Share |
ابريل 2003
1
الحرب الأمريكية على العراق - تحليل شامل : مستقبل العراق : مهمات إعادة البناء السياسى والمؤسسى
المصدر: السياسة الدولية

وأخيرا وقعت الحرب التى طال بشأنها الجدل ولم يتوقف بل من المرجح أن يستمر بسبب طابع الاستقطاب الحاد الذي يحوطها على المستوى الدولى وبسبب الظرف التاريخى الاستثنائى الذى تقع فيه حيث تسعى الإدارة الأمريكية الحالية إلى انفراد الولايات المتحدة بقيادة العالم بينما تصارع القوى الرئيسية الأخرى فى العالم من أجل الاحتفاظ بمواقعها وبالامتيازات التى حصلت عليها منذ تأسس النظام العالمى الحالى بعد الحرب العالمية الثانية وقد تحول احتمال تعرض العراق لغزو عسكرى من الخارج بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية إلى حقيقة واقعة بسبب مراوغات الرئيس العراقى صدام حسين وإصرار القيادة السياسية اليمينية العسكرية فى الولايات المتحدة على وضع حد لهذه المراوغات التى تمثل من وجهة نظر واشنطن تهديدا للأمن القومى الأمريكى وتهديدا للسلم العالمى وعلى الرغم من أن القوى الرافضة للحرب تبدو أوسع نطاقا كل يوم إلا أننا يجب أن ندرك أن هذه القوى ليست من طبيعة واحدة فهذه القوى ليست تيارا واحدا وإنما تنقسم من حيث مصدرها إلى تيارين رئيسيين لتيار الأول هو الذى يؤكد على ضرورة التزام الولايات المتحدة فى أى عمل عسكرى تقوم به فى العراق على الشرعية الدولية وهو ما يعنى ضرورة الحصول على تفويض صريح من مجلس الأمن بشن حرب ضد العراق ويضم هذا التيار حكومات وقيادات سياسية فى بلدان مثل فرنسا وألمانيا وروسيا والصين كما يضم منظمات شعبية وهيئات غير حكومية فى أوروبا والولايات المتحدة على السواء من أهمها المجالس الكنسية وتجمعات المثقفين الليبراليين إلى جانب بعض القوى والشخصيات السياسية خارج السلطة مثل قيادة حزب الأحرار الديمقراطيين فى بريطانيا والذ وجه زعيمه تشارلز كيندى خلال المؤتمر الأخير للحزب اتهاما صريحا إلى الولايات المتحدة بأنها تحاول فرض الهيمنة الإمبريالية على العالم وهناك أيضا نخبة من قيادات حزب العمال البريطانى الحاكم ومن قيادات وزارة الخارجية الأمريكية تسير فى نفس الاتجاه وقد عارضت هذه القوى شن الحرب على العراق بدون تفويض دولى حتى النهاية لكنها فشلت وكان أبرز مظاهر الاحتجاج مسيرة المليونين فى لندن فى منتصف فبراير ثم استقالة روبين كوك زعيم الأغلبية العمالية فى مجلس العموم البريطانى وعدد من الوزراء المساعدين فى بريطانيا ولكن بعد أن وقعت الحرب بالفعل سيحاول هذا التيار اكتشاف السبل الكفيلة بتقليل حجم الخسائر السياسية الناجمة عنها خصوصا على صعيد العلاقات الأوروبية الأمريكية أما التيار الثانى فإنه يتألف أساسا من الجماعات الإسلامية المتطرفة فى الغرب وفى العالم الإسلامى وجماعات مناهضة العولمة والجماعات اليسارية التى تتركز حركتها على منطلقات العداء للولايات المتحدة ومن ثم فهى تقرر مواقفها السياسية فى عكس الاتجاه الذى تسير فيه السياسة الأمريكية بصرف النظر عما إذا كانت هذه السياسة خاطئة أم صائبة وهذا التيار سيواصل معارضته للحرب فى أشكال مختلفة من أهمها المظاهرات ضد التدخل العسكرى الأمريكى البريطانى فى العراق أو إرسال متطوعين للقتال فى صفوف قوات صدام حسين أو التطوع للسفر إلى العراق لممارسة دور الدروع البشرية للمشاركة فى حماية المنشآت الحيوية العراقية فى مواجهة هجمات الحلفاء وينضم إلى هذا التيار أيضا القوى والجماعات السياسية التى فقدت مراكزها فى السلطة بسبب التدخل الأمريكى خصوصا فى منطقة البلقان وتنبع خطورة هذه القوى من خبراتها فى العمليات القتالية فى المدن ومن علاقاتها الواسعة النطاق بسوق السلاح السوداء والتى قد تزدهر كثيرا فى منطقة الشرق الأوسط من جديد إلى مستويات لم تصلها منذ نهاية الحرب الأهلية فى لبنان إذا استمرت العمليات العسكرية فى العراق لمدة طويلة وإذا تحولت المواجهة إلى أقرب ما يكون إلى حروب المدن منها إلى الحروب النظامية ومن الطبيعى أن تصبح المصالح الأمريكية والبريطانية فى الخارج عرضة للخطر أكثر من أى وقت مضى من جانب أنصار هذا التيار وستغذى هذه المظاهر كلها أو بعضها موارد القوة التى يحتاج إليها صدام حسين فى مواجهة شعبه وأمام العالم فى الظروف الراهنة شرعية الحرب والنظام الدولى: هذا التمييز بين المصادر والتيارات التى تغذى القوى المعارضة لشن حرب أمريكية ضد العراق مهم جدا حتى لا نبالغ فى تقدير قوة وفاعلية هذه القوى على المسرح الفعلى للأحداث ونظرا إلى أن خريطة المصالح والتحالفات فى العالم تتعرض لتغيرات عميقة منذ انهيار حلف وارسو(الحلف العسكرى للدول الاشتراكية)وهى التغيرات التى لم تنته بعد ولا تزال جارية فقد تغيرت الإستراتيجية العسكرية لحلف شمال الأطلنطى الذى تقوده الولايات المتحدة وبدأ هذا التغيير الذى حظى بموافقة دول الحلف ومنها فرنسا بتبنى مبدأ عسكريا وسياسيا جديدا يقضى بأن تمارس القوات العسكرية للحلف دورا فى حل النزاعات خارج حدود الحلف out of ـ area conflict وساعد على توسيع نطاق هذا التغيير تبنى الولايات المتحدة وحلفائها لمبدأ التدخل الدولى فى داخل حدود الدول المستقلة لأسباب سياسية أو إنسانية أو تحت أى شعارات أو مبررات تتبناها دول حلف شمال الأطلنطى وبدون شرط الحصول على موافقة الأمم المتحدة ومن التطبيقات المعروفة لهذا المبدأ التدخل فى منطقة البلقان وأفغانستان إلى جانب عمليات التدخل فى أفريقيا تحت غطاء قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة والتى كانت تخضع من الناحية العملية للقيادة العسكرية لحلف الأطلنطى وقد ارتبط هذا التدخل فى معظم الأحيان بتغيير الأنظمة السياسية أو إعادة رسم الحدود السياسية للدول التى خضعت للتدخل أو كليهما ومن ثم فإن مصطلح تغيير النظم ليس غريبا على مجموعة التطورات التى وقعت على خريطة العلاقات الدولية خلال السنوات العشر الأخيرة وهناك قيود ومحددات تحكم حركة الدول الغربية التى تعارض التدخل العسكرى الأمريكى البريطانى فى العراق ومن المهم الإشارة هنا إلى أن الخلافات بشأن الدور العسكرى للولايات المتحدة ليست جديدة فأوروبا الغربية(خصوصا فرنسا وألمانيا)كانت تعارض التدخل الأمريكى فى منطقة البلقان من منطلق أن هذه منطقة أوروبية يجب حل النزاعات فيها بأساليب أوروبية وخلال فترة الخلاف أشار الأوروبيون دوما إلى فشل الحرب الأمريكية فى فيتنام وأعربوا عن حرصهم على عدم ارتكاب الخطأ نفسه فى أوروبا وكانت النتيجة أن وقفت الولايات المتحدة موقف المتفرج حتى وصلت نزاعات البلقان إلى الحد الذى عجزت فيه أوروبا عن فرض حل لها ولم يعد أمامها إلا استدعاء القوة الأمريكية العسكرية والديبلوماسية وهذه الخلافات بشأن الدور العسكرى الأمريكى هى نتيجة منطقية للتبدلات التى حدثت فى صراعات القوة فى العالم وتحرك خطوط الصراع من صراع بين قطبين(الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتى)إلى تنافس على النفوذ وإعادة رسم خريطة العالم بين الدول المنتصرة وبعضها البعض(أى بين دول حلف الأطلنطى