Share |
يناير 2001
1
انتخابات الرئاسة الأمريكية عام 2000
المصدر: السياسة الدولية

لا يمكن إلا لكاتب سيناريو جرىء أن يكتب وقائع قصة تدور أحداثها حول انتخابات رئاسية ضارية، تحدد مصيرها ولاية واحدة حاكمها هو الأخ الأصغر لأحد المرشحين، ووزير العدل فيها أحد مسئولى الحملة الانتخابية للمرشح الثانى ولا يمكن إلا لكاتب سيناريو يعانى من حمى وارتفاع فى درجة الحرارة أن يقدم ضمن الأحداث حفل عشاء ـ يقام احتفالا بمرور مائتى عام على إنشاء البيت الأبيض ـ يحضره كل الرؤساء السابقين بمن فى ذلك رئيس سابق هزمه الرئيس الحالى، ولكنه أبن الأول هو المرشح للرئاسة أو بالأحرى المرشح للانتقام لأبيه، وأن يقام هذا الحفل فى خضم الصراع حول فرز الأصوات
(1) تعكس السطور القليلة السابقة بعض مفارقات الأحداث ـ الدرامية ـ التى شهدتها الولايات المتحدة الأمريكية، وتابعها العالم وربما تضيف الباحثة إلى ما جاء مفارقات أخرى لا يمكن أن تجول بخاطر كاتب سيناريو مهما بلغت جرأته فالمسئولة عن اعتماد نتائج الانتخابات فى تلك الولاية كانت تعمل فى الحملة الانتخابية لأحد المرشحين وأحد المرشحين فاز بالأصوات الشعبية بينما فاز الثانى بالأصوات الانتخابية ثم أن الذى فاز بالأصوات الشعبية هزم ـ رغم ذلك ـ فى مسقط رأسه، وهى الولاية التى مثلها فى الكونجرس سنوات طويلة بل أن أعلى سلطة قضائية فى البلاد ـ أى المحكمة الفيدرالية العليا ـ منقسمة على نفسها بدرجة لا تقل عن انقسام الناخبين والسياسيين ما الذى يحدث بالضبط فى أمريكا؟ فمنذ الثامن من نوفمبر، عاشت الولايات المتحدة ـ ومعها العالم ـ حالة من عدم اليقين غير المسبوق فلا أحد يعلم على وجه التحديد من الذى اختاره الناخبون ليحتل البيت الأبيض وبدلا من أن تتركز الأضواء على الرئيس الجديد المنتخب ويتابع العالم اختياراته لشغل المناصب المختلفة فى إدارته، استمر الصراع الضارى بين المتنافسين على منصب الرئاسة، وهو الذى امتد قرابة العامين الكاملين كل ما فى الأمر أنه تحول من صراع حول أصوات الناخبين إلى صراع حول فرز أصواتهم، ودخل الطرفان معركة جديدة وصلت إلى أعلى سلم القضاء، يطالب فيها أحدهما بحسم النزاع بالشكل ـ الصحيح والعادل ـ الذى يضمن تفعيل إرادة الناخبين مهما استلزم ذلك من الوقت، بينما يدعو الطرف الآخر إلى ضرورة إنهاء المسألة على وجه السرعة حماية للبلاد من الدخول فى دوامة عدم اليقين والمفارقة هنا هى أن الطرف الذى يعلى من قيمة ـ السرعة فى الحسم ـ ينتمى إلى المعسكر الذى أصر منذ عامين على إخضاع البلاد لعملية ممتدة لمحاكمة الرئيس كلينتون تمهيدا لعزله، ولم يجد غضاضة فى أن يؤدى ذلك إلى شلل العمل السياسى بالكامل أما الطرف الذى ينادى بالتروى كان هو نفسه الذى نادى بتجنيب البلاد والعباد حالة عدم الاستقرار أثناء تلك المحاكمة التاريخية بل أن المرشح الذى ظل طوال الحملة الانتخابية يدعو إلى تقليص الدور الفيدرالى ونقل مزيد من الصلاحيات إلى الولايات كان هو نفسه الذى لجأ للقضاء الفيدرالى لوقف قرارات اتخذها مسئولون فى الولاية موضع الجدل وربما يكون هذا التبادل فى المواقع هو نقطة البدء فى التعامل مع الحدث الراهن فرغم أن الأزمة تنطوى على العديد من الجوانب الدستورية والقانونية، إلا أنها أزمة حزبية وسياسية فى المقام الأول، تمثل نقطة أعلى فى الصراع السياسى الضارى الذى تشهده واشنطن منذ بداية عقد التسعينات وسوف تحاول هذه الدراسة الإجابة عن سؤال محدد:ـ ما هو مصدر الأزمة التى تشهدها أمريكا؟ وتتمثل الإجابة فى مجموعة متشابكة من العوامل أولها، ذلك الأسلوب الفريد الذى صممه الدستور الأمريكى لاختيار الرئيس ثانيها، الطابع الفيدرالى للنظام الأمريكى والذى فرض نفسه فور إعلان النتائج، فأدى التداخل بين الإطار الدستورى وتعقيده، والتنظيم الفيدرالى إلى إفراز الأزمة إلا أن هذا الإطار الدستورى والفيدرالى قديم قدم الدولة الأمريكية نفسها ومن ثم يصبح من المهم التعرف على الأسباب الموضوعية التى تشكلت فى هذه الحملة تحديدا ودفعت بالعوامل الدستورية والقانونية إلى موقع الصدارة وقد كان السبب المباشر هو انقسام الناخبين بالتساوى تقريبا بين المرشحين، على نحو أدى إلى ذلك الهامش الطفيف بينهما، والذى تجلى طوال الحملة فى تذبذب استطلاعات الرأى ثم الفارق الضئيل فى عدد الأصوات بين المرشحين بوش وجور، والذى لم يتجاوز مئات قليلة فى ولايات عدة وليس فقط فى فلوريدا وتقدم هذه الدراسة أطروحة مؤداها أن طبيعة الائتلاف الانتخابى الذى شكله كلا المرشحين كان هو فى الواقع المسئول بشكل مباشر عن ذلك الفارق الطفيف وعلى ذلك فسوف تنقسم الدراسة إلى عدة أجزاء أولها يتعلق بالسياق الدستورى والفيدرالى لانتخاب الرئيس الأمريكى، ثم الكيفية التى شكل بها هذا الإطار طبيعة الأزمة التى حدثت ومجرياتها ثم يتناول الجزء الثالث تحليلا لطبيعة استراتيجيات الحملتين المسئولة عن كل ذلك وتنتهى الدراسة بخاتمة تتعرض للتأثيرات المحتملة لهذه الأزمة على أداء الإدارة الجديدة أولا :ـ الطابع الفيدرالى للدولة:ـ تعتبر الفيدرالية من أهم المفاتيح التى يمكن من خلالها الاقتراب من التفاعلات السياسية فى الولايات المتحدة فمنذ كتابة الدستور الأمريكى وحتى هذه اللحظة لم يتوقف الجدل حول حدود الدور المنوط بالحكومة الفيدرالية، مقابل ما ينبغى أن يظل من اختصاص حكومات الولايات وهو الجدل الذى يتخلل الخطاب العام بشأن كل القضايا تقريبا ويلعب دورا محوريا فى صناعة القرار بشأن كل منها وهى التى لا يمكن رصد دلالاتها دون التعرف على الأسباب التاريخية التى أنشأتها وحكمت صياغتها والفيدرالية الأمريكية مسئولة فى الواقع عن عدد من ملامح النظام الأمريكى التى تضفى عليه خصوصية فريدة تميزه عن غيره من النظم السياسية، وهى التى لا يمكن رصد دلالاتها دون التعرف على الأسباب التاريخية التى أنشأتها وحكمت صياغتها كانت الولايات المتحدة قد أرست ـ بعد الحصول على الاستقلال فى 1776 ـ نظاما كونفدراليا تمتعت فيه حكومات الولايات باستقلالية كبيرة أدت إلى شلل الحكومة المركزية وعجزها عن الوفاء بأدوارها الأساسية، وعلى رأسها تكوين جيش قوى للدفاع عن الدولة الأمريكية الوليدة، إذ لم يكن للكونجرس فى زمن الكونفدرالية حق فرض الضرائب اللازمة للإنفاق على الجيش، أو على أى شىء آخر فى الواقع وقد تدهورت أوضاع الاتحاد الكونفدرالى فى تلك الفترة مما دعا الرئيس جورج واشنطن (أول رئيس أمريكى بعد الاستقلال) للدعوة إلى مؤتمر يعقد فى فيلادلفيا عام 1787 ليعيد النظر فى مواد الدستور الكونفدرالى وتعديلها إلا أن المجتمعين فى فيلادلفيا لم يلتزموا بهذا الهدف وقاموا بدلا من ذلك بكتابة دستور جديد تماما، أنشأ ـ فيدرالية ـ بدلا من الكونفدرالية، وقام على مجموعة من الحلول الوسط التوفيقية التى تم التوصل إليها لإرضاء أصحاب المصالح المتعارضة التى عبرت عن نفسها فى ذلك المؤتمر (2) كان الشغل الشاغل للقائمين على كتابة الدستور الأمريكى الجديد هو حماية الحريات الفردية وحقوق الولايات المنضمة للاتحاد الجديد ومن ثم كان الهدف الرئيسى للمؤتمرين هو إيجاد حكومة مركزية تمتلك من الصلاحيات ما يكفى فقط للقيام بعملها بكفاءة، مع حرمانها من الصلاحيات التى تمكنها من الافتئات على الحقوق والحريات، بما فى ذلك حقوق الولايات (3) ومن ثم، أنشأ الدستور الأمريكى نظاما سياسيا يقوم فى جوهره على مبدأ ـ الرقابة والتوازن ـ Checks & Balances كان هدفه الرئيسى هو تقييد كل المؤسسات السياسية عبر إعطاء غيرها صلاحيات واسعة للرقابة عليها وقمعها إذا ما تمادت فى استخدام تلك الصلاحيات أو سعت لابتلاع صلاحيات غيرها فتم إنشاء حكومة فيدرالية مكونة من مؤسسات ثلاث (تشريعية وقضائية وتنفيذية) توزعت صلاحياتها كل منها على نحو لا يسمح لأى منها بالانفراد بصنع القرار هذا فضلا عن تنظيم العلاقة بين تلك الحكومة الفيدرالية وحكومات الولايات على نحو يجعل كل منها رقيبا على الآخر، ومشاركا له فى صنع القرار فى نفس الوقت فقد ذكر الدستور صلاحيات بعينها للحكومة الفيدرالية وأخرى لحكومات الولايات وصلاحيات ثالثة يتقاسمها الطرفان، ثم نص على أن كل ما لم يرد ذكره من صلاحيات يظل من اختصاص الولايات بعبارة أخرى منح الدستور كل ما يستجد من أدوار بناء على تطور المجتمع لحكومات الولايات، لا الحكومة الفيدرالية (4) وعلى ذلك أرسى الدستور علاقة جعلت كل طرف رقيبا على الآخر قادرا على ردعه عند اللزوم، بما لا يمكن أى منهما من انتهاك الحريات الفردية (5) ولم يخف المؤتمرون أهدافهم فى كل ذلك، فعلى سبيل المثال، شجع هاملتون وقتها المواطنين على استغلال هذه الصيغة الفيدرالية لحماية حرياتهم ومصالحهم، عبر اللجوء إلى الحكومة الفيدرالية أو حكومات الولايات ـ لقمع الأخرى ـ عند اللزوم (6) وتجسد بنود الدستور الأمريكى مجموعة من الحلول الوسط التوفيقية التى تم التوصل إليها فى ذلك الوقت لإرضاء أصحاب المصالح المتعارضة ففى ذلك المؤتمر، ثار جدل صاخب بين أنصار إنشاء حكومة فيدرالية قوية، وبين المدافعين عن صلاحيات حكومات الولايات كما ثار جدل آخر بين الولايات الكبيرة والولايات الصغيرة (من حيث عدد السكان) فقد خشيت الأخيرة من أن يأتى الدستور الجديد ببنود تعطى نفوذا أكبر للولايات الكبيرة فى الاتحاد الفيدرالى الجديد، هذا بينما كانت الولايات الكبيرة تسعى فعلا إلى مزيد من النفوذ الذى يعكس حجمها ومن هنا جاء الدستور بمجموعة من الترتيبات التى تعطى لكل فريق بعضا مما أراد، فكان أن أنشأ مؤسسة تشريعية فيدرالية من مجلسين، أحدهما يعطى مزيدا من الثقل للولايات الأكبر بينما يستجيب الثانى لمطلب الولايات الصغيرة فقد أنشأ الدستور مجلسا للنواب يتم تمثيل الولايات فيه على أساس عدد السكان وبذلك تحصل الولايات الأكبر على عدد أكبر من المقاعد، بينما تمثل الولايات كلها ـ بغض النظر عن عددها ـ بالتساوى فى مجلس الشيوخ، حيث لكل ولاية عضوان أما انتخاب الرئيس، فقد عكس نفس التوازن، إذ تم إنشاء ما يسمى بالمجمع الانتخابى Electoral College والذى تم توزيعه بين الولايات بحيث يكون لكل ولاية عدد من الأصوات الانتخابية مساويا لعدد أعضائها فى مجلسى النواب والشيوخ معا، ومن ثم صار لكل ولاية على الأقل ثلاثة أصوات انتخابية (عضوان فى مجلس الشيوخ وعضو واحد على الأقل من مجلس النواب وفقا لحجم السكان) (7) ـ ولا يمكن فى الواقع فهم الكثير مما يدور فى الولايات المتحدة الأمريكية دون أخذ الطابع الفيدرالى للدولة فى الاعتبار وذلك بدءا بطبيعة العملية السياسية، ومرورا بطبيعة المؤسسات والمنطق الذى تقوم عليه هياكلها وقواعدها الداخلية، ووصولا إلى تحليل الخطاب السياسى بين القوى المختلفة وربما تكون طبيعة العملية الانتخابية هى أحد أهم تجليات الطابع الفيدرالى للدولة فهى عملية بالغة التعقيد والتشابك لأن القواعد