Share |
اكتوبر 2003
1
سوريا وتداعيات احتلال العراق: التماسك الداخلى لمواجهة التهديدات الخارجية.
المصدر: السياسة الدولية
بقلم:   حسن ابوطالب

شكل احتلال العراق متغيرا استراتيجيا مهما لم تفلت من آثاره أى من دول المنطقة كل حسب قربها الجغرافى والسياسى من حدثى الغزو والاحتلال ذاته وتعد سوريا إحدى الدول الأكثر تأثرا بغزو العراق واحتلاله استنادا إلى حقائق الجغرافيا والتاريخ والسياسة معا هو تأثر يصعب انكار محتواه السلبى بشقيه المباشر وغير المباشر وتعد الضغوط التى تمارسها الولايات المتحدة سياسيا حتى كتابة هذا التقرير مجرد الواجهة الظاهرة لهذه التأثيرات والتى تهدف بدورها إلى إعادة هيكلة السياسة السورية على نحو يتوافق بأكبر نسبة ممكنة مع المصالح الأمريكية الجديدة فى المنطقة ومجمل الحقائق التى أفرزها احتلال العراق أما على صعيد التأثيرات غير المباشرة وبعيدة المدى معا فالأمر سيتوقف إلى حد كبير على الطريقة التى ستتعامل بها سوريا مع الضغوط الأمريكية من جانب والطريقة التى ستعالج بها القضايا الداخلية المتعلقة بالإصلاح السياسى وزيادة تماسك المجتمع وتمكين المواطنين من حقوقهم الطبيعية من جانب آخر ويهدف هذا التقرير إلى معالجة ثلاثة نقاط مترابطة على النحو التالى النتائج المباشرة لاحتلال العراق وتطور الضغوط الأمريكية من حيث طبيعتها وأهدافها وأخيرا التحرك السورى فى مواجهة الضغوط.
أولا: سوريا ونتائج احتلال العراق:
أ ـ الحصار السياسى الخارجى:
أدى احتلال العراق إلى عدة نتائج مهمة يمكن إجمالها فى زيادة درجة حصار سوريا سياسيا واستراتيجيا فالعراق الذى كان يشكل رغم الاختلافات السياسية بين نظامى البعث فى البلدين عمقا استراتيجيا تستند اليه دمشق أو على الأقل تأمن شره فى لحظات الأزمات الكبرى فى الصراع العربى الإسرائيلى تحول بحكم وجود قوات احتلال أمريكية وبريطانية إلى منصة لانطلاق الضغوط المكثفة على سوريا ونظامها الحاكم ولم يعد موضوعيا النظر إلى العراق فى ظل هذه الوضعية كعمق استراتيجى لسوريا على الأقل حتى استعادة العراقيين كامل سيادتهم على شئونهم وتحرير علاقاتهم الخارجية من النفوذ الأمريكى المباشر عليها ولعل النظرة العابرة على الواقع الجغرافى السياسى الذى بات يحيط بسوريا بعد احتلال العراق يكشف عن زيادة درجة الحصار بالمعنى العام اذ باتت البلاد تحت شقى الرحى الإسرائيلية غربا والأمريكية شرقا وكلاهما جاران شريران إلى حد كبير ويعلن كل منهما عن تبرمه ورفضه للمواقف والسياسات السورية إزاء العديد من القضايا التى تعتبرها سوريا حيوية وتمس أمنها القومى المباشر فى حين أن العمق السياسى الاستراتيجى الآخر لسوريا ممثلا فى إيران يتعرض أيضا لضغوط وتهديدات أمريكية مباشرة ومتزايدة بحيث اصبح مشروعا إثارة التساؤلات عن مدى قدرة البلدين على التمسك بهذا التحالف والاستناد اليه فى مواجهة الضغوط الأمريكية المتصاعدة تجاههما كل على حدة فى الوقت ذاته الذى تستهدف فيه واشنطن فصم هذا التحالف باعتباره موجها إلى مصالحها بالأساس أو يمارس دور سلبيا تجاه مشروعاتها الخاصة بمستقبل المنطقة أما شمالا فى اتجاه تركيا فهناك قدر كبير من التحسن فى العلاقات السورية التركية كما أن سياسة حكومة حزب العدالة والتنمية ذات طابع سلمى تجاه القضايا العربية ومع ذلك فمن الصعب اعتبار تلك الجبهة مؤمنة تماما أو أنها رصيد سياسى موثوق به دائما لاسيما فى لحظات الأزمات الكبرى ومع إدراك أن تركيا تظل دائما معرضة لضغوط وتدخلات أمريكية عنيفة لكى تتوافق مع الاعتبارات التى تحرك واشنطن فى المنطقة فإن أقصى ما يمكن أن تقدمه انقره لسوريا يظل فى قائما فى دائرة الحياد دون أن يتطور إلى الدعم والمساندة ولا يختلف الوضع العربى كثيرا فحالة التشرذم وانكفاء كل الأطراف العربية على ذواتها من أجل الخروج من دائرة الاستهداف الأمريكى المباشر تحصر أى مساندة متوقعة فى إطار المواقف السياسية والتضامن المعنوى وحتى فى حال الامتناع عن التجاوب مع أى مساع أمريكية لفرض عقوبات أو ممارسة ضغوط سياسية على دمشق فإن هذا الامتناع لن يعوض النتائج المضادة المتصورة التى قد تنتج عن فرض عقوبات اقتصادية أمريكية حسب ما ينص عليه مشروع قانون محاسبة سوريا وما يعنيه ذلك معنويا بالنسبة لبلد يسعى إلى الانفتاح الاقتصادى والتكيف مع سياسات السوق والعولمة ولكن يظل هناك دور محدود يمكن أن يقدمه التنسيق السياسى بين دمشق وكل من القاهرة والرياض للتخفيف من الضغوط الأمريكية وربما المساهمة فى فتح نافذة لاستعادة الحوار السورى الأمريكى وذلك قبل أن يتحول مشروع قانون محاسبة سوريا إلى واجب قابل للتنفيذ بـ انحسار أيديولوجية البعث:
تتضمن نتائج احتلال العراق نتائج سلبية ذات مضمون أيديولوجى فبعد سقوط نظام حزب البعث فى صيغته الصدامية صارت سوريا النموذج العربى الوحيد الذى يحكمه حزب البعث العربى الاشتراكى كحزب قائد لصيغة تحالف مرنة مع عدد من الأحزاب الصغيرة والتى تشكل جميعها ما يعرف بالجبهة الوطنية التقدمية التى بدورها تضم أحزابا ناصرية وشيوعية ويسارية ومن الناحية الظاهرية يبدو الأمر إيجابيا حيث بقى النموذج السورى المطعم بأفكار وسياسات الرئيس الأسد الأب فى حين انتهى النموذج العراقى الصدامى ومعروف تاريخ الصراع السياسى بين قيادتى الحزبين طوال العقود الثلاثة الماضية بيد أن الجانب الموضوعى ليس كذلك فمن الناحيتين الفكرية والسياسية فإن كلا الحزبين ينتميان إلى رافد فكرى/ سياسى واحد يعنى بتحقيق الوحدة العربية وتثبيت القيم القومية وتدعيم دور الدولة والتمسك بأفكار اشتراكية ومواجهة السياسات المحافظة والتدخلات والمشروعات الصهيونية فى الشئون العربية ولذلك فإن انهيار واختفاء أحد فروع البعث فى بلد مهم ورئيسى كالعراق من شأنه أن يفقد حزب البعث الحاكم فى سوريا ظهيرا فكريا وسياسيا واستراتيجيا وبالتالى يواجه الضغوط والتهديدات الخارجية منفردا يضاف إلى ذلك أنه رغم الصراعات المشهودة تاريخيا بين قيادتى الحزبين على خلفية من يمثل التعبير الحقيقى لروح البعث وقيادته القومية فإن تشابه سلوك الحزبين فى الهيمنة الكاملة على الحالة السياسية كل فى بلده ومصادرة الحريات وقمع الاصوات والحركات الفكرية والسياسية الأخرى ونفى المعارضين قسرا أو دفعهم للنفى الاختيارى يجعل مصير البعث العراقى درسا بليغا لكل من اقترب من صيغته التطبيقية سياسيا حتى ولو لم يكن بنفس الدرجة الدموية التى ميزت البعث العراقى تحت قيادة الرئيس صدام حسين بعبارة أخرى انه رغم الخلافات بين نموذجى بعث سوريا وبعث العراق فإن اختفاء البعث العراقى بالصورة التى حدث بها هذا الاختفاء على يد قوة أجنبية عاتية يمثل ضربة موجهة إلى البعث السورى ولو بطريق غير مباشر وهو ما أشار اليه ريتشارد أرميتاج نائب وزير الخارجية الأمريكية صراحة بقوله ـ ينبغى أن يبقى فى الأذهان أن هناك وضعا استراتيجيا جديدا فى الشرق الأوسط فالولايات المتحدة أنهت أحد حزبى البعث فى المنطقة ويبقى الآن حزب واحد هو البعث السورى(الحياة 22 سبتمبر 2003) وهى اشارة لا تخلو من مغزى ويمكن فهمها على أن من أمكنه القضاء على بعث العراق يمكنه أيضا القضاء على البعث الآخر من جانب آخر فإن الادعاء بتمثيل قيادة قومية متعددة الفروع أصبح أمرا من الماضى كما أن الأفكار الوحدوية بصورتها التقليدية التى يؤمن بها البعث ثبت عقمها ولم تعد قادرة على تحقيق أهدافها الكبرى وأصبح من الضرورى البحث فى تجديد هذه الصيغة بحيث تتحول إلى صيغة فكرية قومية أكثر قابلية لتحقيق أهدافها على أرض الواقع وتلك بدورها مهمة كبيرة لا تصلح معها الظروف العامة التى كان يعيش فيها البعث السورى ومجمل القول هنا أن احتلال العراق واختفاء البعث العراقى لا يمثل إضافة بأى حال للبعث السورى بل انه يمثل خصما سياسيا وقوميا على نحو كبير ومن ثم فإن الطريقة التى سيعمل بها النموذج السورى للخروج من هذا المأزق ستمثل حجر الزاوية فى تجديد مسيرة الحزب وتطوير آليات عمله أو الدفع به نهائيا إلى متحف التاريخ تماما كما حدث بالنسبة لنظيره العراقى مع الأخذ فى الاعتبار أن الحزب اتخذ بعض الخطوات الجزئية سيتم الإشارة اليها لاحقا
ثانيا: الضغوط الأمريكية طبيعتها وتطورها:
تكررت الاشارات الأمريكية السلبية بشأن سوريا قبل بدء الحرب وزادت حدتها أثناء المعارك ووصلت إلى مدى أكثر سخونة بعد أن تأكد سقوط النظام الصدامى تماما وتمت السيطرة العسكرية الأمريكية البريطانية على الأراضى العراقية برمتها وأخذت هذه الاشارات السلبية صورة التصريحات النارية من أقطاب الإدارة الأمريكية لاسيما من قبل وزير الدفاع رامسفيلد ونائبه بول وولفوتيز وكذلك وزير الخارجية كولن باول وكبار العاملين معه كما أن الرئيس بوش نفسه وجه انتقادات لسوريا عدة مرات لاسيما أثناء الأسبوعين الأولين للحرب فى العراق وصاحب تلك التصريحات حملة إعلامية تغذيها جهات معروفة