نفسها)ومن ثم فإنه من الضرورى عدم الخطأ فى قراءة الخلافات بين دول التحالف الغربى التى خرجت منتصرة من الحرب الباردة ضد المعسكر الاشتراكى(ما حدث قد يعيدنا إلى نمط من العلاقات الدولية قريب من ذلك الذى ساد قبل الحرب العالمية الأولى وليس ذلك الذى شهدناه فى أعقاب الحرب العالمية الثانية) ومن المرجح أن تساهم نتيجة الحرب فى رسم صورة المستقبل للنظام العالمى وليس فقط للنظام السياسى فى العراق وربما تكون نتيجة هذه الحرب هى العامل الحاسم الذى يفصل بين اتجاهين متعارضين لتوازنات القوة فى عالم ما بعد الحرب الباردة الأول هو إرساء أسس نظام عالمى أحادى القطبية mono ـ polar system تسود فيه الولايات المتحدة كما سادت من قبل قوى وحيدة مثل الإمبراطورية الرومانية والإمبراطورية العثمانية والثانى هو إرساء أسس نظام عالمى متعدد الأقطاب multi ـ polar system تشارك فيه الولايات المتحدة بنصيب عادل جنبا إلى جنب مع القوى الأخرى التى اقتسمت فيما بينها حق اتخاذ القرار الحاسم فى النظام الدولى من خلال الاستحواذ لنفسها على حق النقض فى مجلس الأمن الدولى فنتيجة الحرب أكبر كثيرا من صدام حسين وأكبر كثيرا من العراق وحقيقة أن الإدارة الأمريكية الحالية لم تكن ترى منذ البداية حاجة إلى الذهاب لمجلس الأمن ثم حقيقة أنها شرعت بالفعل فى شن الحرب وسط معارضة عالمية قوية على المستويين الحكومى والشعبى تشير إلى إحساس الإدارة الأمريكية بأنها تملك من مقومات القوة ما يساعدها على أن تمضى قدما فى خطط الحرب ولو بمفردها وهذا عامل مهم يجرى حاليا اختبار نتائجه وفى المقابل فإن حقيقة أن القوى المعارضة للحرب وعلى رأسها فرنسا سعت بإصرار إلى إلزام الولايات المتحدة بالتحرك فقط وفقا لقرارات مجلس الأمن وفشلها فى إقناع الإدارة الأمريكية بذلك ثم فشلها فى تقديم أى بديل من شأنه أن يوقف التدخل العسكرى الأمريكى تشير إلى عجز فرنسا والقوى المعارضة للحرب عن امتلاك مقومات القوة اللازمة لمساندة وتحقيق سياستها الخارجية وستقرر الشهور التالية للحرب ما إذا كان هذا العجز هيكليا أم مؤقتا وهو ما سيساهم فى رسم صورة عن أهلية هذه القوى فى فرض نظام عالمى جديد متعدد الأقطاب والمشاركة فيه مع الولايات المتحدة الأمريكية ومن الناحية العملية فإن نتيجة الحرب سترسم أيضا حدود الدور الذى ستقوم به الأمم المتحدة والقوى الرئيسية فى العالم خارج الولايات المتحدة وبريطانيا فى عملية إعادة بناء العراق سياسيا واقتصاديا واجتماعيا فالولايات المتحدة التى تدفع بما يقرب من ربع مليون جندى إلى الحرب فى العراق وتتحمل العبء الأكبر من التكلفة البشرية والاقتصادية لن تسمح للآخرين بالتدخل فى عملية رسم الخطوط الأساسية لمستقبل العراق وإن كانت لا تمانع كما قال وزير الخارجية الأمريكى كولن باول فى شهادة أمام لجنة فرعية بمجلس النواب(26 مارس 2003)فى أن يكون للأمم المتحدة دور فى عملية إعادة بناء العراق هدف الحرب يحدد شكلها: المبرر المعلن للحملة العسكرية الأمريكية/البريطانية ضد العراق هو ضمان نزع أسلحة الدمار الشامل ليس لأن العراق يمتلك أسلحة كيماوية وبيولوجية(فهناك دول أخرى تمتلكها)وإنما لأن العراق استخدم هذه الأسلحة بالفعل(ضد شعبه وضد جيرانه) ـ مخالفا بذلك القانون الدولى وقواعد السلوك المتعارف عليه بين الدول التى تنتمى إلى نادى أسلحة الدمار الشامل وتمضى المبررات الأمريكية قائلة إن النظام الحاكم فى العراق لم يكتف باستخدام هذه الأسلحة ضد الأكراد وضد إيران وفى الحرب الكويتية وإنما لا يزال يهدد باستخدامها وهو ما يعنى أن الحصار الاقتصادى والعقوبات الدولية المفروضة على صدام حسين ليست كافية لإقناعه بالعدول عن سياساته العدوانية وهو الأمر الذى تعتبره الإدارة الأمريكية تهديدا للسلم العالمى وعلى ذلك فإن الهدف من التدخل العسكرى فى العراق هو اقتلاع هذا التهديد ووضع الضمانات لعدم تجدده مرة أخرى فى الأجل المنظور ومن أجل اقتلاع هذا التهديد يجب اقتلاع صدام حسين ونظامه من العراق ليس ذلك فقط وإنما السعى لإقامة نظام جديد وهو ما أتضح من خطاب الرئيس الأمريكى جورج دبليو بوش إلى الشعب الأمريكى(7 أكتوبر 2002)والذى قال فيه إذا كانت هناك ضرورة للعمل العسكرى فإن الولايات المتحدة وحلفاءها سيساعدون الشعب العراقى على إعادة بناء اقتصاده وخلق مؤسسات للحرية فى عراق موحد يعيش فى سلام مع جيرانه وطبقا لقانون تحرير العراق الذى |أصدره الكونجرس الأمريكى فى عام 1998 فإن تغيير الحكم فى العراق هو أحد أولويات السياسة الخارجية الأمريكية منذ ذلك التاريخ غير أن الإدارة لم تصبح جادة فى السعى لإزاحة صدام إلا بعد أحداث 11 سبتمبر وهذه الحرب التى تشنها حاليا قوات التحالف يختلف هدفها بالتالى عما كان عليه الحال فى الحرب السابقة التى شنتها قوات الحلفاء فى يناير ـ 1991 لتحرير الكويت من الغزو العراقى ففى الحرب السابقة كان الهدف هو تدمير القوات العراقية فى الكويت وطردها إلى داخل الحدود العراقية وتضمن ذلك الهدف تدمير خطوط إمدادات القوات العراقية وإمكانات العراق الهجومية هذه المرة الهدف هو إقامة نظام جديد فى العراق يقبل بتدمير أسلحة الدمار الشامل التى يمتلكها صدام حسين ويكف عن تطويرها ويشرع فى إجراء تحولات سياسية لإرساء نظام جديد ديمقراطى يعيد الأمان إلى الشعب العراقى ويعيد الاستقرار إلى العراق ويضمن سيادته ووحدة أراضيه ويساهم فى توفير الأمن لجيرانه خصوصا لدول الخليج أهم مصادر إمدادات النفط فى العالم يبدو أن المعارك العسكرية الاستراتيجية فى العراق قاربت على الانتهاء بالفعل قبل المدة التى كانت القيادة العسكرية لقوات التحالف قدرتها وهى ستة أسابيع ففى نهاية الأسبوع الأول اعتقد الكثير منا أن الحرب يمكن أن تطول غير أن هذا الاعتقاد كان خاطئا لسبب بسيط وهو أن قوات التحالف كانت تحارب قوات صدام حسين ولم تكن تحارب العراق وعلى ذلك فإن الشعب العراقى كان ضحية لا حول لها ولا قوة ورغم أن قيادة القوات الحليفة كانت قد وضعت استراتيجيتها على أساس استخدام أقل قدر من القوة وتجنب الخسائر البشرية وحصرها فى أدنى حد ممكن فإن مؤشرات الأداء العسكرى خلال الأسبوع الأول من الحرب تشير إلى أن هذه الإستراتيجية ستتراجع لصالح تحقيق أهداف الحرب العسكرية بأى ثمن وطبقا لخبراء وزارة الدفاع الأمريكية فإن الحرب الراهنة تعتمد على تضافر ثلاثة عناصر أساسية هى السرعة الفائقة والتكنولوجيا العالية والحرب النفسية وبالتالى فإن ما يميز الحرب ليس اعتمادها على أسلحة جديدة أكثر تطورا من تلك التى استخدمها الحلفاء فى عام 1991 وإنما فى تضافر العوامل الثلاثة التى أشرنا إليها فهى استراتيجية حرب مبنية على المؤثرات ـ effect ـ based warfare أكثر من اعتمادها على القوة النيرانية ويبدو من تحليل نتائج الحرب فى أسبوعها الأول أن الحلفاء فقدوا عنصر السرعة بعد 48 ساعة تقريبا من بدء العمليات وأنهم خسروا الحرب النفسية فى التوقيت نفسه ليس بسبب التغيرات الدرامية فى الطقس والعاصفة الرملية والرياح والأمطار التى تعرضت لها مناطق العمليات ولكن والأهم من