Share |
ابريل 2005
1
التجارب التنموية الآسيوية : الدروس المستفادة
المصدر: السياسة الدولية

تحظى قارة آسيا باهتمام عالمى متزايد حتى إنه أصبح من الكلام المألوف القول إنها قارة المستقبل، وإن القرن الحادى والعشرين هو قرن القارة الآسيوية ولعل مرجع ذلك عدة عوامل فى مقدمتها: 1- التجارب التنموية الرائدة والمتنوعة فى القارة الآسيوية والتى أصبح يطلق عليها لقب المعجزة فهناك المعجزة اليابانية والمعجزة الصينية والمعجزة الهندية، كما أن هناك النمور الآسيوية وغير ذلك 2- الظروف بالغة الصعوبة التى تواجه كل تجربة من هذه التجارب الآسيوية الثلاث الكبرى فاليابان هزمت فى الحرب العالمية الثانية وتم احتلالها، وهى دولة تكاد تكون بلا موارد طبيعية والصين كانت فى حالة سياسية واقتصادية بالغة التدهور، كما عانت من الحرب الأهلية فى فترة ما بين الحربين العالميتين، ثم من الثورة الثقافية من 66 - 1976 فضلا عن ضغوط سياسية وعسكرية واقتصادية متنوعة والهند خرجت من ربقة الاستعمار ثم من حرب الاستقلال عام 1947 وخاضت حروبا عديدة مع الصين عام 1962 ومع باكستان عام 1965 ثم حرب انفصال أو استقلال بنجلاديش عام 1972 وغيرها 3 أن الدول الثلاث سارت كل منها فى طريق مختلف عن الأخرى، فاليابان شاركت فى الركب الأمريكى، والهند فى إطار عدم الانحياز، والصين فى الإطار الشيوعى 4 أن كلا من الدول الثلاث بها كثافة سكانية ضخمة، فالصين أكثر من 13 مليار والهند حوالى 11 مليار واليابان حوالى 150 مليون نسمة ولفهم هذه التجارب الآسيوية، لابد من إلقاء نظرة عامة على قارة آسيا من حيث السمات والدلالات ثم نظرة أكثر تفصيلا على القوى الرئيسية فى القارة أولا السمات العامة: تمثل القارة الآسيوية مساحة ضخمة مترامية الأطراف فهى أكبر قارات العالم، وتبلغ مساحتها حوالى 44579000 كم مربع، وهى تمتد من المحيط الهادى شرقا والمحيط الهندى والهادى جنوبا إلى البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط وأوربا غربا والمحيط المتجمد الشمالى وتتسم القارة الآسيوية بالسمات الآتية: الأولى: إنها قارة الحضارات، ففى شرقها نشأت الحضارة الصينية العريقة بإنجازاتها الكبرى المعروفة فى التاريخ مثل اختراع البارود والكتابة، وفى غربها نشأت الأديان السماوية الثلاثة: اليهودية والمسيحية والإسلام وما قدمته من فكر ومبادئ للعالم، وفى وسطها أو بالأحرى جنوبها حيث شبه القارة الهندية وإيران قدمت للعالم حضارتين من أعرق الحضارات هما الحضارة الهندية القديمة والحضارة الفارسية، وقدمت تلك المنطقة للعالم ثلاثة أديان مهمة هى: البوذية والهندوسية والباريسية أى عبادة النار، وكل من هذه الأديان اتسم بمبادئ مهمة أثرت فى الأديان السماوية التى ظهرت فى غرب آسيا، وفى الشرق ظهرت عقيدتان أو مذهبان هما: الشنتوية فى اليابان، والكونفوشية فى الصين وهناك أديان أقل أهمية وانتشارا مثل السيخية والبهائية وهكذا الثانية: إنها قارة الكتل البشرية الضخمة، ففى آسيا أكبر دولتين فى العالم من حيث السكان وهما الصين والهند، وبها أربع دول أخرى من الدول الكبرى على المستوى العالمى من حيث السكان وهى إندونيسيا وبنجلاديش وباكستان واليابان، إذن سكان آسيا يمثلون أكثر من نصف سكان العالم بأسره وهذه الكتلة البشرية تعيش فى حالة من الفقر والتخلف والجهل ومن ثم فهى تعد رصيدا خطيرا لإحداث القلاقل والاضطرابات الثالثة: إنها قارة النهضة المستقبلية، ففى آسيا توجد اليابان صاحبة ثانى أكبر اقتصاد على مستوى العالم بعد الولايات المتحدة، وبها الصين صاحبة أكبر معدل نمو فى اقتصادها فى العالم على مدى الأعوام العشرين الماضية، وبها عدة دول حققت طفرات اقتصادية مهمة أطلق عليها النمور الآسيوية مثل تايلاند وسنغافورة وكوريا الجنوبية وتايوان وماليزيا، وبها أسواق مالية وبورصات من أكبر الأسواق على المستوى العالمى مثل سنغافورة وهونج كونج وشنغهاى وطوكيو الرابعة: إنها قارة أكبر مخزون استراتيجى للطاقة، سواء فى الطاقة التقليدية مثل الفحم فى الصين، أو الطاقة الحديثة مثل النفط والغاز فى منطقة الخليج، وآسيا الوسطى، وجنوب شرق آسيا مثل إندونيسيا وشرق آسيا مثل الصين، أو حتى فى مخزون الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وكلتاهما تمتلك منها قارة آسيا ما لا تمتلكه قارات أخرى الخامسة: إنه بينما تتجه القارات الأخرى للتوحد فيما بينها اقتصاديا أو سياسيا أو ثقافيا، فإن قارة آسيا تتسم بالتنوع الشديد فيما بين دولها اجتماعيا وثقافيا وأيضا اقتصاديا، وبعدم التناسق بل التنافس الذى يقرب من التصارع بين دولها فى كل منطقة فرعية من مناطقها، خذ على سبيل المثال التنافس الصينى اليابانى الراهن والذى غذته مطامع تاريخية يابانية ليس فقط بالنسبة للصين، وإنما بالنسبة لشبه الجزيرة الكورية، ولجنوب شرق آسيا فى إطار مشروع النظام الآسيوى الكبير أثناء فترة ما بين الحربين العالميتين، والذى وجد تطبيقا جزئيا فى غزو اليابان وتوسعها فى تلك المناطق، وهذا لا يشكل حدثا من أحداث الماضى بل يمثل خلفية تاريخية تظهر فى شكل حساسيات