Share |
ابريل 2003
1
الحرب الأمريكية على العراق- تحليل شامل: الجيش العراقى والوضع السياسى فى عراق ما بعد الحرب.
المصدر: السياسة الدولية

علاوة على ما تتسم به العلاقة بين الجيوش والسياسة فى دول العالم الثالث من تشابك وتعقيد فإن الحالة العراقية فى هذا الصدد تبدو أكثر تعقيدا وأشد حساسية ذلك أن دور الجيش العراقى قد تجاوز أنشطة الانقلابات والإطاحة بالأنظمة والحكومات وتخطى مسألة قمع الحركات التمردية وصار ساحة يمارس فيها النظام الحاكم فى بغداد كل صور الفعل السياسى مثلما أضحى هذا الجيش أداة لإحكام قبضة النظام على مقاليد الأمور فى بلد يعانى من التنوع الإثنى والتعدد الطائفى على نحو مثير واليوم ومع احتدام الحرب التى تقودها الولايات المتحدة ضد العراق وفى ضوء ما أظهره الجيش العراقى من تماسك نسبى وصمود واضح خلال العمليات العسكرية حتى وصول قوات التحالف إلى مشارف بغداد، يثور التساؤل حول مستقبل الدور المتوقع للجيش العراقى فى مرحلة ما بعد صدام سواء فيما يتصل بالمسائل الأمنية أو ما يتعلق بالوضع السياسى الذى سوف تسفر عنه تلك الحرب الجيش العراقى والسياسة خبرات مؤلمة: اقتضت الظروف السياسية الخاصة التى اعترت التاريخ العراقى أن يتم اقتحام المؤسسة العسكرية فى النشاط السياسى منذ نشأتها إذا لم تكن عملية وضع اللبنات الأولى لبناء الجيش العراقى فى أعقاب تدشين ما كان يسمى بالحكم الوطنى للعراق فى عام 1921 إلا محاولة من جانب الإنجليز وقتذاك لإيجاد قوة جديدة فى داخل العراق الثائر لاستخدامها كأداة قمع لحركات التمرد العراقى ضد المحتل الأجنبى خصوص بعد أن تم تناقل زمام الأمور فى العراق من أيدى العثمانيين إلى الإنجليز وبمرور الزمن وبعد أن أضحى الجيش العراقى ركنا أساسيا فى هيكل السلطة والإدارة بالبلاد وإحدى أهم وأبرز أدواتها أصبحت عملية تشكيل هذا الجيش وتنظيم العلاقات البينية داخله متصلة كل الاتصال بأهداف وتطلعات القيادة السياسية الأمر الذى انعكس بدوره على القواعد والمعايير التى يتم على أساسها إلحاق المقاتلين بالجيش ثم توزيعهم على مختلف الأسلحة والمواقع بداخله وفى بلد يتسم بالتنوع الإثنى الملحوظ كان للعامل الإثنى والبعد الطائفى دور محورى فى هذا الصدد بحيث أصبح الجيش العراقى شأنه شأن المؤسسات الإدارة والحكم فى البلاد يعكس التوازنات الطائفية والعلاقات والتوزيعات الإثنية داخل الدولة العراقية وبعد انقلاب 17 يوليو 1968 اكتسبت عملية تسييس الجيش العراقى بعدا جديدا فمع اتساع حجم الجيش وتشكل فريق عسكرية جديدة بدأت تنظيمات حزب البعث تنتشر بين مناصرة أفقيا وعموديا على نحو سريع سيما وأنها كانت تطرح شعارات أخاذة مثل:
وحدة الأمة حرية الشعب، الاشتراكية والعدالة الاجتماعية إلى جانب مقاومة الطائفية ودعم الثورة الشعبية النضالية الأخلاقية فضلا عن ذلك ساعدت عملية الانفتاح النسبى الذى قام بها قادة الانقلاب العسكرى لاكتساب الشرعية السياسية على قيام تنظيمات حزب البعث المنتشرة داخل الجيش بنشاطات سياسية علنية وصلت إلى حد المطالبة بضرورة تجاوز النظام الجديد لتقاليد الحكم العسكرى العتيقة وذلك من خلال الاجتماعات والمؤتمرات التى كانت تضم جنودا وضباط صف وضباطا من مختلف الفئات والمستويات والتى كانت القيادة العسكرية تسمح لها بالانعقاد هلى نحو دورى وكان من أهم سمات تلك المرحلة أيضا أن تم فتح التقدم للالتحاق بالكليات العسكرية أمام مختلف أبناء الشعب العراقى دون النظر إلى خلفية طبقية أو إثنية وذلك مع الأخذ فى الاعتبار تعظيم حصة التكريتيين فى هذا الشأن فمن تحت عباءة حزب البعث اندفعت