والقوانين الحاكمة تختلف اختلافات كبيرة من ولاية لأخرى صحيح أن الدستور والقوانين الفيدرالية تنظم بعض جوانب العملية الانتخابية، إلا أن الغالبية العظمى من المسائل الفنية تقع فى اختصاص الولايات فعلى سبيل المثال، لا يوجد فى الولايات المتحدة قانونا فيدراليا يلزم الحكومة بتسجيل الناخبين بل لا يوجد حتى ما يلزم حكومات الولايات بتسجيل من وصلوا إلى السن القانونية فى قوائم الناخبين، فهى مسئولية المواطن وحده، الذى عليه أن يسعى لتسجيل نفسه فى قوائم الناخبين إلا أن هذا المواطن ـ إذا سعى لذلك فعلا ـ إنما يصطدم بعشرات من القواعد التى تختلف من ولاية لأخرى اختلافات كبيرة (8) أما فيما يتعلق بالعملية الانتخابية نفسها، فإن ما ينص عليه الدستور والقوانين الفيدرالية إنما يضع الخطوط العامة العريضة ثم يترك ما دون ذلك للولايات ويصدق ذلك حتى على عملية انتخاب الرئيس التى حظيت بالنصيب الأعلى من التفصيل فى الدستور بالمقارنة بغيرها من انتخابات المناصب الفيدرالية الأخرى فقد نص الدستور الأمريكى على انتخاب الرئيس انتخابا غير مباشر عبر ما يسمى المجمع الانتخابى والمجمع الانتخابى عبارة عن مجموعة من المنتخبين Electors يتم اختيارهم وفق شروط يحددها المجلس التشريعى فى كل ولاية، ويساوى عددهم عدد أعضاء هذه الولاية فى مجلسى النواب والشيوخ معا ومن ثم فإن مجموع عدد أعضاء المجتمع الانتخابى 538 ـ منتخبا ـ ، وهو عدد ثابت لأنه مساو لعدد أعضاء مجلس الشيوخ (100 عضو) ومجلس النواب (435) فضلا عن ثلاثة أصوات لواشنطن العاصمة (9) معنى ذلك أن ولاية كبيرة ـ من حيث عدد السكان ـ مثل كاليفورنيا يكون نصيبها من أصوات المجمع الانتخابى 54 صوتا ـ (52 نائبا فى مجلس النواب + عضوان فى مجلس الشيوخ) بينما يكون لولاية ألاسكا ثلاثة أصوات فقط (نائبا واحدا فى مجلس النواب + عضوان فى مجلس الشيوخ) ويقوم انتخاب الرئيس عبر قاعدة الفائز يحصل على كل شىء Winner ـ Take ـ All بمعنى أن المرشح الذى يحصل على أعلى نسبة من الأصوات ـ الشعبية ـ فى الولاية (أى أصوات الناخبين) يفوز بكل أصوات تلك الولاية فى المجمع الانتخابى، بينما لا يحصل منافسه على شىء على الإطلاق ولا يشترط أن تكون النسبة الأعلى هذه أغلبية بالضرورة، فمن الممكن أن يحصل المرشح على 38% مثلا من أصوات الناخبين فيصبح هو الفائز طالما أن أيا من منافسيه لم يحصل على نسبة أعلى من ذلك بعبارة أخرى إذا حصل المرشح (أ) على 38% وحصل المرشح (ب) على 379% من أصوات الناخبين يصبح المرشح (أ) هو الفائز بكل أصوات الولاية، بينما يتساوى المرشح (ب) مع المرشح (س) الذى لم يحصل إلا على 2% من أصوات الناخبين إذ لا يحصل كلاهما على أى شىء على الإطلاق ويحتاج مرشح الرئاسة حتى يفوز بالمنصب أن يحصل على الأغلبية البسيطة، أى 270 صوتا انتخابيا على الأقل (من أصل 538) ومن هنا يأتى التباين الكبير بين الأصوات ـ الشعبية ـ التى يحصل عليها المرشح والأصوات ـ الانتخابية ـ ، فإذا تصورنا مثلا أن المرشح (أ) قد فاز فى كاليفورنيا (54) ونيويورك (23) وتكساس (32) وفلوريدا (25) فإنه يكون بذلك قد حصل على 123 صوتا انتخابيا، بينما حصل منافسه على صفر فى كل هذه الولايات، بغض النظر عن نسبة الأصوات الشعبية التى حصل عليها فيها ومن هنا أيضا يصبح من الوارد أن يفوز أحد المرشحين بالنسبة الأعلى من الأصوات الشعبية بينما يفوز منافسه بالنسبة الأعلى من الأصوات الانتخابية ذلك لأن عدد الأصوات الشعبية التى حصل عليها المرشح الأول فى كل الولايات، إذا ما تم جمعها، قد تكون أعلى من المرشح الثانى ولكنها فى كل ولاية على حدة، أقل بنسبة ضئيلة من المرشح الثانى الذى يحصل على كل الأصوات الانتخابية لهذه الولاية بموجب ذلك بعبارة أخرى فإنه لا يهم ما إذا كان المرشح الأول قد حصل على 52% من الأصوات الشعبية أو 3%، طالما أن منافسه قد حصل على ـ 523% مثلا، لأن الأول لا يحصل بموجبها على أى شىء على الإطلاق فى حسابات المجمع الانتخابى وقد حدث ذلك ثلاث مرات فى التاريخ الأمريكى كان آخرها هى حالة جور الذى فاز بالأصوات الشعبية بينما فاز بوش بالأصوات الانتخابية أما المرتين الأخريين فقد حدثت أولاهما فى عام 1876 حتى فاز هايز بالرئاسة رغم أن منافسه صامويل تيلدن فاز بالأصوات الشعبية ثم حدثت الثانية فى 1888 حتى فاز بنيامين هاريسون بالرئاسة رغم فوز منافسه جروفر كليفلاند بالأصوات الشعبية (10) ولكن لماذا كل هذا التعقيد لانتخاب الرئيس؟ الإجابة مرة أخرى هى الطابع الفيدرالى للدولة فعند كتابة الدستور الأمريكى كان أحد أهم الخلافات الجوهرية بشأن اختيار الرئيس هو الخلاف الذى نشأ بين الذين تخوفوا من إعطاء دور كبير ـ للعامة ـ Mobs مقابل الذين تخوفوا من إعطاء المؤسسة التشريعية حق اختيار الرئيس بما يؤدى إلى تركيز مزيد من السلطة فى يدها فكان الحل الوسط هو جعل انتخاب الرئيس يتم عبر انتخاب غير مباشر لا هو فى يد الجماهير كلية ولا هو فى يد المؤسسة التشريعية التى صار دورها بحكم الدستور لا يتم إلا إذا انقسم المنتخبون (أعضاء المجمع الانتخابى) بالتساوى بين المرشحين ـ (11) أما الخلاف الثانى الضخم، فكان بين الولايات الصغيرة والكبيرة فجاءت صيغة انتخاب الرئيس كحل وسط توفيقى فعدد المنتخبين يعطى وزنا أكبر للولايات الكبيرة، بينما يصبح للناخب الواحد وزنا أكبر إذا ما كان يقطن أحد الولايات الصغيرة، بالمقارنة بسكان الولايات الكبيرة ولعل هذا هو السبب فى صعوبة إلغاء نظام المجتمع الانتخابى إذ توجد مصلحة لدى الطرفين فى الإبقاء عليه ورغم أن الدستور قد أعطى المؤسسة التشريعية فى كل ولاية الحق فى تحديد أسلوب اختيار منتخبيها، إلا أنه احتفظ للكونجرس بالحق فى تحديد موعد نهائى لاختيار هؤلاء ثم تحديد موعد اجتماعهم كل فى ولايته لانتخاب الرئيس كما أعطى الدستور للكونجرس حق اعتماد تلك النتائج التى تصل من الولايات المختلفة وإعلان اسم الفائز ثم احتفظ له بأن يكون صاحب الكلمة الأخيرة فى اختيار الرئيس ونائبه إذ لم يفلح هؤلاء المنتخبون فى التصويت بالأغلبية لأحد المرشحين ففيما يتعلق بتحديد الموعد، نص الدستور على أن الكونجرس ـ يحدد وقت اختيار المنتخبين واليوم الذى يجتمعون فيه للتصويت لاختيار الرئيس، وهو اليوم الذى يكون واحدا فى كل الولايات ـ وبناء على ذلك، أصدر الكونجرس قانونا نص على أن يجتمع المنتخبون فى عواصم ولاياتهم فى يوم الاثنين الذى يتلو ثانى أربعاء من شهر ديسمبر (وهو يوافق 18 ديسمبر هذه المرة) وذلك لانتخاب الرئيس ونائبه على أن يتم الانتهاء من اختيار هؤلاء المنتخبين قبل ذلك بستة أيام على الأقل (12) ثم ينص الدستور على أن يقوم المنتخبون فى كل ولاية ـ بعد التصويت ـ بتوقيع النتيجة وختمها بخاتم الولاية ثم إرسالها إلى رئيس مجلس الشيوخ ووفقا للدستور، تعقد جلسة مشتركة لمجلسى النواب والشيوخ برئاسة رئيس مجلس الشيوخ يتم فيها فتح مظاريف كل الولايات ويتم بعدها عد أصوات المنتخبين ويكون الفائز هو المرشح الذى يحصل على أغلبية أصوات المنتخبين من كل الولايات أما فى حالة ما إذا لم يحصل أى المرشحين على الأغلبية يصبح الاختيار من حق الكونجرس وينص الدستور على أن يقوم ـ مجلس النواب بالتصويت فورا ـ لمنصب الرئاسة ولكن فى هذه الحالة يكون لكل ولاية صوت واحد ويكون النصاب القانونى المطلوب هو ثلثى الولايات ويفوز المرشح الذى يحصل على أغلبية أصوات الولايات كلها (أى الولايات الخمسين) هذا بينما يتم انتخاب نائب الرئيس وفق نفس القواعد ولكن يقوم بانتخابه مجلس الشيوخ وليس مجلس النواب ولكن ماذا عن ضوابط العملية الانتخابية نفسها؟ فى الواقع فإن ما سبق عرضه هو ـ كل ـ ما جاء فى الدستور بشأن انتخاب الرئيس، ومن ثم فإن كل ما دون ذلك هو فى الواقع من اختصاص الولايات بالكامل فقد جاءت كل القوانين الفيدرالية المنظمة للعملية الانتخابية لتعكس روح الدستور فقد نصت مثلا على أن المحاكم المحلية فى كل ولاية هى المختصة بتسوية أية نزاعات تحدث بشأن حصول المرشح على أصوات الولاية فى المجمع الانتخابى، فقد صدر قانون فيدرالى عام 1948 (13) نص على أن الرأى الحاسم فى المنازعات بشأن هذه المسألة من اختصاص الولايات طالما أن هذا الرأى يصدر قبل ستة أيام من الموعد المحدد لقيام المنتخبين بالتصويت فى ولاياتهم بعبارة أخرى فإن كل ما لم يذكره الدستور إنما تحكمه القوانين الخاصة بكل ولاية (14) وهى القوانين التى تختلف اختلافات كبيرة من ولاية لأخرى بدءا باختيار أسلوب الانتخاب ومرورا بنوع الآلات المستخدمة ووصولا إلى الموعد النهائى لإعلان النتيجة واعتمادها فعلى سبيل المثال قررت ولاية اوريجون هذا العام أن تتم الانتخابات كلها عبر البريد ولم يكن بها بالتالى مقرا واحدا للاقتراع العام ولكل ولاية بل كل مقاطعة داخل الولاية اختيار شكل البطاقة الانتخابية بل ونوع الآلة التى يستخدمها الناخب للإدلاء بصوته ففى بعض الولايات يستخدم الناخب قلما لوضع إشارة أمام اسم المرشح، بينما يقوم فى ولايات أخرى بوضع البطاقة بصورة معينة فى الآلة الموجودة ثم يشد ذراعا بها يترك علامة أمام اسم المرشح، بينما يستخدم فى مناطق أخرى ما يشبه القلم لخرق البطاقة الانتخابية أمام اسم المرشح وهكذا وتختلف معايير تسجيل الناخبين من ولاية لأخرى والشروط التى يجب استيفائها قبل إدلائه بصوته يوم الاقتراع العام أما عملية فرز الأصوات فيتولاها مسئولون فى كل مقاطعة، وهم فى أغلب الأحيان يقومون بدورهم بمساعدة متطوعين ولكل مقاطعة معاييرها عند فرز الأصوات (15) وفضلا عن كل هذه الاختلافات ـ والتى هى مجرد أمثله ـ فإن الإنفاق على إدارة العملية الانتخابية من اختصاص الولايات والذى يتم توزيعه على المقاطعات المختلفة إلا أن ميزانية هذا البند عادة ما تكون محدودة، وهو الأمر الذى يؤدى فى بعض المقاطعات الفقيرة إلى استخدام آلات عتيقة، بينما تستخدم مقاطعات أخرى أو ولايات أكثر ثراء آلات أكثر فاعلية وحداثة ومن ثم حين برزت مشكلة بشأن النتائج فى فلوريدا قفز الطابع الفيدرالى فورا ليحتل الصدارة فى تشكيل مجريات الأحداث على النحو الذى يقدمه الجزء التالى من هذه الدراسة ثانيا :ـ تفاعلات الأزمة (*) :ـ بعد إغلاق صناديق الاقتراع وبدء عملية فرز الأصوات، أخذ كل من جور وبوش يراكم أصوات المجمع الانتخابى وفق نتيجة كل ولاية تعلن تباعا واتضح أن آل جور قد هزم فى معظم ولايات الجنوب بما فى ذلك مسقط رأسه تنسى وقد فاز بوش فى 29 ولاية بينما فاز جور فى 19 ولاية لم يكن من بينها بعد ولايتى فلوريدا وويسكنسن (16) ومع ذلك كان جور متقدما فى نسبة الأصوات الشعبية بمائتى ألف صوت (17) ولأن فلوريدا تملك 25 صوتا انتخابيا مقابل 11 فقط لولاية ويسكنسن فقد تعلقت الأنظار بفلوريدا لأن من شأن من يحصل على أصواتها وحدها أن يحسم المعركة لصالحه ويفوز بالبيت الأبيض وينبغى الإشارة