سياسية لا تزال قائمة وخذ أيضا التنافس أو التصارع فى شبه القارة الهندية بين الهند وباكستان، هذا التصارع الذى أدى لاندلاع ثلاث حروب بينهما أعوام 1947و 1965و 1971، وإلى إصرار هاتين الدولتين على امتلاك السلاح النووى فى مايو 1998، وهذا محصلة عملية تقدم علمى مستمر عبر ثلاثين سنة، وخلافات متراكمة فى علاقات البلدين وحرص كل منهما على الدفاع عن ذاتها، كما فى حالة باكستان، أو تأكيد ذاتها إقليميا وعالميا كما فى حالة الهند، يضاف إلى ذلك وجود منافس صغير هو إيران، التى شاء لها الحظ أن تكون لها ثلاثة أذرع، أولاها مع آسيا الوسطى وثانيتها تجاه الهند وباكستان وثالثتها تجاه الخليج العربى أو الفارسى أيهما شاء كل باحث أن يسميه وهناك تنافس على مستوى أقل بين دول الهند الصينية وبخاصة سعى فيتنام لتكون الشقيق الأكبر لكل من لاوس وكمبوديا السادسة: هناك كتلة آسيوية ممتدة تتمثل فى ثلاث قوى هى: دول آسيا الوسطى بعد استقلالها عن الاتحاد السوفيتى، إثر انحلاله، وهذه كتلة مهمة من حيث الثقافة الإسلامية، ومن حيث التخلف الاقتصادى والسياسى، ومن حيث الموارد الاقتصادية وبخاصة البترول والغاز، ومن حيث الصراع السياسى فى محاصرتها لكل من الصين شرقا والاتحاد الروسى غربا وشمالا، والخليج والمنطقة العربية جنوبا، فهى إذن فى موقع استراتيجى بالغ الأهمية والخطورة، ولذلك لا عجب أن نجد الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة فى هذه المرحلة تركز جهودها على تلك المنطقة والقوة الآسيوية الثانية هى الاتحاد الروسى فى بعده الآسيوى، وهذه لها دلالاتها وارتباطاتها مع آسيا تاريخيا، ومع الصين واليابان فى شرق آسيا، حيث أقامت روسيا علاقة شراكة استراتيجية مع الصين، ولا تزال تغازل اليابان اقتصاديا وسياسيا، كما أن علاقاتها وثيقة مع دول جنوب آسيا وبخاصة الهند ومع دول الخليج وإيران، حيث يسود التنافس والتصارع على الموارد والسياسات والقوة الآسيوية الثالثة أو بالأحرى قوة شبه آسيوية هى أستراليا، حيث التنافس عبر المحيط الهادى، ولكنه منذ أواخر القرن العشرين امتد إلى جنوب شرق آسيا، وفى القرن الحادى والعشرين اتجه للتوسع فى الشرق الأوسط وبخاصة دور أستراليا فى العراق، وهكذا ومن هنا فإن الدور الأسترالى نشط على الساحتين الإقليمية والدولية، فتزعمت عملية مساندة انفصال تيمور الشرقية عن إندونيسيا، كما ساندت عملية السلام فى كمبوديا، وتسعى للعب دور فى أفغانستان والعراق، وهو دور بصفة عامة يقوم على المساعدة والمساندة للسياسة الأمريكية السابعة: إنه لا يوجد تنظيم إقليمى شامل يغطى المنطقة الآسيوية، فهناك تجمع دول مجلس التعاون الخليجى، وتجمع السارك لدول جنوب آسيا وتجمع الآسيان بتنوعاته (آسيان + 3: الصين اليابان كوريا الجنوبية) والآسيان + الشراكة التى تضم الهند، وتجمع ابيك APEC لدول حوض الباسيفيكى، والذى يعد أهم تلك التجمعات العالمية، ويركز على الاقتصاد والتعاون الاقتصادى ويضم بالإضافة لدول آسيا الشرقية والجنوب شرقية كلا من استراليا ونيوزيلندا والولايات المتحدة والاتحاد الروسى وغيرها وهناك تجمع دول الكومنولث المستقلة، وهناك مجموعة شنغهاى التى تضم الصين وروسيا ودول وسط آسيا الإسلامية، وتركز على المفهوم الأمنى وهكذا تجمعات عديدة ومتداخلة ماذا تعنى كل هذه السمات للقارة الآسيوية؟ يمكن القول إنها تشير إلى عدة دلالات نوجزها فى الآتى: الدلالة الأولى: أن آسيا رغم عراقتها تاريخية فإنها لم تستقر سياسيا أو اقتصاديا أو اجتماعيا، ومن ثم أطلق عليها البعض على سبيل السخرية القارة اللعوب الدلالة الثانية: أن آسيا من أقل القارات تفاعلا فيما بينها، بل أن مراكز الحضارة الآسيوية التقليدية أصبحت الآن تتطلع إلى خار ج تلك القارة، سواء كان ذلك فى اليابان وانتماءاتها نحو أمريكا وأوروبا، أو فى الهند وتحولها إلى شريك استراتيجى للولايات المتحدة وكذلك الدور التقليدى لباكستان فى السياسة الغربية، أو فى الصين وعلاقاتها المتنامية اقتصاديا مع أوروبا والولايات المتحدة، أو فى دول الخليج وروابطها مع الولايات المتحدة وأوروبا وهكذا فالتفاعل والاتصال بين غرب آسيا وشرق آسيا قليل والعلاقات بين جنوب ووسط آسيا، وبين شرقها وغربها يسودها الصراع القائم أو الكامن، وهكذا تتطلع دول آسيا فى مجملها إلى خارج القارة الدلالة الثالثة: متصلة بالثانية وهى أن القوى العالمية فى الماضى مثل بريطانيا وفرنسا ثم روسيا، وفى الحاضر مثل الولايات المتحدة سعت للسيطرة على آسيا، ولا تزال تسعى للتأثير عليها وتوجيهها، وهذا واضح فى نظرية الأحلاف مثل حلف بغداد أو السنتو وحلف جنوب شرق آسيا السياتو ، فضلا عن القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة من اليابان شرقا إلى الخليج غربا، إلى آسيا الوسطى شمالا والمحيط الهندى جنوبا ومن ناحية أخرى، طرحت القوى المنافسة ثلاث نظريات: نظرية الأمن الآسيوى التى طرحها الاتحاد السوفيتى فى عهد بريجنيف ثم أعاد إحياءها يلتسين فى ظل الاتحاد الروسى، ونظرية عدم الانحياز التى طرحت فى الخمسينيات وظلت حتى الثمانينيات من