عناصر وجماعات من أبناء تكريت نحو تعزيز وجودها داخل الجيش، وخلق موطئ قدم لها فى أروقة السلطة والحكم بالعراق وتدريجيا باتت المواقع الحيوية فى الدولة العراقية مقصورة على البعثيين التكريتيين فكان أحمد حسن البكر التكريتى قائدا عام للقوات المسلحة العراقية وصدام حسين التكريتى نائبا له ثم حماد شهاب التكريتى وزيرا للدفاع الخ وتم حصر باقى المواقع القيادية الأدنى فى ذوى القرابة والمصاهرة والموالين لتلك الفئة وعلى طريقة الزعماء التصفويين تم التخلص من قيادات الحركات السياسية والتنظيمات الحزبية الأخرى غير حزب البعث بعد التضييق على تلك الحركات والتنظيمات فصدرت ونفذت أحكام بالإعدام ضد عدد كبير من الشيوعيين وأعضاء حزب الدعوة الإسلامية وحتى المنشقين عن حزب البعث وآخرين غيرهم وفى السياق نفسه نشط البعثيون فى استحداث أدوات للتوجيه الحزبى داخل الجيش أسوة بما كان سائدا وقتذاك فى الاتحاد السوفيتى السابق حيث كان فى كل وحدة عسكرية بالجيش العراقى مكتب لضابط التوجيه السياسى الذى منح بدوره صلاحيات واسعة تدانى اختصاصات قائد الوحدة والتشكيل وبدا وقتها أن البعثيين كانوا يهدفون إلى تعزيز فكرة ما يسمى بالجيش العقائدى ومع وصول صدام حسين التكريتى للسلطة فى يوليو 1979 تعززت هيمنة التكريتيين على الجيش والسلطة فى العراق ولما كانت محاولة الانقلاب الفاشلة التى قادها ناظم كزار مدير الأمن العام العراقى فى يونيو سنة 1973 ضد كل من حسن البكر وصدام حسين بهدف إنهاء الهيمنة التكريتية على مقاليد الأمور فى الجيش كانت قد كشفت لصدام خطورة قوى سياسية معينة فى داخل حزب البعث عمد صدام بعد توليه السلطة إلى تصفية تلك القوى وإعدام قياداتها فقام بإعدام 103 قائد عسكريا بعثيا لينهى بذلك حكم البعث عمليا فى العراق ويتحول التنظيم الحزبى البعثى إلى جهاز أمنى ملحق بجهازى المخابرات والأمن الخاص اللذين باتا فعليا يمتلكان زمام الأمور فى العراق وخلال سنى الثمانينات حرص صدام حسين على تكثيف وجود أبناء بلدته تكريت داخل الجيش ففتح أمامهم أبواب الكليات العسكرية على مصراعيها وما إن وضعت الحرب العراقية الإيرانية وزارها فى العام 1988 حتى كان التكريتيون قد أحكموا قبضتهم على المواقع الحيوية فى الجيش والدولة العراقية سيما وأن صدام كان قد منح كلا منهم ما بين رتبتين إلى ثلاث عسكرية استثنائية إضافية مرة واحدة وجاءت حرب العام 1991 لتعزز من مواقع التكريتيين داخل النظام السياسى العراقى الذى غلب عليه الطابع العسكرى والأمنى حيث جاء صدام بأقربائه وأصهاره وذويه الذين يثق فيهم ويضمن ولاءهم المطلق له وقلدهم أرفع المناصب العسكرية والأمنية فى البلاد وبعد تلك الحرب ظهر صدام على شاشات التليفزيون العراقى وبصحبته كل من نجله الأصغر قصى ونجله الأكبر عدى، عبده حمود، على حسن المجيد، حسين كامل سبعاوى، وطبان ورحب صدام بهم جميعا كأهل ثقة من أبناء تكريت وبوصفهم الأعضاء الجدد لمجلس الأمن القومى العراقى الذى سوف يمثل الجيش والدولة فى آن واحد وقام صدام بتوزيع المناصب الحساسة عليهم فعين حسين كامل وزيرا للدفاع ثم خلفه حسن المجيد كما عين وطبان إبراهيم وزيرا للداخلية وسبعاوى مديرا للأمن العام وقصى مديرا لجهاز الأمن الداخلى الخاص وتزامن ذلك مع إصدار صدام أيضا لقوائم عديدة حافلة بأسماء العديد من الضباط والقيادات الذين تمت إحالتهم إلى خارج الخدمة إلى جانب قوائم أخرى تم إعدام أصحابها لأسباب غير معروفة كما صدرت توجيهات رئاسية سرية بعزل كبار الضباط الشيعة من أية مناصب قيادية أو حساسة بما فيها المتوسطة منها والصغيرة ونقل أى ضابط