Share |
يوليو 2005
1
مصير الأيديولوجيا فى السياسة الدولية.
المصدر: السياسة الدولية

فحتى داخل الولايات المتحدة، تتعرض أيديولوجيا المحافظين الجدد لهجوم ونقد شديدين من تيارات الفكر والسياسة التى تصف نفسها بالواقعية أو البراجماتية والعداء للأيديولوجيا فإلى أى حد يمكن التنبؤ بالمسار المستقبلى للأيديولوجيا المحافظة التى تبدو وكأنها فى طور الانتصار الآن؟ وإلى أى حد يمكن توقع هبوط الأيديولوجيا مقابل العوامل المادية والثقافية المعروفة التى أثرت بقوة على السياسة الدولية فى القرن التاسع عشر؟ وبإيجاز، ما هو مستقبل الأيديولوجيا فى السياسة الدولية؟
إن الإجابة على هذه الأسئلة تحتم البدء بعرض تاريخى بسيط لدور الأيديولوجيا فى السياسة الدولية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى الآن ولا شك أن القارئ سيشعر بشىء من الابتسار فى هذا العرض التاريخى، لأن القرن العشرين كله كان عصر الأيديولوجيا بامتياز، حيث كانت الأيديولوجيا كامنة بقوة فى الحربين العالميتين وفى التطور المجتمعى لمختلف المجتمعات والنظم الثقافية الكبيرة فى العالم، فظهرت الفاشية والنازية والشيوعية فى معارضة الأيديولوجيات الليبرالية والمحافظة ومثل الصراع بين هذه الأيديولوجيات القوة المحركة أو على الأقل التمثيل الفكرى للحروب والصراعات الكبرى على كافة مستويات السياسة بل ويمكن القول بكل بساطة إن دور الأيديولوجيا فى السياسة ارتبط بصورة حميمة ببروز المجتمع الجماهيرى، بدءا بالثورة الأمريكية والثورة الفرنسية ومع ذلك، فكله يكفى تماما أن نعرض بإيجاز لتطورات الخريطة الأيديولوجية فى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية وعندما برزت فكرة نهاية الأيديولوجيا، حيث تصلح الفكرة كمحك لدراسة دور ومستقبل الظاهرة الأيديولوجية فى العلاقات الدولية.
1 ـ إطار تاريخى موجز:
سبقت مقولة نهاية الأيديولوجيا انهيار الاتحاد السوفيتى والشيوعية الأوروبية عموما، وانطلقت تلك الفكرة من مصادر شتى أول هذه المصادر وضعت الأيديولوجيا مقابل العلم والتكنولوجيا، وعكست هذه المقابلة الوضع العالمى والمقارن فى النصف الثانى من الخمسينيات والنصف الأول من عقد الستينيات فقد تمتع العالم فى هذه الحقبة برواج اقتصادى طويل الأجل نسبيا أعقب الحرب العالمية الثانية، وكانت ثماره قد ظهرت بوضوح على مستويات المعيشة فى الولايات المتحدة وأوروبا الغربية وبلاد أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتى وعزى هذا النمو الاقتصادى الخارق إلى فضائل العلم الحديث واعجازات التكنولوجيا العصرية وحيث إن الغرب والشرق معا تمتعا بهذه الثمار فقد بدا الأمر وكأن الأيديولوجيات صارت عنصرا ثانويا إلى حد بعيد فإذا كان من الممكن الحصول على معدلات نمو كبيرة فى المجتمعات الغربية والشرقية بالرغم من التناقض الأيديولوجى، فإن الفضل يرجع فقط أو أساسا إلى عامل محايد، هو العلم والتكنولوجيا. وساهمت عوامل أخرى فى تكريس ونشر هذه المقولة على نحو متزايد، فاستقلال العالم الثالث أدى إلى تهافت الأيديولوجيا الاستعمارية، وما وراءها من أيديولوجيات مثل الداروينية الاجتماعية والعنصرية، وأيديولوجيا عبء الرجل الأبيض وحيث إن الإمبراطوريات الأوروبية انهارت فى الوقت الذى تمتعت فيه أوروبا الغربية باستقرار سياسى ورخاء اقتصادى غير مسبوق، فقد أثبت التاريخ أن الاستعمار ليس أمرا ضروريا للرخاء أو التقدم، بل ربما يكون قد أعاقه، فضلا عن أن النزعات الاستعمارية كانت وراء محنة الحرب العالمية الثانية كان هناك عامل آخر يخص أوروبا الغربية بالذات، هو أن هذه الفترة شهدت هبوطا واضحا وإن لم يكن حاسما فى مستوى تأييد الحركات والأحزاب الشيوعية والراديكالية الأخرى، والتى خرجت من الحرب العالمية الثانية بمستوى هائل من الشعبية بفضل مشاركتها الكبيرة فى مناهضة النازية والاحتلال الألمانى لبلادها ويرجع هذا الهبوط النسبى، خاصة فى بلد مثل فرنسا قاد الفكر السياسى الأوروبى لقرون عديدة، إلى تحسن أوضاع الشرائح العليا من الطبقة العاملة والارتباط المتزايد لمصالحها بالازدهار الذى تحقق للاقتصاد الرأسمالى الأوروبى، كما أن الأخذ ببعض ما تنادى به الحركات التقدمية والاشتراكية فى المجتمعات الغربية ساهم فى طرح شعار نهاية الأيديولوجيا، فقد بدا أن النظام الرأسمالى يملك المرونة الكافية للتعايش مع بل وتحقيق الازدهار بسبب انفتاحه على أفكار جاءت من الأيديولوجيا التى ناهضته وهى الماركسية والاشتراكية ومن ثم بدا أن ثمة إمكانية للتوفيق بين المساهمات الكبرى للأيديولوجيات المتصارعة لما فيه خير المجتمع، ولكن ذلك نفسه أفضى إلى إخلاء الأيديولوجيات الثورية من طابعها الحاد ومن محتواها العنفوى، لأن شيئا من العدل الاجتماعى الذى تطالب به صار ممكنا فى إطار النظام الرأسمالى بل وبدا الأمر وكأن أوروبا الغربية بل والولايات المتحدة ذاتها تأخذ بنظام خليط فيه القطاع العام والخاص وفيه الرأسمالية وكثير من جوانب العدالة الاجتماعية وساهم ذلك كله فى خبو الضوء عن الأيديولوجيات الراديكالية التى كانت تعد هى الأيديولوجيا بامتياز وفى هذا السياق، برزت نظرية تقول إن الفوارق بين الخصمين الكبيرين فى الحرب الباردة تنكمش لصالح بروز نمط حتمى وعقلانوى فى إدارة المجتمعات على جانبى المنازعة الأيديولوجية، وعلى حساب الأيديولوجيا ذاتها.
ولأن البلاد المهزومة والمنتصرة قد شاركت فى قطف ثمار النمو الاقتصادى بعد الحرب الثانية، فقد بدا أيضا أن النمو لا يعود بالضرورة إلى القوة السياسية أو الانتصارات العسكرية، وإنما لتطبيقات العلم والتكنولوجيا والحداثة عموما ولأن بلادا جديدة غير أوروبية وبصفة خاصة اليابان بدأت تسجل معدلات مرتفعة للنمو الاقتصادى والاستقرار السياسى فقد نظر إلى الأمر وكأن الثقافات ذاتها ليست العامل الحاسم فى تحريك قاطرة النمو يكفى أن تأخذ الثقافات العالمية الكبرى الأخرى بما أخذت به الثقافة الغربية، وهو العلم والتكنولوجيا والتنظيم الاجتماعى الحديث، حتى تبدأ هى أيضا فى الانطلاق وكانت هذه هى النصيحة الأساسية التى قدمتها العلوم الاجتماعية للدول الجديدة فى المستعمرات السابقة، وذلك كبديل للفوران الأيديولوجى الذى برز فى أداء قياداتها بعد نهاية الاستعمار.
ومن الناحية المعرفية، بدت الثقة فى العلم والتكنولوجيا مبررة إلى حد بعيد بالمقارنة بالوعى الأيديولوجى الذى تم تعريفه على أنه نوع من التعصب.
ولم يكن شعار نهاية الأيديولوجيا فى تلك الفترة بالضرورة سلبيا أو سيئا، فالواقع أن العكس كان هو الصحيح ولو راجعنا تلك الفترة لوجدنا أن القوى الفكرية والاجتماعية التى تبنت هذا الشعار هى بالأساس الأحزاب والقوى الليبرالية التى شعرت بجزع شديد من استمرار الحرب الباردة ودخول العالم سباقا للتسلح يهدد ليس فقط الرخاء بل وأيضا الأمن والسلام العالمى ومن ثم فقد قادت الأحزاب الليبرالية والديمقراطية الاجتماعية خاصة فى أوروبا القارية الدعوة للوفاق وناضلت من أجله حتى نجحت بتوقيع ميثاق هلسنكى عام 1975 أما من الناحية الاجتماعية، فقد حملت الفئات التكنوقراطية والإدارية الحديثة التى قادت أو طبقت نموذج دولة الرفاه الذى حقق الازدهار والاستقرار لأوروبا وأبعد شبح الحرب عنها هذا الطريق، مما شجعها على قيادة النضال من أجل الوفاق وضد معارضة الأحزاب المحافظة واليمينية الأوروبية والأمريكية، أى ضد أيديولوجيات أخرى اعتبرتها كما ظهر فى حرب فيتنام خطيرة ومغامرة ومتعصبة.
