Share |
ابريل 2004
1
ماراثون أوروبى أمريكى على النفوذ فى المغرب العربى.
المصدر: السياسة الدولية

(تبلغ مبادلاتها التجارية مع الدول المغاربية حوالى 70% تصديرا واستيرادا) والثانى وضع حد لمعدلات الهجرة المغاربية المتصاعدة تجاه أوروبا خصوصا بعدما تحولت بالفعل إلى صداع ينخر فى رأس القارة العجوز ويسبب لها ارتباكات اقتصادية وأمنية شتى. والاستراتيجية الثانية هى الاستراتيجية الأمريكية التى بدأت تتشكل ملامحها منذ أواخر التسعينات وتحديدا فى يونيو 1998عبر مشروع شراكة أمريكية مغاربية يحمل اسم ستيوارت أيزتستات (وكيل وزارة التجارة فى عهد كلينتون) ويهدف إلى خلق مجال للحوار بين أمريكا من ناحية والدول المغاربية من ناحية أخرى حول السياسة الاقتصادية، وتحقيق الاندماج المغاربى، وإرساء تعاون اقتصادى يقوم على التبادل الحر، وإسناد دور أساسى للقطاع الخاص مع إجراء الاصلاحات الضرورية للنهوض بهذا القطاع وقد تم لاحقا إبرام اتفاق للتجارة والاستثمار مع الجزائر فى يوليو 2001 ومع تونس فى عام 2002 وتسعى المغرب لإبرام اتفاقية للتبادل الحر.
ثم توالت المحاولات الأمريكية للتقرب إلى الدول المغاربية إلى حد أزعج بالفعل الدول الأوروبية وخصوصا فرنسا التى اعتبرت أن أى خطوة أمريكية تجاه هذه المنطقة
(التى ظلت لفترات طويلة أشبه بالفضاء الحيوى لها) هى انتقاص من العلاقة المتميزة التى تربطها بالدول المغاربية ولعل هذا ما كان يعنيه مسئول فرنسى كبير عندما تحدث فى الرباط ذات مرة عن أن الشراكة المغربية مع الولايات المتحدة تتناقض مع الشراكة المغربية الأوروبية.
أيا كان الأمر، فالمحقق أن الاهتمام الأمريكى المفاجئ نسبيا بالدول المغاربية يعنى بشكل ما أن واشنطن لم تعد تقبل التقسيم الكلاسيكى لمناطق النفوذ والذى بمقتضاه تعتبر منطقة المغرب العربى منطقة نفوذ فرنسية فشرعت تخصها بمكان بارز فى صدر أولوياتها خصوصا فى أعقاب وقوع أحداث 11 سبتمبر 2001 الإرهابية فكثفت أشكال التعاون معها، فإلى جانب المناورات المشتركة التى تجريها القوات الأمريكية دوريا مع جيوش كل من تونس، والمغرب وموريتانيا، عرضت واشنطن على (الجزائر، وتونس وموريتانيا) حضور قمة حلف الناتو المقبلة فى أنقرة ومنحها صفة الشريك المرشح للانضمام وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة إذا علمنا أن هناك حوارا يدور بين هذه الدول وحلف الناتو منذ أكثر من خمس سنوات على تنويع وتكثيف علاقات التعاون المتبادلة.
قواعد عسكرية:
وربما لهذا السبب بدأت أوروبا تنظر بنصف عين حذرا وتوجسا إلى التقارب الأمريكى المغاربى الذى أخذ صيغا براجماتية غير مسبوقة، تمثلت فى التفكير فى إقامة قواعد عسكرية فى كل من المغرب وتونس والجزائر تكون أداتها للتدخل السريع فى القارة السوداء فى إطار الاستراتيجية الأمريكية الخاصة بالحرب الاستباقية ومحاربة الإرهاب.
ولقد ارتعدت فرائص أوروبا بالفعل وهى ترى النفوذ الأمريكى يزحف (ويتغلغل) فى المنطقة المغاربية تحت ستار التنسيق من أجل تجفيف مصادر التنظيمات الإرهابية وعلى رأسها تنظيم القاعدة الذى تصفه أمريكا بأنه يمثل تهديدا لها، ولأصدقائها فى العالم.