بصلاتها الصهيونية القوية ثم وصلت تلك الحملة مدى جديدا منتصف شهر سبتمبر الماضى عندما تجدد الحديث الأمريكى عن قانون محاسبة سوريا والسماح بعقد جلسة استماع لجنة الشرق الأوسط الفرعية التابعة للجنة الشئون الخارجية فى الكونجرس الأمريكى قدم فيها جون بولتون مساعد وزير الخارجية شهادته المكتوبة والتى تضمنت اتهامات لسورية صيغت بطريقة مراوغة ولكنها تترك انطباعا قويا بسعى دمشق المطرد إلى امتلاك أسلحة نووية فى حين أن الاتهامات الخاصة بامتلاك أسلحة كيماوية وبيولوجية وإنتاج وتخزين غاز السارين والأعصاب كانت صارمة ومحددة وهى أمور اعتبرها المسئول الأمريكى تبرر القلق
أ ـ أهداف ذات طبيعة تكتيكية:
على صعيد تطور الاتهامات الأمريكية وفى كل من المرحلة السابقة مباشرة للغزو الانجلو أمريكى ومرحلة العمليات العسكرية كان ثمة هدف أساسى يمكن تلمسه على نحو معين فقبل بدء العمليات الحربية كان المطلوب تحييد سوريا والتأثير على موقفها المعارض للحرب ودفعها إلى الوقوف على الحياد وفى المرحلة الثانية تمثل الهدف فى منعها من القيام بأى جهد عسكرى أو سياسى أو رمزى يمكن أن يؤثر على سير العمليات العسكرية خاصة مسألة فتح ممرات آمنة لمتطوعين عرب أو أجانب عبر الحدود السورية العراقية والتغاضى عن شحنات أسلحة تمر عبر الأراضى السورية للقوات العراقية وهى الشحنات التى حددها وزير الدفاع الأمريكى بأجهزة رؤية ليلية وصواريخ مضادة للدروع ذهبت إلى الجيش العراقى والمقاومة العراقية وهو ما نفته دمشق فى حينه وفى أثناء العمليات العسكرية الأقل كثافة خاصة فى الأيام التالية مباشرة لسقوط بغداد زاد الإصرار الأمريكى على ضرورة إغلاق الحدود بين البلدين والسيطرة التامة على حركة المسافرين من وإلى العراق بما فى ذلك الذين يشتبه فى انهم من رموز النظام البائد والمطلوبين لما سمى بالعدالة الأمريكية ويمكن القول أن هذه الأهداف تبدو مفهومة إلى حد كبير فى ضوء الاعتبارات الحاكمة للعمليات العسكرية التى تعرضت فى أيامها الأولى إلى انتكاسات واضحة اذ كان المطلوب أمريكيا هو تأمين العمليات العسكرية ومنع المفاجآت عنها من قبل أحد الجيران الإقليميين الذين لهم امتدادات بصورة أو بأخرى إلى الداخل العراقى ويمكن القول أيضا أنها كانت استكمالا للضغوط التى مورست على إيران وتركيا بهدف منع أى منهما من التدخل المباشر أو غير المباشر فى الشأن العراقى ومن ثم فهى تدخل فى عداد الأهداف التكتيكية ذات صلة مباشرة بالعمل الحربى نفسه وبتوفير عوامل النجاح له كما هو مخطط مسبقا بـ خطوة نحو الاستراتيجية:
بعد انهيار النظام الصدامى بدت لغة التهديد الأمريكى لسوريا أبعد كثيرا عن الاطار التكتيكى البحت أو بعبارة أخرى اقتربت من كونها هدفا استراتيجيا يخفى وراءه ما هو أبعد من مجرد الضغط السياسى المكثف على سوريا من أجل تمرير الحملة العسكرية على العراق وأبعادها عن التأثير فى عملية بناء الدولة العراقية الجديدة وفقا للتصور الأمريكى فبعد يومين من احتلال بغداد طالب الرئيس بوش سوريا بالتعاون على حد تعبيره فى ثلاث مسائل معقدة وهى:ـ عدم توفير مأوى لقادة النظام العراقى البائد على أى نحو وتسليم من هو على الأراضى السورية والتعاون فى نزع ما أسماه الأسلحة الكيماوية والبيولوجية المتوافرة لديها والتوقف عن دعم المنظمات الإرهابية وهو التعبير الذى يعنى وقف التعامل مع المنظمات الفلسطينية المعارضة نهج أوسلو وخريطة الطريق والموجود لها مقرات إعلامية فى دمشق إضافة إلى حزب الله اللبنانى وفى هذه الآونة تم تسريب معلومات حول وقف واشنطن كافة الاتصالات الاستخباراتية مع دمشق فى خطوة ضغط أخرى ذات طابع عملى ملموس ويذكر أن التعاون الأمنى الاستخبارى بين البلدين شهد قفزات كبيرة بعد أحداث 11 سبتمبر وفيه قدمت سوريا للمخابرات الأمريكية معلومات هائلة ومفيدة عن منظمات وأفراد لهم صلات وارتباطات بتنظيم القاعدة وهو ما أفاد الولايات المتحدة فى منع عدة عمليات وهجمات ضد مصالح أمريكية مختلفة بينها محاولة قيل انها فى داخل الأراضى الأمريكية نفسها ووفقا لتقارير صحفية أمريكية فإن جورج تينيت رئيس السى أى أيه قد اعترض على قرار وقف الاتصالات الاستخبارية مع دمشق نظرا لأن القناة السورية قدمت معلومات أكثر مما كان متوقعا وأن استمرار هذه القناة مفيد جدا للأمن القومى الأمريكى لكن القرار انتهى بوقف العمل عبر تلك القناة كنوع من التعبير عن استياء واشنطن وعدم