتى وصلت فيها القضية إلى مرحلة حمل السلاح للدفاع عن الكينونة الثقافية للذين يعتقدون أن هناك تجاهلا لثقافتهم وفى الوقت الذى اشتد فيه السجال السياسى حول قضية الهوية كانت هناك إسهامات ثقافية عديدة تحاول أن تعالج التنوع الثقافى من خلال إبراز هذا التنوع والاعتراف به حيث أن الثعلب السودانى يتكون فى 572 قبيلة تشكل أكثر من 52 مجموعة ثقافية تتحدث أكثر من مائة وخمسين لهجة، مما يقود إلى إشكالية فى أيجاد مناخ صحى تستطيع فيه هذه المجموعات أن تتعايش بسلام وأن يتم خلق أرضية لقبول الآخر لأن عدم قبول الآخر يمثل فى حد ذاته أزمة عميقة داخل المجتمع السودانى وخاصة إذا علمنا أن التعامل بين الاثنيان بشىء من العنصرية التى بدأت تتلاشى تدريجيا بفعل التعليم، فنجد أن هناك مقولة لأولاد العباس ـ وهى إحدى المقولات لبعض القبائل والبطون التى تدعى انتسابها للعباس عم الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك فى ادعاء بقصد علو المكانة الاجتماعية وخلال قراءة التاريخ المعاصر للحركة السياسية فى السودان، يتضح أن الصراع بين النخبة السياسية دائما يظل غارقا فى التفكير اللفظى دون النظر للمستقبل وبالتالى تأتى القرارات المصيرية للوطن ذات حلول توفيقية لإرضاء الذاتية والولاءات الحزبية والعصبية العشائرية ويكون الخاسر الأكبر فيها الوطن، لذلك فإن إشكالية الهوية هى نتاج نخبوى صرف وهى أحدث مظاهر الأزمة السياسية والاجتماعية الحالية أن لم تكن هى عمودها الفقرى فالنخبة السودانية تحاول دائما أن تبحث عن مواقع اجتماعية فالنخبة السودانية تحاول دائما أن تبحث عن مواقع اجتماعية وسلطوية لذلك تثير قضية الهوية بينها، بينما بقية المجتمع يبحث عن مشاكل حياته اليومية وقد انعكس الصراع الحاد الذى أفرزته النخبة السياسية الباحثة لها عن مواقع فى تعدد التعريفات للهوية فهناك تعريفات من منطلق مدرسة الثقافة، العربية وتعريفات أخرى من منطلق المدرسة السودانية ومدرسة الغابة ومدرسة الصحراء والمدرسة الأفريقية والآن نجد أن بعض الحركات والقوى السياسية فى السودان قد ربطت فى خطابها التنوع والتعدد الثقافى بفكرة السودان الجديد وخاصة الحركة الشعبية لتحرير السودان والتى تنادى بالاعتراف بالتنوع الثقافى والتعدد العرقى والدينى واللغوى بشكل حقيقى وواقعى وليس على مستوى الاعتراف الشكلى وترى الحركة الشعبية أن إشكالية الهوية فى السودان تكمن فى ثقافة الحلاجة حيث أن هناك اعتقادا عند الحركة أن الجلابة هى فئة عربية سيطرت على السلطة والثروة وفرضت الثقافة العربية الإسلامية على كافة أرجاء السودان قسرا لقد أصبحت قضية الهوية الآن تحتل الأولوية على الساحة السياسية والخطاب السياسى السودانى وقدمت على كثير من القضايا الهامة، بما يعنى أن حل مشكلة الهوية هو حل لأغلب مشاكل المجتمع السودانى، وهذا يتوقف على مدى تفهم الناس ووعيهم تجاه قضية الهوية التى يجب أن ترتبط بالتعدد والتنوع المفضى إلى الوحدة وليست هوية أحادية تفضى للصراع والعنف