لقد برز هذا كله فى الفترة الحاسمة بين منتصف عقد الخمسينيات ومنتصف عقد الستينيات، ولكن فكرة نهاية الأيديولوجيا لم تعش حياة مريحة حتى عندما حققت أعظم إنجازاتها الدولية فى ميثاق هلسنكى فمن ناحية، أدت الثورة الثقافية فى الصين إلى بروزها كقوة ذات نفوذ أيديولوجى بالغ التطرف والعنفوان وانتقل هذا النفوذ جزئيا إلى أوروبا الغربية وأمريكا الجنوبية التى لم تحصل على عائد يذكر من الازدهار الذى حققته أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية خلال نفس الفترة، وأدى ذلك إلى تصدعات أيديولوجية خطيرة فى المعسكر الاشتراكى، وانتقل النزاع الأيديولوجى بين الاتحاد السوفيتى والصين إلى مستوى عالمى، مما أدى لانقسام أيديولوجى أعمق داخل الحركات والأحزاب الاشتراكية فى مختلف أرجاء العالم، وبرزت بالتالى حركات للإحياء الأيديولوجى للماركسية تعارض الركود الذى عانته الماركسية وحولها إلى قوة لصالح الأمر الواقع وسريعا ما صعدت موجة كبرى أخرى للتجدد والتقدم الاجتماعى والسياسى فى أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية هى حركة الطلاب والشباب وحركة الحقوق المدنية، وقد خاضت هذه الحركة نضالا هائلا انتهى إلى فرض تراجع مدهش على الأيديولوجيات المحافظة وذلك بمنازعتها لا سياسيا فحسب (النضال ضد حرب فيتنام) بل بالأهم ثقافيا أيضا فبرزت ثقافة الستينيات كموجة عملاقة هزت هزا عنيفا وعميقا الثقافة المحافظة والسائدة سواء فى القارة الأوروبية أو فى أمريكا الشمالية وبدت تلك الحركة العملاقة وكأنها تطرح بذاتها أيديولوجيا جديدة فهى كانت إلى حد بعيد معادية للنموذج الشيوعى السوفيتى الشائه والنموذج الرأسمالى الأمريكى المتطرف معا، كما أنها كانت بصورة خاصة تحررية، سواء من الصياغات السياسية الجامدة، أو من الكبت النفسى والجمود أو الكذب الثقافى.
ومن ناحية أخرى، فإن الاتحاد السوفيتى السابق، ورغم أزماته المكتومة إلى حد ما، رفض بحسم وقوة نظرية ـ نهاية الأيديولوجيات ـ ، وبدا مصمما من ناحيته على مواصلة الإفادة من الزخم الراديكالى الذى استمر طوال عقد السبعينيات فى الشرق الأوسط وأفريقيا ومن ثم أقدم على غزو أفغانستان، الأمر الذى أشعل الحرب الباردة من جديد والذى صادف أيضا هوى شديدا من جانب الأيديولوجيا المحافظة الأمريكية فقد كانت هذه تستعد لرد فعل خارق ضد الهزات والهزائم التى طالتها، وسنحت لها الفرصة لأسباب عديدة من بينها الثورة الإيرانية ومثلت هذه الأخيرة فتحا لباب جديد فى البحث حول الظاهرة الأيديولوجية وهو العالم الثالث عموما والشرق الأوسط خصوصا، وبصورة أخص أيديولوجيا الإسلام السياسى والأصوليات الأخرى: اليهودية والهندوكية والمسيحية. أما على المستوى العالمى، فقد دخلت السياسة الدولية مرحلة جديدة تماما بانهيار الاتحاد السوفيتى والأيديولوجيا الاشتراكية العلمية كلها والواقع أن هذا التطور كان يمكن أن يواتى نظرية نهاية الأيديولوجيا شكليا على الأقل ولكن ما منع انتصار نظرية نهاية الأيديولوجيا هو أن الولايات المتحدة كانت تمر بمرحلة جديدة وغير متوقعة فبدلا من الترحيب بالتطورات الإيجابية على المستوى العالمى أخذت موجة أيديولوجية جديدة تصعد بصورة صاروخية وهى موجة المحافظة عموما والمحافظين الجدد بوجه خاص وما بدا وكأنه مجرد اختيار مؤقت ومرتبط بالرغبة فى وقف المهانة القومية التى تعرضت لها الولايات المتحدة بسبب هزيمة فيتنام وأزمة الرهائن الأمريكيين فى إيران عندما تم انتخاب الرئيس الأمريكى الأسبق ريجان ظهر وكأنه مجرد بداية لفوران أيديولوجى خارق وجديد وغير مسبوق فى التاريخ الأيديولوجى للنظام الدولى تمثل فى انتخاب الرئيس الأمريكى الراهن جورج بوش الابن، الذى سيطر المحافظون الجدد تماما تقريبا على إدارته وعلى عكس التاريخ الطويل للغرب وللنظام العالمى، أخذت الأيديولوجيا المحافظة بزمام المبادرة وبدأت تطرح على نفسها تشكيل العالم كله من جديد حسب هواها، ووجدت ضالتها ومبررها فى الشرق الأوسط وظاهرة الإسلام السياسى وبالذات العنفوى وبالتالى، عادت الأيديولوجيا لتعبث تماما بالسياسة الدولية على نحو يطيح تماما بنظرية نهاية الأيديولوجيا.
لماذا إذن أثبتت الأيديولوجيا استعصاءها على الاختفاء والاضمحلال، وتجددها الدائم وقدرتها على إخضاع السياسة الدولية بل والإقليمية والوطنية لموجات متعاقبة من الصراعات والنزاعات المعقدة؟ وما هو دور الأيديولوجيا فى الحياة الاجتماعية والسياسية، بالمقارنة بالعوامل التى كان ينظر إليها باعتبارها معطيات حيادية مثل الجغرافيا أو العلم والتكنولوجيا؟ وما هو مستقبل الظاهرة الأيديولوجية عموما؟ سوف نتناول بعض هذه الأسئلة فيما يلى.
2 ـ ما هى الأيديولوجيا؟
السؤال الأساسى الذى يجب حسمه فى أى بحث عن مصير ومسار الأيديولوجيا سواء على مستوى المجتمعات فرادى أو مستوى العلاقات الدولية هو ما إذا كانت الأيديولوجيا حتمية أم لا؟ لقد احتار العلماء فى تعريف الأيديولوجيا منذ أن ابتكر دوتراسى هذا المصطلح بنهاية القرن الثامن عشر ومن المثير أنه كان يقصد أن يفتتح من خلال هذا المصطلح علما جديدا سماه علم الأفكار، ولكن دراسة الأفكار شىء والأفكار نفسها شىء أخر وقد درجت مختلف المدارس على تعريف الأيديولوجيا باعتبارها مادة الدراسة وليست الدراسة نفسها فالأيديولوجيا من حيث الاستخدام العام والشائع للمصطلح هى تشكيلة أو منظومة من الأفكار ويفترض أن يعنى ذلك أن الأيديولوجيا هى بتعبير البعض رؤية شاملة للعالم وطريقة للنظر للأشياء، وعندما ينسى الناس أن هناك طرقا أخرى للنظر إلى العالم والأشياء وعندما يفكر الجميع بنفس الطريقة تصبح لدينا أيديولوجيا مهيمنة، كما يسميها جرامشى، أو تفكير جمعى كما يسميها علماء علم النفس الاجتماعى ويميز البعض هنا بين أنواع ومستويات مختلفة من الأيديولوجيا كأن نقول أيديولوجيات سياسية وأيديولوجيات اجتماعية أو أيديولوجيات معرفية، أى ما يسميه كون بالباراديم وإذا أخذنا بهذا التصنيف، فقد نتحدث أيضا عن أيديولوجيا عليا أى مظلة أيديولوجية تضم مختلف هذه التصنيفات ومن هذا المنطلق أيضا يمكن القول إن أى أيديولوجيا تضم أخلاقا ورموزا وشعارات وأساطير ومجموعة مبادئ عمل خاصة فى المجال السياسى.