ذلك بسبب الأخطاء التكتيكية التى ارتكبها الحلفاء بتوسيع وإطالة مسافات خطوط إمداداتهم الأمر الذى يعرضها للخطر ويتطلب قوة عسكرية إضافية لتأمينها تأتى بالضرورة على حساب القوة الهجومية كما فقدت القوات الحليفة مزاياها التكنولوجية بسبب الإستراتيجية العسكرية التى تتبعها قوات صدام حسين فى مواجهة الحلفاء وقد اعتمدت هذه الإستراتيجية على تحمل الصدمة الأولى للعمليات بالاختباء تماما وعلى إعادة تقسيم الجيش العراقى وتوزيع قواته فى مجموعات صغيرة قدر الإمكان وشن حرب عصابات ضد قوات التحالف خصوصا بعد أن طالت خطوط الإمدادات التى تعتمد عليها هذه القوات وهى استراتيجية مستمدة من خبرة الحرب الفيتنامية إستراتيجية الشعب فى مواجهة التكنولوجيا أو people versus technology التى لجأ إليها الجنرال جياب قائد الحرب الفيتنامية ضد القوات الأمريكية الفارق الجوهرى بين الحالين هو أن الشعب العراقى ليس طرفا فى المعادلة وإنما تنحصر المواجهة بين قوات الحلفاء وقوات صدام حسين التى تضم وحدات الحرس الجمهورى والقوات الخاصة فى الحرس وقوات الأمن الخاص وقوات منظمة فدائيى صدام وميليشيات حزب البعث الحاكم وفى داخل قوات فدائيى صدام تشكلت فرق الموت المكلفة بإطلاق النار فورا على الجنود أو المواطنين الذى يظهرون نية الهرب من المدن أو خطوط القتال أو الاستسلام وفى ثالث يوم من أيام الحرب دارت معركة كبيرة بين مجموعات من فرق الموت وبين جنود الجيش النظامى العراقى فى خطوط الجبهة الشمالية وخلال معارك البصرة وغيرها من معارك مدن الجنوب لعب فدائيو صدام وفرق الموت التابعة لهم دورا كبيرا فى ترويع المواطنين وإرهابهم فالشعب فى حالة الحرب الراهنة هو بمثابة رهينة لا حول له ولا قوة ومن المرجح أن الحرب التى كان يقدر لها جنرالات التحالف أن تستمر أسابيع قبل أن يسقط نظام صدام حسين ستطول عن ذلك وبدلا من أن يكون الحساب بالأسابيع فإنه سيكون بالشهور حتى تتمكن قوات التحالف من إحراز نتيجة حاسمة فى المعركة ضد صدام وكلما طالت الحرب ستكون الولايات المتحدة أكثر عرضة للخسائر المادية والبشرية وأكثر عرضة للانتقاد على المستوى العالمى وستصبح صورتها أشد قتامة فى العالم العربى ولهذه الأسباب فربما يترك السياسيون للجنرالات حرية اتخاذ القرارات العملياتية بصرف النظر عن الخسائر البشرية التى قد تنجم عن هذه القرارات وعلى الرغم من ذلك فإن القوات العراقية ذاتها لن تكون هدفا لضربات عسكرية من الخارج إلا بالقدر الذى تتحرك فيه هذه القوات للحيلولة دون تحقيق هدف التدخل ألا وهو اقتلاع نظام صدام حسين ولن تكون بغداد أو غيرها من المدن العراقية هدفا لضربات عسكرية إلا بالقدر الذى تتحرك فيه هذه المدن لحماية صدام حسين وهو أمر مستبعد أو بالقدر الذى يستخدم فيه صدام حسين هذه المدن كدروع بشرية لحماية رجاله أو معداته وهو أمر غير مستبعد فصدام حسين أعاد تجميع القوات الموالية له فى داخل المدن والتجمعات البشرية على أمل أن يؤدى ذلك إلى حمايتها وعلى أمل أن يؤدى ارتفاع الخسائر بين المدنيين إلى الضغط على قوات التحالف لوقف إطلاق النار وقد يكون البديل أمام قوات التحالف فى مواجهة الظروف الراهنة أن تطور بسرعة علاقات عمل بناءة مع المدنيين فى الأماكن التى احتلتها أو تمكنت من تأمينها وتطهيرها من القوات الموالية لصدام حسين ومن المهم أيضا أن تستمر قوات التحالف فى المحافظة على مبدأ تقليل الخسائر البشرية بين العراقيين وأن يقتصر هدفها على اقتلاع صدام حسين ورموز نظامه فى المستويات المحلية (المراكز والمحافظات)مع الحرص على تجنب الخسائر المادية أيضا قدر الإمكان ولكى تنجح الولايات المتحدة فى تحقيق هدف اقتلاع صدام بأقل الخسائر الممكنة داخل العراق فإن العمليات العسكرية يجب أن تدار بخطة تشبه خطط تنفيذ الانقلابات العسكرية ولكن من الخارج بمعنى أن يتم بسرعة احتلال المراكز الحيوية والإستراتيجية داخل العراق بالتعاون مع قوى محلية وإعلان انتهاء حكم صدام حسين سواء تم القبض عليه أو قتله أم لا غير أن الولايات المتحدة تعانى من خطر كبير فى داخل العراق يتمثل فى ضعف مصداقية السياسة الأمريكية تجاه الشعب العراقى منذ خذلت الولايات المتحدة انتفاضة مارس(آذار) عام 1991 والتي كانت قاب قوسين أو أدنى من إزاحة صدام حسين لولا سماح الولايات المتحدة له باستخدام طائراته المروحية وإعادة تجميع قوات الحرس الجمهورى الأمر الذى مكنه من قمع الانتفاضة وهروب ما يزيد على مليون من الأكراد عبر الجبال إلى تركيا كما تكرر تضارب السياسة الأمريكية تجاه خطة لتنفيذ انقلاب عسكرى ضد صدام حسين فى مارس 1995 بعد أن كانت قد شجعت قيادات حركة الوفاق الوطنى العراقى للإعداد لهذا الانقلاب ومع أن العراقيين يشعرون أن الولايات المتحدة جادة أكثر من أى وقت مضى فى التخلص من صدام حسين إلا أن عنصر مصداقية السياسة الأمريكية فى هذا الخصوص لا يزال محل شكوك كبيرة وبسبب هذه الشكوك فإن الشعب العراقى لا يزال(حتى نهاية الأسبوع الأول من الحرب)الطرف الرئيسى الغائب عن معادلة المواجهة الدائرة ضد صدام حسين ونظامه كما تعانى الولايات المتحدة وبريطانيا أيضا من ضعف حليفها المحلى المتمثل فى تنظيمات المعارضة العراقية المتمركزة فى الخارج فأغلب هذه التنظيمات لا وجود له فى الداخل أو يتمتع بنفوذ محدود جدا وقد تعلم صدام حسين دروس انتفاضة مارس 1991 التى انطلقت من الجنوب مع الجنود المهلهلين العائدين بعد الهزيمة فى الكويت وانتشرت فى معظم أنحاء البلاد فقد سحب صدام قواته إلى داخل المدن حتى لا تكون مكشوفة لضربات قوات التحالف والأهم من ذلك حتى لا تكون حرة فى التمرد على النظام حيث يعلم أفراد هذه القوات أن عناصر فدائيى صدام يتربصون بهم وأنهم على استعداد لتصويب بنادقهم إلى رؤوس الجنود أو الأهالى إذا جرؤ واحد منهم على التمرد وتأمل قوات التحالف أن يخرج من بين غبار المعارك بطل عراقى شعبى أو عسكرى يتمكن من تجميع العراقيين وراءه من أجل الإطاحة بصدام حسين ويصبح ذلك البطل بعد ذلك الحليف الطبيعى من أجل إقامة نظام ديمقراطى وإعادة بناء العراق إجراءات بناء إدارة جديدة للعراق: بدا يتضح منذ ما قبل انتهاء العمليات العسكرية أن البناء المتصور لإدارة العراق عقب الحرب مباشرة ينبنى على الجنرال تومى فرانكس سيتولى قيادة القوات المحتلة فى العراق إلى حين الانتهاء من إنشاء إدارة مدنية انتقالية وخلال مرحلة الحكم العسكرى سيتولى الجنرال متقاعد جيى جارنر قيادة عمليات الإغاثة والمساعدات المدنية وسيعتمد جارنر على هيكل يتألف من ثلاثة مستويات: ـ الأول مجلس سيادة عراقى استشارى يضم عددا يتراوح بين ثلاثة إلى ستة من القيادات العراقية من الداخل والخارج المستوى الثانى هو حكام للأقاليم الثلاثة التى سيتكون منها العراق إداريا(وهى ولاية البصرة فى الجنوب وولاية بغداد فى الوسط وولاية الموصل فى الشمال)والمستوى الثالث هو الإدارة التنفيذية التى تتولى إدارة الحياة اليومية للعراقيين وتتكون من عناصر من المستويات الوسطى والدنيا من الإدارة الحكومية العراقية السابقة التى يثبت عدم