وليس من شك فى أن جملة الزيارات الخاطفة التى قام بها مسئولون أمريكيون إلى الدول المغاربية الخمس فى الأشهر القليلة الماضية (وليام بيرنز مساعد وزير الخارجية لشئون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ومارك جروسمان مساعد وزير الخارجية للشئون السياسية، وكولن باول وزير الخارجية) هى التى رشحت منطقة المغرب العربى لكى تكون بؤرة تجاذب واستقطاب استراتيجى بين أمريكا وأوروبا، وهو ما أوغر صدور الأوروبيين وجعلهم يشعرون أن مناطق نفوذهم التقليدية تسحب من تحت أقدامهم وهم نيام خصوصا أن الشراكة الأمريكية لم تقف عند حدود الجانب الاقتصادى، وإنما امتدت لتشمل أشكالا عدة من التعاون الأمنى والعسكرى. وفطن الأوروبيون فى الوقت ذاته إلى بعض التسهيلات التى يتضمنها مشروع الشراكة الأمريكية المعروف بإسم ستيورات أيزتستات والذى يفصل الاقتصادى عن السياسى ولا يعتبر الإصلاح السياسى والديمقراطى شرطا من شروط الشراكة، عكس الشراكة مع أوروبا التى تتمسك بضرورة إحداث إصلاحات ديمقراطية، ولذلك ارتفعت أصوات داخل الاتحاد الأوروبى تنادى بتقديم إغراءات للدول المغاربية والتخفيف من قيود الشراكة معها وإعطاء الأولوية للعوامل الاقتصادية والثقافية قبل أن تصبح منطقة المغرب العربى مستعمرة أمريكية!
وكان طبيعيا وسط موجات الاستقطاب الأمريكى المتلاحقة للدول المغاربية أن تعيد أوروبا النظر مليا فى علاقتها بالمغرب العربى لتضخ فى شرايينها دماء جديدة خصوصا بعدما تبين أن عملية التعاون الأورمتوسطى المعروفة بعملية برشلونة قد أصابها الفتور بسبب عدة عوامل، منها عدم التوصل إلى حلول بشأن عملية السلام فى الصراع الفلسطينى الإسرائيلى، واقتناع أطراف عربية فى جنوب المتوسط بأن توسع الاتحاد الأوروبى وانفتاحه على أوروبا الشرقية قد أثر سلبا على مسار الشراكة الأورومتوسطى، وشعور دول جنوب المتوسط بأنها مهمشة على صعيد وضع البرامج التعاونية التى تستأثر برسمها دول شمال المتوسط (الاتحاد الأوروبى) فضلا عن عجز المساعدات المالية عن تحقيق التقدم الاقتصادى والاجتماعى المرتقب ومحدودية تأثير برنامج ميدا MEDA الخاص بتمويل بعض المشاريع فى حوض المتوسط.
5+5:
ولذلك لجأت (أوروبا) وتحديدا دول خمس فيها هى فرنسا، وإيطاليا، وأسبانيا، والبرتغال، ومالطا إلى إعادة إطلاق مبادرة الحوض الغربى للبحر المتوسط، والتى تضم معها الدول المغاربية الخمس (تونس والجزائر والمغرب وليبيا وموريتانيا) وهى مبادرة شراكة كانت انطلقت شرارتها الأولى فى عام 1990، ثم خبا ضوءها طوال أكثر من عقد من الزمان، وعادت مجددا بسبب الرغبة فى منع النفوذ الأمريكى من الانفراد بمنطقة المغرب العربى وانعقدت بالفعل قمة تعرف باسم (5+5) فى تونس فى ديسمبر 2003 لتدفع باتجاه تجديد التقارب الأورومغاربى الذى لا يلغى بالطبع التعاون الأورومتوسطى، وإنما يكرسه بين دول المغرب العربى وأوروبا الجنوبية.