غير أن هذا الفهم أو التعريف للأيديولوجيا، والشائع فى الانسكلوبيديات، يطمس إلى حد بعيد الفارق بين الثقافة والأيديولوجيا، إذ يتم تعريف الثقافة بنفس الطريقة، ويقال عنها أيضا إنها رؤى للعالم والأشياء وإن لها محتواها من الأخلاقيات والرموز. الخ وعندما يختلط المصطلحان نصبح أمام معضلة حقيقية، من زاوية البحث فى دور الأيديولوجيا فى السياسة الدولية فالماركسية مثلا ليست بنتا لثقافة أى مجتمع بعينه بما فى ذلك الثقافات الغربية، وهى لا يكاد تكون لها صلة بمجتمعات فلاحيه مثل الصين التى أخذت بها ولا تزال اسميا حتى الآن ولا نستطيع لذلك أن نفهم لماذا تنتشر أيديولوجيات مثل الماركسية فى ثقافات غير صناعية ولا صلة لها بمبادئها أو شعاراتها؟ أحد الحلول لفهم دور الأيديولوجيا هو أن نميزها بوضوح عن الثقافة ويؤكد بعض الكتاب أن الأيديولوجيا هى طائفة من المدركات والأفكار التى تسعى لإعادة هيكلة الثقافة على نحو معين وبهذا المعنى تتلاعب الأيديولوجيا بالثقافة وتنشأ حالات ثقافية بعينها بتوظيف الظروف السياسية والنفسية والموضوعية للمجتمع ويحل هذا التفسير إشكالية تعدد الأيديولوجيات داخل نفس النظام الثقافى كما هو واضح فى المسار السياسى والفكرى للغرب ولكن هذا التفسير لا يحل معضلة: لماذا تستطيع أيديولوجيا أنتجت فى تراث ثقافى وتكوين اجتماعى ما أن تؤثر بقوة وأن تنتشر فى ثقافات وتكوينات اجتماعية بعيدة تماما عن الأولى: أى الثقافة والتكوين الاجتماعى المنتج الأصلى لها؟ وربما يمكننا أن نزود التفسير السابق شرحه بجملة إضافية، حيث امتدت بعض الأيديولوجيات الغربية الكبرى فى النظم الثقافية والاجتماعية فى العالم الثالث، لأن المثقفين الذين تبنوا هذه الأيديولوجيات نشئوا هم أنفسهم على قاعدة الثقافة الغربية الحديثة، ومع ذلك لا يبدو هذا التفسير الإضافى مقنعا تماما.
لا يمكننا أن نحل المعضلة إلا بالعودة إلى فهم الأيديولوجيا وتعريفها بدقة أكبر لقد ميزنا الأيديولوجيا عن الثقافة بوجه عام، ويقيم البعض، بمن فيهم ماركس نفسه، الأيديولوجيا على قاعدة مختلفة بتعريفها على أنها نمط خاص من الوعى، أى هى وعى زائف فالأيديولوجيا بالمقارنة بالمعرفة العلمية والثقافة هى كما يقول دانييل بيل نظام للمعتقدات موجه للفعل المقصود بالطبع هو المعنى الفلسفى للفعل وليس المعنى السوسيولوجى والمعنى بالسلوك الفعل هو ممارسة تدافع عن نمط أو تناضل لتغييره، وليست سلوكا بالمعنى الاعتيادى للكلمة، والذى يعكس ثقل الاعتبارات الموضوعية والثقافية خاصة تلك الأفعال التى تعد نمطية أو توقعية على أى حال وتمثل الممارسة عنصرا واحدا مهما فى تعريف الأيديولوجيا، أى أنها معتقدات توجه الأفعال التاريخية للفاعلين بل تكون الفاعلين بالأصل، إذ يستحيل أن يتكون فاعل دون أيديولوجيا، أى بدون دوافع عقلية وسيكولوجية للقيام بأفعال معينة هى بهذا المعنى أفعال تاريخية.
ولأن التاريخ، باعتباره مجالا للفعل، هو مسار علاقات القوة، بكل مستوياتها ونطاقاتها ومجالاتها النوعية فإن الأيديولوجيا معنية أيضا بالسلطة وهذا هو ما يميزها نسبيا عن الثقافة فالأيديولوجيا هى محاولة لحصر ودفع الثقافة لإنتاج بنية ما للسلطة وهو ما قد يعنى الدولة أو حتى السلطة فى مجال العلاقات العالمية مثلما كانت عليه الإمبراطوريات التاريخية وكانت عليه أيضا الأمم المتحدة فكل سلطة لها أيديولوجيا وكل مشروع بديل للسلطة له أيديولوجية بديلة أو مناقضة.
ويحتم ذلك أن يكون لدينا عنصر ثالث، فالأيديولوجيا لا توجد إلا فى حقل أيديولوجى، أى فى صراع سياسى بنهاية المطاف، حتى لو أن الوجه الأساسى الظاهر لهذا الصراع اجتماعى أو ثقافى أو غير ذلك وبهذا المعنى، فالأيديولوجيا لا يمكن تعريفها إلا بالتناقض مع أيديولوجيات بديلة أو مناقضة فإن لم يكن هناك نضال ضد أيديولوجيا مهيمنة، فالمحتم أن تتحول الأخيرة إلى ثقافة والثقافة هى تراكب من الأيديولوجيات المهيمنة والتى لم تتم منازعتها بقوة كافية بما يجعلها تنحو للتطور على نحو آخر غير ما نحت إليه بالفعل وأخيرا، فإن الأيديولوجيا تشتمل على عنصر غير عقلانى بالضرورة حتى لو اضطرت لصياغة حججها من مادة العقل والمنطق وهنا تختلف الأيديولوجيا عن العلم أو المنطق أو الفكر الصرف والنزعة التى تقوم عليه، أى النزعة العقلانية أما هذا العامل غير العقلانى، فتقيمه المصلحة التى ترتبط بدورها بالموقع فى التكوين الاجتماعى فالناس وهذا هو ما يؤكده ماركس وانجلز يميلون لتبنى تلك الأيديولوجيات التى تدافع عن مصالحهم بشرط أن نفهم هذا المصطلح بالمعنى الواسع للكلمة.
فالأيديولوجيا ترتبط ارتباطا حميما بل وعضويا بالمصلحة أو بالموقع فى علاقة قوة/ سلطة، ولا يمكن أن تنتهى الأيديولوجيا إلا عندما تتحول العلاقات المجتمعية على أى مستوى من علاقة قوة/ سلطة إلى علاقة تضامن/ مساواة وهنا يكمن الخطأ الذى وقع فيه دانييل بيل وناثان بلازر ومارتن سيمور ليبست وآخرون ممن روجوا لفكرة نهاية الأيديولوجيا فى بداية عقد الستينيات لمجرد القبول بدولة الرفاهة.
فهذا القبول نفسه لو أنه وقع على الإطلاق ارتبط ليس بتطور مؤسسة حكم تمثل المركز القادر على استقطاب اليمين واليسار كما يدعى بيل وجلاسر وليبست وإنما بالأيديولوجيا التى سعت لحل هذا الصراع على قاعدة الحل الوسط، والتى زعمت لنفسها أنها لا أيديولوجية لمجرد أنها قامت على فكرة الحل الوسط، أو الوسطية السياسية والثقافية والمعرفية وتنبهنا هذه الملاحظة لضرورة القيام بتمييز أوسع بين شكلين للوجود السياسى للأيديولوجيا فهناك أيديولوجيات صريحة، أى لها نصوص مرجعية مكتوبة ومؤلفات وشروح، سواء كانت شعبية أو ذات محتوى معرفى عال، وهناك أيديولوجيات مضمرة، ويمكن اشتقاقها واستنباطها من خطب للساسة أو حكم شعبية أو أدبيات صحفية، بل ويمكن اشتقاقها من الأفعال الكبرى المؤسسة والمحولة لها ويسمح لنا هذا التمييز بملاحظة تحولات أى نمط من النصوص، وتتبع متى تتحول من فكر مجرد إلى أيديولوجيا وقد نبهتنا تحولات الماركسية والليبرالية والنزعة المحافظة إلى هذا التميز بقوة، فجميع هذه الأيديولوجيات تنفى عن نفسها الطابع الأيديولوجى فوعدت الماركسية نفسها بأن تنشئ علما، وقام ماركس وانجلز بنقد الأيديولوجيا باعتبارها وعيا معكوسا أو مزيفا (بفتح وكسر الياء فى آن واحد)، ليميز مشروعه باعتباره مسعى لإنشاء علم عن الأيديولوجيات بما فيها الأيديولوجيات الشعبية والاشتراكية الطوباوية وميز مانهايم بين الأيديولوجيا والطوباوية، ولكن حقيقة الأمر أن الماركسية تضمنت دائما هذا التناقض بين المسعى العلموى والمسعى الأيديولوجى وبينما اشتمل شعار ياعمال العالم اتحدوا على الأخير فإن احتفاظ ماركس نفسه بالنزوع النقدى حتى تجاه الممارسة السياسية فى حقل الحركة العمالية (نقد برنامج جوته مثلا) يكشف عن بقاء المسعى الأول كما اشتمل المشروع الليبرالى على نفس التناقض وبينما تؤكد النزعة المحافظة أنها ذات طابع عملى وأنها بعيدة عن النصوصية لأنها نتاج الاختيارات التراكمية الناجحة للمجتمع، فإنها رغم ضعف نصوصها أو مرجعيتها الفلسفية بل وعدائها الصريح للفلسفة فإنها تعد الأيديولوجيا بامتياز من حيث المدى الهائل لمحتواها التعصبى.