تورطها فى جرائم ضد السكان والزعماء المحليين المقبولين من الجمهور وستتولى قوات التحالف مهام حفظ الأمن والاستقرار كما سيتم إحلال الدولار محل العملة الحالية الدينار حتى يتم إعادة بناء النظام النقدى والمالى فى العراق، ويعود العمل ببرنامج الأمم المتحدة النفط مقابل الغذاء على أن يتم وضع إيرادات النفط فى صندوق عراقى يتم نقل الإشراف عليه للسلطة الانتقالية التى سينتخبها العراقيون أنفسهم ومن المتوقع أن تتراوح فترة الحكم العسكرى المؤقت بين ثلاثة إلى ستة شهور وربما تطول عن ذلك حيث سيتوقف القرار النهائى بشأن إنهاء الحكم العسكرى على التقدم الذى سيحرزه العراقيون أنفسهم فى إنهاء الاستعدادات للمرحلة الانتقالية وخلال الفترة المؤقتة للحكم العسكرى ستكون مهمة مجلس السيادة العراقى أن ينتهى من إجراءات إعداد البلاد لانتقال سلمى للسلطة إلى حكومة تمثل العراقيين لكن نهاية فترة الحكم العسكرى لا تعنى بالضرورة نهاية الوجود العسكرى للحلفاء ويرى بعض القيادات العراقية أن وجود القوات العسكرية الأمريكية والبريطانية وغيرها سيكون ضروريا لفترة من الوقت لتأمين حدود العراق ضد أية انتهاكات من إيران أو من تركيا وكذلك لضمان الأمن والاستقرار الداخلى حتى يتم إعادة بناء الشرطة والجيش أما فيما يتعلق بعمليات إعادة بناء العراق فمن المتوقع أن ينتقل مجهودها الرئيسى إلى داخل العراق وهذا يعنى أن مجموعات العمل المختلفة التى تبحث مستقبل العراق ستنتقل من الخارج إلى الأراضى العراقية وربما ينضم إليها قيادات عراقية محلية من داخل العراق وستقوم الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة الإنسانية بدور حيوى فى تقديم المساعدات وتنسيق أعمال الإغاثة لكن الأمم المتحدة لن تكون فى موقع القيادة فيما يتعلق بعمليات إعادة البناء السياسى للعراق أو إعادة الاعمار كما سيتم منح مقاولات الاعمار بعقود مباشرة من جانب الحاكم العسكرى للعراق فى المرحلة الأولى وسيكون هدف تقليص حدود السلطة واختصاصات الحكومة المركزية المقبلة فى العراق واضحا منذ البداية على الرغم من أن الولايات المتحدة بدأت اختبار الإمكانيات الفعلية للتخلص من نظام صدام حسين منذ صدور قانون تحرير العراق عام 1998 إلا أن التحركات المحمومة لإنجاز هدف هذا القانون بدأت فى عام 2002 أى بعد الانتهاء من تقييم أسباب ونتائج هجمات 11 سبتمبر الانتحارية ضد الولايات المتحدة وبدأ عدد من مجموعات العمل ومراكز البحوث التى كانت قد بدأت فى التشكل فى مارس ـ 2002 إعداد دراسات عن كيفية التغيير فى العراق وأهدافه ورسم أطر لصور المستقبل فى عراق ما بعد صدام و على التوازى مع ذلك كثفت الإدارة الأمريكية اتصالاتها بتنظيمات المعارضة العراقية الموجودة خارج العراق إضافة إلى تكثيف التعاون مع التنظيمات الكردية فى كردستان العراق لاستكشاف مدى إمكانيات التعاون المشترك لتقويض نظام صدام حسين وبعد سلسلة من الاتصالات على مستويات فردية بقيادات معارضة من تنظيمات مختلفة وجهت الإدارة الأمريكية دعوة إلى ستة من قيادات المعارضة لحضور اجتماع فى واشنطن فى 9 أغسطس عام 2002 مع نائب الرئيس ديك تشينى والمسؤولين فى وزارات الخارجية والدفاع ومجلس الأمن القومى وحضر الاجتماع الدكتور إياد علاوى(زعيم حركة الوفاق الوطنى العراقى وأحد المنشقين عن القيادة البعثية الحالية فى العراق) وعبد العزيز الحكيم(ممثلا لزعيم المجلس الأعلى للثورة الإسلامية فى العراق محمد باقر الحكيم)وجلال الطالبانى(زعيم الاتحاد الوطنى الكردستانى)وهوشيار زيبارى(مسؤول العلاقات الخارجية فى الحزب الديمقراطى الكردستانى)وعلى بن الحسين(رئيس الحركة الملكية الدستورية)وأحمد الجلبى(رئيس المؤتمر الوطنى العراقى)وحضر الاجتماع من الجانب الأمريكى نائب الرئيس ديك تشينى ومسؤولين من وزارتى الدفاع والخارجية ومن مجلس الأمن القومى وتم الاتفاق خلال الاجتماع على ضرورة التخلص من الرئيس العراقى صدام حسين وإقامة نظام سياسى ديمقراطى تعددى فى العراق وأن تبدأ المعارضة فى توحيد صفوفها وخطابها السياسى وتنسيق أعمالها وتشكيل قيادة موحدة لها ولتحقيق ذلك تم الاتفاق على ضرورة الإسراع بعقد مؤتمر يمثل كل تيارات المعارضة وكل قوى الشعب العراقى ينتخب لجنة قيادية steering committee من بين أعضائه تكون قناة التعامل الرسمى الأمريكى مع العراق الجديد حتى يتم التوصل إلى اتفاق بشأن مستلزمات المرحلة الانتقالية فى العراق بعد التخلص من نظام صدام حسين وكان هذا الاجتماع يمثل نقلة نوعية فى العلاقات بين الإدارة الأمريكية والمعارضة العراقية من حيث مستوى التمثيل والطابع الجماعى والنتائج التى ترتبت عليه وبعد انتهاء الاجتماع انتظرت الإدارة الأمريكية عدة شهور حتى نفد صبرها قبل أن يوجه مارك جروسمان نائب وزير الخارجية الأمريكى للشئون السياسية رسالة رسمية إلى القيادات الست التى حضرت اجتماع واشنطن يذكرهم فيها بما تم الاتفاق عليه فى ذلك الاجتماع وضرورة عقد مؤتمر عام للمعارضة العراقية غير أن قيادات المعارضة العراقية كانت مشغولة فى ذلك الوقت بتوزيع الحصص والمسؤوليات فيما بين تنظيمات المعارضة التى تعتبر نفسها الرئيسية بدلا من التحضير الجيد للمؤتمر لكى يكون على قدر المسؤوليات الملقاة عليه وخلال الفترة من أغسطس وحتى تم انعقاد المؤتمر فعلا فى شهر ديسمبر عام ـ 2002 انشغلت المعارضة بالكثير من المعارك الجانبية وببناء تحالفات جانبية بهدف تحقيق مكاسب على حساب بعضها البعض وتبادل الاتهامات وهو ما انعكس سلبيا على المؤتمر الذى انعقد فى لندن بعد أن فشلت محاولات لعقده فى بروكسل ونظرا لأن المعارضة العراقية لم تكن قد استعدت جيدا للمؤتمر فقد وجد الوفد الأمريكى المكلف بالتنسيق مع المعارضة نفسه فى موقع مسؤولية توجيه المؤتمر وتحريكه فى الاتجاه المطلوب وضم ذلك الوفد ديفيد بيرس ويائيل لامبرت من وزارة الخارجية الأمريكية ووليام لوتى وكريس ستروب من وزارة الدفاع وهيلارى مان من مجلس الأمن القومى وتولى المبعوث الرئاسى خليل زلماى زاده قيادة الوفد ووضع الوفد الأمريكى أمام مندوبى تنظيمات المعارضة المشاركة فى مؤتمر لندن تحدى تشكيل اللجنة القيادية والاتفاق على رؤية سياسية لعراق ما بعد صدام وتحديد أساليب للتعاون والتنسيق بين الطرفين خصوصا خلال فترة الاستعداد للحرب والترتيبات العاجلة المطلوبة أثنائها وبعدها مباشرة وطرح الوفد الأمريكى على المؤتمر ورقة العمل التى توصلت إليها مجموعة العمل العراقية حول المبادئ الديمقراطية فى العراق الجديد من أجل مناقشتها والتوصل من خلالها إلى برنامج عمل يرتضيه كل من الطرفين ورقة العمل Report of the Democratic Principles Working Group On Iraq المجموعة التى أعدت الورقة تألفت من 32 شخصا من العراقيين يمثلون التنوع السياسى والعراقى والدينى وتم تقسيم المجموعة بعد عدد من اللقاءات الأولية إلى فريقى عمل كما تم اختيار اثنين من أعضاء المجموعة لإعداد التقرير النهائى عن أعمالها)انطلقت من أربع مقدمات رئيسية هى: 1 ـ أن الولايات المتحدة ستقود تحالفا عسكريا من أجل تغيير النظام