هنا إلى أن إعلان نتائج الولايات المختلفة عادة ما يتم مبدئيا دون استكمال فرز كل الأصوات وفق اعتبارين أولهما توقعات حسابية تجرى بناء على أساس ظهور نتائج أولية فى 99% من مراكز الاقتراع فى كل ولاية، وهى التى عادة ما تكون دقيقة كما كان عليه الحال فعلا فى الأغلبية العظمى من الولايات التى تم إعلان نتائجها وثانيهما استطلاعات لرأى الناخبين لحظة خروجهم من لجان الانتخابات Exit Polls إلا أن هذين الاعتبارين ثبت فشلها فى حالة وجود هامش بالغ الصغر بين المرشحين وهو فى الواقع السبب فى التضارب الذى وقعت فيه شبكات التليفزيون المختلفة ليلة الانتخابات ففى بادئ الأمر أعلنت بعض الشبكات فوز آل جور فى فلوريدا إلا أنها سرعان ما تراجعت اعتمادا على معلومات جديدة بدا منها أن الأمر لم يتضح بعد ولكن بعد أقل من الساعة قيل أن بوش هو الفائز فى فلوريدا (وهو الخبر الذى كان مصدره شبكة فوكس نيوز التى يعمل بها أحد أبناء عمومة بوش) (18) ثم تناقلت شبكات التليفزيون الأخرى الخبر وأعلنت كلها فوز بوش بمنصب الرئاسة بناء على فوزه فى فلوريدا وبالفعل اتصل آل جور هاتفيا بجورج بوش وهنأه بالفوز بالمنصب وراح يستعد لإلقاء بيانه الرسمى أمام مناصريه ليعلن هزيمته فى الانتخابات وتعلقت الأنظار بشاشات التليفزيون الذى ظلت شبكاته المختلفة تؤكد انتظارها ظهور آل جور بين لحظه وأخرى لإعلان الخبر ولكن المدة طالت وبدأت التساؤلات حول أسباب تأخر جور وقد اتضح فيما بعد أن ريتشارد ديلى مدير حملة جور قد اتصل به هاتفيا ليخبره بأن نتائج فلوريدا لم تحسم بعد إذ صار واضحا أن الفارق لن يزيد عن مئات قليلة من الأصوات، الأمر الذى يعنى أنه لم يتحقق بعد فوز بوش بمنصب الرئاسة وقد أدى ذلك إلى تراجع جور عن إلقاء بيانه وعاد للاتصال ببوش ليسحب اعترافه الرسمى بهزيمته، وانتهى الاتصال بمشادة قال فيها جور ردا على تأكيد بوش أن أخيه حاكم فلوريدا قد أكد فوزه فى الولاية ـ دعنى أقول لك شيئا أن السلطة النهائية فى هذه المسألة ليست لأخيك الأصغر ـ (19) ومنذ تلك اللحظة بدأت وقائع حملة جديدة بين الطرفين أدارها هذه المرة محامون وقضاه ومتخصصون فى العلاقات العامة بعد حملة استمرت نحو العامين أدارها محترفو الحملات الانتخابية فبمجرد أن اتضح أن الهامش بين المتنافسين بالغ الضيق فرضت قوانين ولاية فلوريدا نفسها فورا على الساحة إذ تنص قوانين الولاية على أنه فى حالة ضيق الهامش إلى أقل من 05% يتم تلقائيا إجراء فرز إلى ثانى لكل أصوات الولاية للتأكد من دقة النتائج وبالفعل انتهى الفرز الأول وبدأ الفرز الثانى وأرسل كل فريق مجموعة من المراقبين يتولون متابعة الفرز إلا أن مجريات الأحداث فى عدد من مقاطعات فلوريدا قد استحضرت المزيد من قوانين الولاية ففى مقاطعة بالم بيتش أثبتت نتائج الفرز اليدوى لعينة من البطاقات الانتخابية فوز جور بستة وثلاثين صوتا إضافية لم يحصل عليها من خلال الفرز الآلى، الأمر الذى دفع المقاطعة لاتخاذ قرار بإجراء فرز يدوى بعد الانتهاء من الفرز الآلى الثانى وقد تلا هذا القرار قرارات مماثلة فى عدة مقاطعات أخرى (20) ، وكان جور قد طالب بإجراء فرز يدوى فى أربع مقاطعات يفوز فيها الديمقراطيون تقليديا بسهولة وهى مقاطعات بالم بيتش وفولوزيا وبراورد وميامى ديد وقد اعتمد جور فى طلبه على قوانين ولاية فلوريدا التى تعطى المرشح ـ بل والناخب المتظلم ـ ـ الحق فى تحدى نتائج الانتخابات حتى لو لم يكن هناك دليل على تزوير أو تجاوزات عمدية، إذ يكفى أن يكون هناك شك موضوعى ـ Reasonable Doubt بأن النتائج لا تعبر عن إرادة الناخبين (21) أصوات بالم بيتش:ـ وقد دعم جور موقفه بما تكشف لاحقا من حدوث التباس شديد لدى آلاف من ناخبى بالم بيتش بسبب تصميم البطاقة الانتخابية على نحو أدى إلى وقوعهم فى خطأ التصويت لبوكانان بدلا من جور الذى جاء اسمه فى البطاقة موازيا لاسم بوكانان فى الصفحة المقابلة وأقرب إلى المربع الصغير المطلوب خرقه أمام اسم المرشح ومن الجدير بالذكر أن تصميم البطاقة الانتخابية ـ مرة أخرى ـ استحضر بنودا من قانون فلوريدا ينص على شروط محددة لشكل البطاقة الانتخابية لا تنطبق على البطاقة موضع الجدل (22) معايير للفرز:ـ ولكن بمجرد أن بدأت فعلا عملية الفرز اليدوى انفجرت قضية أخرى حيث اتضح أن الآلة المستخدمة فى فرز الأصوات لا يمكنها إلا احتساب الأصوات التى قام فيها الناخب بخرق المربع الصغير بالكامل لأن تعلق جزء من أجزاء المربع بالبطاقة يبطلها، الأمر الذى طالب معه فريق جور باتباع المقاطعات الأربع التى قررت إجراء الفرز اليدوى معايير أكثر مرونة فى احتساب الأصوات الصحيحة ومنذ ذلك الوقت دار صراع جديد حول طبيعة المعايير التى يمكن اتباعها ومن الذى يملك تحديدها إلا أن بوش الذى أدت نتيجة الفرز الآلى الثانى إلى تقليص هامش فوزه من 1800 إلى 388 (23) عارض إجراء الفرز اليدوى ورفع الأمر إلى القضاء ومنذ ذلك الوقت صاغ فريق بوش موقفا مؤداه أنه لا يوجد ما يبرر الفرز اليدوى وأنه حتى بشأن التباس بطاقة بالم بيتش فإن القانون ينص على الاعتراض عليها قبل إجراء الاقتراع العام لا بعده، خصوصا أن الذى صمم البطاقة مسئولة تنتمى للحزب الديمقراطى، وهى البطاقة التى عرضت على مسئولى الحزب قبل الانتخابات دون أن يبدى أى منهم اعتراضا عليها، لذلك لم يطالب بوش بإجراء فرزا يدويا فى أى من المقاطعات التى كان واضحا أن هذا الفرز قد يؤدى إلى رفع هامشه فيها أما جور فقد أصر منذ اللحظة الأولى على ضرورة التأنى فى إعلان النتائج للتأكد من احتساب صوت كل ناخب أدلى برأيه يوم الاقتراع العام (24) دور كاترين هاريس:ـ وفى الوقت الذى رفضت فيه المحكمة ـ الفيدرالية ـ طلب بوش بوقف الفرز اليدوى، وجد الأخير مساندة جاءته هذه المرة من ـ الولاية ـ ، حيث أعلنت كاترين، هاريس المسئولة رسميا عن العملية الانتخابية فى فلوريدا أنها لن تنتظر ما تسفر عنه نتائج الفرز اليدوى التزاما منها بقانون الولاية الذى ينص على اعتماد نتيجة الانتخابات بعد أسبوع واحد من الاقتراع العام إلا فى حالة حدوث كوارث طبيعية وأكدت أنها سوف تعتمد النتائج فى الخامسة مساء يوم 14 نوفمبر بغض النظر عن الانتهاء من الفرز اليدوى، والذى كان من المستحيل فى الواقع أن يتم قبل هذا الموعد هذا فضلا عن أن هذا الموعد كان يعنى اعتماد النتائج دون احتساب أصوات المقيمين بالخارج التى يسمح قانون الولاية باحتساب ما يصل منها إلى البلاد فى غضون الأيام العشر الأولى بعد الاقتراع العام (25) وبموجب ذلك رفع فريق جور الأمر إلى محكمة (درجة أولى) فى الولاية يطالب فيها بوقف قرار هاريس اعتمادا على أن قانون الولاية يسمح بالفرز اليدوى وفى الوقت نفسه كانت المقاطعات الأربع قد تلقت تحذيرا من هاريس بأن إجراء الفرز اليدوى يعتبر انتهاكا للقانون، الأمر الذى دفع المسئولين فى مقاطعة بالم بيتش لرفع الأمر إلى القضاء ووقف عملية الفرز حتى يتم الفصل فى القضية (26) إلا أن المحكمة التى فصلت فى طلب جور لم تحسم الأمر، إذ رفضت حرمان هاريس من اعتماد النتائج ولكنها طالبتها فى الوقت نفسه باستخدام تقديرها الشخصى Discretion فى التعامل مع اعتماد نتائج الفرز اليدوى فى المقاطعات الأربع وفق دراسة كل حالة على حدة والتى تصل إليها متأخرة عن موعدها وقد رفعت هاريس الأمر للاستئناف حتى وصل الأمر إلى محكمة فلوريدا العليا القضائية (27) وقد تزامنت مع هذه الإجراءات القضائية حملة علاقات عامة من الطرفين أثار فيها فريق جور الشكوك حول حيادية كاترين هاريس التى شاركت فى الواقع فى إدارة حملة بوش الانتخابية فى ولاية فلوريدا بل وقامت بجولات فى ولايات أخرى للدعاية له أثناء الانتخابات (28) هذا فى الوقت الذى ركزت فيه حملة بوش على مدى حيادية قضاة المحكمة العليا فى فلوريدا والذين تم تعيينهم جميعا من جانب حكام ديمقراطيين للولاية باستثناء واحد فقط اشترك فى اختياره أخوه حين صار حاكما للولاية (29) الحكم الأول لمحكمة فلوريدا العليا:ـ وقد حكمت محكمة فلوريدا العليا بوقف اعتماد النتائج فى 14 نوفمبر حتى تفصل فى الأمر بعد إجراء جلسات الاستماع وبينما ينتظر الكل قرار المحكمة العليا كانت حملة جور تبذل جهودا ضخمة لإقناع مسئولى المقاطعات المختلفة باتباع معايير أكثر مرونة فى الفرز اليدوى ونجحت فعلا فى إقناع مسئولى مقاطعة براورد بينما فشلت فى إقناع بالم بيتش التى أصر مسئولوها على معايير أكثر صرامة فى فرز الأصوات (30) أصوات المقيمين بالخارج:ـ هذا فى الوقت الذى أثيرت فيه مسألة جديدة حول احتساب أصوات المقيمين بالخارج والتى عادة ما تذهب أغلبيتها للحزب الجمهورى ودارت حول أمرين، أولها كان ما أثاره الديمقراطيون بزعامة وزير العدل فى الولاية ـ وهو الموالى لجور ـ بضرورة الالتزام بقانون الولاية الذى ينص على احتساب الأصوات التى يوجد دليل على أنها قد أرسلت من الخارج فى يوم الاقتراع العام على الأكثر إذ أن الكثير من الأصوات التى كانت قد تم حسابها فى بعض المقاطعات لم يكن عليها ختما بريديا يشير إلى تاريخ إرسالها (31) ـ أما الأمر الثانى فتعلق بما اعتبره الديمقراطيون انتهاكا قانونيا صارخا حيث سمحت مسئولة مقاطعة سمينول للناشطين الجمهوريين باستكمال البيانات الشخصية فى تلك البطاقات والتى لم يستوفها الناخبون أنفسهم (32) إلا أن مسألة الأختام البريدية كانت قد أضرت بموقف جور حيث استخدمها الجمهوريون فى إطار حملة تتهمه بأنه قد ـ شن حربا على جنود أمريكا الذين يدافعون عن مصالحها فى الخارج تهدف لحرمانهم من حقهم فى التصويت ـ الأمر الذى أدى إلى تراجعه عن موقفه وقد نأى جور بنفسه أيضا عن الجدل حول دور الناشطين الجمهوريين والذى صعده بعض الديمقراطيين بالفعل للقضاء فى مقاطعتى مارتن وسمينول بينما أصر جور على أن لا علاقة له بهاتين القضيتين الحكم الثانى لمحكمة فلوريدا العليا:ـ ثم صدر حكم محكمة فلوريدا العليا الذى أجاز الفرز اليدوى فى المقاطعات المختلفة وحدد موعدا نهائيا لاعتماد كل نتائج الولاية فى السادس والعشرين من نوفمبر وهو القرار الذى اعتبره بوش مناقضا للدستور الأمريكى ورفع الأمر فورا إلى المحكمة الأمريكية العليا للفصل فى الأمر (33) ، بينما أدار حملة إعلامية ضخمة ضد كل محاولات جور القضائية، وهى الحملة التى أثارت بالفعل الكثيرين من المناصرين لبوش والذين تجمعوا فى مظاهرة عاصفة حول مقر فرز الأصوات فى مقاطعة ميامى ديد، الأمر الذى قرر بعده مباشرة مسئولو المقاطعة وقف الفرز اليدوى، وإن كان السبب الذى أعلن وقتها هو إيمانهم بأنه لا يمكنهم الانتهاء من الفرز فى الموعد الذى حددته المحكمة العليا فى الولاية (34) وبموجب ذلك ألحق جور بقضيته المرفوعة بشأن معايير فرز أصوات بالم بيتش طلبا آخر للمحكمة لإبطال قرار مسئولى مقاطعة ميامى ديد ورغم أن فريق بوش ظل يصر على أن لا علاقة له