القرن الماضى ثم ضعفت، ونظريات إسلامية متنوعة مثل تجمع الدول الثمانى النامية، وهى مبادرة تركية شملت 6 دول آسيوية (تركيا إيران باكستان بنجلاديش ماليزيا إندونيسيا) ، فضلا عن نظريات أكثر تنوعا مثل تجمعات أخرى عديدة، ولكن السمة الغالبة على تلك الطروحات أنها ضعيفة وعليها تحفظات من العديد من الدول، حتى فى المناطق الإقليمية المستهدفة بها الدلالة الرابعة: أن آسيا قامت على أساس ما يطلق عليه مبدأ التوازن، لعبته قوى أربع هى اليابان والصين والهند والاتحاد السوفيتى، كقوى آسيوية، فلا تستطيع أى منها تهديد كل القارة الآسيوية، ولذلك فإن كلا منها تمثل رادعا للأخرى بصورة من الصور هذا التوازن العسكرى له دلالاته الاقتصادية والثقافية فكل منها قدمت تجربة تنموية خاصة سياسيا واقتصاديا وحضاريا وهذا التوازن ساعد فى حماية الدول المتوسطة مثل كوريا أو ماليزيا أو الفلبين أو إندونيسيا أو باكستان، فكل من هذه القوى اعتمدت على قوة أكبر، سواء داخل آسيا أو من خارجها حيث كانت القوة الرئيسية الخارجية هى الولايات المتحدة التى تفرض التوازن والتفاعل فى كل منطقة فرعية من مناطق آسيا سواء شرق آسيا أو وسط آسيا، أو جنوب آسيا، أو غرب آسيا الدلالة الخامسة: بالنظر لعدم الاتفاق على عدو مشترك للقارة الآسيوية لوجود مبدأ التوازن فى القارة، فإنه ترتب على ذلك عدة أمور منها: وجود استعداد لدى الدول الآسيوية لاستخدام السلاح فى فض منازعاتها (روسيا والصين الصين وفيتنام الصين والهند الهند وباكستان)، ومنها استمرار الإنفاق العسكرى الآسيوى على التسلح فى التصاعد ويقدر بأنه يفوق الإنفاق الأوروبى، ويصل إلى ثلثى الإنفاق الأمريكى، ومنها عدم وجود مبدأ أمنى واحد فهناك أربعة مبادئ أساسية: الاستناد للولايات المتحدة الاستناد لروسيا عدم الانحياز بناء القوة الذاتية تقليديا أو نوويا الدلالة السادسة: أن آسيا من المحتمل أن تكون هى مركز السياسة الدولية فى القرن الحادى والعشرين للاعتبارات التالية: إنها مركز الثروة النفطية التى يتصارع عليها العالم إنها سوق ضخمة كامنة تسعى إليها الشركات الكبرى إنها مستودع للمشكلة السكانية فى العالم بكل سلبياتها وإيجابياتها إنها تحتوى على إمكانيات تكنولوجية ضخمة واعدة وصاعدة إنها تمثل قلب العالم القديم بل والعالم الحديث أيضا من هنا برز شعاران أحدها أن القرن الحادى والعشرين هو قرن آسيا، والثانى أن القرن الحادى والعشرين هو قرن آسيا الباسيفيك الدلالة السابعة: إنه فى معظم الحالات، فإن غرب آسيا يتم إسقاطه من الحسبان سواء من حيث الاستقرار السياسى والاقتصادى أو من حيث احتمالات لعبه دورا على الساحة الدولية سياسيا أو اقتصاديا، أو من حيث التقدم العلمى والتكنولوجى والمكانة الوحيدة لهذا الإقليم هى مكانة هامشية من حيث الفعالية، فهو إذن موضوع من موضوعات السياسة الدولية أكثر منه لاعبا على المسرح، إنه مجرد مخزن للنفط والغاز، ومورد لرأس المال النابع من البترودولار، وهو من هذا المنطلق على وشك السقوط من الحسابات الدولية، وربما هو أعلى درجة من حيث الأهمية من قارة إفريقيا، التى يتردد أن التاريخ تخطاها وأسقطها من الحسبان لإخفاقها فى التنمية الاقتصادية، وعجز نظمها عن تحقيق طموحات شعوبها، وإخفاق شعوبها فى بناء تجارب ناجحة على غرار تجارب القارات الأخرى، وإفرازها قيادات متصارعة، قصيرة النظر، محدودة الأفق، لا تعرف طبيعة المتغيرات الدولية، ولا تدرك أبعادها الاستراتيجية، بل لا تعرف قدر نفسها وإمكانياتها، ولذا تبددت ثرواتها، ويذهب البعض للقول أن شعوب وقيادات غرب آسيا وإفريقيا فى معظمها تنتمى إلى العصر القبلى، أى إلى ما قبل بناء الدولة الحديثة، وما قبل الثورة الصناعية، وما قبل الفكر القومى فالتنافس القبلى يقوم على حروب الماء والكلأ وعلى إثبات الذات الفردية بطريقة بدائية وساذجة، بدلا من بناء أطر ومؤسسات متكاملة ذات مدلولات سياسية واقتصادية وعسكرية واجتماعية، ولهذا فاقتصاداتها هشة، وأمنها الذاتى لا وجود له، وبنيانها السياسى غير متماسك، وفى وضع كهذا لا مجال للحديث عن دور أو مكان أو مكانة لأن ذلك يكون من قبيل خداع الذات ثالثا القوى الرئيسية فى آسيا: إذن فى ضوء ما سبق، نتناول وضع ثلاث قوى آسيوية رئيسية ثم خمس قوى ثانوية هى: اليابان تايلاند إندونيسيا ماليزيا باكستان كوريا الجنوبية الصين الهند، ولن نتعرض لتركيا أو إيران أو دول غرب آسيا لارتباطها بسياسات الشرق الأوسط، ولا لدول آسيا الوسطى التى تدور أساسا فى فلك الاتحاد الروسى الذى بدوره له ارتباطاته الأوسع باعتباره قوة عالمية، كما لن نتطرق للقوى الأصغر والأقل فعالية على المسرح السياسى الإقليمى أو الدولى فهى موضوع للسياسة أكثر منها لاعب على المسرح اليابان والمسرح الآسيوى: سار التطور اليابانى عبر مراحل الأولى: بدأت مع ثورة الميجى عام 1868 وحققت اليابان خلالها المعجزة التنموية التى قامت على عناصر ثلاثة هى:
1- قوة اقتصادية: بناء صناعة حديثة
2- قوة عسكرية: بناء صناعة عسكرية وبناء قوة بشرية عسكرية