ركن شيعى إلى خارج دوائر وزارة الدفاع وبصحبتهم ضباط من الأكراد والتركمان ليتعزز بذلك نفوذ التكريتيين الموالين لصدام وتترسخ أيضا النزاعات الطائفية داخل الجيش العراقى الذى برع صدام فى تسييسه وتوظيفه لخدمة أغراضه وتطلعاته الشخصية أسوة بما فعل الأتراك ثم الإنجليز فى فترات زمنية لاحقة وقد أفضت طريقة صدام فى التعاطى مع الجيش العراقى إلى الإجهاز على روح التماسك بين صفوف عناصره ووحداته بحيث أصبح مفتتا بعد أن صار مسرحا لإدارة المناورات وتصفية الحسابات السياسية وحسم الصراع على السلطة بين الخصوم السياسيين إلى أن بات أداة فى يد صدام يوظفها فى التخلص من منافسيه والدفاع عنه وحماية نظامه ولتعزيز تلك الأهداف عمد صدام إلى التخلص من منافسيه والدفاع عنه وحماية نظامه ولتعزيز تلك الأهداف عمد صدام حسين إلى تبنى بعض الإجراءات التى من شأنها أن تؤدى إلى الإبقاء على ذلك الدور الوظيفى للجيش العراقى وذلك على النحو التالى: ـ تفتيت وحدة الجيش العراقى بحيث أصبح حوالى خمسة جيوش مختلفة المهام والاختصاصات وحتى الامتيازات ـ إلغاء العقيدة العسكرية للجيش والتى تقوم على الدفاع عن الوطن وحماية وحدة الأمة واستبدلها بعقيدة أخرى تنصب فى الدفاع عن شخص صدام حسين وأسرته وحماية نظامه من الانهيار والاعتداء سواء من الداخل أو الخارج ـ لم يعد الجيش العراقى مفتوحا أمام كل عراقى حيث باتت فئات معينة مستبعدة من الالتحاق بالجيش مثلما حرمت عناصر أخرى من ميزة الانضمام لأسلحة وتشكيلات متميزة مثل الحرس الجمهورى بحيث أصبح كل مواطن له درجة ولاء خاصة تحدد موقفه من التجنيد كما صار لكل جندى أو ضابط درجة مواطنة معينة تفرض عليه موقعا معينا وسلاحا ما لا يتجاوزهما داخل الجيش الأمر الذى كرس من التفاوت الطبقى والتمايز الإثنى والطائفى داخل الجيش بنفس القدر الذى شهدته الحياة السياسية والنظام السياسى فى العراق
ـ تقلصت المهام الدفاعية والقتالية للجيش العراقى لصالح أعمال الأمن الداخلى ولأغراض حماية النظام السياسى وممتلكات أسرة الزعيم صدام حسين فانتشرت وحدات الجيش فى داخل المدن وعلى حدود القرى ـ سلب صدام حسين الجيش العراقى أية قدرة على التحرك الذاتى أو أية إرادة للتغيير أو التمرد ونزع من قياداته روح المبادرة بفعل تعاطيه العنيف والدموى مع أية حركة انقلابية أو تمردية فضلا عن استبعاده للعناصر والقيادات المشكوك فى ولائها من الشيعة والأكراد وحتى السنة والتركمان واستبدالهم بذويه ومؤيديه من التكريتيين الذين يعتبرون الجيش وحدة خاصة لحراسة صدام وضمان استقرار وأمن نظامه نزعات انقلابية فى فترة ما بين حربى 1991، 2003: أفضت الأوضاع القاسية والظروف الصعبة التى خلفتها سياسات صدام حسين إزاء الجيش العراقى على مدى حكمه للعراق إلى جانب ما أصاب البلاد من أهوال وما لحق بالجيش من خسائر على أثر الحرب التى شنتها قوات التحالف الدولى بقيادة الولايات المتحدة فى العام 1991 ضد العراق أفضت جميعها إلى تنامى مشاعر الرفض وخلق الرغبة فى التمرد لدى قطاع عريض من أبناء الجيش العراقى الأمر الذى أسفر عن اهتزاز قبضة صدام على مختلف عناصره وهياكله حيث لم يجد عدد كبير من الضباط بدا من الفرار سواء إلى دول مجاورة مثل تركيا التى فر إليها عشرات الجنود والضباط العراقيين إبان انتفاضة عام 1991 التى تفجرت ضد صدام حسين وقتذاك كما فر ضباط وقيادات عسكرية عراقية أخرى عديدة إلى عواصم أوروبية وأسسوا المجلس العسكرى المعارض الذى يترأسه اللواء توفيق الياسرى أحد ضباط البحرية العراقية سابقا ومن بين أعضائه أيضا اللواء نجيب الصالحى الذى كان يترأس