2 ـ عالمية الصراع الأيديولوجى:
فإذا اتفقنا على أن الناس يتصرفون فى الفضاء السياسى، ليس تبعا لنموذج تجريدى للعقلانية وإنما تبعا لنموذج أيديولوجى يأخذ بدرجات متفاوتة من التعصب المرتبط بمصالحهم، فإن السياسة الدولية هى بالضرورة مجال للصراع الأيديولوجى وقد تصارع فى سياق المراحل المختلفة لمشروع الحداثة ثلاثة تشكيلات أيديولوجية كبرى، هى: الأيديولوجيات المحافظة بصورها المختلفة (دينية، علمانية، وطنوية، وليبرتاريانية) والأيديولوجيات الليبرالية بصورها المختلفة (ليبرالية أوروبية وأخرى أمريكية، وربما يمكن تمييزها أيضا تبعا للتجارب القومية المختلفة، وليبرالية القرن التاسع عشر وليبرالية النيوديل، والليبرالية الجديدة وربما تبعا لمواقف متنوعة من قضايا محددة ومتنوعة)، والأيديولوجيات الجماعية بصورها المختلفة (شيوعية، شعبوية، فاشية نازية، وطنية متطرفة).
والواقع أن هذا التصنيف أولى للغاية لسبب مهم، هو أن الأيديولوجيات تتناسل وتختلط بل وقد تمتزج على نحو يضاعف صعوبة التمييز بينها انطلاقا من رصد الممارسة وعلى سبيل المثال مثلت الليبرالية الفلسفة أو الأيديولوجيا الأم لمشروع الحداثة الغربى من حيث قيامه على معنى العلمانية والنزعة الإنسانية المعادية للتشريع الدينى وكذلك مشروع الاستثمار الخاص ولكن ما إن نضجت تلك الأيديولوجيات حتى ولدت من داخلها النزعة أو الأيديولوجية المحافظة وبينما تعادى الأيديولوجيات، الجماعية الليبرالية، فإن بعضها ينتسب من حيث تأصيله الفكرى وبصورة أخص الماركسية إلى الليبرالية وتختلط الماركسية أحيانا خاصة فى الصياغات الصينية المأوية بالوطنية وأحيانا، خاصة فى صياغاتها الأمريكية اللاتينية، بالدين، وكثيرا ما تأخذ كل من هذه الأيديولوجيات بجوانب من النزعات أو الأيديولوجيات الشعبوية ومجاز القول هو إنه نادرا ما تظهر الأيديولوجيا فى الممارسة السياسية بصورة صافية، فالأيديولوجيا هى نسيج معقد ومتلون ومتحول بصورة دائما وبعلاقة وثيقة مع تحولات علاقات القوة فى أى مجتمع بعينه فكل أيديولوجيا تأتى بشروح تعرف الفاعل الذى تخاطبه أو تتحدث باسمه، وتصور العالم وتحديدا المجال السياسى من وجهة نظر هذا الفاعل وغالبا ما ينصب المشروع الفكرى أو المرجعية النصوصية لأى أيديولوجيا على هذين الجانبين، وهو ما يمنحها أحيانا مظهرا علميا ولكن أية أيديولوجيا لا يمكن أن تكتفى بهذه الجوانب، بل تقيم شروحها الخاصة بالصراع الذى تصور فيه الإعاقات أو الخصوم والأعداء الذين يجب منازعتهم أو مصارعتهم للوصول إلى التحقق أو لإنجاز المشروع السياسى للفاعل الاجتماعى والسياسى كما أن أية أيديولوجيا تشتمل دائما على سجالات تلوم الخصوم على كل ما يتحمله هذا الفاعل من تضحيات أو آلام أو كوارث، وهو ما يعنى أيضا أو بالأهم مساجلات مع الأيديولوجيات الخصم أو العدو أو التى تراها كذلك وفى هذين الجانبين الأخيرين من أية أيديولوجيا، تتركز محتوياتها أو شحناتها اللاعقلانية أو التعصبية.
وغالبا ما تشهد الحقب التاريخية الكبرى مشاحنات وصراعات أيديولوجية مبسطة على نحو ما ربما بتأثير ثقل العوامل السياسية التى كثيرا ما تحتم انقسام المجتمع أو الساحة الدولية إلى معسكرين كبيرين، ومن ثم إلى أيديولوجيتين كبيرتين فمنذ اندلاع الثورة الفرنسية وحتى انفجار الحرب العالمية الأولى، انشغلت أوروبا بالصراع بين النزعتين الليبرالية (خاصة فى ثوبها الراديكالى) والنزعة المحافظة ولم تتم تسوية هذا الصراع أبدا وحتى الآن، وذلك بسبب دخول فاعل ثالث حلبة الصراع قبل أن تتم هذه التسوية وهى الحركات الثورية الأوروبية خاصة بتعبيراتها الماركسية والفوضوية، وبروز الأيديولوجيات القومية المتطرفة مثل النازية والفاشية أما النصف الأول من القرن العشرين، فقد شهد تفجر صراع متواز، فقد أدى بروز الأيديولوجيات الثورية على الساحة الأوروبية، ثم الأيديولوجيات القومية المتطرفة من جانب ثان، إلى تعدد وتشابك الصراعات السياسية فى أوروبا ومن ثم فى الساحة العالمية وبينما حاولت الأيديولوجيات الديمقراطية: المحافظة والليبرالية دفع الأيديولوجيات القومية المتطرفة لتصفية الماركسية الأوروبية بما فيها السوفيتية، انتهى الأمر إلى تحالف اضطرارى مع الأخيرة لإنهاء التهديد الفاشى والنازى للديمقراطيات الأوروبية وما إن انتهى هذا الصراع بوضع الحرب العالمية الثانية أوزارها، حتى بدأ الصراع الثانى فى البروز من خلال الحرب الباردة وحروب الوكالة، وهو الصراع الذى شغل الجزء الأكبر من القرن العشرين.
كان لدينا إذن فى الواقع مصفوفة أيديولوجية بالغة التعقيد فى الساحة الأوروبية ولكن الأمر المثير فى هذه المصفوفة لا يتمثل فقط فى الاختلاط والتداخل المعقد بين الأيديولوجيات المتصارعة، وإنما فى العلاقة التى لا تقل تعقيدا بين المستويين الوطنى والعالمى فى الصراعات الأيديولوجية ويطرح ذلك إشكالية نظرية مهمة، هى أيهما يمكن أن يكون العامل التابع وأيهما يكون العامل المستقل؟ وبتعبير آخر يمكن القول إن المستوى القومى للصراع كان أصيلا إلى حد كبير ولكن يمكن أيضا القول إن الوطنية ذاتها هى أيديولوجيا، وليست حقيقة معطاة فوق الأيديولوجيا والتاريخ، وإن الصراع الأيديولوجى كان دائما فى الأصل عالميا وإنه اخترع طرقا لاختراق المستويات الوطنية، ووظف هذه المستويات لمصلحته.