بأحداث ميامى ديد إلا أنه لم ينف علاقته بموقف المجلس التشريعى للولاية والذى أعلن فور صدور قرار المحكمة العليا فى الولاية أنه سوف يعقد جلسة استثنائية يحدد فيها قائمة منتخبى فلوريدا ال 25 وإرسالها إلى الكونجرس وفى واقع الأمر فإن الدستور الأمريكى يعطى للمجالس التشريعية فى الولايات هذا الحق كما سبق القول، إلا أن المجلس التشريعى فى ولاية فلوريدا ذو أغلبية جمهورية كبيرة مما يعنى أن المجلس كان سيحسم القضية لصالح بوش، ولم يكن قرار المجلس مستقلا إذ هدد جيم بيكر علنا بعد صدور قرار المحكمة العليا فى فلوريدا بأن يقوم المجلس بهذا الدور (35) المحكمة الفيدرالية العليا تتدخل:ـ وقد تلقى آل جور صفعتين قانونيتين فى يوم واحد حيث صدر قرار المحكمة (الفيدرالية) العليا، وقرار قضية بالم بيتش ـ ميامى ديد فى أقل من 24 ساعة وكلاهما جاء فى صالح جورج بوش فقد أصدرت المحكمة العليا قرارا بإعادة القضية مرة أخرى إلى محكمة فلوريدا العليا لإفادتها بالإجابة عن سؤالين يتعلقان بحيثيات الحكم، والتى اعتبرتها الأولى غامضة على نحو لا يمكنها من إبداء الرأى بشأن الجوانب المتعلقة بالدستور الفيدرالى فى هذا الموضوع كان فريق بوش القانونى قد رفع الحكم الذى أصدرته محكمة فلوريدا العليا إلى المحكمة الفيدرالية العليا على أساس أن قرارها بتأجيل موعد اعتماد النتائج يمثل تغييرا فى قانون الانتخابات وهو ما يعد انتهاكا للدستور الفيدرالى الذى يمنح السلطة التشريعية فى الولاية ـ لا محاكمها ـ الحق وحدها فى تغيير قوانين الانتخابات، لذلك كان سؤال المحكمة الفيدرالية إلى محكمة فلوريدا يتعلق بما إذا كانت الأخيرة قد اتخذت قرارها بناء على بند فى دستور ولاية فلوريدا ينص على ضمان الحق فى التصويت والذى أشار له قرار المحكمة دون أن يقول صراحة أنه السبب وراء حكمها، ذلك لأن الاعتماد على هذا النص يعتبر فى رأى المحكمة (الفيدرالية) انتهاكا للدستور الفيدرالى كما دفع فريق بوش (36) أما السؤال الثانى، فكان يتعلق بما إذا كانت محكمة فلوريدا قد أخذت فى اعتبارها قانونا فيدراليا صدر عام 1887 ينص على أن النزاعات التى تنشأ بشأن انتخابات الرئاسة يتم حلها وفق القواعد المعمول بها يوم الاقتراع العام، وذلك على أساس أن تغيير تلك القواعد بعد الاقتراع العام يعتبر انتهاكا للقوانين الفيدرالية وقد صدر قرار المحكمة الفيدرالية دون توقيع لأن توقيع القضاة عليه كان يعنى أن يرفق به رأى المعارضين منهم (37) بعبارة أخرى كان واضحا من صيغة القرار المختصرة والشكل الذى صدر به أن قضاة المحكمة منقسمين بشأن الموضوع الأمر الذى جعلهم يتوخون أعلى درجات الحذر فيما يصدر عنهم حتى لا يزيد انقسامهم من الاستقطاب السياسى والشعبى ويضعف من المكانة الدستورية للمحكمة وكان معنى القرار أيضا وقف الفرز اليدوى على الأقل حتى صدور رأى محكمة فلوريدا العليا إلا أنه لم يكن يعنى أن المحكمة الفيدرالية العليا سوف تقبل بالضرورة نظر الموضوع مرة أخرى بعد عودته فقد كانت المحكمة منقسمة بواقع 5:ـ 4 بشأن القضية، الأمر الذى يحيط مسألة قبولها القضية من جديد بتساؤلات حول انقسامها من جديد بشأن ما يصدر عن محكمة فلوريدا، إذ يتطلب قبول القضية موافقة 4 قضاة على الأقل أما فى قضية بالم بيتش ـ ميامى ديد، فقد رفض القاضى كل ما قدمه فريق جور من حجج قانونية حيث رأى أن مسئولى المقاطعتين لم يتجاوزوا القانون فى المواقف التى اتخذوها وهو القرار الذى حمله جور فورا للاستئناف ثم إلى محكمة فلوريدا العليا (38) وبالتالى صار مصير البيت الأبيض معلقا بما يصدر عن محكمة فلوريدا العليا فى القضيتين، فضلا عما تسفر عنه نتيجة قضية مقاطعتى سمينول ومارتن بشأن أصوات المغتربين وفى الثامن من ديسمبر، صدرت ثلاثة قرارات من المحاكم المختلفة حيث حكمت المحكمة برفض طلب إبطال أصوات المغتربين فى كل من سمينول ومارتن على أساس أنه صحيح قد حدثت بعض التجاوزات فى ملء البيانات الشخصية فى العرائض المرفقة بالبطاقة الانتخابية إلا أن البطاقة نفسها تظل سليمة لا يشوبها ما يدعو لإبطالها ورغم أن هذه القضية لم تكن مرفوعة من جانب آل جور سواء فى سمينول أو مارتن إلا أن الحكم مثل هزيمة جديدة له لأن إبطال هذه البطاقات كان سيضعه فى الصدارة فورا دون الحاجة لإجراء الفرز اليدوى الذى طالب به الحكم الثالث لمحكمة فلوريدا العليا:ـ ولكن لم تمر ساعات قليلة حتى أصدرت محكمة فلوريدا العليا فى نفس اليوم قرارها بشأن قضية بالم بيتش/ميامى ديد لصالح آل جور فانقلبت الموازين من جديد فقد حكمت المحكمة بإجراء الفرز اليدوى للأصوات التى لم تسجلها الآلات ليس فقط فى مقاطعتى بالم بيتش وميامى ديد والتى يبلغ عددها 14 ألف صوت وإنما فى كل مقاطعات الولاية والتى تبلغ 43 ألف صوت ـ (39) وكانت محكمة فلوريدا قد أصدرت قرارها هذا بواقع 4:ـ 3 أصوات، والذى عكس انقسام المحكمة على نفسها كانت الأغلبية قد بنت قرارها على أساس قانون فيدرالى ينص على أن ـ النزاعات التى تنشأ بشأن اختيار كل أو أى من منتخبى الرئيس يتم حسمها من خلال الإجراءات القضائية فى الولاية ـ إلا أن القضاة المعارضين للقرار كتبوا رأيا مخالفا استند إلى حكم سابق للمحكمة الفيدرالية العليا صدر فى عام 1892 وضع السلطة كلها فى اختيار هؤلاء المندوبين فى يد المجلس التشريعى للولاية (40) وقد مثل هذا القرار نصرا حقيقيا لآل جور بعد كل تلك الهزائم المتكررة، وهو الأمر الذى دفع جورج بوش إلى تقديم طلب عاجل للمحكمة الفيدرالية العليا طالبا منها ليس فقط الحكم فى القضية وإنما إصدار وقف فورى للفرز اليدوى الذى أمرت به محكمة فلوريدا لحين تتخذ المحكمة قرارها النهائى وبعد أن كانت الأوساط السياسية تترقب خطاب الانسحاب الذى سوف يكتبه آل جور قبل صدور قرار محكمة فلوريدا، تركزت الأنظار حول المأزق الجديد الذى يواجهه بوش، فى حالة ما إذا بدأ فعلا الفرز اليدوى وأسفر عن أصوات إضافية لجور ثم حكمت المحكمة الفيدرالية لصالحه (بوش) الأمر الذى يعنى أن يحتل بوش منصب الرئاسة بحكم قضائى رغما من الإرادة الشعبية كونجرس فلوريدا يتدخل:ـ وقد سرى الغضب فى أوساط الجمهوريين الذين اعتبروا المحكمة قد تخطت سلطاتها، والذى وصفه جيمس بيكر كبير فريق بوش القانونى بأنه ـ يوم حزين لديمقراطيتنا ـ إلا أن أخطر ما صدر عن الجمهوريين كان العودة للحديث عن دور المؤسسة التشريعية فى الولاية والتى أصر زعماؤها منذ البداية على أنهم أصحاب الكلمة الأخيرة فى اختيار منتخبى الولاية وقد أعلن زعيم الأغلبية فى مجلس نواب فلوريدا فعلا عن جلسة اجتماع طارئة يتم فيها بحث الأمر وإصدار القرار وهو القرار الذى كان سيأتى فى كل الأحوال لصالح بوش لأن الجمهوريين يسيطرون على مجلس النواب والشيوخ فى الولاية بأغلبية كبيرة تسمح لهم باتخاذ ذلك القرار، فهم يتمتعون بأغلبية 77:ـ 43 فى مجلس النواب و 25:ـ 15 فى مجلس الشيوخ، ومن ثم بإمكانهم إصدار قرار لصالح بوش، يوقع عليه فيما بعد (لاعتماده) حاكم الولاية الذى هو الأخ الأصغر للمرشح الجمهورى (41) ولم تمض ساعات قليلة حتى انقلبت الموازين مرة أخرى إذ صدرت المحكمة الفيدرالية العليا قرارا يستجيب لمطلب بوش بوقف الفرز اليدوى الذى كان قد بدأ فعلا بموجب قرار محكمة فلوريدا، لحين تستمع المحكمة إلى الطرفين ثم تتخذ قرارها ورغم أن هذا القرار مثل نصرا مؤقتا لبوش إلا أنه كان بمثابة هزيمة كبرى لآل جور فالمحكمة لم تكن بذلك القرار قد حسمت الأمر نهائيا لصالح بوش، إلا أن وقف الفرز اليدوى كان يعنى تحويل عامل الوقت إلى العدو الأول لآل جور، فقد صدر هذا القرار قبل ثلاثة أيام فقط من الموعد النهائى الذى يحدده القانون الفيدرالى لاختيار منتخبى الولاية فكما سبقت الإشارة، ينص القانون على أن يكون الاختيار قد أعلن قبل 6 أيام على الأقل من اجتماع المنتخبين رسميا فى ولاياتهم لانتخاب الرئيس وهو الذى كان يوافق يوم 12 ديسمبر، ومن ثم فإنه حتى لو صدر قرار المحكمة (الفيدرالية) النهائى لصالح استئناف الفرز اليدوى، كان من الواضح أنه من المستحيل أن يتم استكمال تلك العملية الشاقة قبل حلول هذا الموعد، الأمر الذى يلقى بالكرة مباشرة فى ملعب المؤسسة التشريعية فى الولاية التى تقف بالفعل فى صف بوش وليس جور إلا أن هذا القرار كان يمثل فى خطورته ما يذهب إلى ما هو أبعد من تحديد مصير البيت الأبيض، إذ أنه كشف عن انقسام مرير داخل المحكمة الفيدرالية العليا، أعلى سلطة قضائية فى البلاد ومصدر الخطورة هو أن هذا الانقسام (5:ـ 4) كان يوازى الانقسام الحزبى فقضاة المحكمة الذين عينهم رؤساء جمهوريون وقفوا فى صف بوش بينما وقف القضاة الذين عينهم رؤساء ديمقراطيون فى صف آل جور، فصدر القرار لصالح بوش بأغلبية صوت واحد، وهو ما أعطى صورة تجنب المحكمة تقليديا أن تضع نفسها فيها بل أكثر من ذلك كانت الصياغة التى جاء بها تقرير القضاة الذين عارضوا القرار تتسم بدرجة عالية من الغضب إزاء قرار الأغلبية، وهو الذى نادرا ما يستخدمه القضاة فى خطابهم الرسمى لئلا يقوض ذلك هيبة المحكمة فقد وصف القضاة الأربعة المعارضون قرار الأغلبية ـ بغياب المحكمة ـ الأمر الذى يضع ـ شرعية الانتخابات ـ تحت ظلال الشك وأضاف هؤلاء القضاه أن موقف محكمة فلوريدا إنما يعكس المبدأ الرئيسى الذى يقوم عليه ـ دستورنا وديمقراطيتنا والذى يؤكد على أنه ينبغى حساب كل صوت قانونى ـ (42) المحكمة الفيدرالية العليا مرة أخرى:ـ وهكذا صار الأمر مرة أخرى فى يد المحكمة الفيدرالية العليا التى صار عليها أن تصدر حكمها فى يوم 12 ديسمبر على الأكثر التزاما بالموعد الذى حدده القانون الفيدرالى السابق ذكره وكان المطلوب من المحكمة أن تصدر قرارا بشأن أمرين أولهما ما إذا كانت محكمة فلوريدا قد غيرت القانون بالفعل بعد إجراء الانتخابات حيث مدت الموعد النهائى لاعتماد النتائج من 14 ـ 26 نوفمبر (وهو الذى كان موضوع قرارها الأول الذى أعادته محكمة فلوريدا للاستيضاح) وثانيهما ما إذا كان حكمها بإجراء الفرز اليدوى فى كل المقاطعات مناهضا للدستور على أساس أن ذلك الفرز يتم وقف معايير مختلفة فى كل مقاطعة مما يهدر حق الناخب فى معاملة متساوية أمام القانون (43) القرار الحاسم:ـ وبالفعل، أصدرت المحكمة الفيدرالية العليا قرارها بمنع إجراء الفرز اليدوى الذى أمرت به محكمة فلوريدا العليا وهو القرار الذى كان يعنى فى واقع الأمر إعلان فوز جورج بوش ورغم أن القرار كان قد أنهى النزاع حول الانتخابات إلا أنه لم ينه الجدل بشأنها بل أن هذا القرار فتح بوابة أخرى للنزاع تقع فى بؤرتها المحكمة الفيدرالية العليا نفسها فلأول مرة فى التاريخ الأمريكى، يحسم التنافس على البيت الأبيض بحكم قضائى، بل عادة ما نأت المحكمة الفيدرالية العليا بنفسها عن النزاعات الانتخابية إلا أن المصدر الرئيس للجدل الدستورى إنما يأتى من طبيعة الحكم الذى أصدرته