3- تماسك اجتماعى تحت راية الإمبراطورية وفى العناصر الثلاثة، يتجلى الطابع القومى اليابانى فى التفانى فى العمل روح الجماعة الانضباط والولاء قبول التحدى الذى فرضته الولايات المتحدة منذ قصفت أساطيلها اليابان عام 1854 بقيادة الجنرال ماثيو بيرى، وسعت لفتح اليابان المنغلقة على ذاتها، ثم التحدى الذى فرضته روسيا فى شمال شرق القارة الآسيوية، ثم فرضته المشكلة السكانية حيث اليابان دولة مزدحمة بالسكان، قليلة الموارد الطبيعية أدركت اليابان مواطن الضعف لديها، وسعت لتحويلها إلى مواضع قوة، ولذلك فى غضون ثلاثين عاما استطاعت أن تهزم روسيا فى عام 1905 فى معركة خليج تسو شيما والإقرار الروسى بالهزيمة فى معاهدة بورتس موث Portsmouth وأن تحقق تفوقا اقتصاديا وأن تبدأ عملية غزو وتوسع لمناطق آسيوية وأن تطرح شعار آسيا للآسيويين المرحلة الثانية: بدأت بعد هزيمة اليابان فى الحرب العالمية الثانية، والاحتلال الأمريكى للأراضى اليابانية، وسعت اليابان لإعادة بناء قوتها وساعدها على ذلك الظروف الدولية المواتية والمتمثلة فى نجاح الثورة الشيوعية فى الصين، والحرب الكورية، ومن ثم تغيرت الاستراتيجية الأمريكية فى مواجهة اليابان من السعى لإخضاعها وإذلالها، إلى السعى لإعادة بنائها كقوة لتقف كركيزة فى وجه التوسع الشيوعى ولتكون منطلقا لمحاصرته وهنا نشير إلى عناصر بناء القوة اليابانية وهى: الكوادر اليابانية التى تكونت فى المرحلة الأولى، وتمت إعادة تأهيلها وتوجيهها، والحفاظ على التماسك الاجتماعى بالإبقاء على الإمبراطور كرمز، ومد المظلة الأمنية الأمريكية لليابان من خلال القواعد العسكرية والتحالف الأمنى، وتغيير أسس النظام السياسى ليصبح أكثر ديمقراطية على النمط الغربى، وإن كان بوصفة يابانية، إذ جرى بناء الأحزاب فى إطار حزب أكبر هو الحزب الديمقراطى الحر LDP الذى ضم فصائل متعددة ومتنافسة وسيطر الحزب على السياسة اليابانية منذ قيام نظامها الديمقراطى حتى الآن، مع وجود أحزاب معارضة اشتراكية بل وشيوعية تمثل عنصر الرقابة والضبط، وتغيير النظام الاقتصادى ليركز على الفكر الرأسمالى، وإن كان أيضا بوصفة يابانية حيث ركزت الشركات اليابانية الضخمة على الروح الجماعية والتضحية بالفرد من أجل المصلحة المشتركة، ولذا غزت اليابان السوق الأمريكية بالسلع الرخيصة والجيدة كما طورت التكنولوجيا الصناعية فى الآلات والإلكترونيات واعتبرت اليابان من الناحية السياسية تابعا للسياسة الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية، ولا تزال كذلك حتى الآن، إذ أن نقاط الاحتكاك أو الاختلاف فى المواقف السياسية تكاد تكون ضئيلة، ولا تتعدى منطقة شرق آسيا حيث الدائرة المباشرة للأمن اليابانى أما فى مناطق العالم الأخرى فيكاد لا يلمس لها وجود فاعل، أو يختلف عن السير فى إطار السياسات والمواقف الأمريكية ولهذا أطلق على اليابان تعبير عملاق اقتصادى وقزم سياسى ولقد سعت السياسة اليابانية لكى يكون لها وجود سياسى ملموس على الساحة الدولية يعكس ثقلها الاقتصادى، ولكنها انتهجت الخبرة الأمريكية باستخدام دبلوماسية الدولار واليد الغليظة لشراء الولاء والنفوذ السياسى، وكان أبرز المواقف فى ذلك أساليبها للحصول على منصب مدير عام منظمة اليونسكو، وقبل ذلك منصب المفوض السامى لشئون اللاجئين وكذلك دورها فى العراق، واتجاه إندونيسيا فى مشكلة تيمور الشرقية، وكذلك فى عرضها للحصول على مقعد دائم فى مجلس الأمن مقابل زيادة نسبة مساهمتها فى ميزانية المنظمة الدولية إنه من الناحية السيكولوجية أسلوب الرجل الغنى ذى الخبرة والثقافة السياسية المحدودة، والنظر للآخرين بأنه يمكن الحصول على ولائهم بالمال فقط، وهذا هو المنهج الأمريكى فى التعامل وهو منهج أقل رقيا من ناحية فن التعامل مع الناس ومع الشعوب فى السياسة الدولية وفى تقديرى أن المنهج الأمثل لليابان هو السعى لبناء حوار حقيقى مع الشعوب الأخرى لفهم حضارات وثقافات الشعوب المختلفة وبلورة خط مستقل فى السياسة الدولية، ليس بالضرورة متعارضا ولا معاديا للسياسة الأمريكية، وإنما يعبر عن اختلاف فى المسافة بما يعكس اختلاف المصالح وأولوياتها النابعة من اختلاف المواقع الجيواستراتيجية للدولة وهذا هو التحدى الحقيقى الذى يواجه السياسة اليابانية فى القرن الحادى والعشرين الصين على المسرح السياسى الدولى: مر التطور السياسى الصينى فى العصر الحديث بثلاث مراحل: الأولى: مرحلة الثورة الوطنية التى بدأت بثورة 1911 بقيادة صين يات صن ثم تطورت فى إطار الحزب الوطنى، المسمى الكومنتانج، بقيادة تشانج كاى تشيك، والذى دخل فى صراع ثلاثى الأبعاد: أوله: مع اليابان التى بدأت مطامعها وغزوها للصين، وأيضا مع القوى الأوروبية فى أوائل القرن العشرين والتى كانت لها اتفاقات غير متكافئة مع الصين خاصة فى بعض المدن مثل شنغهاى وثانيه: مع القوى الشيوعية الداخلية حيث نشأ الحزب الشيوعى عام 1921 وسار عبر مرحلة من التطور داعيا إلى الإصلاح السياسى والاقتصادى الداخلى وإلى مقاومة الاحتلال اليابانى وفى بعض مراحل التطور تحالف مع الكومنتانج، وفى مراحل أخرى تصارع معه، وبخاصة بعد هزيمة اليابان واندلاع