فلنوضح الإشكالية بدرجة أكبر، لقد كانت أوروبا مسرحا متصلا ومتداخلا إلى حد بعيد، ومن ثم وجدت الصراعات الأيديولوجية طريقها إلى كل أرجاء أوروبا وإذا أخذنا الصراعات والحروب الدينية خلال القرنين السادس والسابع عشر وحتى صلح وستفاليا لوجدنا أن هذه الصراعات قسمت جميع الأمم الأوروبية التى تميزت بعد ذلك إلى دول وقوميات فحارب ألمان جنبا إلى جنب مع بريطانيين وفرنسيين ونمساويين ضد قوى من نفس الخليط، لأن الصراع أعلن على الخطوط الفاصلة بين الكاثوليكية والبروتستانتية فتحالف الكاثوليك الفرنسيون مع أشباههم الألمان والبريطانيين لمحاربة البروتستانت الفرنسيين والألمان والبريطانيين وغيرهم طوال نحو قرن من الزمان حتى تم توقيع اتفاق وستفاليا الذى منح السلطات الحق فى قهر رعاياهم للانتماء إلى أى من الفريقين الدينيين وبالتالى، برزت السلطات الفعلية فى الأقاليم التى بسطت عليها سيادتها باعتبارها البؤرة التى تجمعت عليها عملية قهرية لبناء الأمم وقد أنجزت هذه العملية بصورة غير متساوية تبعا لمستويات التقدم الاقتصادى المحقق والسهولة النسبية التى تحققت لعملية بناء أغلبيات دينية فى الأطر الإقليمية للدول الجديدة وبتعبير آخر، كان الصراع أساسا أيديولوجيا خلال الفترة1500ـ 1648 واخترق جميع الحواجز، قومية كانت أو ثقافية، ولكن هذا الصراع أدى إلى ولادة الأمم فهل يعنى ذلك أن الصراع الأيديولوجى صار قوميا، وتوقف عن أن يكون عالميا بالأساس؟ وقد تصوغ نفس السؤال بطريقة أخرى: فإذا كانت الأمم والدول الأوروبية قد استقرت على قاعدة صلح وستفاليا 1648 فهل فقد الصراع الأيديولوجى منذ ذلك الوقت استقلاله عن المستوى القومى وصار تابعا لهذا المستوى؟ الواقع أن بعض المؤشرات تؤكد الاستنتاج الأخير، فالحروب الكبرى فى أوروبا خلال القرنين التاسع عشر والعشرين خاضتها دول قومية، وذات مشروعات إمبريالية فحارب البريطانيون الفرنسيين وبنت أوروبا تحالفات معقدة ضد الثورة الفرنسية باعتبارها دولا ومن أجل المحافظة على الترتيب الإقليمى القائم وعندما نجح هذا التحالف المعادى للثورة، استمر يحكم أوروبا باسم وفاق أوروبا حتى الحرب العالمية الأولى وقد نسى الكاثوليك من الإمبراطورية النمساوية المجرية حقيقة أنهم يتفقون مع الفرنسيين فى الديانة، ويتعين عليهم التحالف مع البريطانيين الذين ينتمى أغلبهم للبروتستانتية، والروس الذين ينتمى أغلبهم للديانة الأرثوذكسية لتحقيق النصر من أجل الحفاظ على الدول وفى الوقت نفسه، سريعا ما فقد الثوار الفرنسيون شعاراتهم الخاصة بالإخاء لتحرير أوروبا بل والعالم من الملكيات الرجعية ولهذا فقدوا القدرة على عولمة الصراع الأيديولوجى بين النزعتين الليبرالية والمحافظة، واضطروا لقهر مستعمراتهم حتى الأوروبية باسم فرنسا.
وخلال القرن العشرين، وقعت الحروب الكبرى والصراعات التاريخية المهمة باسم الوطنية والقومية فالألمان من أصحاب الأيديولوجية الاشتراكية صوتوا للحرب ضد البلاد الأوروبية الأخرى فى البرلمان الألمانى، فتفجرت الحرب العالمية الأولى بالرغم من ادعائهم الانتماء إلى الدولية الاشتراكية الثانية، وهكذا فعل خصومهم البريطانيون والفرنسيون، ووقع نفس الشىء فى الحرب العالمية الثانية.
ولكننا لا نفتقر إلى أدلة على صحة النظرية الثانية، فالصراعات الأوروبية فى القرنين التاسع عشر والعشرين لم تكن صراعات قومية صافية بالرغم من النضوج الكبير الذى تحقق لعملية بناء الأمة والدولة فى أوروبا الغربية على الأقل حتى قبل أن ينتهى القرن الثامن عشر فالثورة الفرنسية وجدت تعاطفا هائلا فى بقية القارة، بل فى قلب كثير من الإمارات الألمانية التى وقعت تحت الاحتلال النابليونى، وقد ترك بعض الشعراء والفلاسفة الألمان تراثا كبيرا من الإعجاب بالثورة التحررية الأولى التى رفعت فى أوروبا شعار الإخاء والمساواة وفتحت الباب واسعا أمام تدفق مشروع الحداثة وما إن انتهت الحروب النابليونية، حتى تتابعت ثورات ذات نطاق أوروبى ضد الطغيان المحافظ فى القارة، وعلى رأسها ثورة 1848، وهو ما شجع المحافظين فى كل البلاد الأوروبية على التحالف ضدها أما فى القرن العشرين فقد انتقلت مهمة تحدى الطغيان المحافظ والمراوحة الليبرالية إلى عاتق الماركسية التى وجدت تعاطفا هائلا من الحركات العمالية والأحزاب الشيوعية الأوروبية ونجحت اللينينية فى تقسيم الحركات والأحزاب الاشتراكية الأوروبية بين جناج قومى وآخر يؤمن بالشعار الذى أطلقه ماركس ياعمال العالم اتحدوا وما إن بدأت الحرب العالمية الثانية حتى كان للاتحاد السوفيتى أنصار لم يستنكفوا حتى عن التجسس له ضد بلادهم ذاتها، وفى قلب أوروبا الغربية التى كانت تشغى بالنضال الأيديولوجى بين اليمين واليسار وقد امتنع الشيوعيون الفرنسيون لفترة قصيرة عن مناهضة الاحتلال الألمانى لبلادهم، لأن الاتحاد السوفيتى كان ملتزما فى ذلك الوقت نفسه باتفاق سلام مع ألمانيا النازية، وظل اليمين الديجولى يذكر الشيوعيين بهذه الحقيقة ويستخدمها ببراعة فى الصراع ضد الشيوعية الفرنسية وبالمقابل، فإن أيديولوجيات عالمية، تشكلت مؤسساتيا للفعل على نطاق عالمى، انكسرت أمام تناقضات المصالح القومية، فالماركسية الصينية وجدت نفسها مندفعة لمنازعة الماركسية السوفيتية فى ظل خروشوف وخلفائه، والطريف هو أن الحركات الشيوعية فى مختلف بلاد العالم انقسمت بين مؤيد لهذا ومؤيد لذاك فى الصراع الصينى السوفيتى، مما يعنى أن العاملين القومى والعالمى فى الصراعات الأيديولوجية تداخلا إلى درجة كبيرة.
نحن إذن أمام واقع بالغ التعقيد، لقد نضجت القوميات والدول القومية الغربية الكبرى بحيث إن الصراعات الأيديولوجية داخلها صارت مستقلة عن غيرها إلى حد كبير، وهو ما أدى إلى اتحاد الجماعات والأحزاب من مختلف الأيديولوجيات فى الإطار الوطنى لكسب الصراعات والحروب باسم بلادهم الأم، ولكن تلك الحقيقة عبرت عن ميل الأغلبية وليس قانونا حديديا عاما بل يمكننا القول إن الوطنية نفسها هى حالة أيديولوجية، والأهم وضعية تاريخية وليست قانونا فوق التاريخ، كما أنها لم تكن أبدا حالة أو وضعية مانعة لعولمة الصراعات الأيديولوجية لقد كانت الصراعات الأيديولوجية فى التاريخ الأوروبى الحديث عالمية دائما، بالرغم من أن نضوج القوميات جعلها تبدو وكأنها المستوى الطبيعى لخوض الصراعات الأيديولوجية، وأن الصراع الأيديولوجى فى الداخل يختلف عنه بصورة جذرية فى الخارج، أو أن الصراعات فى الداخل أيديولوجية بينما الصراعات على المستوى العالمى قومية أو تعبر عن المصالح القومية.
من هذا المنظور، اتسمت الصراعات الأيديولوجية خلال النصف الثانى من القرن العشرين بقدر ما من التعقيد لأنها اشتملت على قدر ما من العولمة وقدر من النزعة القومية وكل ما يمكن استنتاجه فى هذا السياق أن القومية ليست بحال أيديولوجيا أبدية ومعطاة، وأنها منتج تاريخى، وإن كانت تتمتع بقوة كبيرة ومستمرة، مقابل أن العولمة الأيديولوجية كانت وستظل ظاهرة مهمة إن لم تكن جوهرية وفيما بين هذا وذاك، يجب أن نصوغ رؤية للعلاقات الدولية تراجع بقوة نظرية الدولة القومية والمصلحة القومية التى اعتبرت الركيزة الأساسية لنظرية العلاقات الدولية منذ بزوغها فى عقد الخمسينيات.
3 ـ مستقبل الأيديولوجيا فى العلاقات الدولية:ـ بداية، يجب أن نتحفظ إذن، خاصة ونحن نتحدث عن المستقبل، على تعبير ـ العلاقات الدولية ـ ، بالرغم من اضطرارنا لاستخدامه فالمصطلح، سواء باللغة العربية أو اللغات الأجنبية، مشتق من الدولة باعتبارها الفاعل الأساسى فى العلاقات الدولية وبينما لا يمكن إنكار استمرار هذه الحقيقة على الأقل بالنسبة للبلاد المتقدمة والأمم التاريخية القديمة مثل الصين ومصر والهند، فقد راجع منظرو العلاقات الدولية بل وعلماء السياسة بشكل عام هذه الأطروحة، وقام كثيرون منذ عقد السبعينيات بصياغة نماذج تحليلية تقوم على تعدد الفاعلين وأكد هؤلاء المنظرون أن دور الدولة يتعرض لانكماش وتآكل طويل المدى بالتزامن مع نمو فاعلين جدد، بعضهم فوق قومى مثل الكنيسة الكاثوليكية، والآن تنظيم القاعدة، ومثل الشركات عابرة القومية، وبعضها تحت المستوى القومى مثل الطوائف الدينية والحركات الإثنية والثقافية.