الحرس الجهورى العراقى وكان أيضا عضوا فى هيئة الأركان المشتركة قبل فراره فى العام 1995 واللواء سعد العبيدى الذى كان مسئولا عن الحرب النفسية قبل فراره فى العام 1986، وفى يوم 14 يوليو الماضى (2002) اجتمع زهاء سبعين ضابط وقائدا عسكريا عراقيا من بين هؤلاء فى العاصمة البريطانية (لندن) حيث مقر المجلس العسكرى المعارض وعقدوا مؤتمرا نددوا فيه سياسات نظام صدام حسين واتفقوا على تشكيل مجلس قيادة عسكرى فى المنفى يبحث فى سبل الإطاحة بالرئيس صدام ونظامه ووجهوا نداء بهذا الخصوص إلى الجيش العراقى فى الداخل ويستمد هؤلاء الضباط شرعيتهم الدولية وقبولهم السياسى فى داخل العراق من عدم تورطهم فى أية أعمال قمع وحشى أو إبادة ضد الشعب العراقى بشتى طوائفه وفئاته وذلك على عكس الحال بالنسبة لقيادات عسكرية عراقية أخرى فى المنفى مثل الفريق الخزرجى رئيس أركان الجيش العراقى الأسبق والذى فر عام 1995 إلى الدانمارك واللواء رفيق السامرائى الذى كان يترأس المخابرات الحربية العراقية قبل فراره هو الآخر وهما اللذان يتهمهما أعضاء المجلس العسكرى لمعارض بارتكاب مجازر فى حق الشعب العراقى بما يحول دون حصولهما على أى تأييد داخلى فى العراق أو دعم سياسى أو مالى من خارج العراق فضلا عن ذلك فقد أكدت وكالة الأنباء الإيرانية على أن جنودا عراقيين درجوا إلى الفرار من بين وحدات الجيش العراقى والانضمام إلى صفوف الثوار والمتمردين الأكراد والشيعة إبان انتفاضتهم ضد نظام صدام حسين فى العام 1991، وفى السياق نفسه أفادت تقارير واردة عن وكالة الاستخبارات الأمريكية بأن محاولات عديدة للانقلاب على صدام حسين ونظامه قد وقعت ولكنها أجهضت وتم قمعها كما أن أعداد الضباط العراقيين الفارين إلى معسكرـ كافى قرجاله ـ قرب أربيل بشمال العراق وعلى بعد 15 كم من المواقع العسكرية العراقية بالموصل قد تضاعفت بشكل ملحوظ خلال السنوات القليلة الماضية حتى إن قائد هذا المعسكر المقدم فيصل قادر عبد الله وباقى زملائه ورفاقه فى قوات ـ البشمرجةـ كانوا ضباطا بالجيش العراقى إن ممارسات صدام حسين ونظامه قد دفعت بهم إلى الفرار والانضمام لحزب العمال الكردستانى والالتحاق بصفوف قوات البشمرجة التابعة له فى العالم 1999 ولم تقتصر عمليات لتمرد والرفض من جانب الجيش العراقى ضد صدام حسين ونظامه على بعض عناصر الجيش النظامى العراقى العادى وإنما امتدت لتشمل أيضا قوات الحرس الجمهورى العراقى الذى أسند الرئيس صدام إلى نجله الأصغر قصى عملية رئاسته وظل حريصا على أن يتابع بنفسه ويشرف على عملية اختيار عناصره وتدريبهم ومنحهم امتيازات تفوق بمراحل ما يحصل عليه زملائهم فى الجيش العراقى كما استخدمهم فى قمع حركات التمرد التى انفجر ضد نظامه فى العام 1991 من جانب أكراد الشمال وشيعة الجنوب ثم انتفاضة الشيعة التى اشتعلت فى أعقاب مصرع الإمام الشيعى محمد الصادق الصدر خلال عام 1999 فضلا عن أن صدام يعتبر تلك القوات بمثابة حائط الصدد الأول والأخير الذى يحميه ويحمى نظامه من أية اعتداءات داخلية كانت أو خارجية سيما وأن جنوده وضباطه الذين تم اختيارهم بعناية شديدة على أساس مدى ولائهم المطلق للرئيس صدام يضعون فى حسبانهم أن مهمتهم الأساسية هى حماية الرئيس صدام أو أسرته ونظامه أولا ثم الدفاع عن العراق ثانيا ورغم ذلك كان لبعض عناصر الحرس الجمهورى وجود وسط قوى الرفض والتمرد على صدام حسين ونظامه حيث أفادت تقارير أمنية استخباراتية أمريكية أن عناصر وجماعات من قوات الحرس الجمهورى العراقى كانت قد شرعت فى محاولا عدة للانقلاب على صدام حسين ونظامه وكان أبرز هذه المحاولات