الحرب الأهلية فى الصين من 45 1949، حيث انتصر الشيوعيون وثالثه: مع القوى الإقطاعية والرجعية فى الصين التى كانت تسود فى المجتمع وتقاوم التطور، ولكن بعضها كان متحالفا مع الكومنتانج ولهذا لم تتسم سياساته بالحسم فى مواجهتها وأدى ذلك لسقوطه فيما بعد المرحلة الثانية: نجاح الثورة الشيوعية فى الصين بقيادة ماوتسى تونج من 49 1976، وشهدت تلك الفترة نجاحات، كما شهدت صراعات داخلية فى القفزة الكبرى ثم الثورة الثقافية من 66 - 1976، وصراعات خارجية منها الحرب الكورية والحرب الفيتنامية ثم النزاع الصينى السوفيتى الذى وصل إلى اشتباكات على الحدود أكثر من مرة ولكن النجاحات تمثلت فى تحول الصين إلى قوة نووية عام 1963 واستعادة مقعدها فى الأمم المتحدة، وبناء خطوط صناعية كبيرة، وقوة عسكرية وإن كانت تقليدية بمعنى المفهوم العسكرى والصناعى الذى ساد فى النصف الأول من القرن العشرين، أى الصناعات الثقيلة مثل الحديد والصلب والآلات، وفى المجال العسكرى حرب العصابات والجيوش البرية الجرارة، وفى الإطار الدولى تبنت الصين مفهوم الثورة فى العالم الثالث، ومساندة حركات التحرر الوطنى، والمعونات الاقتصادية للدول النامية وحركة التضامن الأفروآسيوى ونحو ذلك من المبادئ التى سادت فى خمسينيات وستينيات القرن الماضى المرحلة الثالثة: قامت الصين بإعادة تشكيل سياساتها منذ عام 1978 بما يمكن أن نطلق عليه الثورة الصينية الثالثة، باعتبار أن الأولى عام 1911 الثورة الوطنية ، والثانية عام 1949 الثورة الشيوعية والثالثة عام 1978 ثورة الانفتاح الاقتصادى، بما أصبح يعرف فى الصين بمصطلح الاشتراكية بخصائص صينية ، وهى تتلخص فى التحديثات الأربعة: تحديث الاقتصاد، تحديث الجيش، تحديث الصناعة، تحديث الزراعة خلاصة التحديثات الأربعة Four Modernizations هى القيام بعملية تنمية اقتصادية شاملة بغض النظر عن الأساليب والأنماط والأفكار، ونتج عن ذلك:
1- إعادة تشكيل الفكر الاقتصادى الصينى ليركز على الصناعات الإلكترونية ومناطق خاصة للتصدير والحصول على التكنولوجيا المتقدمة وبناء كادر إدارى واقتصادى بفكر جديد أطلق عليه اقتصاد السوق الاشتراكى
2- إعادة ترتيب الأولويات فى السياسة الخارجية بالتركيز على مصادر الحصول على التكنولوجيا والأسواق مثل اليابان والولايات المتحدة وكوريا الجنوبية ودول جنوب شرق آسيا، وأوروبا، ومن ثم التخلى عن النظريات الصراعية التقليدية فى العلاقات الدولية لصالح نظرية التعاون الاقتصادى وتبادل المنافع
3- إعادة ترتيب الأولويات فى التعامل مع دول العالم الثالث، بالتركيز على القروض والمساعدات بدلا من الهبات والمعونات والتخلى عن مفهوم تصدير الثورة لصالح مفهوم تكامل الثروة، أى الحصول على الأسواق والمواد الأولية من الدول النامية مقابل مساعدات وقروض وبعض التكنولوجيا والإنشاءات، وإعادة صياغة مفاهيم التضامن ومساندة قضايا الشعوب وحركات التحرر، بحيث أصبحت طروحاتها بما يخدم مصالح الصين أولا، ولا يتعارض مع علاقاتها الجديدة بالقوى الاستعمارية التقليدية أو الحديثة، وبما يتجنب الدخول فى أية صراعات إقليمية، وبناء علاقات مكثفة مع دول كان محظورا التعامل معها فى الماضى مثل كوريا الجنوبية وإسرائيل بل وتايوان مع الاستمرار فى طرح الشعارات والأفكار المبدئية التقليدية فى صياغات محدثة وهادئة أدت كل هذه التطورات إلى تحقيق نتائج إيجابية على التطور الاقتصادى الصينى دون أن تفقد أيا من رصيدها السياسى لدى الدول النامية، التى هى بدورها أصبحت عاجزة عن أن تعبر عن أى رفض للمبادرات الصينية تجاه دول ذات حساسية فى مناطقها مثل كوريا الجنوبية مقابل كوريا الشمالية، أو إسرائيل مقابل العرب، أو الهند مقابل باكستان، ذلك لأن التغيرات على الساحة العالمية أصبحت كاسحة، وأثرت فى كثير من المفاهيم التقليدية للسياسة الدولية ظلت دولة واحدة رئيسية على الساحة الدولية هى الولايات المتحدة التى تنوعت استراتيجيتها فى مواجهة الصين ما بين الشركة الاستراتيجية والارتباط البناء فى عهد كلينتون Constructive engagement then strategic partnership وبين العلاقة المتوازنة مع ممارسة الضغط على الصين فى عهد ولاية بوش الأب، والذى اتسم بالسعى لتطوير علاقات مع الصين، ثم فرض عقوبات ضدها بعد أحداث الميدان السماوى 1989، ثم عودة نفس الأسلوب فى عهد جورج بوش الابن قبل 11 سبتمبر ثم السعى لعلاقات بناءة نشيطة لمواجهة الإرهاب الدولى بعد 11 سبتمبر 2001 المهم هنا أن الصين فرضت نفسها، بصفتها لاعبا رئيسيا على المستوى الإقليمى الآسيوى، وبصفتها لاعبا مهما على الساحة الدولية وانتهجت الصين نفس منهج اليابان بالتركيز على الاقتصاد أولا، وإن اختلفت فى استمرارية الحفاظ على علاقاتها السياسية والمحافظة على مسافة من الاختلاف مع السياسة الأمريكية، دون الوصول إلى أى صدام سياسى معها، ولعل ذلك واضح فى تصويت الصين فى مجلس الأمن بالامتناع عن كثير من قراراته الخاصة بالعراق، وتخفيف حماسها للقضايا العربية مع الاستمرار فى طرحها التمسك بالمبادئ واستطاعت الصين هنا أن تحقق توازنا أكبر مما