ومن ناحية أخرى، فإن ظاهرة العولمة لم تعد مجرد شعار أو أمر مقصور على المجال الاقتصادى، بل صارت قابلة للترجمة إلى المجال السياسى ولا أدل على ذلك من التحالفات العالمية التى تنشئها الولايات المتحدة للقيام بعمليات عسكرية وسياسية على المستوى الكونى، مثلما حدث فى أزمات الخليج التى انتهت إلى غزو العراق عام 2003 وأزمات البلقان التى ما زالت تهدد بالانفجار فى أية لحظة وبالمقابل، لابد لأى مراقب للعلاقات الدولية أن يلاحظ عولمة النضال المدنى وبزوغ ما صار يسمى المجتمع المدنى العالمى بقوة كبيرة، سواء فى عمليات ومظاهر صامتة مثل حركة المرأة والبيئة، أو أعمال احتجاج وتمرد صارخة مثل حركة العولمة أو حركة مناهضة الحرب.
يعنى ذلك أن الصراعات الكبرى يتم خوضها على نطاق عالمى بصورة أكبر كثيرا من ذى قبل وقد يكون من المبكر للغاية كما أثبتت الأحداث العالمية فى السنوات الأخيرة أن نعلن عن موت الدولة القومية، ولكن نظرية وتحليل مستقبل العلاقات الدولية يشيران بقوة إلى هذا المعنى لم يعد من الممكن تجاهل العولمة المتزايدة للصراع الأيديولوجى، وقد أوضحنا أن هذه ظاهرة ليست حديثة على الإطلاق، وأنها كانت ملمحا ثابتا من ملامح مشروع الحداثة، بل كانت ملمحا دائما من ملامح التاريخ، وأن النظرية الحداثية للعلاقات الدولية كما تمت صياغتها فى الخمسينيات والستينيات والتى قامت على قاعدة سيادة الدولة بالغت كثيرا فى منح قيمة مطلقة وبدهية للدولة القومية، وهو ما حجب الأهمية القصوى لعولمة الصراع السياسى والأيديولوجى، ربما طوال التاريخ بكل حقبه، بما فيه حقبة الحداثة.
إن مختلف نظريات ما بعد الحداثة تتفق على سمة جوهرية للعلاقات، أو بالأحرى للنظام العالمى، هى أن الأيديولوجيا لم تمت أبدا وأن أهميتها العالمية سوف تتزايد ولن تقل ولكن ذلك لا يختصر التغيرات العميقة للحقل الأيديولوجى البازغ، ويهمنا أن نتحدث أولا عن السمات العامة لهذا الحقل وعن مسار الصراع والتطور.
إن أهم السمات التى يركز عليها المراقبون للأوضاع العالمية الراهنة هى أن تغيرا كبيرا وقع فى طبيعة الصراع الأيديولوجى.
يؤكد دانييل بيل، أشهر من أعلنوا وفاة الأيديولوجيا، أن ما حدث هو أن الأيديولوجيات الكبرى التى انبثقت عن الفلسفة الإنسانوية لعصر النهضة فى طريقها للاضمحلال وأن البشرية ستعود إلى الأيديولوجيات السابقة على الحداثة وبصورة خاصة الإثنية والصراعات الدينية وبتعبير آخر فإن الادعاءات الكونية للأيديولوجيات الكبرى المتصارعة فى حقبة الحداثة قد انتهت وأن الأيديولوجيات الإقليمية (الباروكيالية) ستحل محلها باعتبارها الفاعل الأساسى فى الصراعات، سواء على المستويات القومية أو فى الساحة القومية وفى مراجعته لتلك النظرية فى مجلة نيويورك، يقول ريفيو أو بوكس إن أيديولوجيا المحافظين الجدد ستكون آخر موجة من الموجات الأيديولوجية الكونية، ويتوقع أن تنتهى قريبا.
ولا شك أن ثمة قصورا كبيرا فى تلك الرؤية، وهو قصور ينشأ جزئيا عن التمركز حول الذات الغربية ففى العالم غير الغربى، لابد من ملاحظة البروز الصارخ الجديد للأيديولوجيات ذات النداء أو التوجه العالمى، أو على الأقل العابر للدولة القومية ولا تقتصر هذه الحقيقة على ثقافة الإسلام وأيديولوجيا الجهاد الإسلامى، فالأصولية الهندوكية لا تخاطب الهنود فى الهند وحدها بل فى العالم كله بل إنها تسعى لتطوير وتثبيت رؤية تضفى طابعا هندوكيا على جميع الأديان الطوطمية أما الأصولية اليهودية الأكثر نفوذا بكثير فهى مقيدة بالطبيعة غير التبشيرية للنشاط الدينى اليهودى، وتكتفى بمخاطبة اليهود وتنظيمهم عبر الحدود القومية أما الأيديولوجيا الصهيونية فتأخذ باختيار آخر تفرضه الممارسة التاريخية من ناحية، والظروف الخاصة بالحالة الديموجرافية للجماعات اليهودية خاصة القلة السكانية الواضحة لأبناء هذه الديانة من ناحية أخرى، فهى لا تكتفى بمخاطبة اليهود وإنما تعقد تحالفا متزايد القوة مع الأصوليات الأخرى بما فيها الأصولية المسيحية والأصولية الهندوكية بل وتشجع البعث الكونفوشيوسى وفوق ذلك وأهم فهى تسعى لتحويل العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة إلى ثوابت أكثر عضوية وذلك بتحويل إسرائيل داخل الولايات المتحدة إلى دولة مقدسة، وتمكين أنصار هذه الرؤية من امتلاك حق نقض مطلق بالنسبة للسياسات العالمية للولايات المتحدة.
غير أن أقوى التطورات الراهنة فى الحقل الأيديولوجى العالمى هو صعود أيديولوجيا الإسلام السياسى بصورة عامة والجهاد الإسلامى بصورة خاصة والواقع أنه لا يمكن حصر هذه الأيديولوجيا فى تنظيم القاعدة فرغم الأهمية المؤقتة لهذا التنظيم والجماعات المسلحة التى تنتمى إليه، فهى جزء من اختمار أيديولوجى أوسع يتمتع برؤية كونية والفكرة الأساسية فى هذا التشكيل الأيديولوجى هى أن الإسلام ليس مجرد دين ودولة بل هو أسلوب حياة يدعو له العالمين ومن ثم يكتسب التبشير الدينى طبيعة سياسية بالضرورة، حيث إن ما يدعو إليه هذا التبشير ليس مجرد الإيمان الدينى وإنما بناء نظام حياة إسلامى على مستوى عالمى وبينما ترى الأقلية أنه لا يمكن إتمام هذه المهمة دون الجهاد الابتدائى أو الهجومى فإن الأكثرية ترى أنه يمكن تحقيق إنجاز أفضل عن طريق الدعوة طويلة المدى وباختصار، فإن أصحاب هذه الرؤية سواء كانوا دعاة أو من أنصار مذهب الجهاد المسلح يقدمون الإسلام كبديل لجميع الثقافات والنظم السياسية الأخرى فى العالم، وهو ما يجعلهم حريصين على العمل فى الساحة الدولية ككل.
لقد قلنا إن الصراع الأيديولوجى يميل فى كل مرحلة من المراحل التاريخية لأن يكون ثنائيا دون أن يعمينا ذلك عن حقيقة التعدد الأيديولوجى الهائل وفى المرحلة الراهنة من التاريخ العالمى، يتسم الحقل الأيديولوجى بصراع رئيسى بين المحافظين الجدد من ناحية وإسلامى الجهاد المسلح من ناحية أخرى ويدور هذا الصراع منذ 11 سبتمبر 2001 على نطاق عالمى، ولا شأن له بالمستويات القومية أو بالانتماءات الدينية بذاتها، حيث يشارك مسلمون وعرب رسميون وغير رسميين فيما يسمى بالحرب ضد الإرهاب جنبا إلى جنب مع الولايات المتحدة. والواقع أن أنصار أيديولوجيا الجهاد المسلح قد حرموا أنفسهم من مزية مخاطبة وتكوين أنصار بين شتى الدول والجماعات الدينية بسبب بدائيتهم الأيديولوجية، وطرحهم لفكرة البرزخين وشروحهم القائمة على التناقض والصراع الدينى وفهمهم الاستبعادى للإسلام ذاته ومن ثم، فإن ما يحدث هو أن أقلية ضئيلة ومتوطنة فى مناطق صراع ملتهبة ومعزولة طرحت على نفسها ممارسة الحرب على جميع النظم الثقافية وجميع العقائد الدينية الأخرى، وهو ما يجعل الحرب محسومة لمصلحة خصومهم وبالذات الولايات المتحدة.
إن هذه السمة بالذات جعلت الإدارة الأمريكية الراهنة
(إدارة بوش الابن) تطرح مواقفها عبر صيغة كونية تقوم على العالمية الديمقراطية بغض النظر عن مصداقيتها فى هذا الطرح، وقد فرض ذلك بدوره تمكين المحافظين الجدد من امتلاك نفوذ كبير وربما ساحق فى هذه الإدارة، خاصة فى الفروع ذات الصلة بالسياسة العسكرية والخارجية للولايات المتحدة، وإصرار هذه الإدارة على مواصلة الضغوط الرامية لإنجاح مبادرتها المسماة بالشرق الأوسط العظيم.