تلك التى جرت وقائعها فى العام 1999 عندما حاصرت جماعات من الحرس الجمهورى قصر الرئيس صدام حسين فى بغداد ومنزله فى بلدته ومسقط رأسه تكريت مطالبين إياه بتسليم السلطة وهى المحاولة التى حظيت بدعم شعبى نسبى وقتها غير أن قصى صدام حسين لم يدخر وسعا فى استخدام كل سبل البطش والعنف التى تحترفها الوحدات الخاصة بالحرس الجمهورى فى قمع تلك الانتفاضة حتى نجح فى الإجهاز عليها تماما وأطاح هو ووالده برقاب العشرات من ضباط وجنود الحرس الجمهورى الذين كانت لهم علاقة بتدبير مثل هذا الحادث وتشير المصادر نفسها أيضا إلى أن بعض قيادات الحرس الجمهورى العراقى بدأت تتخلى عن ولائها الأعمى للرئيس صدام الأمر الذى دفعها نحو إبداء استعدادها للحوار مع برزان التكريتى الأخ غير الشقيق للرئيس صدام حسين وممثل العراق الدائم لدى المقر الأوروبى للأمم المتحدة فى جنيف الذى تربطه بتلك القيادات علاقة وطيدة ويتمتع بنفوذ لا بأس به فى داخل العراق فضلا عن علاقته الوثيقة بمسئولين أمريكيين وأوروبيين كما يتطلع إلى تولى رئاسة العراق فى أعقاب الإطاحة بصدام حسين ولعل أبرز الإفرازات السلبية للطريقة التى يتعاطى بها مع الجيش العراقى ما أفادت به التقارير السالفة من معلومات حول تدنى كفاءة قوات الحرس الجمهورى وقدراتها القتالية وأدائها العملياتى خلال السنوات الماضية فضلا عن عزوف الشباب العراقى، بما فيه التكريتيون منهم، عن الإقبال على التطوع والالتحاق بقوات الحرس الجمهورى فى الآونة الأخيرة رغم الامتيازات والمزايا الهائلة التى يقدمها لأفراده وعناصره واكتسبت مشاعر الغضب والرغبة فى التمرد التى تجتاح قطاعا لا بأس به داخل الجيش العراقى أهمية أكبر مع حدوث تنسيق جاد خفى بين قيادات عسكرية فى الداخل وبعض قوى المعارضة العراقية فى الخارج بشأن الإطاحة بنظام صدام حسين وهو ما تمثل فى تنظيم أحمد الجلبى رئيس المؤتمر الوطنى العراقى لمحاولة انقلاب ضد صدام فى العام 1995 عبر تعبئة مشاعر الغضب والسخط السائدة بين بعض قيادات الجيش العراقى والتحرك نحو الإطاحة بالنظام الحاكم فى بغداد ورغم أن المحاولة قد باءت بالفشل إلا أنها تعكس عمق الأزمة المكتومة التى تشهدها العلاقة بين نظام صدام حسين والمؤسسة العسكرية العراقية مثلما تضع علامات استفهام أمام إمكانية استمرار صدام حسين على رأس السلطة التى يحميها الجيش وسط هذه الأجواء وفى ظل تلك التطورات المقلقة حيث تقلص ثقة صدام فى جيشه إلى أدنى حد ممكن الأمر الذى دفعه فى منتصف شهر مارس الماضى إلى إصدار قرار بتقسيم العراق إلى أربعة أقاليم جغرافية يمنح قائد كل منها صلاحيات إدارة العمليات العسكرية من خلالها وحماية أمنها الدولى من أى اعتداء أو عدوان تقوم به قوات التحالف مع ضمان التنسيق بينها وبين بعضها البعض ثم قوات فدائى صدام والقوى السياسية الأخرى من ناحية ثم التنسيق بينها وبين القيادة العليا فى بغداد من ناحية أخرى وقد عين صدام نجله قصى قائدا للإقليم الأوسط فيما أوكل إلى عزة إبراهيم قيادة المنطقة الشمالية ثم الفريق أول الركن على حسن المجيد قيادة المنطقة الجنوبية كما عين عضو مجلس قيادة الثورة مزبان خضر قائدا لإقليم الفرات الوسط بجنوب البلاد وفيما اعتبر ذلك استعداد منه للحرب الوشيكة وقتها، لم تكن رغبة صدام فى إحكام قبضته على جبهات القتال المختلفة من خلال عناصر وقيادات موالية له تماما بعيدة عن دوافع هذا القرار الأمريكيون والجيش العراقى: فى سياق الاستعدادات الأمريكية للضربة العسكرية ضد بغداد اقترح بعض كبار القادة العسكريين فى البنتاجون أن يتم إشراك الجيش العراقى فى مهام