فى العراق 2 ـ أن الهدف من الحرب فى العراق ليس مجرد تغيير النظام ولكن إقامة نظام حكم ديمقراطى ومجتمع مدنى ناجح 3 ـ أن الولايات المتحدة جنبا إلى جنب مع المجتمع الدولى ستستمر فى التزامها تجاه العراق بإعادة بناء مؤسسات الدولة والاقتصاد والبنية الأساسية 4 ـ أن الشعب العراقى يجب أن يكون شريكا مع المجتمع الدولى فى كل المراحل على مستويات متعددة من التعاون وتضمنت ورقة العمل أن بناء نظام ديمقراطى فى العراق ما بعد صدام يتطلب الاسترشاد بالمبادئ الأساسية التالية:ـ 1 ـ الديمقراطية الدستورية 2 ـ المسؤولية ومحاسبة الحكومة والمسؤولين 3 ـ سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان 4 ـ نظام حكم فيدرالى وتقليل القوة المركزية 5 ـ ضمان التمثيل السياسى للعراقيين على اساس متساو فى كل مستويات الحكم بصرف النظر عن الدين أو الجنس أو الأفكار السياسية غير أن إقامة نظام ديمقراطى يسترشد بهذه الأسس يتطلب مرحلة انتقالية نظرا للظروف الخاصة بالعراق الذى خضع خلال السنوات الخمس والثلاثين الماضية على الأقل لنظام حكم ديكتاتورى سلب الشعب حقوقه السياسية والمدنية واقترحت مجموعة العمل فى تقريرها تشكيل سلطة انتقالية مؤقتة تعمل إلى جانب قوات التحالف قبل بدء المرحلة الانتقالية التى ستعقب سقوط نظام حكم صدام حسين على أن يتضاعف حجم هذه السلطة مع بدء المرحلة الانتقالية وتكون مهمة السلطة الانتقالية المؤقتة هى خلق وتهيئة الظروف الإيجابية الملائمة لانتقال السلطة سلميا إلى حكومة شرعية منتخبة على أساس دستورى خلال مدة زمنية معينة وحددت مجموعة العمل ملامح التحديات التى ستواجه الحكومة الانتقالية فى العراق فى أعقاب سقوط نظام صدام ومنها تحديات سريعة قصيرة الأجل مثل ضمان أمن المواطنين وسلامة البيئة والمنشآت العامة وإرساء حالة من النظام والاستجابة للمتطلبات السريعة فى مجالات المساعدات الإنسانية والخدمات الصحية ومياه الشرب النقية وتحقيق حالة استقرار فى سعر العملة العراقية وتوفير متطلبات الاستهلاك الغذائى اليومى للمواطنين والاستعداد لعودة عشرات الآلاف من العراقيين المهاجرين وإضافة إلى ذلك التعاون مع أجهزة الأمم المتحدة فى البحث عن أسلحة الدمار الشامل ونظم إطلاقها وفتح مفاوضات مع الدول والمؤسسات الدائنة للعراق من أجل التوصل إلى تسوية لمشاكل المديونية والبدء فى أعمال الاعمار وإعادة بناء ما خربته الحروب المتتالية التى قاد فيها صدام حسين العراق إلى التهلكة وسوف يتعين أيضا على الحكومة الانتقالية إدخال إصلاحات مؤسسية وأن تنشئ فروعا ومستويات مختلفة للسلطة ذات طابع انتقالى من أجل التعامل مع التحديات التى ستفرزها المرحلة ومنها محاكم انتقالية لمحاسبة هؤلاء المتهمين بارتكاب جرائم ضد الشعب العراقى خلال فترة حكم صدام حتى لا يلجأ بعض العراقيين إلى محاولة الثأر لنفسه أو لأهله عما ارتكبته أجهزة الحكم الصدامية وسوف تتركز الإصلاحات المؤسسية فى إعادة بناء وتنظيم القوات المسلحة العراقية على أسس جديدة وإصلاح نظام الشرطة والأمن الداخلى وإصلاح النظام القضائى وعلى التوازي مع هذه الإصلاحات سيكون أيضا من الضرورى تقليل نفوذ حزب البعث فى داخل المؤسسات الحكومية وغيرها من المؤسسات فى العراق وتشجيع قيام وازدهار مؤسسات مدنية تعزز إمكانات التحول الديمقراطى فى العراق ولم تكن مناقشات المؤتمر على قدر المسؤولية التى ألقيت على الأطراف العراقية المشاركة فيه ويبدو أن الوفد الأمريكى المشارك فى المؤتمر خلص إلى نتيجة مفادها أنه يتعين على الولايات المتحدة أن تبادر إلى المضى قدما فى الطريق الذى رسمته مجموعات العمل التى تشكلت بدعم من وزارة الخارجية والبنتاجون ومجلس الأمن القومى بشأن مستقبل العراق بدون انتظار إتمام التوافقات التى تسعى إليها المعارضة العراقية التى عجزت عن اتخاذ أى قرار بالتصويت وتوافقت فيما بينها على مبدأ التوافق كآلية لاتخاذ القرارات وكان البيت الأبيض بالفعل قد دخل مرحلة الإعداد الفعلى للحرب ففى شهادته أمام لجنة الشئون الخارجية لمجلس الشيوخ الأمريكى(11 فبراير 2003)قال مارك جروسمان نائب وزير الخارجية للشئون السياسية إن الرئيس الأمريكى جورج دبليو بوش أصدر تعليماته فى 20 يناير 2003 إلى كل الوزارات الأمريكية المعنية لتركيز اهتمامها على مسألة التخطيط لعراق ما بعد الحرب وجاء فى التوجيه الرئاسى أنه فى حال تطلب الأمر تدخلا عسكريا بواسطة تحالف تقوده الولايات المتحدة لتحرير العراق فإن الولايات المتحدة ستريد أن تكون فى وضع يساعدها على مواجهة تحديات المساعدة الإنسانية وإعادة البناء والإدارة التى ستواجه البلاد فى أعقاب نهاية العمليات العسكرية وتنفيذا للتوجيهات التى أصدرها الرئيس بوش الابن إلى الإدارات الحكومية الأمريكية تشكل فى فبراير من العام الحالى 2003 مكتب الاعمار والمساعدات الإنسانية فى وزارة الدفاع برئاسة الجنرال متقاعد جاى جارنر قائد قوات الإغاثة الإنسانية فى شمال العراق فى عام 1991 ويضم المكتب فى عضويته ممثلين عن عدد من الإدارات الأمريكية المعنية مثل مكتب الإدارة والموازنة ومجلس الأمن القومى الأمريكى ووكالة المخابرات المركزية الأمريكية ويتركز دوره على التخطيط لمرحلة ما بعد الحرب فى العراق كما عكفت الإدارة الأمريكية فى الوقت نفسه على دراسة التقارير والدراسات التى وضعتها لجان العمل بشأن مستقبل العراق ووضع خطط وعمليات على أساسها وكانت لجان العمل هذه قد انبثقت عن مشروع مستقبل العراق الذى أعلنته الإدارة الأمريكية فى مارس 2002 وتشكلت فى إطار هذا المشروع 17 مجموعة عمل تدرس كل منها جانبا من جوانب التغيير المطلوب فى العراق ابتداء من مبادئ الديمقراطية وحتى حماية التراث الثقافى والحضارى والدينى للعراق المشاكل الرئيسية التى تواجه إقامة نظام جديد: هناك الكثير من المشاكل التى تعترض طريق إقامة نظام سياسى جديد فى العراق سواء على المستوى الداخلى أو على المستوى الإقليمى والدولى فهناك صعوبة إزاحة نظام تربع على الحكم ويمارس أساليب فاشية فى الحكم فى الداخل لمدة تصل إلى 35 عاما أوتزيد كما توجد خلافات كبيرة بين عدد من أطراف المعارضة حول موضوع الفيدرالية السياسية وإضافة إلى ذلك يكتسب موضوع تفكيك النظام السياسى المركزى أهمية كبيرة لكن توجد خلافات واسعة بشأن طرق وأساليب تفكيك النظام المركزى فى العراق وعلى الصعيد الإقليمى تبدو الصورة أيضا شديدة التعقيد وكما سبق أن قلنا فإن الوضع على المستوى الدولى شديد الحساسية نظرا لأن التغيرات المقبلة فى العراق من شأنها أن تحدد معالم خريطة جديدة لتوزيع القوى وتوزيع النفوذ السياسى فى العالم التعقيدات السياسية الداخلية: التغيير السياسى فى النظم الديكتاتورية تحوطه الكثير من الصعوبات والتحديات وتشير التجارب القريبة للتغيير فى النظم السياسية الشمولية أن وجود قوى سياسية نشطة مثل حركة النقابات المستقلة فى بولندا بقيادة ليخ فاوينسا قبل إسقاط النظام هناك والتحول إلى الليبرالية أو مثل حركة حقوق الإنسان فى تشيكوسلوفاكيا بقيادة فاتيسلاف هافل لعبت دورا مركزيا فى إسقاط