لم يلق هذا المشروع نجاحا كبيرا، لأن أيديولوجيا المحافظين الجدد ذاتها لا تلقى تأييدا كبيرا داخل الولايات المتحدة ذاتها وربما تكون قد أفادت بصورة مؤقتة من النتائج النفسية لأحداث11سبتمبر، غير أنها لا تمثل التيار الأساسى وسط أنصار الأيديولوجيا المحافظة فى الولايات المتحدة، بل إن أنصار الأيديولوجيا المحافظة بكل أقسامهم لم يعودوا هم أقوى تيارات الحزب الجمهورى من الناحية التصويتية، وقد تمكن الرئيس بوش من الفوز بمعركتيه الانتخابيتين للرئاسة بفضل الأصولية المسيحية بأكثر كثيرا من المحافظة.
والواقع، أن هذه المسألة تعد الأكثر غموضا بين مسائل كثيرة فى الولايات المتحدة اليوم، فالأصولية المسيحية صارت هى التيار الأقوى تعبويا فى وجه التيارات الليبرالية والتقدمية وتيار الوسط البرجماتى فى الولايات المتحدة ومع ذلك، فهى لا تشكل صدارة المشهد الأيديولوجى، سواء داخل الحزب الجمهورى أو على مستوى الصراعات الأيديولوجية عالميا وربما يكون دخول أنصار هذا التيار للحزب الجمهورى مجرد تكتيك، وخطوة على الطريق الطويل لتكوين دولة دينية فى الولايات المتحدة ولأن هذا التيار لا يتمتع بقوة عالمية كما أنه مخيف لغالبية تيارات السياسة الأمريكية الأخرى، فقد ارتضى أن يستمر دوره الظاهر بأقل كثيرا من قوته الانتخابية وحيث إن تيار المحافظين الجدد يترجم بلغة مقبولة ظاهريا طموحاتهم الحركية والسياسية الدولية، خاصة فى العالم العربى وفيما يتعلق بالصراع العربى الإسرائيلى، فقد رضوا بأن يحتل المحافظون الجدد الواجهة أو المنصة الأيديولوجية فيما يتعلق بالسياسة الخارجية والعسكرية ومن الواضح أن ذلك يتم بتوافق كل التيارات الأيديولوجية والسياسية فى الولايات المتحدة التى لا تقبل أن تبرر سياساتها العالمية بلغة الأصولية المسيحية، حتى لا تخسر تعاطف أوروبا وأنصار كل الأيديولوجيات الأخرى بمن فيهم المنتمون لطوائف أخرى غير إنجليكانية، حيث تمثل الإنجليكانية القاعدة الجماهيرية لحركة الأصولية المسيحية فى الولايات المتحدة ويمتد الخوف بل وربما الرعب من الأصولية المسيحية الأمريكية والواجهة المحافظة الجديدة التى تستخدمها لتحقيق أغراضها وتقنيع طبيعتها الحقيقية باعتبارها فى الجوهر أيديولوجيا صهيونية إلى ما هو أعمق بكثير من مجرد العدوانية فى السياسة الخارجية، ذلك أن الهدف الأهم للأصولية المسيحية الأمريكية لا يختلف فى شىء عن جميع الأصوليات الأخرى الدينية، وهى تأسيس دولة دينية فى الولايات المتحدة على أنقاض النظام الدستورى الديمقراطى الأمريكى ولذلك تعد الصراعات المشتعلة بين فرق وتيارات الأيديولوجيا المحافظة أهم ما يجرى داخل الولايات المتحدة اليوم، واهم ما قد تكون له انعكاسات على مستقبل البشرية السياسى.
ولا يمكن أن نغادر هذه المسألة دون إيجاز سمات المشهد الأيديولوجى العام فى أوروبا والعالم الثالث، فالواقع أن أوروبا لم تشهد تغيرات جوهرية فى مشهدها الأيديولوجى منذ سقوط الشيوعية السوفيتية وتراجع الحركة الشيوعية بشكل عام وبالمقابل، تجمعت مختلف الأيديولوجيات العنصرية وبدأت تتحرك بقوة على الساحة الأوروبية بتأثير الخوف الهائل من المهاجرين من العالم الثالث وبالذات من العالم الإسلامى ومع قوة هذه التحركات، فإنها قد لا تغير سريعا المركب الأيديولوجى السياسى لأوربا الغربية والشرقية فى الأمد المنظور مادام لم يحدث انهيار حقيقى فى الاتحاد الأوروبى وفى حالة السلام العالمى فالقوى الديمقراطية المحافظة والليبرالية واليسارية ما زالت تملك غالبية الأصوات وما زالت قادرة على قيادة أوروبا ومع ذلك، فإن صعود العنصرية بتعبيراتها النازية والفاشية والفاشية الجديدة فى القارة العجوز يمثل عاملا مهما فى حسابات المستقبل السياسى للعالم، كما ترتبط هذه الحسابات بالطابع الديناميكى المتحول للعلاقة مع العالم الإسلامى حيث تقوى باطراد الأصولية الإسلامية. ففى العالم العربى وربما العالم الإسلامى كله يمكن القول إن الموازين الأيديولوجية تتحرك بصورة ديناميكية لصالح الأصولية الإسلامية خاصة عبر تعبيراتها الأكثر والأقل تطرفا وبينما ما زالت تلك الأصولية خارج الحكم فى غالبية الدول العربية والإسلامية فلا يمكن استبعاد حدوث موجة عامة من الاستيلاءات الإسلامية السياسية فى ظروف معينة فى المستقبل المتوسط.
لقد أكدنا أنه يستحيل تدارس وفهم أى أيديولوجيا بمعزل عن حقل الصراع الأيديولوجى على مختلف المستويات ولذلك فإن أية سيناريوهات للمستقبل تشتمل بالضرورة على عوامل ديناميكية وافتراضات خاصة بحالة الصراع السياسى على المستوى العالمى.
بدءا من هذا الافتراض الجوهرى، يمكن بناء ثلاثة سيناريوهات كبرى.
السيناريو الأول: هو استمرار المشهد الأيديولوجى العالمى الراهن لفترة طويلة من المستقبل ويعنينا هنا قبل كل شىء استمرار قوة وقدرة الأيديولوجيات الكونية الكبرى على مخاطبة الجماهير وإدارة السياسة على نحو يعكس أفضلية السلام على الحرب ويعاكس هذا السيناريو التوقعات التى قال بها دانييل بيل وآخرون الذين تنبئوا بانكماش الأيديولوجيات الإنسانية الكبرى المشتقة من عصر النهضة، ولا يعنى ذلك العكس أيضا، إذ يستبعد هذا السيناريو اختفاء الأيديولوجيات الأصولية الدينية والباروكيالية الأخرى، ولكن دون تمكنها من الإطاحة بهيمنة الأيديولوجيات الكونية مثل الليبرالية والاشتراكية والشعبوية وحتى المحافظة ويعمل لصالح هذا السيناريو عدد من العوامل، أولها استمرار الرخاء الاقتصادى ومصلحة رأس المال فى اطراد نمو ظاهرة العولمة الاقتصادية، وتمتع الغرب باستقرار سياسى وحالة توازن اجتماعى داخلى لا يقلقها فى الجوهر سوى العوامل الديموجرافية التى تحتم ظاهرة الهجرة من العالم الثالث، كما أن استمرار تمتع الطبقات الوسطى بقوة سياسية كبيرة يعزز كثيرا هذا الافتراض أو هذا السيناريو ومن المرجح أن تستمر الإدارة السياسية لأوروبا الغربية وأمريكا الشمالية فى انتهاج سياسات براجماتية مع تحولات طفيفة هنا وهناك فى السياسات الانتخابية أما حيثما تقع انهيارات كبرى فى البنية السياسية لدولة أو أكثر، فمن المتوقع أن تعقد القوى الديمقراطية تحالفات ولو بنهاية المطاف لإلحاق الهزيمة بالقوى الفاشية والعنصرية الجديدة مع التسليم بجزء من برنامجها السياسى، خاصة فيما يتعلق بقضية الهجرة.