إعادة اعمار العراق والحفاظ على وحدته واستقراره بعد صدام حسين بعد أن استشعر هؤلاء القادة مدى جسامة مثل هذه المهام بعد معارك عسكرية لا يعرف أحد مداها وقد أبدى مسئولون عديدون فى إدارة بوش تقبلا لذلك المقترح خصوصا بعد أن يخضع الجيش العراقى بعد الحرب لعملية تأهيل وإعداد شاملة على أن يتم احتواء ذلك الجيش وقياداته فى مرحلة ما بعد صدام، وحتى تكون المعارك قصيرة الأجل قليلة الخسائر لجأت إدارة بوش لأسلوب الحرب النفسية والدعائية ضد المقاتلين العراقيين بهدف فك ارتباطهم بصدام حسين وتشجيعهم على الانقلاب عليه أو الاستسلام لقوات التحالف التى جاءت لتحريرهم من سطوة الديكتاتور الطاغية صدام حسين ولتنعم بلادهم بعده بالاستقرار والديمقراطية والتنمية ومع تآكل ثقة الإدارة الأمريكية فى قوى وقيادات المعارضة العراقية بالخارج وفى قدرتها على الاضطلاع بدور حيوى فى مسألة الإطاحة بنظام صدام حسين حتى يتم تقليص حجم الخسائر ومدى المواجهة العسكرية معه إلى أدنى مستوى ممكن بدأت إدارة بوش توجيه اهتمامها فى هذا الخصوص إلى بعض القيادات العسكرية العراقية داخل الجيش حيث تكشف لمسئولين الأمريكيين أن المعارضة العراقية فى الخارج لا يمكن أن تقوم بنفس الدور الذى اضطلعت به قوات التحالف الشمالى الأفغانية إبان حرب أمريكا فى أفغانستان وذلك رغم الدعم المالى والسياسى اللذين وفرتهما واشنطن لتشكيلات وتنظيمات تلك المعارضة بموجب قانون تحرير العراق الذى تبناه الرئيس الأمريكى السابق بيل كلينتون وصدق عليه الكونجرس فى العام 1998 والذى أتاح لقوى المعارضة العراقية فى الخارج فرصا غير مسبوقة للحصول على دعم أمريكى مالى وسياسى وعسكرى هائل ومن هذا المنطلق جاءت فكرة البحث عن شركاء لواشنطن فى الإطاحة بصدام حسين ونظامه من داخل العراق وبالتحديد من بين صفوف القوات المسلحة العراقية وبالتالى تم تدشين قنوات للاتصال المباشر وغير المباشر بين المسئولين أمريكيين وقيادات عسكرية عراقية بهدف إقناعها بالانشقاق والخروج على صدام حسين والتعاون مع قوات الحلفاء للإطاحة به نظير مكافآت سياسية وامتيازات محددة فى مرحلة ما بعد صدام ومن ذلك اتصالات سرية أجرتها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية مع قادة عسكريين عراقيين عبر وسطاء يعملون لحساب أجهزة استخبارات عربية بغية استمالة هؤلاء القادة للانقلاب على صدام ولتعاون مع قوات التحالف غير أن أيا من تلك المحاولات أو الاتصالات لم تكن مجدية وفشلت كل الاتصالات التى تمت فى هذا الخصوص ربما لأن صدام حسين يحكم سبل الرقابة والمتابعة التى ضربها على قيادات جيشه البارزين والتى يتولاها ضباط أمن خاص يقومون بمرافقة ومراقبة كبار القادة العسكريين العراقيين فى مختلف الأسلحة والتشكيلات بما فيها الحرس الجمهورى نفسه الذى يترأسه قصى صدام حسين منذ العام 1992 وينتمى أغلب عناصره لبلدة تكريت والبلدان المجاورة لها والتى تحتوى على العديد من العشائر الموالية لصدام حسين وتربطها به صلات دم أو علاقات مصاهرة ومما يؤكد فشل مثل هذه المساعى والاتصالات ما صرح به مسئول أمريكى بعد أسبوع ن احتدام المعارك فى العراق عندما أكد على أنه لا توجد أية تصدعات داخل القوات العسكرية العراقية كما تشق قوات التحالف طريقها نحو بغداد عبر قتال ضار وتواجه مقاومة شرسة وأضاف ـ أتصور أن الحلقة المقربة بصدام حسين والتى يتقدمها نجلاه قصى وعدى وباقى أقربائه والقيادات البارزة فى حزب البعث والقوات المسلحة سوف تظل متماسكة وموحدة وموالية لصدام حتى النهاية ـ وفى السياق نفسه يؤكد مسئول عسكرى أمريكى ضمن قيادات