النظام القديم وأيضا فى وضع الأسس لنظام جديد يقوم على الحريات السياسية والاقتصادية وبدون وجود مثل هذه القوى فإن حالة من الفوضى قد تحل محل النظام القديم حتى تفرز المجتمعات المعنية بالتغيير قيادات سياسية قادرة على اكتساب ثقة الجمهور وعلى إدارة شئون البلاد فإذا نظرنا إلى الحال فى العراق حيث صادر حزب البعث الحاكم كل إمكانيات العمل السياسى لغير أعضائه ثم صادرت زمرة صدام حسين الحاكمة دور الحزب باستثناء الميليشيات العسكرية التابعة له وحولته إلى مجرد واجهة لحكم الأجهزة القمعية التى يقودها أبناء صدام وأعوانه فقد العراقيون كل إمكانية للعمل السياسى داخل العراق وعلى الرغم من وجود جماعات سياسية معارضة فى الخارج وبعضها له وجود محدود فى الداخل فإن الحديث عن الاعتماد على هذه الجماعات كبديل للنظام الحالى يبدو محفوفا بالمخاطر خصوصا مع وجود عدد من الظواهر السلبية المؤدية إلى نقص الثقة بين أطراف المعارضة وشيوع الخلافات بينهم قد يوحدهم معا هدف إسقاط صدام ولكنهم يختلفون فيما عدا ذلك ومن أهم الظواهر السلبية التى يمكن رصدها بالنسبة للوضع السياسى الداخلى فى العراق بشكل عام ما يلى: أولا:
الطائفية السياسية:ـ فالجماعات السياسية فى العراق قائمة على أساس طائفى وليس على أساس سياسى ومن أمثلة ذلك أن المجلس الأعلى للثورة الإسلامية الذى يتخذ من طهران مقرا له وحزب الدعوة الإسلامية ومنظمة العمل الإسلامى وجماعة العلماء المجاهدين هى كلها تنظيمات شيعية لاتقبل بين أعضائها أعضاء من السنة وقد حاولت منظمة العمل الإسلامى ذات مرة أن تضم أعضاء من العراقيين السنة فى خلاياها فكانت النتيجة أن هم قيادات الخلايا وهم من الشيعة أنصب على تشييع هؤلاء السنة ولاحظ بعض المشاركين فى اجتماعات المعارضة العراقية أن الشيخ عبد العزيز الحكيم الذى يحضر هذه الاجتماعات ممثلا للشيخ محمد باقر الحكيم قد حمل بين الاقتراحات التى حملها إلى قيادات المعارضة اقتراحا بتنصيب الشيخ محمد باقر الحكيم المقيم فى العاصمة الإيرانية طهران مرشدا أعلى للجمهورية العراقية الإسلامية مقابل التزام المرشد الأعلى بطلباتهم ثانيا:ـ روح الانتقام والدموية:
يمتلئ تاريخ العراق بالطابع الدموى للتغيير منذ أيام العباسيين حتى الآن ويذكر التاريخ ما حدث للهاشميين فى العراق وما حدث لنورى السعيد وما حدث لعبد الكريم قاسم وما حدث لأحمد حسن البكر الذى يروى أن صدام حسين خنقه بيده وهو على سرير المرض ومما يروى فى أحداث انتفاضة مارس(آذار)1991 أن عددا من الكوادر المحلية لحزب البعث فى مدينة البصرة قتلوا وعلقت جثثهم على أعمدة الإنارة مما أثار الرعب بين عشرات الآلاف من أعضاء الحزب الذين وجدوا أن عليهم أن يدافعوا عن صدام لأن فى ذلك إنقاذا لأرواحهم وقد توسعت التنظيمات التى أنشأها صدام منذ تلك الانتفاضة لتشمل ما يسمى بفدائيى صدام وأشبال صدام وتضم هذه المنظمة الأخيرة تلاميذ المدارس الابتدائية وأى تغيير فى العراق يجب أن يضع فى اعتباره تأمين حياة هؤلاء
ثالثا:
الشبهات التى تحوم حول بعض قيادات المعارضة:
ومن أمثلة ذلك أن أحد أقطاب المؤتمر الوطنى العراقى كان متهما فى قضية اختلاسات كبيرة فى بنك البتراء الأردنى ولا تزال قصة هذه القضية رائجة فى أوساط العراقيين فى الداخل والخارج وهناك أيضا بين شخصيات المعارضة من يطلق عليهم وصف سماسرة السياسة يبيعون ولاءهم إلى من يدفع أكثر وقد وجد أمثال هؤلاء ترحيبا كبيرا فى المملكة العربية السعودية بعد حرب تحرير الكويت حيث أغدق لهم العطاء من خزائن الأمير عبد الله والأمير تركى الفيصل وقت أن كان رئيسا للمخابرات السعودية والأمير نايف بن عبد العزيز وزير الداخلية ولا ينظر العراقيون باحترام كبير إلى مثل هذه الشخصيات
رابعا:الخلافات حول الشعارات السياسية الرئيسية:
ومن أشد هذه الخلافات الخلاف حول شعار الفيدرالية الذى تتبناه الأحزاب الكردية على وجه الخصوص ويرى الإسلاميون أن العراق يجب أن يبقى دولة مركزية موحدة فى إطار الأممية الإسلامية التى تقودها إيران كذلك يرفض هذا الشعار بعض القوميين العرب والبعثيين السابقين الذين التحقوا بالمعارضة ومع ذلك فإنه يجب القول أن مجموعات العمل التى شكلتها الإدارة الأمريكية فى إطار برنامج مستقبل العراق نجحت إلى حد كبير فى حرث الأرض لزراعة رؤية جديدة لمسألة الفيدرالية تقوم على أساس تقسيم البلاد فى إطار دولة واحدة فيدرالية ذات سيادة إلى ثلاث ولايات الموصل فى الشمال وبغداد فى الوسط والبصرة فى الجنوب على أن يتم التقسيم طبقا لخطوط جغرافية ومنطقية وليس على أسس عرقية أو طائفية وقد ذهب المشاركون فى سلسلة من الحلقات النقاشية نظمها American Enterprise Institute فى الولايات المتحدة حول مستقبل العراق إلى حد بعيد جدا فى تطوير فكرة الفيدرالية لتلائم الوضع فى العراق لكن يبقى أن تصبح هذه الفكرة عن الفيدرالية على أساس جغرافى وليس على أساس عرقى أو دينى فى حاجة إلى تطوير وفى حاجة أيضا إلى قوة دفع شعبى بحيث تصبح خيارا سياسيا وليس مجرد شعار نظرى
خامسا:
ضعف التمثيل السياسى للعراقيين السنة:ـ ومن الواضح أن هذا هو أحد أسباب الضعف الهيكلى فى بنية المعارضة العراقية ككل لأن وجود كتلة منظمة للمعارضة السنية يمكن أن تضمن ولاء مؤسسيا أكبر للمعارضة فى داخل الجيش وأجهزة الدولة ولقد جرت محاولة فى العاصمة البريطانية لندن فى صيف العام 2002 لتشكيل تنظيم للمعارضة السنية وأطلق على التنظيم الجديد اسم الحركة الوطنية العراقية واختار المندوبون الذين حضروا الاجتماع التأسيسى للحركة اللواء حسن النقيب رئيسا كما اختاروا مضر شوكت سكرتيرا عاما للجنة التنفيذية وضم التجمع ممثلين عن العرب السنة فى مناطق وسط وغرب العراق وخصوصا مناطق تكريت وسامراء والرمادى وعشائر الجبور والدليم غير أن الحركة لم تصمد كثيرا إذ دب الخلاف بين مضر شوكت وبين أبناء حسن النقيب مما أدى إلى انفراط عقدها وأى غياب السنة إلى تشكيل محور كردى/شيعى فى داخل المعارضة العراقية وإلى اختلال نسبة التمثيل فى لجنة التنسيق وتعطى الصيغة التى تم الاتفاق عليها فى لندن فى يناير 2003 بشأن تشكيل لجنة التنسيق والمتابعة المجلس الأعلى للثورة الإسلامية وحلفائه ثقلا يعادل 40 فى المائة تقريبا وهو ما يمنحه سلطة كبيرة فى اتخاذ القرارات على حساب القوى الأخرى
سادسا:
استبعاد أو تهميش قوى فاعلة من تشكيل لجنة التنسيق والمتابعة:ـ ومن أهم هذه القوى حزب الدعوة الإسلامية ومنظمة العمل الإسلامى والحزب الشيوعى العراقى والحزب الاشتراكى الكردستانى والحركة الإسلامية فى كردستان والكتلة الإسلامية العراقية إلى جانب عدد من الرموز والقيادات القومية والناصرية وبعض العسكريين الذين انشقوا على النظام العراقى ولجئوا إلى الخارج ورغم أن بعض هذه القوى عضو فى المؤتمر الوطنى العراقى إلا أن ذلك لم يمنع حتى الآن الإحساس بالتهميش داخل هيكل المعارضة ككل
سابعا:
ضعف الوجود الداخلى للمعارضة العراقية بسبب طبيعة النظام القمعى فى بغداد هذه الظواهر السلبية تمثل نقاط ضعف خطيرة إذا نظرنا إلى احتمالات التغيير السياسى فى العراق مستقبلا وستحتاج الولايات المتحدة إلى بذل مجهود شاق قبل أن تصل إلى صيغة مقبولة من الجميع لمستقبل الحكم فى العراق وهو ما يمكن أن يطيل أمد الاحتلال العسكرى فى حال حدوثه وتراهن الإدارة الأمريكية على ظهور شخصية من الداخل أو لجنة للإنقاذ الوطنى خصوصا من داخل بغداد لإدارة البلاد فى الفترة الحرجة التالية لإسقاط النظام ومن المنطقى أن تكون عملية إقامة نظام جديد بعد صدام اختبارا للمعارضة العراقية غير أن نجاح هذه المعارضة فى الاختبار سيتوقف بالضرورة على شرعية المعارضة فى نظر المواطنين العراقيين وسيكون أمام المعارضة متسع من الوقت فى محاولة كسب هذه الشرعية إذا احتشدت المعارضة لتعبئة الجماهير لإسقاط نظام صدام حسين وتحركت معها فى هذا الطريق إن العراق الحر لا يمكن تقديمه على طبق من ذهب إلى الطامحين فى تحقيقه بل لا بد من التضحيات إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط: إذا تمكنت الولايات المتحدة من احتلال العراق فإن هذا الاحتلال لن يدوم لمدة 18 شهرا فقط ولكنه سيطول تحت ضغط مجموعتين من العوامل الأولى تتعلق بالاستراتيجية الكونية للولايات المتحدة والثانية تتعلق بأوضاع العراق الداخلية والإقليمية فالولايات المتحدة ترى فى الشرق الأوسط ما كانت تراه أوروبا فى الإمبراطورية العثمانية قبل الحرب العالمية الأولى فالإمبراطورية العثمانية فى ذلك الوقت كانت رجل أوروبا المريض الذى يجب التخلص منه لفتح الطريق أمام القوى الاستعمارية الصاعدة لإعادة تقسيم العالم فيما بينها وترى الولايات المتحدة تشاركها فى ذلك الكثير من الدوائر الأوروبية أن الأنظمة الحاكمة فى الشرق الأوسط هى أنظمة قديمة مريضة تعانى من الشيخوخة خصوصا فى منطقة الخليج الغنية بالنفط وهذه الأنظمة التى تقاوم التحديث والتجديد أصبحت تمثل خطرا على الولايات المتحدة وعلى الاستقرار العالمى حيث ظهر هذا جليا بوقوع أحداث 11 سبتمبر وما بعدها وقد أثبتت هذه الأحداث أنه لا يكفى لتحقيق أهداف الأمن القومى الأمريكى وضمان المصالح الغربية فى استمرار تدفق الإمدادات النفطية وجود أنظمة موالية للغرب فهذه الأنظمة أصبحت فى نظر المخططين الإستراتيجيين فى الغرب معملا لتفريخ التطرف الدينى والثقافة الرجعية وتمثل خطرا طويل الأجل على الاستقرار العالمى يجب العمل من أجل تلافيه خصوصا وأن مقاومة التجديد باتت وكأنها صفة هيكلية من صفات المجتمعات القبلية المحافظة وعلى ذلك فإن احتلال العراق سيكون الخطوة الأولى نحو تفكيك هذه الأنظمة المحافظة والعمل على إحلالها بأنظمة أخرى موالية للغرب ذات طابع ليبرالى وليس من السهل أن يتم وضع أسس هذا التغيير الذى تنشده الإدارة الأمريكية فى 18 شهرا وليس معنى ذلك أن الاحتلال الأمريكى للعراق فى حال حدوثه من المحتم أن يستمر حتى تتغير خريطة الشرق الأوسط بالكامل ولكنه بالقطع قد يطول حتى تطمئن الولايات المتحدة إلى أن تغيير الخريطة السياسية للشرق الأوسط سيأخذ مجراه وتبدو الأمور أكثر تعقيدا إذا ما أخذنا فى الاعتبار العلاقة بين الاستراتيجية الأمريكية والاستراتيجية الإسرائيلية فى الشرق الأوسط فإذا كان هدف الإستراتيجية الأمريكية فى الشرق الأوسط يقتصر على تأمين إمدادات النفط بواسطة أنظمة موالية معتدلة والقضاء على منابع الإرهاب فى الشرق الأوسط فإن الإستراتيجية الإسرائيلية تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك إلى إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط بما يفتح الباب واسعا لعمليات الترانسفير عبر نهر الأردن والإجهاز تماما على الضفة الغربية وتحقيق حلم دولة واحدة بين نهر الأردن والبحر المتوسط والسؤال الذى يتبادر إلى الذهن هنا هو كيف وما هى العلاقة بين ذلك وبين ما قد يحدث فى العراق وهنا تبرز على الفور مسألة تقسيم العراق وقد يطرح هذا الموضوع نفسه بصورة عملية خلال فترة لاحقة على الاحتلال فالعراق المقسم بالفعل منذ عام 1991 حيث خرج شمال العراق عن نطاق سلطة الحكومة المركزية فى بغداد وتم وضع الإقليم الكردى تحت الحماية الدولية وقد أدى هذا الوضع إلى خلق حقوق مكتسبة للأكراد يطالب بمثلها التركمان والآشوريون وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تعلن حتى الآن التزامها بوحدة العراق وسلامة أراضيه تماما كما تفعل فى جنوب السودان إلا أن الباحث السياسى يعرف جيدا قوة الحقائق الموجودة على الأرض وأن هذه الحقائق هى التى تقرر المواقف الأخيرة وليس التصريحات أو الاتفاقات غير أن مسألة شمال العراق تدخل فيها حسابات تركية وحسابات إيرانية ولن تتقرر مسألة فصل شمال العراق عن جنوبه ووسطه إلا فى إطار اتفاق إقليمى ترعاه الولايات المتحدة وقد يلعب بترول كركوك(الكردية)والموصل(التى يطالب بها التركمان)دورا مهما فى المعادلة المقبلة التى ستقرر بعدا من أبعاد إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط وهذا البترول العراقى من الممكن أن يصبح بترولا أوروبيا إذا تم ضم شمال العراق إلى تركيا فى إطار تسوية إقليمية كبرى ليس على المدى القصير وليس على المدى المتوسط وإنما على المدى الطويل لحل المشكلة الكردية تعطى الأكراد الأتراك والعراقيين حكما ذاتيا واسع النطاق مثل ذلك الذى حصل عليه الإسكتلنديون أو إقليم ويلز فى المملكة المتحدة(أصبح للإسكتلنديين حق انتخاب برلمانهم وحكومتهم المحلية)بدون أن يؤثر ذلك على استمرارهم جزءا من الكيان السياسى للمملكة المتحدة وهذا من شأنه أن يزيد من تفاقم المشكلة الكردية فى إيران(أغلبية الأكراد هم من المسلمين السنة الذين يتعرضون لاضطهاد مستمر ومنظم فى إيران وهم يتعرضون لاضطهاد مضاعف مرة لأنهم سنة ومرة لأنهم أكرادا)الأمر الذى سيضيف عاملا جديدا من عوامل عدم الاستقرار فى هذا البلد عندئذ سيكون تقسيم العراق ممكنا من ناحية الشمال وقد يجد الأتراك لأنفسهم مصلحة فى هذا التقسيم لأن تركيا ستصبح دولة نفطية كما أن المشكلة الكردية ستجد حلها الأبدى هناك وربما تكون العودة التركية القوية فى الأشهر القليلة الماضية كلاعب رئيسى فى سياسات الشرق الأوسط ومشاكله بداية لحوار أمريكى تركى أوروبى يملك فيه كل طرف من الأطراف من عناصر القوة التفاوضية ما يمكن أن يستخدمه لتحقيق مصالح مشتركة خصوصا فيما يتعلق بانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبى وتحويلها اقتصاديا لكى تصبح الوسيط الرئيسى لتوصيل إمدادات الطاقة(الغاز الروسى وبترول بحر قزوين وبترول الشرق الأوسط)إلى أوروبا الفقيرة فى مصادر الطاقة التقليدية فتصبح تركيا هى بيت الطاقة ـ power house الأوروبى أو بتعبير آخر مركز تجميع وتجهيز وإعادة توزيع الطاقة energy hub فى مقابل ذلك يمكن أن يعود الهاشميون إلى عرش العراق ومن ثم تعزيز مكانتهم كقوة مناوئة لآل عبد العزيز بن سعود فى الجزيرة العربية والمتتبع لتطورات العلاقة بين المعارضة العراقية والأسرة الهاشمية الحاكمة فى الأردن لا يخطئ ملاحظة هروب حسين كامل المجيد زوج ابنة صدام حسين إلى عمان واتخاذه منها منبرا للعمل السياسى ضد النظام فى بغداد لفترة