استطاعت أن تحققه اليابان أو الاتحاد الروسى الهند والمسرح الدولى: مرت الهند فى تطورها الحديث بثلاث مراحل: الأولى: عقب الاستقلال 47 1962، وشهدت تلك المرحلة ثلاثة مظاهر، أولها نمو الديمقراطية الهندية فى عهد نهرو، الذى تأثر بالنمط الديمقراطى الغربى، وثانيها استمرار العداء الهندى الباكستانى نتيجة التقسيم وقيام دولتين فى شبه القارة الهندية اعتبرتا متعاديتين أو متصارعتين، وثالثها بروز العقيدة الأمنية الهندية ببناء شبكة من العلاقات قائمة على المبادئ المثالية، وفى مقدمتها المبادئ الخمسة بين الصين والهند عام 1954، ثم مبادئ باندونج عام 1955، ثم عدم الانحياز كما تبلور اعتبارا من 1958 حتى أول قمة لعدم الانحياز فى بلجراد عام 1961، وواجهت هذه المرحلة الصدمة الرئيسية بغزو الصين للهند أو ما أطلق عليه الاشتباكات على الحدود بين البلدين عام 1962، ولكن أبرز سمات تلك المرحلة كان نمو ما أطلق عليه عدم الانحياز وحركة الدول النامية وتضامن حركة التحرر الوطنى ونحو ذلك الثانية: من 1962-1989 وهى المرحلة الطويلة التى تطورت على مر السنين من الحرب الصينية الهندية إلى انهيار الاتحاد السوفيتى ورغم اختلاف هذه المرحلة عن المرحلة السابقة، فإنها حافظت على بعض سماتها مثل طروحات مبادئ عدم الانحياز والعالم الثالث، ولكن مع ميل نحو الاتحاد السوفيتى، والاستناد إليه للحصول على التكنولوجيا العسكرية، وفى نفس الوقت الحفاظ على علاقات اقتصادية قوية مع الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، رغم معارضة الهند لسياسة الأحلاف العسكرية، وتأييدها لحركات التحرر الوطنى، ثم أخذت تلك السياسات فى التآكل فى أواخر السبعينيات، وزاد تآكلها فى الثمانينيات بسقوط حزب المؤتمر الهندى من السلطة، وتولى الأحزاب اليمينية وتعزز هذا التآكل فى التسعينيات وأوائل القرن الحادى والعشرين بإحلال الهند لسياسات جديدة محل السياسات القديمة، حيث: تراجع طروحات عدم الانحياز لتصبح طروحات شكلية أكثر منها حقيقية ظهور سياسة الانفتاح الاقتصادى والنمو الرأسمالى على حساب نظرية الاكتفاء الذاتى اقتصاديا والنمو المتوازن صناعيا وزراعيا مزيد من التعاون مع القوى الرأسمالية الكبرى وفى مقدمتها الولايات المتحدة على حساب تعاون الدول النامية اقتصاديا فى إطار مجموعة ال 77 وسياسيا فى إطار مجموعة عدم الانحياز وقد حققت الهند خلال تلك المرحلة نتائج مهمة منها:
1- تحقيق قفزة علمية كبرى مما مكنها من بناء قاعدة نووية، ولذا أجرت أول تفجير نووى عام 1974، ولقى ذلك صدى إيجابيا من دول العالم الثالث التى كانت تعارض التسلح النووى للدول الكبرى، فضلا عن تطور صناعة السلاح الهندية والتكنولوجية الهندية فى مجالات صناعية عديدة
2- ضمان الحصول على تأييد واسع النطاق فى دول العالم الثالث فى مواجهة القوى الكبرى، وفى مواجهة منافسيها التقليديين مثل الصين وباكستان، ففى أى محفل دولى، كانت هناك أغلبية تلقائية تؤيد الهند ومواقفها وطروحاتها 3- تحقيق ثروة زراعية أطلق عليها الثورة الخضراء بدأت منذ 1962 وأمكنها أن تحقق من خلالها اكتفاء ذاتيا، رغم وجود ملايين من الفقراء فى الهند، ولكن بصفة عامة أمكنها تحقيق حد الكفاف للجميع مع بروز رأسمالية هندية قوية ونشيطة
4- الحفاظ على درجة مصداقية معقولة فى السياسة الدولية فى مواجهة الطروحات الغربية عامة والأمريكية خاصة، وزاد ذلك بتفكك باكستان وانقسامها إلى دولتين: باكستان وبنجلاديش عام 1971 1972، مما أضعف خصمها التقليدى، واندلاع الثورة الثقافية فى الصين مما أضعف خصمها التقليدى الآخر، وهذا كله عزز من حالة الأمن الوطنى الهندى فى مواجهة القوى الخارجية المرحلة الثالثة: من 1989 حيث زادت سيطرة القوى اليمينية على السلطة فى ظل حزب بهاراتيا جاناتا، وأدى ذلك لتحول جوهرى فى السياسات الهندية نتيجة العوامل التى أشرنا إليها فى الفقرات السابقة ورغم أن حزب المؤتمر الهندى وحلفاءه استطاعوا هزيمة حزب بهاراتيا جاناتا فى الانتخابات الأخيرة إلا أن الخطوط الرئيسية للسياسة الهندية الداخلية والخارجية ظلت كما هى مع تعديلات طفيفة تخص مزيدا من الاهتمام بمصالح الفقراء فى المجتمع وهى الفئة التى أهملت فى عهد حكومة بهاراتيا جاناتا وأدت إلى هزيمتها فى الانتخابات زاد التعاون الهندى مع الولايات المتحدة ليدخل مجالات عسكرية، بل ويدخل تعاونا استراتيجيا ومناورات عسكرية مشتركة وتعاونا فى مقاومة الإرهاب، وعزز هذا التوجه ثلاثة أمور: انهيار الاتحاد السوفيتى، تفاقم مشكلة كشمير داخليا وظهور ما سمى بالإرهاب الإسلامى، وأخيرا الضعف العربى العام فى مواجهة تغير مواقف القوى التقليدية المساندة لها سواء كان ذلك مواقف اليونان وإسبانيا فى أوروبا، أو الصين والهند فى آسيا، حيث اتجهت تلك الدول لبناء شبكة قوية من العلاقات مع إسرائيل، كل لأسباب مختلفة، ولكنها فى النهاية كانت لصالح تلك الدول ونموها الاقتصادى، وعلاقاتها السياسية، ومصالحها العسكرية، وصبت جميعا فى خانة إضعاف الموقف المساند للعرب من تلك الدول المؤيدة لها تقليديا عززت الهند قوتها العسكرية