رضائها عن التصرفات السورية فيما اظهر نفوذ المجموعة اليمينية المتنفذة فى دوائر صنع القرار الأمريكى وميلها الشديد إلى تصعيد الضغوط على سوريا لأهداف تعتبر متجانسة مع الاستراتيجية الأمريكية فى المنطقة الهادفة أحداث تغييرات جذرية فيها ثم جاء التصريح الأخطر من كولن باول بعد يومين آخرين من تصريحات الرئيس بوش ومضمونه التفكير جديا فى توقيع عقوبات دبلوماسية واقتصادية على سوريا فى اشارة إلى القانون المعروف بمحاسبة سوريا والذى صاحبه زمنيا تصريح وزير الدفاع رامسفيلد أبرز صقور إدارة بوش بأن سوريا أجرت تجربة على أسلحة كيميائية خلال العام أو الخمسة عشر شهرا المنصرمة وبما يعنى أن سوريا أصبحت مصدر تهديد للمصالح الأمريكية فى المنطقة حسب التفسيرات المعتمدة للاستراتيجية الوقائية الأمر الذى يشير إلى أن مجمل التهديدات الأمريكية تحركت خطوة أخرى على طريق ربط سوريا مباشرة بالاستراتيجية الوقائية المعلنة من قبل إدارة بوش والتى تمثل الأساس الفكرى/ العقيدى للضرب المسبق لما يسمى بالدول الراعية للإرهاب والمالكة لأسلحة دمار شامل والتى يخشى أو يتوهم أنها تمثل تهديدا جديا للولايات المتحدة نفسها لاحقا ووفقا لهذه الاعتبارات فقد صارت سوريا هدفا مشروعا من وجهة النظر الأمريكية هنا يلفت النظر أمران أن هذه الضغوط المتصاعدة تفاعلت فى المرحلة التالية مباشرة لاحتلال بغداد وانهيار نظام حزب البعث العراقى وهى مرحلة لم تكن قد شهدت أى شكل من أشكال المقاومة العراقية ومن ثم فقد بات الجناح اليمينى المتنفذ داخل إدارة بوش وفى ضوء نجاح حربه على العراق بتكلفة بشرية زهيدة جدا وفى مدى زمنى قصير جدا بات مقتنعا بصحة مقولاته وبطريقة تفوق التوقعات السابقة مما يجعله طامعا فى تجربة أخرى للتدخل العسكرى السريع فى المنطقة نفسها وإزاء دولة يعتبرها منذ فترة سابقة راعية للإرهاب ومصدر متاعب سياسية كثيرة للاستراتيجية الأمريكية ولحليفتها إسرائيل الأمر الثانى أن الوضع السورى عسكريا لا يزيد كثيرا عن الوضع العراقى فى حين أن اختلاف الحالة السورية سياسيا ورمزيا عن الحالة العراقية أى عدم خضوعها لعقوبات دولية أو عزلة سياسية لا يمثل أى عائق يذكر بالنسبة للجناح اليمينى الأمريكى.
ج ـ التصعيد الأمريكى وتلويح بالعقوبات الاقتصادية: ومع تصاعد أعمال المقاومة العراقية ضد الاحتلال الأمريكى وتصاعد الانفلات الأمنى ودخول السياسات الأمريكية فى العراق دائرة التخبط والورطة دخلت الضغوط والتهديدات الأمريكية مرحلة جديدة أكثر خطورة وقد مر ذلك التحول بمرحلتين:
المرحلة الأولى مرحلة استقطاب سوريا للتعاون الطوعى وفقا للخطط الأمريكية وهو ما تمثل فى زيارة كولن باول إلى دمشق فى مطلع مايو حيث قدم ما أسماه مطالب على دمشق أن تنفذها وقد تضمنت تلك المطالب خمسة مجالات وهى:
1 ـ وقف التعامل مع المنظمات الفلسطينية الموجودة فى دمشق وإغلاق مكاتبها وإنهاء الدعم السياسى والمادى لحزب الله اللبنانى وعدم عرقلة أى تطور يحدث على المسار الفلسطينى الإسرائيلى فى ضوء تطبيق خطة خريطة الطريق.
2 ـ الانسحاب العسكرى الكامل من لبنان ووقف التدخل فى شئون لبنان الداخلية.
3 ـ التخلص من مخزونات أسلحة الدمار الشامل الكيماوية والبيولوجية ووقف المساعى لامتلاك أسلحة نووية.
4 ـ السيطرة الكاملة على الحدود السورية العراقية ووقف أى أنشطة تعتبرها واشنطن عدائية ضد القوات الأمريكية فى العراق تنطلق من الأراضى السورية سواء أفراد أو شحنات أسلحة لمجموعات المقاومة العراقية.
5 ـ اتخاذ مجموعة اجراءات سياسية داخلية كالغاء قانون الطوارئ وتوسيع الحريات السياسية والاقتصادية وتقليص هيمنة الحزب والدولة على المجتمع واقع الحال أن هذه المطالب الأمريكية التى حملها باول إلى دمشق كانت تصب مباشرة فى تحقيق هدفين أساسيين أولهما تحييد سوريا تماما عن الشأنين العراقى والفلسطينى وثانيا استقطاب سوريا للانخراط طواعية فى مجمل التصورات الأمريكية بشأن المنطقة بما فى ذلك بناء تحالفات إقليمية جديدة وهما هدفان يصعب على سوريا التعاون الطوعى فيهما نظرا لأنهما يؤديان عمليا إلى فقدانها كل عوامل دورها الإقليمى ومن ثم يزيد من انكشافها فى الوقت الذى لا يظهر فيه أى عائد تلتزم به أمريكا يقابل كل تلك التضحيات مرة واحدة أما المرحلة الثانية فقد بدت ملامحها فى عودة إدارة بوش مع مطلع شهر سبتمبر التأكيد على أن الردود السورية على المطالب التى حملها كولن باول