وفى إطار الماراثون الأمريكى الأوروبى حول هذه المنطقة تحديدا، لم تشأ الإدارة الأمريكية أن تترك دول أوروبا الجنوبية تهنأ بهذه القمة فأرسلت على عجل وزير خارجيتها كولن باول ليلتقى قبل التئام القمة بيوم واحد بقادة الدول المغاربية ويجدد معها أواصر شراكة أمريكية تربطها مباشرة بدبلوماسية واشنطن فى المنطقة العربية والشرق الأوسط على وجه الخصوص وتجلى ذلك فى القرار الخاص بإنشاء مكتب إقليمى لتنفيذ المبادرة الأمريكية لإقامة شراكة بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط يكون مقره داخل السفارة الأمريكية فى تونس.
كما أسرفت واشنطن فى مدح تونس التى اعتبرتها أكثر الدول العربية علمانية، وصوت الاعتدال والتجانس الإقليمى على حد قول ريتشارد باوتشر المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية.
والثابت أيضا أن تونس قد بذلت جهدا كبيرا لتوفير المناخ الذى جعل ليبيا تدرك أن الوقت قد حان لتغيير سياستها وكان ذلك المدخل إلى اعتراف ليبيا بامتلاكها لأسلحة دمار شامل وتسليمها إياها لاحقا إلى واشنطن، ومن ثم تحسن العلاقات الليبية الأمريكية.
وتذكر أوساط سياسية فى أمريكا أن التعاون الأمنى والإستخباراتى بين تونس والجزائر والمغرب من ناحية، والولايات المتحدة من ناحية أخرى قد شهد تقدما ملحوظا بعد سقوط بغداد، فانتشر ضباط أمن من الدول الثلاث بالفعل فى العراق وتحديدا على الحدود السورية وفى المناطق المحيطة بالفلوجة والرمادى لمساعدة قوات التحالف فى معرفة المتطوعين العرب الذين انضموا إلى المقاومة العراقية، وكذلك فى التخلص من شبكات التهريب التى ساعدتهم فى التسرب عبر الحدود إلى داخل العراق.
وقد بدا المشهد واضحا بعد زيارة كولن باول لدول المغرب العربى فالسباق المحموم بين أمريكا وأوروبا على استقطاب هذه المنطقة لم يعد سرا رغم أن أحدا لم يعترف به، فها هو الرئيس الفرنسى جاك شيراك ينفى أى منافسة مع الولايات المتحدة فى المنطقة، وذكر تعليقا على زيارة باول السريعة للمغرب العربى أن لديه نظرة متكاملة للعلاقات بين أوروبا ودول المغرب، وقال أن مساهمتنا تهدف إلى تذليل العقبات وتطوير التعاون المغاربى وأضاف أن هذا هو هاجسنا وإذا ساهم الأمريكيون واهتموا بالمنطقة، فهذا جيد ويصب فى اتجاه تطوير أوضاع المغرب وهذا هو هدفنا وشدد شيراك على أن لا منافسه غير صحية مع الولايات المتحدة، وإنما تكامل يبرر اهتمام الأمريكيين وسعيهم إلى تطوير المغرب العربى
أيا كانت الرائحة التى يشتمها المرء من تعليق الرئيس الفرنسى جاك شيراك إلا أن العين لا تخطئ المنافسة الحامية بين الأمريكيين والأوروبيين وتعكسها التحركات الدبلوماسية خصوصا فى هذه المنطقة التى يبدو أن واشنطن تراهن عليها فى إطار مشروعها الخاص بالشرق الأوسط الكبير والذى يمتد ليحتضن بذراعية كامل الامتداد الجغرافى للوطن العربى.
رهانات أورومغاربية:
والصحيح أن أوروبا لا تملك إلا الاستمرار فى تقوية جسور التواصل والشراكة مع الدول المغاربية ولذلك جاءت فكرة (5+5) وكأنها طوق النجاة لينتشلها من المأزق الذى وجدت نفسها فيه، فاعتبرتها مجالا للفعل المشترك مع أوروبا الجنوبية لا يهدف إلى مزاحمة الهياكل الموجودة سواء كانت أفقية أو رأسية بقدر ما ينشد دفعها إلى العمل ويهيئ لها الظروف الإقليمية المناسبة ولذلك ركزت على عدة رهانات تشكل فى مجموعها عناصر قوة أو دفع للتعاون الأورومتوسطى وهى: الرهان البشرى الذى يكتسب أهميته من الطموح إلى حل مشكلة الهجرة من الجنوب إلى الشمال حلا جذريا بطرح بدائل منها تنمية الجنوب، بتدعيم الاستثمار الأجنبى والحد من الآثار السلبية للعولمة، وتكريس الاندماج الاقتصادى على الضفة الجنوبية وهذان الرهانان البشرى والتنموى يقودان حتما إلى الرهان الأمنى بالتعاون من أجل استئصال جذور الإرهاب، وتجفيف مصادر تمويله.