قصيرة قبل أن يعود إلى العراق راضيا بخدعة من صدام حسين ليتم إعدامه بعد أيام من عودته أمام زوجته وأولاده كما أن المتتبع لهذه العلاقة لا يخطئ أيضا ملاحظة المدلول الذى انطوى عليه مشاركة الأمير الحسن بن طلال ولى العهد الأردنى السابق مؤتمرا للمعارضة العراقية فى لندن وتتخذ حركة الوفاق الوطنى العراقى وهى أحد التنظيمات الستة التى تقود لجنة التنسيق والمتابعة المنبثقة عن المؤتمر الأخير للمعارضة العراقية من العاصمة الأردنية عمان مركزا لها وإضافة إلى ذلك فإن الشريف حسين بن على زعيم الحركة الملكية الدستورية فى العراق هو واحد من أفراد الأسرة الهاشمية التى أزيحت عن السلطة فى بغداد على يد عبد الحكيم قاسم عام 1958 وهذه الحركة أيضا هى واحد من التنظيمات الستة التى تقود لجنة التنسيق والمتابعة فالخيار الهاشمى للعراق قد أوجد بالفعل مرتكزات وقنوات له فى محاولة إعادة بناء العراق سياسيا لكن التفاحة لن تسقط فى حجر أى من هؤلاء إذا هى سقطت فى هذا الاتجاه وإنما ستسقط فى حجر الملك الشاب عبد الله بن الحسين بن طلال ملك الأردن الحالى وسيكون توسيع ملك الهاشميين بهذه الطريقة فتحا لبوابة الترانسفير الذى تعمل إسرائيل على تنفيذه وهنا تلتقى الإستراتيجيتان الأمريكية والإسرائيلية فى تقسيم العراق ويعد الخيار الهاشمى للعراق أيضا حلا للكثير من المشاكل السياسية التى يمكن أن تواجهها الولايات المتحدة فى داخل العراق على المدى الطويل فالملك الهاشمى لن يلقى معارضة من العراقيين الشيعة باعتبار الملك الهاشمى واحد من آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم خصوصا إذا عين الملك شخصية شيعية لرئاسة الوزارة وتعتبر مشكلة التمثيل السياسى للشيعة إحدى المشاكل الرئيسية فى أى حل لمستقبل العراق السياسى فالشيعة يعتبرون أنفسهم أغلبية السكان فى العراق وأن من حقهم المشاركة السياسية على هذا الأساس وليس على أساس أنهم أقلية ويرفض المسلمون السنة فى العراق هذا المنطق ويعتبرون أنفسهم أهل الحكم وأهل الحل والعقد فى العراق العربى خصوصا بالنظر إلى الارتباطات السياسية بين معظم القيادات السياسية الشيعية العراقية والنظام القائم حاليا فى إيران تباين مصالح دول الجوار: ومن العوامل الأخرى التى من شأنها أن تطيل أمد أى احتلال عسكرى للعراق أن دول الجوار وهى إيران وتركيا والسعودية وسورية والأردن لها مصالح متباينة تجاه العراق فإيران تسعى لإقامة نظام موال لها فى إيران حتى تكتسب سياستها الخارجية بعدا عربيا وحتى تتوصل إلى تسوية سهلة لمشاكلها العالقة مع العراق خصوصا مسألة التعويضات عن الحرب بين البلدين ومنع إقامة دولة مستقلة للأكراد فى شمال العراق وتركيا تريد الاقتراب من النفط العراقى واستخدام العراقيين التركمان لإعادة الاقتراب من العالم العربى ومنع توسع النفوذ الإيرانى فى العراق والحصول على مزايا اقتصادية ضخمة فى عملية إعادة اعمار العراق والسعودية تريد إقامة نظام صديق فى العراق وإنهاء مشكلات الحدود التى قد تنشأ بين العراق وجيرانه بما يهدد الاستقرار فى منطقة الخليج وضمان اتساق السياسات النفطية العراقية مع سياسات أوبك التى تملك فيها السعودية الكلمة الأولى إضافة إلى حل مشكلات اللاجئين العراقيين فى أراضيها وسورية لا تريد وجودا أمريكيا على حدودها الشرقية وتعارض أى حل للمشكلة الكردية قد يغذى الميول الانفصالية للأكراد السوريين وإقامة نظام بعثى فى العراق يكون مواليا لها أما الأردن فإنه يريد تسوية عاجلة للوضع فى العراق يسمح له بالتنفس سياسيا واقتصاديا وإعادة الاعتبار للأسرة الهاشمية فقد تكون هذه هى الفرصة الأخيرة لضمان استمرار الأسرة فى الحكم لفترة طويلة من الزمان هذا التباين فى المصالح كان أحد الأسباب الرئيسية لفشل انتفاضة مارس(آذار)1991 بعد أن أصيبت دول الخليج وعلى رأسها السعودية بالفزع عندما عبرت جماعات من الحرس الثورى الإيرانى الحدود ورفعت فى المدن العراقية شعارات الثورة الخمينية وهذا التباين فى المصالح من شأنه أن يغذى الخلافات بين قوى المعارضة التى يرتبط بعضها بهذا الطرف أو ذاك ومن شأن ذلك أيضا أن يطيل أمد الاحتلال العسكرى الأمريكى للعراق فى حال حدوثه ومن الضرورى أن نقرر هنا أن احتلال العراق من شأنه أن يفتح أبواب جهنم سياسيا فى الشرق الأوسط ومن المحتمل أن يفتح مثل هذا الاحتلال أوسع الأبواب لسايكسبيكو جديدة تقسم العالم العربى بين الولايات المتحدة وحلفائها على حساب الشعوب العربية فهل تملك الدول العربية من إمكانيات القوة ما يمكن أن يغلق الباب أمام مثل هذا الاحتمال الأسابيع أو الشهور القادمة ربما تقدم لنا الإجابة الشافية أما على الصعيد الدولى فمن المحتمل أن تقاتل أوروبا باستماتة من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه أمام زحف نفوذ الولايات المتحدة وفى هذه الحال فإن نظام صدام حسين سيكون الأداة التى يمكن أن تلعب بها أوروبا عن طريق روسيا التى يمكن أن تدفع أطرافا غير أوروبية خصوصا كوريا الشمالية وفلول صرب البوسنة لمساندة صدام خلاصة: إن المواجهة الحالية فى العراق شديدة التعقيد ومن المستبعد أن تحصل القوات الحليفة على نصر سهل وحتى فى حال حدوث مثل هذا النصر بتكلفة غالية فإن النصر نفسه سيكون بداية المشاكل التى من المحتمل أن تسيطر على خريطة العلاقات الدولية لعقود من الزمن ومن المحتمل أن تتمكن الولايات المتحدة من السيطرة على العالم بمعنى أن تكون القوة المهيمنة الوحيدة غير أنه من المحتمل أيضا إذا غرقت قوات التحالف فى وحل العراق أن تتقهقر قوتها النسبية فى عالم ما بعد الحرب الباردة فى المدى المتوسط من الآن وأن تؤدى هزيمتها إلى إعادة صياغة النظام الدولى على أسس جديدة لا تسمح لها بتكرار ما حدث فى عام 2003 سيكون التخلص من النظام الحالى فى العراق مسألة صعبة وأصعب منها سيكون خلق نظام جديد على أساس ديمقراطى فى بلد لم يعرف غير حمامات الدم طريقا للتغيير ثم الديكتاتورية العسكرية طريقا للاستمرار فى الحكم ونظرا لتشابك مصالح قوى محلية مع قوى إقليمية فإن التناقضات بين مصالح دول الجوار سيترك أثرا سلبيا على التطورات السياسية فى العراق ما بعد صدام حسين ولتقليل الخسائر ومحاولة إدخال تغييرات سياسية ديمقراطية مقبولة سيتعين أن تطول المرحلة الانتقالية وأن تشارك فى الحكم قيادة سياسية مقبولة داخليا من العراقيين أنفسهم لأن الحكم العسكرى الأمريكى المباشر من شأنه أن يدعم قوة صدام وليس العكس كما أن فرض حكومة أو حلول سياسية غير مقبولة يمكن أن يقود إلى النتيجة نفسها أى دعم صدام وليس إضعافه وقد تجد القوى المعارضة للحرب على اختلاف مصادرها وتوجهاتها مصلحة لها فى التحالف مع صدام حسين بهدف وقف زحف القوة الأمريكية ووأد احتمال قيام نظام عالمى أحادى القطب وهذا التحالف من شأنه أن يمد نظام صدام حسين بالكثير من مصادر القوة التى يحتاج اليها والدعم المعنوى الذى يرفع أسهمه أمام شعبه والخيط الفاصل فى ذلك كله هو موقف الإدارة الأمريكية من القضية الفلسطينية وقد عجزت إدارات متواصلة عن فهم هذه الحقيقة حتى الآن.