المحكمة فضلا عن عدد القضاه الذين رفضوا القرار أما بشأن الحكم نفسه، فقد بنت المحكمة قرارها على أساس أنه لما كان الفرز اليدوى يتم وفق معايير مختلفة فى كل مقاطعة فإنه يتنافى مع البند الدستورى الذى ينص على الحماية القانونية المتساوية للمواطنين Equal Protection Under Law وعلى ذلك ثار الخلاف حول تصحيح هذا الوضع، إذ كان حكم المحكمة يعنى أن التصحيح الذى ارتأته المحكمة هو عدم إجراء أى فرز على الإطلاق طالما الفرز نفسه لا يتبع معايير واحدة وهو الأمر الذى قال الخبراء الدستوريون أنه لا يستقيم مع كون هذه المعايير المختلفة مسألة ثابتة عبر التاريخ لأنها خاضعة لقوانين الولايات، ومن ثم فإن اختلافها فى حد ذاته لا يناهض الدستور (44) وفضلا عن ذلك، أثار البعض أيضا مسألة تدخل المحكمة الفيدرالية فى النزاع من الأساس حيث أنه لا يوجد أى نص دستورى يسمح لها أن تكون طرفا فى حسم النزاع الذى ينشأ بشأن اختيار الرئيس فكما سبق القول، يضع الدستور الأمريكى مسألة اختيار منتخبى كل ولاية فى يد مجلسها التشريعى، ثم تنص القوانين الفيدرالية على أن يتم حسم النزاعات التى تنشأ أمام محاكم الولايات لا المحكمة الفيدرالية، ويحتفظ الدستور بالكلمة الأخيرة للكونجرس إذا ما لم تتفق أغلبية المنتخبين على أحد مرشحى الرئاسة بعبارة أخرى لا يوجد فى الدستور ولا القوانين الفيدرالية أية إشارة لدور ما تلعبه المحكمة العليا (45) إلا أن الأخطر من ذلك فى الواقع هو تصويت القضاة التسعة على القرار، والذى أثار الشكوك حول حيادية المحكمة فقد صدر الحكم بواقع 5:ـ 4 وكان القضاة الخمسة المشكلون للأغلبية كلهم من المحافظين الذين عينهم رؤساء جمهوريون صحيح أن أحد القضاة الأربعة المعارضين من المحافظين ـ (القضاى ساوتر) (46) إلا أنه أقل يمينية من زملائه الخمسة وكثيرا ما اختلف معهم فى قضايا أخرى بعبارة أخرى، جاء تصويت المحكمة ليعكس نفس الانقسامات ـ السياسية ـ التى عانت منها الولايات المتحدة والمفارقة الجديرة بالتأمل هى أن المحكمة الفيدرالية العليا كانت إحدى القضايا الانتخابية المهمة فى حملة 2000 بل أن آل جور ـ ـ الذى هزمه قرار المحكمة ـ كان هو الذى أثار القضية، محذرا الناخبين من أن فوز بوش يعنى المزيد من تعيين القضاه اليمينيين، الأمر الذى قد يترتب عليه إلغاء المحكمة لعدد من قراراتها السابقة التى حمت الحريات المدنية والسياسية للأقليات حين كان الليبراليون يتمتعون فيها بأغلبية كبيرة وهكذا، فقد انتهت معركة الرئاسة بفوز جورج بوش، إلا أن ملابسات الحملة وتفاعلات الأزمة التى تلتها، ثم الطريقة التى فاز بها فى آخر الأمر سوف تترك آثارها العميقة على مجمل النظام السياسى الأمريكى لفترة طويلة قادمة ثالثا:ـ الائتلافات الانتخابية فى حملة 2000:ـ بعد هذا العرض للجوانب الدستورية والقانونية يصبح السؤال لماذا؟ ما الذى أدى إلى استدعاء تلك الترسانة من القوانين الفيدرالية ومعها القوانين المحلية فى ولاية فلوريدا؟ بعبارة أخرى فإن كل هذه القواعد والإجراءات والقوانين موجودة طوال الوقت فما الذى حدث فى انتخابات 2000 فاستدعاها كلها إلى السطح بهذه الصورة تأتى الإجابة عن هذا السؤال بأن المصدر الرئيسى كان ذلك الهامش الضئيل بين المرشحين جور وبوش والذى كشف عن نفسه فى استطلاعات الرأى العام طوال الحملة الانتخابية ثم تجسد فى النتائج التى أسفرت عنها الانتخابات ليس فقط فى ولاية فلوريدا وإنما فى كل الولايات الأخرى حيث ظل الفارق بين المرشحين لا يتعدى مئات قليلة من الأصوات وقد جاء هذا الفارق الضئيل نتيجة مباشرة لطبيعة الائتلاف الانتخابى الذى شكلها المرشحان والاستراتيجيات الانتخابية التى اتبعها كل منهما لتحقيق الفوز فى نوفمبر فنظرا للطبيعة الخاصة لنظام الحزبين فى الولايات المتحدة فضلا عن خصوصية النظام الانتخابى والتعددية الشديدة التى يتسم بها المجتمع الأمريكى فإن مرشح الرئاسة عليه ـ حتى يفوز فى نوفمبر ـ أن يبنى فى حملة الخريف ـ أى بعد انتهاء المعركة التمهيدية ـ ائتلافا انتخابيا واسعا يقيم قطاعات عريضة من الناخبين، ولا يقوم هذا الائتلاف الانتخابى على أساس جغرافى أو سياسى أو اقتصادى أو عرقى فقط، وإنما يقوم على توليفة من كل هذه الاعتبارات جميعا وعادة ما تبنى الائتلافات الانتخابية على أساس من ـ قاعدة ـ و ـ أطراف ـ أما القاعدة فهى تتمثل فى القوى والقطاعات التى طالما ارتبطت بحزب ذلك المرشح، ولا يمكنها فى الواقع التصويت لمرشح الحزب الآخر ـ حماية لمصالحها ـ بغض النظر عما يتخذه من مواقف طوال الحملة مثل تيار اليمين الدينى فى ارتباطه بالحزب الجمهورى وقوى اليسار الليبرالى فى ارتباطها بالحزب الديمقراطى أما الأطراف فإنما تتمثل فى قطاعات أخرى من الناخبين انتمت تقليديا لهذا الحزب أو ذاك ولكنها تقع فى مربع الوسط أو على تخومه بمعنى أنها أكثر استقلالية فى اتخاذ قرارها التصويتى، إذ قد يمثل للتصويت لمرشح أى من الحزبين وفقا لاعتبارات مختلفة تحددها ظروف كل حملة رئاسية (47) وعملية بناء الائتلاف الانتخابى ليست مسألة سهلة فى الواقع بل ربما يكون العكس هو الصحيح فطبيعة النظام الانتخابى لمنصب الرئاسة والتى تتم عبر مرحلتين:ـ المرحلة التمهيدية ثم النهائية أو ما يسمى معركة الخريف، إنما تعقد من قدرة المرشح على تشكيل ائتلاف انتخابى قوى يمكنه من الفوز ففى المرحلة التمهيدية التى تدور فيها المعركة داخل كل حزب، يكون على المرشح أن يوجه رسالته الانتخابية إلى ـ القاعدة ـ فى حزبه، ذلك لأن تلك المعركة تحسمها فى الواقع القوى الأكثر صلابة فى انتمائها الحزبى فهى الأكثر اهتماما عادة بالذهاب لصناديق الاقتراع فى المرحلة التمهيدية ومن ثم يكون على المرشح أن يصوغ رسالة انتخابية تسعى لاجتذاب هؤلاء مما يضطره لاتخاذ مواقف تعمق ولاءهم وتحقق له الفوز على منافسيه من رموز حزبه إلا أن هذه الرسالة نفسها تعود فى حملة الخريف لتعقد من فرص المرشح فى بناء الائتلاف الواسع الذى يسعى خلاله لاجتذاب قوى وتيارات أقل انتماء لحزبه أو لا تنتمى إليه على الإطلاق وتقع فى مربع الوسط كما سبق القول، ذلك لأنه فى معركة الخريف ـ التى تبدأ منذ انعقاد المؤتمر العام لكل حزب وتنتهى بالاقتراع العام فى نوفمبر يكون على المرشح صياغة رسالة انتخابية ذات طابع مختلف عن تلك الرسالة التى قدمها فى المرحلة التمهيدية إذ لابد أن تكون أكثر وسطية، ومن ثم قد تعود تصريحاته التى أطلقها فى المرحلة الأولى لتلاحقه فى المرحلة الثانية وتلقى ظلالا من الشك حول اتساق مواقفه ومصداقيته بشكل عام ومن ثم فإن على المرشح حتى ينجح فى بناء ائتلافه أن يدير حملة انتخابية تتوخى أعلى درجات الحذر فى ما يصدر عنها من تصريحات فى المرحلة التمهيدية وتقوم على استراتيجية واضحة المعالم معدة على نحو يوازن بين المطلوب منه فى المرحلتين بمعنى صياغة رسالة انتخابية واحدة يمكن تطويعها فى المرحلة التمهيدية لاجتذاب القاعدة ثم تطويعها على نحو مختلف لاجتذاب الأطراف فى حملة الخريف وعلى ذلك طالما نجح المرشح فى بناء ائتلاف متماسك يضمن اجتذاب أكبر قطاع ممكن من الناخبين دون استعداء القاعدة الرئيسية فى حزب تزايدت فرصه فى الفوز بمنصب الرئاسة وهو ما يتطلب منه تأمين قواعد حزبه فى المرحلة التمهيدية ثم الانطلاق بسرعة عشية المؤتمر العام لاجتذاب الوسط وقد سعى المرشحان جور وبوش فعلا للقيام بذلك، إلا أن الاستراتيجية الانتخابية التى تبناها كل منهما هى التى أدت إلى ضيق الهامش بينهما إلى المستوى الذى شهدته الولايات المتحدة هذا العام كانت انتخابات 2000 قد بدأت واقعيا فى عام 1999 فى وقت كان فيه الحزب الجمهورى يعانى أزمة حقيقية تنذر ببقائه خارج البيت الأبيض لفترة طويلة قادمة وترجع هذه الأزمة إلى طبيعة الأداء الذى انتهجه الجمهوريون فى الكونجرس منذ حصولهم على أغلبية مقاعد المجلسين فى 1994 فقد هيمن يمين الحزب ـ بقيادة نيوت صيحرتش ـ على مقدرات المؤسسة التشريعية التى دخلت فى صدام مباشر مع الرئيس كلينتون واستعدى قطاعات واسعة من الجماهير، بما فى ذلك الجمهورين المعتدلين، وكان هذا الصدام هو فى الواقع السبب الرئيسى الذى سمح لكلينتون بالاحتفاظ بمنصب الرئاسة فى 1996 بعد حملة انتخابية دفع فيها روبرت دول ـ الذى ينتمى لتيار الوسط فى الحزب الجمهورى ـ ثمن الأداء الهجومى الذى تبناه صيحرتش إلا أن الجمهوريين أساءوا فهم رسالة الناخبين وأصروا على استمرار الصدام الذى وصل إلى ذروته ببدء إجراءات محاكمة الرئيس وقد عبر الناخبون فى انتخابات 1998 التشريعية مرة أخرى عن استيائهم من أداء الجمهوريين الذين استطاعوا فى تلك الانتخابات الاحتفاظ بالأغلبية فى المجلسين ولكن بعد أن خسروا عددا من المقاعد ضاق بمقتضاها الهامش بينهم وبين الديمقراطيين، الأمر الذى أثار التذمر داخل الحزب (48) وقد كلفت هذه النتيجة صيحرتش منصبه، وإن لم تذهب فى تأثيرها على الحزب إلى ما هو أبعد من ذلك، إذ ظل تيار صيحرتش هو المهيمن وأصر على المضى قدما فى معركة عزل الرئيس والتى ظلت الأغلبية الشعبية ترفضها المرة تلو الأخرى فى استطلاعات الرأى وقد خرج الحزب الجمهورى من معركة عزل الرئيس بجروح سياسية أخطر من تلك التى أصيب بها الرئيس نفسه، حيث صار الحزب يستعدى قطاعات واسعة من الناخبين، ليس فقط بسبب إصرار رموزه على عزل الرئيس رغما عن الإرادة الجماهيرية، وإنما لتبنيهم سياسات جرت الحزب بعيدا نحو اليمين وهو نفس السبب الذى كلفهم منصب الرئاسة ليس فقط فى عام 1996، وإنما أيضا فى عام 1992 حين سمح بوش الأكبر لتيار اليمين فى الحزب بالهيمنة على فعاليات المؤتمر العام، الأمر الذى أدى إلى صياغة رسالة بالغت فى يمينيتها وكانت أحد أهم أسباب هزيمته، خصوصا وأن كلينتون كان قد نجح وقتها فى صياغة رسالة جماهيرية وسطية (49) وقد استوعب جورج بوش الابن الدرس القاسى الذى تلقاه أبوه، والرسالة الجماهيرية التى ظل يتلقاها الحزب طوال عقد التسعينات لذلك منذ اللحظة الأولى التى رشح فيها نفسه، أطلق شعار محافظ ذو وجه إنسانى Compassionate Lonservative لينفى عن نفسه الالتصاق بتيار اليمين فى حزبه، وأدار حملة انتخابية عمدت منذ البداية إلى توجيه انتقادات مستمرة لذلك التيار وخصوصا رموزه فى الكونجرس فقد اتهمهم على سبيل المثال بأنهم يسعون إلى موازنة الميزانية ـ على حساب الفقراء ـ مما أدى لتذمر هذا التيار من المرشح الذى كان واضحا أنه صاحب أفضل فرصة لإعادة الحزب إلى البيت الأبيض (50) وقد أدى هذا التذمر إلى حدوث انشقاقات عدة داخل الحزب، كان على رأسها خروج بات بوكانات من الحزب وترشيح نفسه للرئاسة باسم حزب الإصلاح فى الوقت الذى ظلت فيه الانتقادات المتبادلة بين بوش واليمين الجمهورى مستمرة (51) وقد ظل بوش يصر على ـ وسطيته ـ خلال الحملة التمهيدية إلى أن صعد نجم جون ماكين منافسا له على ترشيح الحزب