قوات التحالف بالعراق على أن المشاعر الوطنية والعقيدة العسكرية للمقاتلين العراقيين متماسكان كما يضيف ـ نحن قللنا من شأن قدرة العراقيين على المقاومة وقللنا من شأن الروح الوطنية للمقاتلين العراقيين بينما ضخما من شأن دعوانا بتحقيق الحرية للعراقيين وفيما يتصل بقوات الحرس الجمهورى العراقية يؤكد المسئول الأمريكى أن تلك القوات تقاتل بشراسة وتجبر القوات المتحالفة على تغيير خططها فى أكثر من موقع وعلى عكس الوضع خلال حرب عام 1991 والتى استسلم خلالها زهاء 80 ألف جندى عراقى لقوات التحالف الدولية لم يستسلم العراقيون هذه المرة إذ لم يسقط فى أيدى قوات التحالف حتى اليوم العاشر للحرب ووفقا لرواياتهم سوى 8700 مقاتل عراقى معظمهم من الأسرى وفى حين كان يراهن الأمريكيون على تكرار سيناريو الاستسلام أو الانقلاب على صدام على غرار ما حدث فى العام 1991 لم يحدث وأن أعلنت أية جماعة عسكرية تمردا على صدام خصوصا قوات الحرس الجمهورى التى اختار صدام أفرادها بعناية ونجح فى إقناعهم بأن لا سبيل أمامهم سوى القتال بشراسة حتى الموت لأنه لا يمكن لأية جهة دولية أو إقليمية أن تمد يد العون لهم وهم معروفون بولائهم الشديد لصدام وتصفيتهم للمئات من خصومه السياسيين والعسكريين ولأول مرة برز دور قوات فدائيى صدام التى يترأسها عدى صدام حسين خلال المعارك إبان معركة أم القصر ورغم أن تعداد تلك القوات لا يتجاوز العشرين ألفا إلا أن استعدادهم للقيام بعمليات فدائية انتحارية ضد قوات التحالف أو أية قوى مناوئة لصدام أكسبها أهمية بالغة وهو ما وضح جليا فى العملية الانتحارية التى نفذها أحد ضباطها ضد قوات التحالف قرب النجف يوم 29 مارس الماضى والتى أودى خلالها بحياة عدد من الجنوب الأمريكيين والبريطانيين ليؤكد بذلك أن العراقيين لن يستقبلوا قوات التحالف بالزهور مثلما لن يقوموا بأى تمرد أو انقلاب على صدام حسين علاوة على ذلك ساعد إخفاق قوى التحالف فى إنهاء الحرب بأسرع وقت ممكن وبأقل تكلفة ممكنة على تفجر المشاعر القومية والدينية لدى قوى عربية إسلامية عديدة فى داخل العراق وخارجه على نحو جعل من حرب أمريكا ضد صدام مواجه جديدة بين الغرب المسيحى الذى يوجهه اليهود ضد الإسلام والمسلمين ومن ثم برزت الدعوات للجهاد فى العراق ضد القوات الأجنبية المعتدية حيث وصل إلى العراق ما يربو على خمسة آلاف متطوع عربى ومسلم للمشاركة فى قتال المعتدين تساندهم تشكيلات من تنظيم الجهاد الفلسطينى ليتحول صدام حسين من طاغية إلى ضحية للعدوان الأجنبى وليصبح فى خندق واحد مع الشعب العراقى فى مواجهة قوات التحالف وبدوره فقد هرع صدام لاستغلال تلك التطورات حيث سعى إلى إلهاب المشاعر الوطنية لدى الجنود والمواطنين العراقيين واستنهاض هممهم فى خطبه وبياناته للقتال ودحر الغزاة المعتدين وهم متماسكين وموحدين كما قرر منح أوسمة لقادة وجنود وحدات الجيش العراقى فى مناطق أم قصر وجزيرة الفاو ومدينة الناصرية وذلك تكريما لهم ولدفاعهم البطولى عن مدنهم فى مواجهة العدوان الذى تشنه عليها قوات التحالف كما أذاع التليفزيون العراقى أن الفرقة الحادية عشرة التى دافعت عن الناصرية سوف يحصل أفرادها على ميداليات كما سوف تمنح الحكومة العراقية لأسرة كل منهم مبلغ مليونى دينار عراقى أى ما يعادل 670 دولارا أمريكيا أى أن صدام قد استفاد من صلابة المقاومة العراقية وتنامى المعارضة الدولية للحرب بحيث نجح فى تدشين روابط جديدة مع الجيش العراقى والمواطنين العراقيين وهى روابط رغم أنها وليدة الموقف الصعب إلا أنها كفيلة بتقليص فرص الانقلاب أو الخروج عليه على الأقل طالما