لم تكن مرضية بل أنها عكست اصرارا سوريا على عدم استيعاب التغيرات الاستراتيجية الكبرى التى حدثت فى المنطقة وبالتالى فإن تنشيط قانون محاسبة سوريا وتوقيع عقوبات عليها يبدو أمرا منطقيا ويلفت النظر هنا أن إدارة بوش التى منعت عقد جلسة استماع فى يونيه الماضى حول مشروع قانون محاسبة سوريا سمحت بعقد تلك الجلسة فى 16 سبتمبر الماضى وفيها قدم جون بولتون وكيل الخارجية الأمريكية لشئون الحد من انتشار الأسلحة شهادته المكتوبة والتى تضمنت فى الجزء المعلن منها اتهامات لسوريا بأنها لم توقف عبور المتطرفين عبر الحدود للعراق لقتل الجنود الأمريكيين وأنها مازالت مستمرة فى دعمها للمنظمات الإرهابية وأن لديها برنامجا طموحا لتطوير أسلحة دمار شامل بما فى ذلك النووية وقبل يوم واحد من شهادة بولتون كان كولن باول أثناء زيارته للكويت قد حدد شروط بلاده لبناء علاقة جيدة مع سوريا وهى أن تفعل كل ما بوسعها للتأكد من عدم اجتياز بعض الأشخاص الحدود لإثارة المشاكل فى العراق وان تساعد فى العثور على وثائق وحسابات مصرفية عائدة للنظام السابق فى مصارف سورية وانه نظرا لاخفاق دمشق فى تحقيق هذه الشروط فإن الكونجرس سيناقش قانون محاسبة سوريا وكأن رسالة باول أن دمشق ستتعرض للعقوبات إذا لم تقم بتنفيذ الشرطين العاجلين المشار اليهما وكلاهما مرتبطان بالوضع العراقى هذه الاتهامات بشأن أسلحة الدمار الشامل ومن قبل الاتهامات الخاصة بكون سوريا لم تكن متعاونة أثناء الحرب الأمريكية فى العراق بل وكونها ما زالت تدفع بعناصر أجنبية إلى داخل العراق ليقتلوا جنودا أمريكيين تعنى فى العرف الأمريكى العام أن سوريا باتت مسئولة مباشرة عن مقتل الجنود الأمريكيين فى العراق وهو ما يطغى على التفسير المنطقى الذى يعرفه الجميع وحقيقته أن الوجود الأمريكى غير الشرعى وأخطائهم الكبيرة التى وقعوا فيها دفعت العراقيين لاستخدام العنف تعبيرا عن رفضهم لهذا الاحتلال والمهم هنا أن هذه الحملة من الاتهامات مصممة بحيث تجعل الرأى العام الأمريكى معبئا ضد سوريا وقابلا لتوقيع العقوبات عليها بل وربما مستعدا للتورط فى مواجهة عسكرية ضدها لاعتبارات تخص الأمن الأمريكى نفسه وربما ما يمنع ذلك عمليا هو تلك الورطة المتصاعدة التى تحيط بجنود الاحتلال الأمريكى فى العراق أما المسائل الأخرى المتعلقة بكون دمشق غير متعاونة فى موضوع خريطة الطريق وتأوى منظمات فلسطينية تدخل فى العرف الأمريكى تحت بند المنظمات الإرهابية اضافة إلى علاقاتها مع إيران فتأتى جميعها من قبيل زيادة مبررات الضغط والعقاب مجمل الاستنتاج هنا أن العلاقات الأمريكية السورية تقترب أكثر من نقطة اللا عودة وتقترب أكثر من إنهاء التصورات المطروحة بأن البلدين يمكنهما أن يفتحا حوارا متكافئا أو قريبا من التكافؤ لكن يظل هناك أهمية لمحاولة إدراك طبيعة الضغط الأمريكى وهل هو من قبيل الضغوط السياسية التى تهدف إلى الحصول على تنازلات معينة وكفى، أم أن هذه الضغوط مجرد مرحلة تمهد لنوع آخر من الضغوط ونعنى العسكرية المباشرة الهادفة بدورها إلى تغيير النظام السورى جذريا وأهمية مثل هذا التساؤل تنبع من حقيقتين الأولى أن هناك كما هو معلن للكافة استراتيجية شاملة للتغيير فى منطقة الشرق الأوسط ككل تتبناها إدارة الرئيس بوش وهى تمزج بين مفاهيم سياسية وأخرى عسكرية / استراتيجية وأهم ما فيها مفاهيم الهجوم والضربات الوقائية الاستباقية وعدم القبول بأقل من تلبية كامل الطلبات الأمريكية الحقيقة الثانية أن هناك تقارير ومعلومات كثيرة بدأت ترد من داخل الولايات المتحدة تتحدث عن تشكيل حزب سورى معارض يهدف إلى تغيير شامل للنظام الذى يقوده حزب البعث فيما يراه البعض تكرارا لنموذج القيادات العراقية المعارضة التى تبنتها واشنطن فى سياق قانونها السابق المعروف بقانون تحرير العراق وهى القيادات التى تتعاون معها الآن فى إعادة بناء العراق سياسيا وأمنيا هاتان الحقيقتان تصبان فى نتيجة واحدة قوامها أن التهديدات الأمريكية هذه المرة ليست مجرد ضغوط سياسية من أجل تعديل بعض مسارات السياسة الخارجية السورية بل لها هدف استراتيجى كبير يماثل ما جرى فى العراق بمعنى تغيير النظام وإن لم يكن بالضرورة عبر الطرق العسكرية وربما جاز القول أن تلك الحملات التى سوف تتصاعد فى الزمن القريب بطريقة منهجية هدفها إعداد المسرح السياسى والإعلامى والنفسى سواء فى الولايات المتحدة نفسها أو فى المنطقة العربية.