والذى استطاع أن ينتزع ـ الوسط ـ من بوش بل ومن بيل برادلى منافس آل جور وقتها على ترشيح الحزب الديمقراطى وإزاء هذا التحول لم يكن أمام بوش للفوز بالترشيح إلا اللجوء إلى اليمين لهزيمة جون ماكين فما كان منه إلا أن استخدم خطابا يمينيا استطاع من خلاله أن يحمس ذلك التيار للذهاب لصناديق الاقتراع خصوصا فى ولايات الجنوب وفاز بترشيح الحزب فعلا بفضل أصواتهم (52) إلا أن بوش كان يدرك جيدا أن هذا الخطاب من شأنه أن يكلفه منصب الرئاسة متى بدأت معركة الخريف لذلك وضع فعاليات المؤتمر العام تحت سيطرته بالكامل، سواء فيما يتعلق بكتابة البرنامج العام أو اختيار شخوص المتحدثين وكان الهدف هو العودة سريعا لخطاب الوسطية وحرمان اليمين من التشويش عليها أثناء المؤتمر وقد نجح بوش فعلا ـ بعد مفاوضات مضنية فى حذف بعض فقرات البرنامج العام المثيرة للجدل بينما أعاد صياغة فقرات أخرى على نحو أقل يمينية وتم اختيار المتحدثين فى المؤتمر العام بعناية بل تم توجيههم جميعا بشأن نوع الرسالة المطلوب بثها للناخبين ومن ثم لم يكن غريبا أن يختفى كل رموز الكونجرس الجمهوريين من المؤتمر العام (53) ، والذين حرص بوش طوال حملة الخريف بعد ذلك على الابتعاد عنهم، بل لم يسمح لأى منهم بالظهور معه أو الدعاية له، كما رفض حضور اجتماع منظمة الائتلاف المسيحى والتى حرص المرشحون الجمهوريون تقليديا على إلقاء كلمة أمامها وقت الانتخابات وهكذا بدأ جورج بوش انتخابات الخريف وقد انطلق فعلا فى خطته نحو كسب الوسط من أجل الفوز بالرئاسة (54) أما آل جور، فقد عانت حملته ـ منذ أن رشح نفسه رسميا فى يونيو 1999 من مأزق يختلف عن ذلك الذى كان فيه بوش ففى الوقت الذى كان فيه مأزق بوش يتعلق بطبيعة التوازنات داخل حزبه، ومن ثم ضرورة إعادة ترتيب هذه التوازنات، كان مأزق جور يتعلق بعجزه عن تأمين ولاء أى من تيارات حزبه فلم يكن جور قد أفلح فى إشعال حماس تيار اليسار الذى لم يكن يثق فيه ولا حتى فى تيار اليمين الذى ينتمى إليه وقد عانت الحملة من عجزها عن صياغة رسالة انتخابية واضحة ومتماسكة يمكن من خلال ضمان وقوف أى من هذه التيارات وراءه بقوة ومن المفارقات الجديرة بالانتباه أن جور قد حصل على ترشيح الحزب بفضل حملة جون ماكين الجمهورى الذى استطاع أن يسحب أصوات المستقلين والمعتدلين من بيل برادلى منافس جور على الترشيح (55) إلا أن حملة جور قد شهدت انتعاشا نسبيا عشية المؤتمر العام للحزب الديمقراطى فى أغسطس عبر تنفيذ استراتيجية ثلاثية الإضلاع، وتمثلت هذه الاستراتيجية فى تفكيك فعاليات المؤتمر العام لتستجيب كل منها لتيار بعينه داخل الحزب فكان أن اختار جور جوزيف ليبرمان الديمقراطى اليمينى من أجل اجتذاب تيار اليمين فى الحزب، ثم تم كتابة البرنامج العام على نحو يستميل تيار الوسط بينما أفسح جور لليسار مساحة واسعة من الكلمات التى ألقيت فى المؤتمر العام (56) وهو الذى مثل تحولا جوهريا بالمقارنة بعامى 1992 و1996 اللذين لم يسمح فيهما كلينتون لليسار الليبرالى بقطاعاته المختلفة إلا بدور هامشى للغاية، ولم يخف وقتها أن هدفه هو تهميش هذا التيار حتى لا يستعدى قطاعات الوسط وقد نجحت استراتيجية المؤتمر العام إلى حد كبير فى تحسين موقف جور فى استطلاعات الرأى عند بدء معركة الخريف والتى تبدأ بعد انتهاء أعمال المؤتمر العام لكل حزب وتستمر حتى الاقتراع العام فى نوفمبر إلا أن الاستراتيجية التى اتبعها المرشحان معا فى حملة الخريف هى التى أدت إلى المأزق الذى شهدته الولايات المتحدة، حيث هى المسئولة عن ضيق هامش الأصوات بينهما فبعد أن قام كل منهما بتأمين ـ القاعدة ـ التقليدية فى حزبه، انطلقا يتنافسان حول الوسط وهى كما سبق القول استراتيجية تقليدية فى انتخابات الرئاسة، إلا أن الجديد هذه المرة كان أن استهدف كلاهما قطاعات محدودة للغاية من الوسط، لا الوسط كله وهى القطاعات التى اعتبر كلاهما أنها ستكون الحاسمة فى حسابات المجمع الانتخابى فى عدد من الولايات الهامة ومن ثم صاغ كل منهما أولويات القضايا و ـ تيمات ـ themes حملته الانتخابية لاجتذاب هذه القطاعات تحديدا دون غيرها فى داخل تيار الوسط ـ لذلك تركزت الحملة بالكامل حول قضايا ثلاث رئيسية هى إصلاح نظام الضمان الاجتماعى (المعاشات) وبرنامج الرعاية الطبية (وهو البرنامج الفيدرالى الذى يوفر التأمين الصحى لكبار السن) ، فضلا عن تغطية التأمين الصحى لتكاليف الأدوية للمسنين (57) وكان من الواضح أن كليهما يسعى لاجتذاب أصوات المسنين خصوصا فى ولايات الغرب الأوسط، فضلا عن أصوات المرأة البيضاء التى تسكن الحضر والتى ثبت أنها أكثر اهتماما من الذكور بتوفير الرعاية الصحية لوالديها وقد تناولت الحملتان أيضا قضية التعليم بين الحين والآخر لاجتذاب المرأة فضلا عن عدد محدود من قضايا أخرى كان يتم ذكرها عرضا لاستهداف قطاع محدود دون غيره من قطاعات الوسط كان هذا كله يعنى فى الواقع التجاهل الكامل لما دون ذلك من قضايا تهم قطاع اليمين الجمهورى واليسار الديمقراطى وهى القضايا التى ذكر بعضها عرضا فى المناظرات التليفزيونية لا بمبادرة شخصية من جانب كل مرشح فهناك فارق كبير بين أن يحول المرشح موضوع ما إلى قضية انتخابية ويتبناها ويضعها ضمن أولوياته، وبين أن يكتفى بتحديد موقفه منها إذا ما سئل بل إنه حتى عند الإجابة عن الأسئلة بشأن هذه القضايا سعى كل منهما إلى الحديث فى العموميات والبعد عن التفاصيل التى تثبت وجود اختلافات جوهرية بينهما وذلك بناء على دراسات أكدت لكل منهما أن إبراز الفارق قد يحد من فرص اجتذاب قطاع أو آخر من قطاعات الوسط فعلى سبيل المثال رغم أن استطلاعات الرأى كانت تشير إلى اهتمام الناخبين بمسألة السيطرة على حيازة السلاح واستخدامه وهى قضية كان يمكن لجور استغلالها ضد منافسه والحصول من ورائها على تأييد بعض القوى الليبرالية إلا أنه اختار تجنبها بالكامل بناء على دراسات أكدت أن إثارة القضية قد تكلفه بعض قطاعات الوسط ـ (58) وينطبق نفس الشىء على قضية عقوبة الإعدام التى رغم اتفاق المرشحين على تأييدها إلا أن سجل بوش فى تكساس كان يمكن أن يتحول إلى قضية انتخابية لاجتذاب السود التى ثبتت إحصاءات تكساس تعرضهم لتطبيقها عموما بنسبة أكبر من البيض وعلى الرغم من تناول موضوع التعليم إلا أن الرسالة الانتخابية كانت موجهة فى الواقع إلى أولياء الأمور وليس الشباب حيث تركزت بالكامل على الائتمانات الضريبية التى يحصل عليها هؤلاء، لا طبيعة المشكلات التى تواجه الشباب وينطبق نفس الشىء على قضايا أخرى عديدة بدءا من البيئة ومرورا بالعمل الإيجابى Affirmative Action ووصولا إلى المشكلات التى يعانيها سكان الحضر وقد فعل بوش نفس الشىء بالنسبة للقضايا التى تهم اليمين الجمهورى حيث تجاهلها بالكامل مع توخى أعلى درجات الحذر فيما يصرح به بشأنها إذا سئل (59) ـ وعلى ذلك صار السكوت عنه فى هذه الحملة أكثر بكثير مما يتم مناقشته من قضايا، وهى القضايا التى كان من شأنها إشعال حماس ـ القاعدة ـ الأساسية لكل حزب أى اليمين الجمهورى واليسار الديمقراطى، إلا أن هذه الاستراتيجية لم تضر بوش كثيرا مثلما أضرت بآل جور وذلك لأن اليمين الجمهورى ـ رغم استيائه من تجاهل قضاياه ـ قد صار ـ بعد ثمانية أعوام من حكم الديمقراطيين ـ على استعداد لدعم بوش والوقوف وراءه من أجل طرد الديمقراطيين من البيت الأبيض ثم استخدام هذا الدعم لاحقا للضغط على بوش أثناء فترة حكمه أما جور فقد كان يعانى منذ اللحظة الأولى من غياب الحماس لانتخابه داخل حزبه بل وبين القطاعات التى تمثل القاعدة والتى تنتمى على نحو أو آخر لتيار اليسار الليبرالى، فهذا التيار لا يثق فى آل جور بسبب مواقفه المتذبذبة قبل وأثناء إدارة كلينتون ثم استاء لاختيار يمينى لمنصب نائب الرئيس ورغم أن استراتيجية تهميش اليسار الديمقراطى ليست جديدة إذ استخدمها كلينتون فى حملتيه فى 1992 و1996 إلا أن الخطأ الحقيقى الذى وقع فيه جور كان أنه أعاد استخدام الاستراتيجية نفسها فى ظل بيئة سياسية مختلفة تماما تغيرت معطياتها الأخرى على نحو جعل استخدام هذه الاستراتيجية مخاطرة غير محسوبة فعلى سبيل المثال، كانت حملة جور قد خططت منذ بداية الحملة لاستبعاد كلينتون تماما من الصورة والسعى لتقديم جور كسياسى له سجله الشخصى الذى يؤهله لمنصب الرئاسة وذلك أملا فى التخلص من الإرث السلبى لإدارة كلينتون فيما يتعلق بالفضائح السياسية والأخلاقية وكان اختيار ليبرمان أحد الأدوات التى استخدمتها الحملة فى هذا الاتجاه لما هو معروف عن الأخير من التزام بالمبادئ والقيم الأخلاقية، إلا أن اختيار ليبرمان اليمينى قد عقد من علاقة جور بتيار اليسار خصوصا السود نظرا لمواقف ليبرمان المناهضة لأهم قضاياهم مثل العمل الإيجابى، بل أن حملة جور قد ذهبت بعيدا فى تنفيذ هذه الخطة فاستبعدت كلينتون تماما من قائمة الذين يشتركون فى الدعاية لجور فخسرت بذلك سياسيا بارعا فى التواصل مع الجماهير ومنافسا انتخابيا ذا كفاءة معروفة، بل أن الأخطر من ذلك هو أن حملة جور بالغت فى تنفيذ ذلك المخطط على نحو أدى بها إلى تجنب الحديث عن إدارة كلينتون بالمطلق فحرمت جور من استخدام إنجازات هذه الإدارة خصوصا فى مجال الاقتصاد، فتجنب جور الحديث عن إنجازات تلك الإدارة والتى كان شريكا كاملا فى تحقيقها حيث لعب دورا محوريا فى صنع القرارات المختلفة على نحو غير مسبوق بالنسبة لمن يتولى منصب نائب الرئيس وفضلا عن كل ذلك، فقد لعب وجود رالف نادر على الساحة دورا مهما فى رفع درجة المخاطرة التى مثلتها استراتيجية تهميش اليسار الليبرالى ففى الوقت الذى شعرت فيه قوى اليسار بأن حملة جور تتجاهل قضاياها وتعتبر دعمها أمرا مسلما به، جاءت حملة نادر لتعطى هذا التيار فرصة للتعبير عن استيائها عبر التصويت للأخير كاحتجاج على ذلك التهميش وقد أثبتت الأيام القليلة السابقة على الاقتراع العام صحة هذا التحليل، إذ أدركت حملة جور الثمن الباهظ الذى يمكن أن تدفعه بسبب تلك الاستراتيجية، فقامت بإعداد حملة مكثفة فى اللحظات الأخيرة بتكلفة مقدارها 15 مليون دولار استهدفت أصوات الناخبين السود تحديدا عبر نشر دعاية مستمرة فى صحف السود، فضلا عن 4 ملايين دولار تم توجيهها للدعاية عبر برامج الراديو فى المدن والمقاطعات ذات الأغلبية السوداء (60) وقامت الحملة بتكثيف تنسيقها مع عدد من منظمات السود لتشجيع الناخبين للذهاب لصناديق الاقتراع وقد كانت الرسالة المستخدمة فى هذه الحملة ذات دلالة بالغة على مأزق آل جور، حيث لم تكن تلك الرسالة تحدد المزايا التى سوف تعود على هؤلاء فى حالة فوز جور وإنما ركزت بالكامل على ما يمكن خسارته إذا فاز بوش فعلى سبيل المثال وفى ولاية لويزيانا التى يشكل فيها السود حوالى ثلث الناخبين، كانت الرسالة الموجهة للسود أن عليهم أن ـ يدركوا ـ لا الذى سوف يكسبونه ـ وإنما ما