بقيت المقاومة العراقية صامدة وظلت قوات التحالف تخطئ أهدافها وتنال من المدنيين العراقيين ماذا بعد: أما وأن الحرب ضد العراق لا تزال مشتعلة فإن أية محاولة لاستشراف مستقبل الدور السياسى للجيش العراقى تظل مرتبطة بملابسات ومعطيات الوضع الراهن حيث لا يزال الجيش العراقى متماسكا يتصدى لقوات التحالف قدر استطاعته ولم تدفع الحرب أية قوى سياسية أو عسكرية كانت موالية للرئيس صدام قبل الحرب نحو الانقلاب أو الخروج عليه كما تظل فكرة إشراف البنتاجون على حكم العراق بعد سقوط صدام حسين مطروحة بعد أن أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية عن نيتها إنشاء 23 وزارة عراقية جديدة بعد صدام على رأس كل منها مسئول عسكرى أمريكى يتبع الجنرال تومى فرانكس الذى يتبع بدوره وزارة الدفاع الأمريكية وسيكون لكل وزارة أربعة مستشارين عراقيين غالبا ما سيكونوا من أبرز قيادات المعارضة العراقية فى الخارج مثل أحمد الجلبى رئيس المؤتمر الوطنى العراقى وإن كان هذا الأخير قد أبدى رفضه لمثل هذا المنصب سيما وأنه كان يتطلع لتقلد منصب وزراء العراق وفى تقرير لمركز البحوث الاستراتيجية والدولية بواشنطن ورد أن هناك خطة أمريكية للتعاطى مع الجيش العراقى فى مرحلة ما بعد صدام حسين تقوم على إعادة تأهيل هذا الجيش للقيام بمهام محددة تتصل بعمليات إعادة الاعمار وحفظ الأمن وحماية حدود العراق وتستند عملية التأهيل هذه إلى عدة محاور أهمها: ـ تقليص عدد الجيش العراقى من 350 ألف مقاتل إلى 150ألف فقط وتجريده من أسلحته تحت رقابة صارمة من جانب قوات التحالف. ـ حل أجهزة الاستخبارات والأمن الخاص وقوات الحرس الجمهورى ـ إبعاد الجيش عن السياسة كلية والحيلولة دون تسييسه على نحو ما كان سائدا من قبل ومنعه من التدخل لحسم أى صراع سياسى بمساندة فصيل أو جماعة إثنية محددة ضد الأخرى ـ إعادة بناء الجيش وصياغة العلاقات بين فصائله وأفراده بحيث يكون الجيش بوتقة لصهر التعدد الإثنى والطائفى فى العراق ـ التخلص من العناصر التى كانت موالية لصدام حسين وتجريدها من أى نفوذ أو مواقع حساسة وهو ما اتضح فى تعاطى قوات لتحالف مع الوضع فى ميناء أم القصر بعد إحكام السيطرة عليه حيث إطاحة قوات التحالف بكل القادة العسكريين والمسئولين الموالين لصدام فى الميناء وتركت المدنيين فقط تحت إشراف مباشر من مسئولين عسكريين أمريكيين وهو ما يبرز رغبة واشنطن وحلفائها فى تقليص الدور السياسى للجيش العراقى فى مرحلة ما بعد صدام تبقى الإشارة إلى أن جانبا كبيرا من صورة المستقبل لم يزل مجهولا ولن يتضح إلا بعد أن تضع الحرب أوزارها وتحقق نتائجها وهو الهدف الذى أعلنه الحلفاء المتمثل فى الإطاحة بصدام حسين ونظامه حيث تظل احتمالات سير الأمور على النحو الذى عرضناه قائمة لم تحدث مفاجآت أثناء سير القتال، فقد تميل بعض القيادات العسكرية العراقية إلى تغيير موقفها والاستسلام لقوات الحلفاء أو التفكير فى الانقلاب على صدام خصوصا إذا ما سقطت بغداد فى يد قوات التحالف وانهارت المقاومة العراقية أو حتى بعد أن يلقى صدام حسين مصرعه خلال المعارك غير أن أحدا من قادة قوات التحالف قد لا يفكر فى تقديم مقترح باسناد أى دور سياسى مستقبلى لمثل هؤلاء القادة العسكريين العراقيين ذلك أن تدهور ثقة العراقيين فى الولايات المتحدة منذ تخليها عنهم فى العام 1991 ثم المقاومة العراقية الشرسة خلال الحرب الراهنة سوف يزيد من إصرار الأمريكيين وحلفائهم على ضرورة العمل من أجل تقليص نفوذ وقدرات الجيش العراقى وتهميش دوره السياسى أو ربما تحييده على أقل تقدير خلال مرحلة ما بعد الحرب.