ثالثا: التحرك السورى المضاد حدود الفعل الممكن:
يدرك السوريون أن هذا التصعيد الأمريكى المتواتر يختلف كثيرا عن حملات سابقة وذلك من ناحيتين الأولى مضمونه الواضح المرتبط بالرؤية الأمريكية للحرب الوقائية والثانية الظروف العامة التى تمر بها المنطقة على صعيدى احتلال العراق أمريكيا والعمل على تمرير خريطة الطريق فلسطينيا مع مراعاة المطالب والشروط الإسرائيلية والتفسيرات الواردة من دمشق أن حالة سوريا ليست هى الحالة العراقية فهى بلد فاعل عربيا ودوليا وعضو غير دائم فى مجلس الأمن وليست معزولة أو معرضة لعقوبات دولية من أى نوع أما الهدف الأمريكى حسب الرؤية السورية فيتمثل فى عدة أمور على النحو التالى:
ـ التغطية على مسئوليتهم المباشرة فى الانفلات الأمنى فى ربوع ومدن العراق المختلفة وتحميل المسئولية على أطراف خارجية ومن بينها سوريا التى يعمل الأمريكيون على إبعاد أى تأثير لها فى الشأن العراقى
ـ تليين الموقف السورى تجاه خريطة الطريق الفلسطينية وبحيث تهتم سوريا بالضغط على الفصائل الفلسطينية المعارضة لديها بأن تقف على الحياد أو تسهل تمرير الصفقة ولكن دون أن يكون هناك أى ضمانات بأن يتلو ذلك تجاوب سوريا مع المطالب الأمريكية الإسرائيلية بشأن التوصل إلى تسوية نهائية مع تل أبيب
ـ أن الضغط على دمشق هو رسالة ضغط غير مباشرة لدول عربية وإقليمية أخرى كبرى فى المنطقة كمصر والسعودية وإيران وغيرها
ـ أن إسرائيل والقوى المؤيدة لها فى دوائر صنع القرار الأمريكية هى التى تحرك تلك الحملات السياسية والإعلامية بهدف منع أى تواصل سورى أمريكى كالذى حدث بعد هجمات 11 سبتمبر وكان يبشر بنوع من الحوار الجاد بين البلدين حول القضايا المشتركة
ـ التأثير على الدور السورى إقليميا من خلال نزع كل أوراق القوة التى يقوم عليها الدور لاسيما التحالف مع لبنان وإيران ومجمل هذه التفسيرات السورية يصب فى محاولة استيعاب التصعيد الأمريكى عبر الفصل بين الهدف الظاهرى لهذا التصعيد وأهدافه المباشرة أى سوريا وبين الأهداف الحقيقية التى تتعدى سوريا نفسها إلى قضايا تخص المنطقة ككل وتعنى دولا مهمة عربية وغير عربية وبالرغم من التماسك الداخلى لهذه التفسيرات وصحتها معا فانها تؤكد ولو بطريق غير مباشر على أن سوريا تمثل الحلقة الأضعف عربيا أو على الأقل الأضعف فى حدود المرحلة التالية مباشرة لاحتلال العراق، ومن ثم فهى قابلة لأن تتعرض لضغط مباشر وصريح قد يتطور إلى مدى أكبر من كونه تكتيكيا إلى أن يصبح استراتيجيا بكل معنى الكلمة يبدأ بالعقوبات الأمريكية وقد يتطور لحالة عقوبات دولية ثم تدخل ما بالقوة المسلحة والمهم هنا أن الموقف السورى لا يرفض تماما مبدأ التعاون مع الولايات المتحدة فى القضايا المشتركة ويدعو إلى حوار متكافئ يصب فى هذا السياق ومن ناحية أخرى فإن لسوريا شكوكا من أن أى تعاون مع الولايات المتحدة قد يؤدى إلى حالة انفتاح حقيقية فى علاقات البلدين ولعل تجربة التعاون الاستخبارى حول التنظيمات الإسلامية والمعلومات المهمة التى قدمتها الأجهزة السورية لنظيرتها الأمريكية والتى قابلتها إدارة بوش بكل نكران وجحود تعطى مؤشرا سلبيا بكل المقاييس حول الطريقة التى قد تكافئ بها سوريا مستقبلا اذا ما تعاونت بشكل مرضٍ مع بعض وليس كل المطالب الأمريكية وهو ما عبر عنه فاروق الشرع وزير الخارجية السورى عن استعداد بلاده للتعاون مع واشنطن اذا كانت مطالبها معقولة وتصب فى خدمة استقرار الوضع العراقى أو التسوية السلمية للقضية الفلسطينية مؤكدا انه لا توجد دولة فى العالم تتعاون مع الولايات المتحدة بدون تحفظ فى اشارة غير مباشرة إلى أن هناك تحفظات سورية على المطالب الأمريكية (الحياة 17 سبتمبر 2003) وفى التصريحات ذاتها تبلور موقف سوريا من أن مشروع قانون محاسبة سوريا الأمريكى يهدف إلى أن تتنازل عن مواقفها الأساسية تجاه قضايا المنطقة وهو ما لن تفعله دمشق لأسباب مالية أو اقتصادية فى إشارة إلى التضحية بتلك الاعتبارات لصالح استمرار تماسك الموقف السورى استراتيجيا إلى جانب الدعوة إلى الحوار مع الإدارة الأمريكية لتسوية القضايا العالقة والتعاون المشروط بالمعقولية كانت هناك عدة خطوات عملية أخرى استهدفت الالتفاف على الضغوط الأمريكية بعضها ارتبط بقضايا خارجية والآخر بقضايا داخلية على الصعيد الخارجى فقد أعيد انتشار القوات السورية فى لبنان فى النصف الأول من يوليه 2003 بطريقة تخفف من ظهور هذه القوات فى المواقع التى تعد نقاط تماس مباشرة مع المواطنين اللبنانيين اضافة إلى طرح مبادرة فى مجلس الأمن الدولى لاستصدار قرار ينص على اخلاء منطقة الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل وهو ما حالت دونه الولايات المتحدة باعتبار أن الوقت ليس مناسبا بعد للإسراع فى مفاوضات الشراكة مع الاتحاد الأوروبى لتوقيع