أما السيناريو المناقض، فيتمثل فى وقوع تراجع كبير فى الأيديولوجيات الكونية، وانقسام العالم إلى أيديولوجيات دينية أو باروكيالية استبعادية واستقطابية ولا شك أن هذا الاحتمال كان كامنا بالفعل، وهو يتطور كسيناريو فى عقل كثير من المفكرين الأمريكيين اليمينيين، الذين طرحوا فكرة صراع الحضارات أو الثقافات أو الأديان كاستراتيجية جديدة للولايات المتحدة، كما لا يعوز هذا السيناريو أنصار أقوياء فى العالمين العربى والإسلامى، ومن المتوقع أن يتبلور الصراع الرئيسى هنا بين الأصولية الإسلامية من ناحية والأصولية المسيحية الأمريكية من ناحية أخرى، وقد تبقى الأيديولوجيات الكونية فى أوروبا الغربية على الحياد غير أن مثل هذا السيناريو سيغير جوهريا من طبيعة المشهد الأيديولوجى على المستوى العالمى، بما فى ذلك الساحة الأوروبية فإن صمدت الأصولية الإسلامية فى وجه عدوان كبير من جانب الأصولية المسيحية الأمريكية المتحالفة مع الصهيونية، فقد يصير من المحتم أن تنتصر الأيديولوجيات العنصرية فى أوروبا الغربية وقد تصل أصوليات أخرى إلى سدة الحكم فى عدد من الدول المهمة مثل الهند والصين وقد يكون هذا هو سيناريو الكارثة موضوعيا، وقد يشتمل على حروب كونية سيكون المسلمون ضحاياها الأساسيين.
وأخيرا، فثمة مشهد أو سيناريو ثالث من الناحية النظرية يقوم على تمكن الأيديولوجيات التقدمية والإنسانية من استعادة زمام المبادأة السياسية، وقيامها فى ظروف أزمة تهدد باشتعال حرب كونية بطرح رؤية أكثر طموحا وشجاعة تقوم على تقوية مفاهيم العيش المشترك والتراث والمصالح المشتركة للبشرية فى بناء نظام قوى للعدالة والتنمية الدولية وتشتمل تلك الرؤية على برنامج عملاق للقضاء على الفقر فى العالم الثالث وإعادة توزيع الثروة العالمية لتحقيق نهوض عالمى متوازن وواسع يقضى على التهميش، ويؤكد على التنوع الثقافى، ويعزز القانون الدولى ويقضى على الشعور الطاغى بالظلم والفساد فى العالم ولا شك أن الاختبار الأهم لهذا السيناريو هو استعادة العدالة المهدرة فى الصراع العربى الإسرائيلى، إذ يمثل ذلك شرطا جوهريا لتراجع الأصولية الإسلامية بتياراتها العنفوية والاعتدالية وإنتاج مفهوم أرقى للإسلام باعتباره دينا للحرية والتسامح والتعارف والعيش المشترك كما يفترض هذا السيناريو تمكن الأيديولوجيات التقدمية والإنسانوية الأمريكية من تحقيق الظفر الأيديولوجى عبر برنامج واع لإعادة البناء الاقتصادى والسياسى والأخلاقى والثقافى فى الولايات المتحدة إن حجر الزاوية فى المستقبل السياسى للبشرية سوف يكون ما يحدث فى الولايات المتحدة التى يرجح أن تستمر فى امتلاك ناصية القوة فى الساحة العالمية لفترة طويلة مقبلة. الهوامش:
من مشاهد الإسلام فى أوروبا
العلمانية الفرنسية وأزمة الحجاب:
بدأ فى سبتمبر2004العمل بقانون حظر ارتداء الرموز الدينية داخل المدارس العامة الفرنسية، احتراما للمبادئ الراسخة للعلمانية الفرنسية ورغم أن القانون الذى طرح لأول مرة فى ديسمبر 2003 يحظر كافة الرموز الدينية مثل الطاقية اليهودية والصلبان المسيحية وعمامة السيخ، إلا أن الأزمة الحقيقية تفجرت من جانب الجالية المسلمة فى فرنسا (5 ملايين نسمة) الذين رفعوا أصوات الاحتجاج ضد حظر ارتداء طالبات المدارس الحجاب القضية زادت سخونة مع تدخل أطراف دينية وسياسية فى الأوطان الأم وتحويل القضية إلى جدل عالمى ثم اختطاف اثنين من الصحفيين الفرنسيين فى العراق ومطالبة خاطفيهما بوقف تنفيذ قانون الرموز الدينية.
العلمانية الفرنسية لم تكن الأزمة الوحيدة التى واجهها الحجاب فى أوروبا خلال الفترة الأخيرة ففى نوفمبر 2004، أصدرت ولاية بافاريا الألمانية قرارا بحظر ارتداء المدرسات الحجاب الإسلامى داخل المدارس لتصبح أحدث ولاية ألمانية تتخذ قرارا بهذا الصدد بعد ولايات ساكسونى الصغرى، وبادين فيرتيمبرج، وسارلاند والسبب فى النموذج الألمانى للحظر لا يرتبط بقوانين علمانية بقدر ما هو ربط النخبة الألمانية بين الحجاب الإسلامى وتعاظم التأثير للأفكار الأصولية فى أوساط الجالية المسلمة المقدرة بأكثر من ثلاثة ملايين نسمة حظر بافاريا لم يشمل أى رموز دينية أخرى.
أئمة أوروبا وأزمة الخطاب الدينى:
بدأ عدد من الدول الأوروبية، فى مقدمتها فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا، فى اتخاذ إجراءات حازمة ضد أئمة المساجد الذين يستخدمون الخطب فى الترويج لأفكار لا تتفق مع قوانين هذه البلاد وعاداتها الاجتماعية أو تشكل تهديدا على أمنها وذلك بعد تكرار وقائع تحريض الأئمة على أفكار الجهاد وضرب الزوجات.
الإجراءات تنوعت بين إخضاع باريس وامستردام الأئمة المسلمين لدورات تدريبية على اللغتين والثقافتين الفرنسية والهولندية (75% من أئمة فرنسا المقدرين بـ 1،200 شخص ليسوا فرنسيين وثلث هذا الرقم لا يتحدث الفرنسية) وإصدار السلطات الألمانية والإسبانية قرارا بأن تلقى خطب الجمعة بالغتين الألمانية والإسبانية على أن تتم مراجعتها أولا من جانب المسئولين فى البلدين لضمان خلوها مما يتعارض مع ثقافة البلدين وقوانينهما ووصل الأمر لاحتجاز الأئمة أو طردهم من البلاد الأوروبية كما حدث فى فرنسا وبريطانيا وإيطاليا.
ثيوفان جوخ أزمة الهوية والاندماج:
كانت قضية مقتل المخرج الهولندى ثيوفان جوخ على يد مواطن هولندى مسلم من أصول مغربية بداية لجدل مرير فى امستردام وعدد من العواصم الأوروبية حول قضية اندماج المسلمين فى المجتمعات الأوروبية فقد وقعت الجريمة عقب عرض المخرج المثير للجدل لآخر أفلامه المثيرة لمزيد من الجدل تحت اسم خضوع ويعرض فيه رؤيته ورؤية كاتبته ذات الأصول الإفريقية لوضع المرأة فى الإسلام، وسط مشاهد لضرب الزوجات وانتهاك المحارم مقتل ثيوجوخ أعقبته سلسلة من الاعتداءات على المساجد والمتاجر والممتلكات المملوكة لمسلمين، ثم سلسلة من الهجمات المضادة على الكنائس فضلا عن حملات أمنية مكثفة استهدفت أبناء الجالية الإسلامية فى هولندا (مليون نسمة) والذين كانوا يعدون حتى هذا الحين من الأمثلة النادرة على اندماج الجاليات المسلمة فى المجتمعات الأوروبية.
صمود اليسار اللاتينى
خلال الأعوام الستة الأخيرة، أصبح 75% من سكان القارة اللاتينية، والمقدرين إجماليا بـ 350 مليون نسمة، يخضعون لحكومات يسارية أو على الأقل محسوبة على تيار اليسار ومنها :
البرازيل:
حزب "العمال" البرازيلى إلى سدة الحكم بعد فوز زعيمه وأبرز مؤسسي اوناسيو لولا داسيلفا بنسبة 61%، رغم الانشقاقات داخل الحزب بسبب السياسات الاقتصادية الحازمة التى اتبعها لولا.
فنزويلا :
بعد نجاح محاولاته فى الوصول إلى سدة الحكم الفنزويلية لأول مرة عام 1998، تعرض هوجو شافيز لمحاولة اغتيال فاشلة، ثم تمت إعادة انتخابه ليفوز بفترة ولاية جديدة (ست سنوات) ولكنها كانت البداية لسلسلة من المصادمات مع قوى المعارضة التى لم ترض ببرامجه الخاصة بتأميم قطاع البترول والإصلاح الزراعى وغيرها. الأرجنتين:
فوز نيستور كيرتشنر، مرشح حزب بيرونيست (يسار، وسط) فى انتخابات الرئاسة الأرجنتينية التى أجريت فى مايو2003، كأول رئيس منتخب للبلاد منذ أزمة انهيار الاقتصاد الأرجنتينى مطلع الألفية الجديدة وقد دشن فترة ولايته بتعهدات ببرنامج للإصلاح الاقتصادى، وإقامة جبهة موحدة مع باقى دول أمريكا اللاتينية، مهاجما قوانين السوق الحرة.
أوروجواى: فى مارس 2005، تم تـنصيب الرئيس تابارى فازيكويز (65 عاما) كأول رئيس يسارى لأوروجواى بعد فوزه بأكثر من 50% من الأصوات.