أما الرهان الأخير فيتعلق بحوار الحضارات لا تصادمها، ولاشك أن منطقة حوض البحر المتوسط بما تملكه من قواسم مشتركة ثقافية ودينية واجتماعية توفر الأرضية الصالحة لإقامة مثل هذا الحوار وفى مقابل الطرح الأمريكى الخاص بمنح الدول المغاربية صفة الشريك المرشح لعضوية حلف الناتو طرحت المفوضية الأوروبية فكرة سياسة الجوار التى تتأسس انطلاقا من اعتبار دول جنوب المتوسط (أكثر من شريك وأقل من عضو) فى الاتحاد الأوروبى، وهى الفكرة التى أغبطه الكثيرين فى الدول المغاربية لأنها تحقق لهم مكتسبات كثيرة على الصعيد الاقتصادى والاجتماعى والسياسى.
وتحدث رومانو برودى رئيس المفوضية عن أربع مزايا لهذه السياسة تتمثل فى اقتحام السوق الداخلية الأوروبية (453 مليون مستهلك) والتى يساوى فيها الدخل الفردى أضعاف دخل المواطن فى الضفة الجنوبية للمتوسط، والاستفادة من العلاقات التجارية التفاضلية التى ستقرها أوروبا لصالح الدول المعنية، إلى جانب المساهمة فى كل الشبكات الأوروبية والحصول على المساعدات المالية التى توفرها آليات التمويل الأوروبى كما يتعين على الدول التى ستتبنى هذه الصيغة الجديدة للشراكة وهى صيغة سياسة الجوار احترام مبدأ حرية تنقل المواد والأفراد، والخدمات ورؤوس الأموال وستتمكن من التمتع بكل الامتيازات التى يوفرها الاتحاد الأوروبى ما عدا الانتماء إلى المؤسسات الأوروبية (البرلمان الأوروبى والمفوضية الأوروبية) يبقى أن نذكر أن الإغراءات التى تقدمها أوروبا وأمريكا للدول المغاربية قد سال لها لعاب الكثيرين ويتحدث البعض عن ضرورة المفاضلة، واختيار الأنسب، فيما يحذر الآخرون من السم المدسوس فى العسل من جانب الطرفين معا، وخصوصا من الطرف الأمريكى الذى يعيش زهوة انتصاراته واحتكاره للقرار الدولى عالميا منذ سقوط حائط برلين فى 9 نوفمبر 1989وحتى اليوم ويذهب أولئك إلى القول بأن مشروع الشرق الأوسط الكبير يهدف إلى تفويض النظام الإقليمى العربى وتقسيم الوطن العربى إلى مناطق (فى الخليج، والشرق الأوسط الصغير، والمغرب العربى)، ومن ثم فإن ما تقدمه واشنطن ليس إلا شكلا آخر من الاستعمار الجديد الذى أفرزته المتغيرات الدولية منذ نهاية الحرب الباردة ولذلك فإن اهتمام واشنطن بمنطقة المغرب العربى، بهذه الدرجة الماراثونية مع أوروبا، يجذب المنطقة مجددا إلى بؤرة صراع حامى الوطيس تحت سماء تمطر مبادرات خمس هى اتفاقية الاتحاد المغاربى، وبرشلونة الأورومتوسطية، و (5+5) الأورومغاربية، ومسار أغادير، وأخيرا المبادرة الأمريكية التى أعلن عنها الرئيس بوش والرامية إلى إقامة منطقة للتبادل الحر فى الشرق الأوسط والتى يمكن اعتبارها مغاربيا امتدادا لمشروع ستيورات أيزتستات.