بتفجير القنبلة النووية فى مايو 1998 وكذلك تطورها النووى والتكنولوجى، وفى مجالات الصواريخ والفضاء، وهذا رفع من مكانة الهند الدولية والإقليمية، وترتب على ذلك مزيد من المهادنة أو التقارب الأمريكى مع الهند، ثم حدوث انفراج فى العلاقات الصينية الهندية بل وتقارب، ثم حالة من المد والجزر فى العلاقات الهندية الباكستانية نجحت الهند فى الحفاظ على نظامها السياسى ذى الطابع الديمقراطى، وقدمت نفسها باعتبارها أكبر ديمقراطية فى العالم، تسعى للتعاون مع أكبر قوة فى العالم تمثل أقدم ديمقراطية وهى الولايات المتحدة، وكلتا القوتين تتشابه فى قيامها على تعدد الأعراق والأجناس كمصدر من مصادر قوتهما الخلاصة والدروس المستفادة: تتعدد التجارب الآسيوية فى التنمية، ولكن فى تقديرى أن أهم ثلاث تجارب هى اليابان والصين والهند إذ أن كلا منها قدمت تجربة ناجحة ولكن بأسلوب مختلف وإدارة مختلفة وفلسفة مختلفة تحولت الصين العملاقة من دولة فقيرة تسودها فوضى الثورة الثقافية طوال عقد كامل من 1966 1976 وخلال عقدين من الزمن أصبحت دولة صناعية متطورة ومرجع ذلك ثلاثة عوامل: الأول: فكر سياسى يستند إلى رؤية مستقبلية ويعتمد على التخطيط السليم بمنهج استراتيجى شامل الثانى: الابتعاد عن المشاكل الهامشية أو بالأحرى وضع جدول أولويات سليم الثالث: كادر إدارى منظم ومنضبط وقادر على العطاء والإنجاز ومن هنا، عمدت الصين فى مرحلة الانفتاح التى قادها دنج سياو بنج لوضع استراتيجية تسعى إلى:
1- بناء اقتصاد متقدم تكنولوجيا موجه للتصدير وعلى أسس رأسمالية فى الإدارة والإنتاج والتسويق
2- تطوير وإصلاح المؤسسات الاقتصادية القائمة وفقا لمنهج جديد يجمع بين البعدين الاجتماعى والاقتصادى، فقامت بفصل العمالة الزائدة مع إعطائها تعويضات كبيرة وحثها على إعادة تأهيل نفسها للوظائف فى الشركات والمؤسسات الحديثة، ويأخذ فى الحسبان بعض معالم الفكر الرأسمالى
3- إدخال تعديلات على نظم التوظف والإسكان والتقاعد والتعليم
4- إعادة تأهيل الشركات والمؤسسات فى إطار ما يمكن أن نطلق عليه منهج التحدى، إما أن تنجح الشركة فيكسب الموظفون ويحافظوا على وظائفهم، وإما أن تخسر فيتم إغلاقها وفصل الموظفين والعمال
5- تطوير القوانين والتشريعات واللوائح واتباع منهج اللامركزية الإدارية والتنفيذية مع الاحتفاظ بمبدأ المركزية فى القرارات الاستراتيجية والتخطيط أما اليابان، فهى دولة صغيرة من حيث المساحة مقارنة بجاراتها فى قارة آسيا، منعدمة الموارد الطبيعية مقارنة بالصين، ولكنها أدركت أن مجالها الوحيد للحياة أن تقوم بمعجزة اقتصادية وتكنولوجية ولهذا اعتمدت منهجا فيه بعض جوانب التشابه مع الصين وجوانب الاختلاف، وقد ركزت اليابان على عناصر ثلاثة:
الأول: التعليم حيث فرضت التعليم الإلزامى الجاد
الثانى: تطوير ثقافة المجتمع لتصبح ثقافة إنتاج والتزام وولاء للمؤسسة أو الشركة
الثالث: تطوير التكنولوجيا المتقدمة والصناعات الدقيقة بأسعار رخيصة ومن ثم تعزيز قدرتها على التنافس على المستوى العالمى لقد قام النموذج اليابانى على المقومات التالية:
1- الاقتباس من الغرب فى الإدارة والصناعة والتكنولوجيا 2- تخصيص الموارد للتطور الاقتصادى مع استبعاد الإنفاق على الدفاع والبعد عن المغامرات العسكرية
3- إدارة الشركات بفكر حديث فى الإدارة، ومفاهيم تقليدية فى الثقافة، أى تعزيز مفهوم الانتماء للشركة Zaibatsu من خلال الاستمرار فى العمل منذ دخول الشركة كموظف صغير حتى الإحالة للمعاش وهذا يخلق الولاء الكامل، كما قام العمل فى تلك الشركات على عدم الحصول على الإجازات الطويلة والالتزام بالانضباط الشديد
4- التركيز على التصدير الدبلوماسية الاقتصادية
5- إعادة تأهيل الكوادر البشرية
6- استيراد التكنولوجيا مع استيعابها وتطويرها لكى ترتبط بالدولة وليس الاكتفاء بها كسلعة استهلاكية
7- انتهاج اليابان مبادئ الطاعة المطلقة ممن هم أدنى لمن هم أعلى وفى مقارنة للدكتور شارل عيسوى بين نجاح التجربة الإصلاحية فى اليابان فى عهد الميجى وإخفاق نظيرتها فى مصر فى عهد محمد على أشار إلى العناصر التالية: 1- موقع اليابان فى أطراف العالم القديم فى حين موقع مصر فى قلب العالم القديم، ومن ثم اختلف موقف القوى الدولية من التجربتين 2- توافر الموارد البشرية الأكثر تقدما وحبا للاستطلاع فى اليابان 3- التوجه المبكر لليابان نحو النمو الاقتصادى بمنهج تراكمى، فى حين أدى التدخل الأجنبى فى مصر إلى جمود وتراجع عملية التنمية 4- وجود الزعامة الحكيمة فى اليابان على نحو غير عادى 5- التماسك الاجتماعى فى اليابان مقارنة بالتفكك الاجتماعى فى مصر ولاشك أن التماسك الاجتماعى اليابانى لا مثيل له فى العالم، فالتجانس القومى واللغوى والدينى أكبر مما هو فى أية دولة أخرى، والتاريخ اليابانى غنى بنماذج التضحية بالنفس والتفانى فى أداء الواجب، وهما الأمران اللذان يفترضهما التماسك الاجتماعى، بدءا بالمحاربين من طبقة الساموراى Samurai إلى عمال تويوتا وسونى، ويفسر والتماسك، أيضا الإحساس بالالتزام الذى تشعر به الشركات اليابانية إزاء العاملين