سوف يخسرونه فى هذه الانتخابات ـ (61) وفى الواقع، فقد وجهت حملة جور نفس هذه الرسالة طوال الأيام القليلة قبل الانتخابات لكل قوى التيار الليبرالى، حيث ظلت تكرر أن التصويت لنادر هو فى الواقع تصويتا ـ لجورج بوش ـ الأمر الذى يعنى أن حملة جور كانت على وعى كامل بحالة التذمر داخل هذا التيار (62) بعبارة أخرى، رغم جهود اللحظة الأخيرة التى بذلها جور، إلا أنه كان واضحا أن حملته ظلت خالية الوفاض من القضايا والمواقف التى يمكن الاعتماد عليها موضوعيا لكسب هذا القطاع المهم من الناخبين ومن ثم لم يكن أمامها سوى التحذير مما سيترتب على فوز بوش بالرئاسة ولأن المرشحين كانا قد ركزا على قطاع محدود للغاية من تيار الوسط، وأخيرا على تجنب إبراز الاختلافات بينها فقد انقسم الوسط على نفسه وكان معنى ذلك أن يحسم تيار اليسار الليبرالى المعركة، إما عبر تصويت احتجاجى لصالح رالف نادر أو عبر إحجام ناخبى هذا التيار عن التصويت أصلا وقد جاءت نتيجة الانتخابات لتؤكد ـ مرة أخرى ـ صحة هذا التحليل من زاويتين أولاهما نسبة الأصوات التى حصل عليها رالف نادر فرغم أنه لم يفلح فى الوصول إلى نسبة ال 5% التى كان يسعى إليها لفرض حزبه فرضا على الساحة فى انتخابات 2004، إلا أن نادر قد حصل على 3% من الأصوات، هى فى الأصل من قوى تنتمى فى غالبيتها العظمى للتيار الليبرالى، وهى النسبة التى كان من الممكن ـ فى ضوء ضيق الهامش بين جور وبوش ـ أن تحسم المعركة لصالح آل جور، بل أن نسبة الأصوات التى حصل عليها رالف نادر فى فلوريدا كانت كفيلة وحدها بحمل جور إلى النصر دون الحاجة إلى المطالبة بفرز الأصوات يدويا، بل وحتى دون انتظار نتيجة فرز أصوات المقيمين بالخارج فقد حصل نادر على 96698 صوت فى الولاية، أى نسبة أعلى من الفارق بين جور وبوش حتى دون احتساب الأصوات الباطلة فى بالم بيتش (19 ألف صوت) أو تلك التى حصل عليها جور نتيجة الفرز اليدوى (والتى لم تزد عن مئات قليلة) (63) أما الزاوية الثانية فهى الدلالة المهمة لهوية الأصوات الباطلة والتى كانت موضوع النزاع فى بالم بيتش وميامى ديد فمن الواضح أن جملة اللحظات الأخيرة التى كثفها جور فى أوساط السود قد أتت ثمارها حيث كانت أغلبية هذه الأصوات من السود خصوصا فى ميامى ديد إلا أنهم كانوا من السود الذين يدلون بأصواتهم للمرة الأولى مما أدى إلى ارتكاب بعضهم لأخطاء أبطلت أصواتهم بينما سمحت قلة خبرة البعض منهم بنجاح محاولات عنصرية فجة استخدمت حيلا مختلفة لمنعهم من التصويت وفى واقع الأمر فإن الأمرين ليسا جديدان فى العملية الانتخابية، إذ عادة ما يواجه الناخب الذى يدلى بصوته للمرة الأولى ـ من كل الأعراق والأجناس ـ صعوبات شديدة، تتكرس فى الواقع عندما تسفر العنصرية المستترة ـ خاصة فى الولايات الجنوبية ـ عن وجهها القبيح، كما حدث هذه المرة وسجلته العديد من المنظمات المدافعة عن حقوق السود ورفعته بالفعل إلى القضاء (64) بعبارة أخرى، فإن أصوات السود التى تم إبطالها كانت هى السبب الرئيسى وراء إصرار فريق جور على ضرورة اتباع معايير أكثر مرونة فى احتساب الأصوات إلا أن المفارقة الجديرة بالتأمل هى أن حملة جور التى لابد أنها استوعبت الدرس جيدا لم تنطق بكلمة واحدة صريحة بشأن ما وقع من انتهاكات لحقوق السود الانتخابية وهى مسألة بالغة الدلالة تكشف عن أزمة حقيقية يعانى منها الحزب الديمقراطى، حزب الدفاع عن حقوق الأقليات تقليديا ومن ثم فلعل النتيجة الأكثر أهمية التى سوف تسفر عنها هذه الانتخابات هى حدوث مراجعة جدية من جانب الحزب لتوجهاته، وهى العملية التى بدأت فعلا بخلافات حادة داخل الحزب تعيد إلى الأذهان حالة الغليان التى شهدها الحزب فى الستينات والسبعينات من القرن العشرين خاتمة:ـ لاشك فى أن المعركة الانتخابية الضارية ـ ثم المعركة القضائية التى لم تقل ضراوة ـ سوف تترك آثارها المباشرة على أداء الإدارة الجديدة بل ونوعية السياسات التى يمكنها تبنيها على الأقل طوال العامين القادمين وحتى إجراء الانتخابات التشريعية فى نوفمبر 2002 ولعل أولى التحديات التى تفرضها ملابسات الأزمة الانتخابية هو ما أسفرت عنه من استنزاف 36 يوما ثمينا من هذه الفترة الانتقالية والتى تبدأ منذ إعلان نتيجة الانتخابات رسميا وحتى تنصيب الرئيس فى العشرين من يناير التالى وعلى الرغم من أن الكثيرين من الباحثين والمراقبين لا يولون اعتبارا يذكر لتلك الفترة الانتقالية إلا أنها فى الواقع بالغة الأهمية، إذ تؤثر تفاعلاتها على أداء الإدارة برمته لفترة طويلة تالية فالرئيس الجديد ـ عليه يوم تنصيبه ـ أن يكون قد استعد استعدادا كاملا لبدء العمل فورا ويعتبر عامل التوقيت من أهم العوامل التى تلعب دورا محوريا فى إعطاء الرئيس دفعة قوية للأمام فى الشهور الأولى من حكمه وقد وصف أحد الباحثين أهمية هذا العامل بقوله أن على الرئيس أن ـ يلمس الأرض وهو يجرى ـ (65) فالرئيس يلمس الأرض يوم تنصيبه بعد سباق انتخابى كان فيه يجرى على مدى شهور طويلة، وعليه بعد إعلان فوزه لا أن يقف لالتقاط الأنفاس ولا حتى أن يمشى بعد هذا المشوار الطويل، وإنما عليه أن يظل يجرى بقوة الدفع حتى يلمس الأرض يوم تنصيبه وهو يجرى، ذلك لأن التباطؤ قد يضيع عليه فرصة ذهبية هى فرصة الشهور الأولى من حكمه التى تعرف باسم شهر العسل والمقصود بذلك أن الرئيس يكون فى تلك المرحلة فى أعلى مراحل شعبيته بموجب فوزه فى الانتخابات ومن ثم يمنحه الرأى العام والإعلام بل والكونجرس حرية حركة تسمح له بإنجاز أمور لا يمكنه فى الواقع إنجازها إذا ضاعت عليه هذه الفترة أما المطلوب أن يكون الرئيس مستعدا به فهو ليس فقط اختيار من يتولوا المناصب الوزارية الهامة بل وأيضا اختيار فريق العمل بالبيت الأبيض فضلا عن إعداد أجندته السياسية وترتيبها من حيث الأولويات ويكون للتباطؤ فى الانتهاء من أى تلك المهام أثره السلبى على أداء الإدارة فعلى سبيل المثال أدى التأخير المستمر الذى عانت منه إدارة كلينتون الأولى فى الانتهاء من اختيار أصحاب المناصب المختلفة إلى تعقيد العلاقة بالكونجرس الذى كان أعضاؤه لا يجدون فى الوزارات المختلفة من يرد على تساؤلاتهم واستفساراتهم بشأن مشروعات القوانين الهامة بالنسبة للرئيس (66) ولا يقل أهمية عن ذلك مسألة إعداد الرئيس لأجندته خصوصا الشق التشريعى منها فالرئيس المنتخب يخرج من الانتخابات وقد قطع على نفسه عددا من التعهدات التى يكون عليه بمجرد فوزه، ليس فقط صياغتها فى شكل مشروعات قوانين، وإنما ترتيبها من حيث أولويتها لديه، لأنه إذا لم يفعل فإنه يترك فراغا سياسيا يملأه الكونجرس على الفور بدلا من الرئيس، الأمر الذى يجعل الرئيس أقل قدرة على ممارسة نفوذه على المؤسسة التشريعية وقد عانى الرئيس كارتر من هذه المسألة كثيرا، فرغم أنه كان من أكثر الرؤساء الأمريكيين استعدادا لحظة تنصيبهم حيث لمس الأرض فعلا وهو يجرى إلا أنه قدم للكونجرس أجندة حافلة بالمشروعات دون تحديد واضح للأولويات، الأمر الذى يخلق نوعا من الفوضى (67) فالكونجرس مؤسسة تتسم بدرجة عالية من اللامركزية فى صنع القرار فإذا ما تولت صناعة الأجندة يحدث تشتت واضح فى العمل التشريعى إذ يركز كل فريق داخله على أولوياته مادام الرئيس لم يحدد الأولويات بنفسه لكل ذلك، يصبح التحدى الأول الذى يواجهه جورج بوش هو تعويض الأيام الثمينة التى ضاعت فى فرز الأصوات ولا يبدو حتى كتابة هذه السطور أن الرئيس المنتخب قد بدأ فعلا فى تحديد أولويات أجندته التشريعية إذ لا يزال يعكف على تشكيل إدارته غير أن تحديد بوش لأجندته السياسية يمثل فى حد ذاته تحديا إضافيا، فسوف يتولى هذا الرئيس الحكم فى لحظة تشهد فيها البلاد انقساما حادا عبر عن نفسه فى الانتخابات، بل أسفرت هذه الأخيرة عن حدوث استقطاب حزبى شديد يضع سقفا محددا للممكن والمستحيل صحيح أن الرئيس الجديد سوف يتقاسم الحكم مع كونجرس تنتمى أغلبيته لنفس حزبه إلا أن هذا الكونجرس بمجلسيه يعانى من انقسام واضح حيث لا تتعدى أغلبية الجمهوريين فى مجلس النواب خمسة مقاعد، بينما انقسم مجلس الشيوخ بالتساوى بين الحزبين (50 ـ ـ 50) أما بالنسبة لمجلس الشيوخ فإن هذا الانقسام بالتساوى إنما يجعل تمرير أى مشروع قانون مسألة أقرب إلى المستحيل ما لم ينجح الرئيس فى كسب أنصار من الحزب الديمقراطى فنظرا لطبيعة القواعد المعمول بها فى مجلس الشيوخ فإن الكثير من الإجراءات يتم تمريرها بأغلبية 60 عضوا لا الأغلبية البسيطة، بل أن بعض الإجراءات تتم عبر ما يسمى باتفاق الموافقة بالإجماع Unanimous ـ Consent والذى يعنى أن معارضة عضو واحد تقتل ما يوافق عليه 99 عضوا بعبارة أخرى، فإن كون ديك تشينى سيتولى الإدلاء بالصوت المرجح إذا انقسم المجلس بالتساوى (لأن نائب الرئيس دستوريا هو رئيس مجلس الشيوخ) لا يعنى الكثير فى واقع الأمر ما لم ينجح الرئيس الجديد فى استمالة عدد من الأعضاء الديمقراطيين بعبارة أخرى فإن الخيار الوحيد أمام جورج بوش لإنجاز شىء يذكر إنما يتمثل فى أن يحكم فعلا كمحافظ ذو وجه إنسانى أى من الوسط وذلك عبر تشكيل ائتلاف تشريعى يتكون من الجمهوريين المعتدلين، بالإضافة إلى المنتمين لتيار اليمين فى الحزب الديمقراطى، وهو نفس الائتلاف الذى نجح ريجان فى تشكيله واستطاع من خلاله تمرير معظم مشروعاته الرئيسية إلا أن نجاح بوش فى ذلك مرهون فى الواقع بقدرته على التعامل مع تيار اليمين الجمهورى فى مجلس النواب فلما كان أى مشروع قانون يستلزم موافقة المجلسين معا قبل توقيع الرئيس فإن ما يصدر عن ائتلاف الوسط فى مجلس الشيوخ قد يواجه عقبات كبرى فى مجلس النواب بسبب تيار اليمين الجمهورى بقيادة توم دى لاى فرغم أن الأخير يأتى فى المركز الثالث فى سلم الزعامة الجمهورية داخل مجلس النواب (بعد رئيس المجلس وزعيم الأغلبية) إلا أنه فى الواقع يمارس نفوذا ضخما كزعيم لتيار اليمين، هذا التيار الذى انتظر ثمان سنوات حتى يصبح هناك جمهوريون فى البيت الأبيض يمكنهم من تمرير التشريعات التى وقف كلينتون ضدها ومن ثم فإن هذا التيار قد لا يسمح لبوش بانتهاج سياسة وسطية وتوجد بالفعل مؤشرات تدل على بوادر حدوث صدام بين بوش وهذا التيار فقد دخل دى لاى فى معارك كلامية مع بوش أثناء الحملة الانتخابية بل وبمجرد إعلان فوز بوش أدلى دى لاى بتصريحات عديدة مفادها أن تولى بوش الرئاسة هو الفرصة الذهبية لتنفيذ كل ـ أجندة العقد مع أمريكا ـ فهى قمة صعود ـ ثورة الجمهوريين ـ (68) ولا يقل أهمية عن علاقة بوش بتيار اليمين، الموقف الذى سوف يتخذه زعماء الأقلية فى المجلسين، فقد لعب ديك جيبارد زعيم الأقلية فى مجلس النواب دور الصخرة التى تتحطم عندها مشروعات الجمهوريين طوال العامين القادمين وستظل توجهاته ذات أثر كبير خاصة وهو يدير مهامه وعينه على منصب الرئاسة فى عام 2004 ولا يقل أهمية عن ذلك النهج الذى سيختاره زعيم الأقلية