اتفاق سياسى واقتصادى تحسبا لتوقيع عقوبات اقتصادية أمريكية أما عراقيا فقد اتخذت السلطات السورية بعض خطوات للسيطرة على الحدود مع العراق وخففت من رفض التعامل مع مجلس الحكم العراقى الانتقالى وقررت التعامل معه كأمر واقع دون منحه شرعية كاملة وإعلان الاستعداد للحوار مع أعضائه كأفراد عراقيين يسعون إلى مصلحة بلادهم حسب الظروف المتاحة والموافقة على شغل مجلس الحكم لمقعد العراق فى الجامعة العربية بصورة مؤقتة حسب نص القرار الصادر من مجلس وزراء الخارجية العرب والتأكيد على أن موقف سوريا بالنسبة للمسار الفلسطينى هو ما يقبله الفلسطينيون وان دمشق لا تتدخل ولا تعرقل أى شئ بالنسبة لخريطة الطريق رغم أنها ترى أن المنهج المتبع فيه الكثير من الثغرات التى تحول دون التوصل إلى تسوية سياسية مستقرة وشاملة وفى الاطار ذاته اتخذت خطوة تقليص الظهور للقيادات الفلسطينية الموجودة فى دمشق حيث أغلقت مكاتب هذه القيادات دون أن يعلن هل جاء ذلك بقرار سورى أم بمبادرة من تلك القيادات نفسها تقديرا للضغوط التى تمارس على دمشق وفى المجال العراقى أيضا ذكرت تقارير صحفية أن مصادر أوروبية عليا لها علاقات طيبة مع دمشق نصحت عبر جهة عربية رئيسية أن تتعامل دمشق بجدية مع التهديدات الأمريكية باقرار قانون محاسبة سوريا فى حين أن دمشق قدمت ثلاثة مقترحات أمنية للجانب الأمريكى وهى الاستعداد لإرسال قوة عسكرية أمنية استخبارية سورية إلى العراق بالتفاهم مع الأمريكيين والاستعداد لتشكيل قوات أمنية مشتركة مع القوات الأمريكية لاحكام السيطرة على الحدود السورية العراقية والاستعداد للتعاون مع الأمريكيين لتثبيت الأوضاع الأمنية وتحقيق تقدم فى المجال السياسى وهى اقتراحات رفضتها واشنطن انطلاقا من رغبتها على السيطرة الكاملة على عملية إعادة بناء العراق وعدم السماح لأى طرف خارجى بأن يكون له دور فيها واكتفت بأن يكون هناك قرار سورى واضح بعدم التعرض أو تعويق الدور الأمريكى فى العراق أما الاقتراح الذى رحبت به واشنطن فهو الخاص بأن تقوم سوريا باعادة الأموال العراقية التى تعود للنظام السابق والمودعة فى أحد المصارف السورية وتقدر بحوالى 700 مليون دولار على ان يقدم البنك المركزى العراقى طلبا بذلك (الوطن ـ السعودية 24 سبتمبر 2003) على الصعيد الداخلى فقد أخذت بعض خطوات رمزية فى مجال تحرير العملية الاقتصادية كالسماح بانشاء فروع لبنوك خارجية وعدم تجريم التعامل بالدولار الأمريكى وإعداد بعض قوانين للإصلاح الإدارى بالتعاون مع خبراء فرنسيين لمواجهة الظواهر السلبية التى تقف حجر عثرة إزاء الاصلاحات المطلوبة لاسيما ظواهر الفساد المالى والرشوة ومن الناحية السياسية فقد اتخذت بعض قرارات ذات طابع رمزى من قبيل إلغاء الملابس العسكرية للطلاب فى المراحل التعليمية المختلفة والتى كانت تشير إلى نوع من عسكرة العملية التعليمية وإعادة الاعتبار لثلاثة من المواطنين السوريين الذين يمثلون نماذج للنفى السياسى والتسلط الحزبى والأمنى وهم د هيثم مناع الذى يعد زعيما للمنفيين السوريين حيث ظل فى الخارج 25 عاما دون جواز سفر سورى وهيثم المالح المحامى والقاضى السابق والنقابى الذى تعرض للسجن لسنوات طويلة والرئيس المنتخب للجمعية السورية لحقوق الإنسان ورياض الترك الذى يعد بمثابة عميد للشيوعيين العرب والذى شارك فى احياء تقليد منتديات الحوار التى ظهرت فى بداية عهد الرئيس بشار الأسد ولكن سرعان ما تم وقفها لاعتبارات وصفت بأنها أمنية كما سمح أيضا بنشر رسالة وجهها عدد من المثقفين والفنانين السوريين نهاية مايو للرئيس بشار الأسد طالبوا فيها انتهاج سياسة الانقاذ لمواجهة التحديات التى تحيط بالبلاد والإفراج عن جميع المسجونين السياسيين وإلغاء الأحكام العرفية وتخفيف إجراءات الأمن الأخرى واطلاق حرية التعبير والدعوة إلى عقد مؤتمر وطنى تشارك فيه كل الاتجاهات السياسية فى البلاد لكن الأمر لم يكن على خط الانفتاح السياسى دائما اذ تم منع صحيفة الدومرى الأسبوعية المستقلة فى الأول من أغسطس الماضى بقرار مباشر من رئيس الوزراء السابق مصطفى ميرو لان بعض المقالات لامست موضوعات ساخنة عن الفساد المستشرى فى البلاد كما قامت سلطات الأمن فى 22 أغسطس 2003 باعتقال 20 ناشطا كانوا يهمون بحضور ندوة ثقافية فى منتدى الكواكبى فى حلب بمناسبة مرورـ 40 عاما على إعلان قانون الطوارئ فى سوريا أفرج عن 14 منهم فى اليوم التالى حسب بيان جمعية حقوق الإنسان فى سوريا وكلتا الواقعتين تدلان على أن اجراءات الانفتاح السياسى ما زالت محدودة وان ثمة قوى نافذة تعمل على وقف أو تعويق تلك العملية وربما الارتداد عنها كلية كما حدث بعد بضعة أشهر على تولى الرئيس بشار السلطة حين تم وقف كافة مظاهر الانفتاح السياسى التى دشنت مع بداية عهده على الصعيد الحزبى فيعد القرار الصادر