بها وهو الذى ينتج عنه ما يسمى بنظام التشغيل مدى الحياة وترتب على ذلك نجاح اليابان فى استعادة قوتها الاقتصادية والتكنولوجية التى كانت لها قبل الهزيمة فى الحرب العالمية الثانية وتطويرها وتصدير العديد من السلع للولايات المتحدة والدول الغربية وأدى ذلك إلى فائض فى الميزان التجارى لصالح اليابان وكان أكثر من 50% من الفائض التجارى مع الولايات المتحدة، وقد أسهمت عوامل عديدة فى النمو اليابانى السريع ومن ذلك: أ- التحول من الصناعات الحرفية ذات الإنتاجية المنخفضة إلى التصنيع الحديث ب- توافر الأيدى العاملة الماهرة والملتزمة بشدة بالعمل ج- التوسع فى الاستثمار الوطنى واجتذاب الاستثمارات الأجنبية د اتباع سياسة تحرير التجارة منذ عام 1960 ه- تحويل العديد من المؤسسات العامة إلى القطاع الخاص وأخيرا الهند التى أدارت عملية التنمية فى إطار: 1- السير على قدمين غير متوازيتين أ قطاع صناعى رأسمالى متقدم ب قطاع زراعى نام
2- التركيز على النخبة الصناعية والعلمية أ- المنطق الرأسمالى ممثلا فى شركات عملاقة مثل تاتا Tata وبيرلا Birla وغيرها بالتوازى مع المنطق الاشتراكى للقضاء على الإقطاع التقليدى بالإصلاح الزراعى المحدود
ب- التعليم للجماهير جنبا إلى جنب مع التعليم للنخبة (مدارس حكومية عامة ومدارس خاصة للنخبة)
ج- البحث العلمى مشاركة بين القطاع الحكومى والقطاع الخاص
د- تعايش الغنى الفاحش والفقر المدقع جنبا إلى جنب
3- التركيز على الصناعات المتطورة تكنولوجيا وادى السليكون الصناعات النووية أبحاث الفضاء الصناعات العسكرية الصناعات الإعلامية السينما وفى نفس الوقت نلمس أن الدول الثلاث اتجهت إلى: غزو الأسواق العالمية وبخاصة لدى الدول المتقدمة تطوير علاقاتها مع الدول النامية للحصول على المواد الخام اللازمة للصناعة وبعض الأسواق التركيز على الاقتصاد والإنتاج الصناعى الموجه للتصدير الاهتمام بالإدارة والتنمية البشرية لبناء كوادر إدارية وتكنولوجية متميزة وهكذا يمكن القول أن القوى الرئيسية الثلاث على الساحة الآسيوية هى اليابان والصين والهند وهى تتشابه فى: أن كلا منها لها تجربة مختلفة عن الأخرى، وإن كان تركيز كل منها على تحقيق قوة اقتصادية وتكنولوجية وعسكرية تعزز طموحاتها السياسية أن هذه القوى الثلاث ذات علاقة تفاعلية مع القوة المهيمنة على مقدرات السياسة العالمية، أى الولايات المتحدة، مع اختلاف فى درجة التفاعل وبعض المواقف ومدى الارتباط أنه بينما تسعى اليابان لتحقيق دور سياسى يتناسب مع قوتها الاقتصادية، تسعى الهند لبناء قوة اقتصادية وتكنولوجية تعزز دورها السياسى، أما الصين فهى تعمل فى إطار بين الحالتين ولعل تحليل مواقف القوى الثلاث من أحداث الشرق الأوسط فى فلسطين أو العراق يظهر التغير الذى طرأ على مواقف تلك الدول، سواء من ناحية التصريحات والبيانات، أو السلوكيات والمواقف الفعلية، يكفى تذكر مواقف الهند من العدوان الثلاثى على مصر عام 1956 مقارنة بمواقفها من تصرفات إسرائيل ضد الفلسطينيين أو الولايات المتحدة ضد العراق، ونفس الشيئ ينطبق بصورة ما على مواقف الصين التقليدية مقارنة بمواقفها الجديدة إنه لاشك إذا رغبت دولة فى أن يكون لها صوت مسموع أو دور على الساحة الإقليمية أو الدولية فلا مناص من بناء أسس وركائز يستند إليها هذا الدور، وتتمثل تلك الركائز فى:
1- بناء القوة الاقتصادية والصناعية فضلا عن التماسك الاجتماعى والاستقرار السياسى وهو ما فعلته وتفعله الدول الثلاث
2- القوة العسكرية والتكنولوجية خاصة النووية وهذا هو حال القوى الثلاث: الصين، والهند، واليابان التى إذا اتخذت قرارا سياسيا بالتحول إلى دولة نووية، فإن هذا أمر سهل التحقق، لأن القاعدة التكنولوجية لديها فى المجال النووى قائمة وصلبة
3- فهم وإدراك المتغيرات الدولية، والعمل وفقا لقواعد اللعبة فى ترتيب أولويات المصالح والأمن الوطنى وفى التعامل مع القوى الرئيسية على الساحة الدولية بالتعاون معها وتجنب الصدام والحفاظ على مسافة من حرية الحركة السؤال الذى يطرح نفسه: أين نحن العرب؟ فلدينا الموارد الوفيرة الطبيعية والبشرية ولدينا الموقع الاستراتيجى، وكانت لدينا حضارة عريقة، لدينا الأموال الضخمة والأسلحة الكثيرة، ولكن اقتصادنا ضعيف ووضعنا السياسى يتدهور باستمرار، وأمننا العسكرى يكاد يكون موضع تساؤل هل من مخرج أو وسيلة للاستفادة من التجارب الناجحة فى العالم؟ لقد طبقت اليابان استراتيجية الساموراى العسكرية على عملية إدارة التنمية، وهذه الاستراتيجية تقوم على عنصرين اعرف عدوك واعرف نفسك تكسب ألف معركة ويوضح الفيلسوف برتراند راسل ركائز الانطلاق اليابانى فيقول لقد كانت اليابان قبل إصلاح الميجى عام 1866 متخلفة اقتصاديا إلا أنها لم تشعر مطلقا بأنها متخلفة ثقافيا، ولذلك حرص اليابانيون على التعلم، خاصة العلوم التكنولوجية وحافظت على تراثها وتقاليدها إلى حد كبير أما الصين فهى تقول ثلاثة أمثال إن مسيرة الألف ميل تبدأ بالميل الأول ، لا تفكر فى عبور النهر قبل الوصول إليه، لا يهم لون القطة: أحمر أو أسود أو أبيض مادمت تصطاد الفئران.