فى مجلس الشيوخ توم راشل الذى كان قد أعلن صراحة أنه يريد دورا أكبر لحزبه فى إدارة المجلس بموجب انقسام المقاعد بالتساوى بين الحزبين بعبارة أخرى، فإن المعيار الحقيقى لنجاح الرئيس الجديد إنما يتوقف على قدرته على تفكيك حالة الاستقطاب السياسى التى تشهدها واشنطن منذ بداية عقد التسعينات والتى زادت من عمقها مجريات الأحداث بعد الانتخابات، ذلك لأن الفشل فى إيجاد حد أدنى من الاتفاق سوف يجعل كل سياسات الرئيس الجديد داخليا وخارجيا رهينة الصراع الحزبى، فكون الرئيس والأغلبية فى الكونجرس ينتميان لنفس الحزب لا تعنى الكثير فى النظام الأمريكى، إذ لا يوجد ما يلزم الأعضاء بمناصرة الرئيس خصوصا إذا كان هذا الرئيس قد فاز بمنصبه بعد أن صوت ضده نصف الناخبين كما هو الحال مع جورج بوش هوامش:ـ ـ 1 ـ Eileen McNamara, Cast Needs Character, Boston Globe, Nov 12, 2000 ـ 2 ـ James Q Wilson And John Dululio Jr, American Government, The Essentials, (Boston:ـ Houghton Mifflin Press, ـ 1998) , P 29 ـ 3 ـ Ibid, P 58 ـ 4 ـ Kathleen Sullivan, The Balance Of Power, In:ـ Alan Brinkley, Nelson Polsby And Kathleen Sullivan, Eds, The New ـ Federalist Papers, (New York:ـ WW Norton And Co, 1997) , Pp 111 ـ 121 ـ 5 ـ Ibid ـ 6 ـ Alexander Hamilton, James Madison And John Jay, The Federalist Papers, (New York:ـ Mentor Books, 1999) , P ـ 149 ـ 7 ـ Kenneth Janda, Jeffrey M Berry And Jerry Goldman, The Challenge Of Democracy, Government In America, (Boston:ـ ـ Houghton Mifflin Co, 1992) , Pp 79 ـ 81 ـ 8 ـ James Q Wilson, OP CIT, P144 ـ 9 ـ Kenneth Janda, Op Cit, P 320 ـ 10 ـ Gitelson Dudley Bubnick, American Government (Boston:ـ Houghton Mifflin Press, 1996) , P 213 ـ 11 ـ Kathleen Sullivan, The Contemporary Relevance Of The Federalist Papers, In:ـ Alan Brinkley, Op Cit, Pp 7 ـ 14 ـ 12 ـ Lawrence Tribe, Let The Courts Decide, New York Times, Dec 12, 2000 ـ 13 ـ John Fanell, What Are The Justices Deciding?, International Herald Tribune, Nov 22, 2000 ـ 14 ـ Herald Tribune, Nov, 11/12, 2000 ـ 15 ـ Ibid ـ (*) اتبعت الباحثة فى هذا الجزء أسلوب التسلسل الزمنى للأحداث، لأنه وحده الذى يوضح كيف تصاعدت الأزمة حتى صارت بيد المحكمة الفيدرالية العليا ومن ثم فإن ما قد يبدو أحيانا وكأنه لا علاقة للحدث بما يأتى بعده إنما هو ناتج عن أن طرفى النزاع كانا يتحركان فى كل تلك الاتجاهات فى نفس الوقت ـ 16 ـ The Boston Globe Online, WwwBostonCom/News/Politics/Campaign 2000/Vote/Florida Extension ـ Html/13/11/2000, ـ Accessed On Nov, 13, 2000 ـ 17 ـ New York Times On Time, Http:ـ /WwwBostonCom/News/Politics/Campaign 2000/Vote/Florida ـ Extension ـ Html, ـ Accessed:ـ Nov 14, 2000 ـ 18 ـ Maureen Dowd, The Unelection Day, New York Times Online, Http:ـ //WwwNytimesCom/2000/11/09/Opinion/09/DOWDHtml, ـ Accessed:ـ Nov 12, 2000 ـ 19 ـ Bill Carter, Calling The Presidential Race, And Cousin, George W, New York Times Online:ـ ـ WwwNytimesCom/2000/11/14/Politics/14 FOX Html Accessed Nov 14, 2000 ـ 20 ـ Http:ـ //Www Nytimes Com/A Ponline/Politics/12 WIRE ـ PALM Html, Accessed:ـ Nov 12, 2000 ـ 21 ـ Charles Lane, Florida Has Precedents On Election ـ But Not On What To Do Next, International Herlad Tribune, ـ Nov, 11 ـ 12, 2000 ـ 22 ـ Ibid تابع الهوامش:ـ ـ 23 ـ Ron Fournier, Ballot Count Continues Amid Flurry Of Lawsuits, Boston Globe On Line, Http:ـ ـ //WwwBostonCom/News/Politics/Campaign 2000/Vote/Florida ـ ExtensionHtmlAccessed:ـ Nov 14, 2000 ـ 24 ـ William Safire, Bush Goes To Court, New York Times Online, Http:ـ //WwwNytimesCom/2000/11/13/Opinion/13 SAFI ـ Html Accessed Nov 14, 2000 ـ 25 ـ Todd S Purdum & David Firestone, Judge To Rule On Recount Deadline, Palm Beach Delays Manual Recount, New York ـ Times Online:ـ WwwNytimesCom/2000/11/14/Politics/14CND ELEC Html Accessed, Nov 14, 2000 ـ 26 ـ Ibid ـ 27 ـ WwwNytimesCom/2000/11/15/Opinion/15 WED 1Html Accessed Nov 15, 2000 ـ 28 ـ Michael Cooper, Florida Official Has Dual Roles In Maelstom, New York Times Online, ـ WwwNytimesCom/2000/11/14/Politics/14 HARRIS Html Accessed:ـ Nov 14, 2000 ـ 29 ـ David Shribman, Crucial Role For The Judiciary, Boston Globe Online, WwwBostonCom/News/Politics Campaign ـ Ews/Crucial Role For The Judiciary Html Accessed Nov 26, 2000 ـ 30 ـ Meg Vaillancourt, Chad Ruling Could Determine Election Boston Globe Oline WwwBostonCom/News/Politics/Camp Ad ـ ـ Ruling ـ Could ـ Determine ـ Election+ Shtml, Accessed Nov 26, 2000 ـ 31 ـ Washington Times Online, WwwWashtimesCom/Op ـ Ed/House ـ 2000//20/8 34HtmlAccessed, Nov 26, 2000 ـ 32 ـ Michael Moss & Ford Fessenden, GOP Played Role In Absentee Vote, New York Times Online, ـ WwwNytimesCom/2000/11/14/Politics/1SEMIHtmlAccessed:ـ Nov 14, 2000 ـ 33 ـ Linda Deutsch, Bush Appeals To US Supreme Court, Boston Globe Online, WwwBostonCom/Campaign 2000/Recount ـ ـ LegalHtml, Accessed Nov 26, 2000 ـ 34 ـ Ibid ـ 35 ـ Anthony Lewis, Playing With Fire, New York Times Online, WwwNytimesCom/2000/11/25 LEWI Html Accessed, Nov 30, ـ 2000 ـ 36 ـ Cass R Sun stein, The Broad Virtue In A Modest Ruling, New York Times Online, ـ WwwNytimesCom/2000/12/05/Opinion/05/SUNS Html Accessed Dec 5, 2000 ـ 37 ـ Anthony Lewis, Through A Glass Darkly, New York Times Online, WwwNytimesCom/2000/12/02/Opinion/02 LEWI Html, ـ Accessed Dec 5, 2000 ـ 38 ـ Washington Post Online, WwwWashingtonpostCom/C2/Wp ـ Dyn/A 16046 ـ 2000, Dec 2, Accessed, Dec 3, 2000 ـ 39 ـ Dan Balz, Divided US Supreme Court Orders Freeze On Fla Count, Washington Post Online, Www Washington ـ PostCom/Ac2/Wp ـ Dyn/A49421 ـ 2000 Dec 9, Accessed On Dec 10, 2000 ـ 40 ـ Anthony Lewis, Fair & Square, New York Times Online, WwwNytimesCom/2000/12/9/Opinion/09 LEWI Html, Accessed:ـ ـ Dec 10, 2000 تابع الهوامش:ـ ـ 41 ـ Jo Becker & Thomas B Esdall, Recount Halt Ends Florida Rush To Pick GOP Electoro, Washington Post Online, Www ـ Washington post Com/Ac2/Wp ـ Dyn/A49511 ـ 2000 , Dec 9, Accessed Dec 10, 2000 ـ 42 ـ Www Washington post Com/Ac 2/Wp ـ Dyn/A4398 ـ 2000 Dec 9, Accessed Dec 10, 2000 ـ 43 ـ Ibid ـ 44 ـ EJ Dionne Jr So Much For States ـ Rights, Washington Post Online, Http:ـ //Washington postCom/Ac2/Wp ـ ـ Dyn/A3468 ـ 2000 Dec 13 Accessed Dec 14, 2000 ـ 45 ـ Neal Kumar Katyal, Politics Over Principle, Washington Post Online, Http:ـ //Washington postCom/Wp ـ Dyn/A3483 ـ ـ 2000 Dec 13, Accessed Dec 14, 2000 ـ 46 ـ EJ Dionne JR, So Much For States ـ Rights, Op Cit, Accessed Dec 14, 2000 ـ 47 ـ Daniel M Shea, The Passing Of Realignment And The Advent Of The ـ Base ـ Less ـ Party System, American ـ Political Science Quarterly, Vol 27, No 1, January 1999, Pp 35 ـ 57 ـ 48 ـ Kevin Sack, Party Postmortem:ـ Damage Control Is Focus Of Centrust Republicans, Herald Tribune, Feb 16, 1999 ـ 49 ـ David Stoesz, Small Change, Domestic Policy Under The Clinton Presidency (USA:ـ Long man Publishers, 1996) , ـ Pp 197 ـ 221 ـ 50 ـ Juliet Eilperin, Delay Sees Opportunity Of A Lifetime For Republicans, Washington Post, Dec 7, 2000, P A23 ـ 51 ـ Ibid ـ 52 ـ Richard Berke, Bush Still Facing The Mccain Hazard, Herald Tribune, March 11/12, 2000 ـ 53 ـ Thomas Esdall, Bush Keeps Republican Abortion Plank, Herald Tribune, July 3, 2000 ـ 54 ـ Charles Baking ton, Bush Keeps House GOP At Arms Length, Washington Post Online, Http:ـ //Www Washington Post ـ Com/Wp ـ Dyn/Articles/A41553 ـ 2000 Oct 30 Htm/Accessed Nov, 2, 2000 ـ 55 ـ Richard Berke, Bradley ـ s Sudden Emergence Unsettles Republicans, Herald Tribune, Sept 20, 1999 ـ 56 ـ David Von Drehle, Democrats (Obl & New) Invoke Roots And Look To Future, Herald Tribune, August 17, 2000 ـ 57 ـ Http:ـ //WwwCnnCom/2000/All Politics/Stories/09/25/CampaignUrop/IndexHtml,Accessed Sept 26, 2000 ـ 58 ـ Richard Berke, Narrow Casting For The Undecideds, New York Times Online, Http:ـ ـ //WwwNytimesCom/2000/10/22/Weekinreview/22 BERK Html, Accessed Oct 24, 2000 ـ 59 ـ Ibid ـ 60 ـ Maria Hinojosa, Democrats Fear Low Turnout Among African Americans, CNN Online, Http:ـ //WwwCnnCom/2000/All ـ Politics/Stories/10/11/Black Vote, Accessed Oct 11, 2000 ـ 61 ـ Glen Johnson & Yvonne Abraham For Gore, Win Riding On Black Turnout, Boston Globe Online:ـ Http:ـ Www:ـ ـ Boston Com/News/Politics/Campaign 2000/News/For Gore Win Riding, Accessed Oct 24, 2000 تابع الهوامش:ـ ـ 62 ـ Http:ـ //WwwBostonCom/News/Politics/Campaign 2000/News/Nader Forcing Gore Into Costly, Accessed Oct 24, 2000 ـ 63 ـ Evan Gahr, Nader Vs The Dems, Washington Times Online, Http:ـ //Www Wash times Com/Op ـ Ed ـ Column ـ ـ 2000//10185142, HTM, Accessed Nov 15, 2000 ـ 64 ـ William Raspberry Joo Many Voters Turned Away, The Washington Post, Dec 4th, 2000, p A27 ـ 65 ـ James Pfiffner, The Strategic Presidency, Hitting the Ground Running, (Kansas:ـ The University Press of ـ Kansas, 1996) , p 150 ـ 66 ـ Jon Healey, As Administration Fills its Slots, Congress Plays Waiting Game, Congressional Quarterly Weekly ـ Report, Vol 52, No 18, May 1st, 1993, pp 1059 ـ 1061 ـ 67 ـ James Pfiffner, op cit, p 130 ـ 68 ـ Edward Walsh, Despite Successes, Republicans Face Hurdles, Washington Post Online, http:ـ //www Washington Post ـ com/ac2/wp ـ dyn/A8897 ـ 2000 Dec 14? Accessed Dec 16, 2000