عن قيادة حزب البعث السورى الرقم 408 والقاضى بحصر دور الحزب فى التخطيط والتوجيه والمحاسبة بدلا من الانغماس فى السلطة والفصل بين الانتماء السياسى للحزب وتولى المناصب الحكومية الرفيعة أحد القرارات التى توحى بأن الحزب فى سوريا استوعب دلالات ما جرى لنظيره فى العراق ومن ثم أثار تكهنات وتفسيرات كثيرة بأن الحزب سوف يعيد هيكلة نفسه على أسس جديدة تحتم أن تكون هناك مساحة مناسبة بين الحزب والحكومة وأن يكون مقدمة لانهاء احتكار الحزب للعملية السياسية منذ 1963 وهو ما تم نفيه لاحقا باستحالة الوصول إلى مرحلة الفصل الكامل بين الحزب والسلطة وأن الضرورة تقر بأن يكون رئيس الوزراء بعثيا إلى جانب العديد من كبار المسئولين فى الدوائر المختلفة وان من المبكر جدا أن يكون هناك رئيس وزراء مستقلا وكان لافتا للنظر انه سمح بجرعة نقد كبيرة فى البرلمان السورى لأداء حكومة مصطفى ميرو السابقة ربما تمهيدا لتغييرها وهو ما حدث لاحقا حيث خلفتها حكومة جديدة برئاسة محمد ناجى عطرى والتى اعتبرت حكومة اصلاح داخلى إداريا واقتصاديا ولعل الملاحظة الرئيسية فى حكومة عطرى الجديدة التى أعلنت 19 سبتمبر الماضى أنها قلصت عدد الحقائب الوزارية لوزراء من حزب البعث من 19 إلى ـ 17 حقيبة فى حين انخفضت حقائب الوزارة جميعها من 35 إلى 30 حقيبة وفى المقابل زاد عدد الحقائب لوزراء مستقلين إلى ستة حقائب بينما انخفض عدد الوزراء المنتمين لأحزاب الجبهة الوطنية التقدمية من 8 إلى سبع حقائب مع بقاء حقيبتى الثقافة والعمل لامرأتين وقد اعتبرت المصادر السورية أن هذا التغيير الحكومى بمثابة رسالة إلى من يهمه الأمر بأن الإصلاح أمر داخلى بحت وسوف يسير وفقا للظروف السورية نفسها وكان الرئيس بشار الأسد قد حدد لحكومة عطرى أولويات من بينها تطوير القضاء والقضاء على الفساد والتوحد مع تطلعات المواطنين والعمل على تلبيتها بصورة منهجية وتحسين الوضع المعيشى لهم لكن المهم فى هذا التغيير الحكومى أنه أبقى على رموز الخارجية والدفاع فيما اعتبر أيضا تمسكا بأسس السياسة الخارجية السورية تجاه القضايا الرئيسية التى تؤثر على المصالح العليا للبلاد خاتمة:
من الواضح أن الاحتلال الأمريكى للعراق يمثل ضربة للأمن القومى السورى كما أنه يضع سوريا على مرمى حجر إذا ما قررت الدوائر اليمينية الأمريكية إعادة تجربة العمل العسكرى مرة أخرى فى المنطقة وبالرغم من أن الضغوط التى مورست على دمشق حتى اللحظة تعد تكتيكية أكثر منها استراتيجية إلا أنها مؤهلة للتحول إلى هذا المضمار والمقصود بالتكتيكى هنا مجرد دفع سوريا للتكيف مع بعض وليس بالضرورة كل المصالح والأهداف الأمريكية الجديدة فى المنطقة وعدم الوقوف أمام تلك المصالح أما المقصود بالاستراتيجى فهو تلك العملية التى تصمم من أجل إحداث تغيير هيكلى فى وقت محدود بما فى ذلك استخدام أدوات عنيفة كما هو الحال فى الحالة العراقية وأيا كان تفسير الضغوط والتهديدات الأمريكية فإن سوريا شأنها شأن العديد من البلاد العربية تواجه تهديدات مباشرة وواضحة تمس كل أسس سياساتها ومصالحها القومية التقليدية وهو أمر يجب وضعه فى الاعتبار خاصة وأن الحقائق الجديدة فى المنطقة تتجه فى مجملها ناحية الحقائق السيئة والتى تتطلب مهارة فائقة فى التعامل معها والبحث عن توازنات دولية جديدة تقلل نسبيا من الخسائر المحققة أو المحتمل التعرض وهو ما يفهم من محاولة الاسراع بتوقيع اتفاقية شراكة مع الاتحاد الأوروبى اضافة إلى مرونة عالية واتخاذ خطوات رمزية وعملية من شأنها أن ترسل اشارات ايجابية إلى من يهمه الأمر كما حدث على الصعد اللبنانية والعراقية والفلسطينية بيد أن الخطوة الأهم فى مواجهة تلك التهديدات تظل فى الداخل السورى نفسه فلن يحمى سوريا سوى أبنائها المعززين بكرامتهم وحقوقهم الطبيعية التى لا نزاع حولها ومن هنا ضرورة وأهمية إحداث تغييرات كبرى تعنى أساسا بتماسك المجتمع الداخلى عبر عملية إصلاح مستمرة تضرب على أيدى كل الفاسدين دون استثناء وتوفر للمواطن حقوقه وكرامته دون قيد ومن هنا فإن الإجراءات التى اتخذتها السلطات الحزبية والحكومية السورية وان عبرت عن درجة معينة من الانفتاح السياسى لكنها لا تكفى والمطلوب الإسراع فى تلك العملية مع ربطها بعملية انفتاح اقتصادى حقيقى والمشهود هنا أن كل تجارب الإصلاح الاقتصادى العربية والتى رافقها تعثر واضح فى الإصلاح السياسى انتهت بعد فترة إلى تدهور كبير أو على الأقل كان لها سقف محدود للغاية اذ أن غياب الحريات من شأنه أن يحمى الفساد ومن ثم يطيح بالمنجزات التى قد تحدث فى بداية عملية الإصلاح وفى كلمة محددة فإن الإصلاح الداخلى هو شرط لا غنى عنه لمواجهة التهديدات الأمريكية والإسرائيلية أيا كانت طبيعتها أو محتواها ودون ذلك تظل المناورات السياسية عبئا أكثر منها رصيدا مضافا.