Share |
يوليو 2005
1
حقوق الإنسان فى السياسة الدولية والعربية.
المصدر: السياسة الدولية

على المستوى الفكرى، يمكن دراسة حقوق الإنسان كمجال مميز للسياسة الدولية بأكثر من منظور المنظور الأول يرصد تطور حركة حقوق الإنسان باعتبارها حركة فوق قومية، وهى تعد بذلك أحد التجديدات المؤسسية المهمة فى النظام الدولى، وربما لا تعد هذه الحركة فوق قومية فعلا من حيث إنها قد أصبحت تشكل فاعلا دوليا، بقدر ما تعد كذلك من حيث غرضها.
إذ إن حركة حقوق الإنسان تنبثق من الاعتقاد بأن مسئولية الدفاع عن حقوق الإنسان فى أى مكان فى العالم هى مسئولية دولية مشتركة، وإنه إذا كان قد ثبت أن الحكومات مجتمعة لا تستطيع القيام بها بسبب ما يسود السياسة الدولية الرسمية من تقاليد سياسة القوة والمصالح الأنانية المباشرة للدول، فإنها ينبغى أن تصبح مهمة يضطلع بالقيام بها الرأى العام المتعلم والمنظم فى حركات قومية وفوق قومية ومن المثير أن نرى أن هذا المدخل للكفاح من أجل حماية حقوق الإنسان قد أثمر ثمرات طيبة لم يكن متوقعا أن يجود بها فى بداية نشوء تلك الحركة.
المنظور الثانى يستمر فى تفضيل دراسة قضية حقوق الإنسان كأحد موضوعات السياسة الدولية: أى التفاعل بين الدول وتكتلات الدول فى النظام الدولى القائم على السيادة القومية وعلاقات القوة والمصلحة.
ويركز هذا المنظور على الطبيعة المنافقة والمزدوجة للتلاعب بقضية حقوق الإنسان لتحقيق مصالح أنانية من قبل بعض الدول الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وفى كثير من الأحيان، تتم الدراسة من هذا المنظور بقدر كبير من حسن النية وبقصد الكشف عن طبائع الدول وسلوكها وأسباب ودوافع تحركها الدولى والخطاب السياسى الدبلوماسى الذى تستخدمه فى الساحة الدولية وفى أحيان أخرى لا تفتقد تلك الدراسات قدرا من سوء النية، إذ تقصد إلى تسريب إيحاء غامض بأنه ليس فى الأمر جديد وأن علينا أن نتجنب إثارة قضايا حقوق الإنسان حتى لا نقع فريسة التلاعب الدولى المنظم بهذه القضية، وأن نستدعى تدخل الأقوياء فى الشئون الداخلية للدول الضعيفة.
والواقع أن هذه المقولة بها بعض الصدق، ولكن ليس الصدق، كله فحتى على المستوى الرسمى، لا تملك بعض الحكومات سوى أن تعكس بعض التقاليد الراسخة فى ثقافتها الخاصة، وهى تقاليد تحرسها حركات وقوى اجتماعية وسياسية لا شك فى قدرتها على التأثير المباشر وغير المباشر على السياسات العامة، بما فى ذلك السياسة الخارجية وهنا يمكننا أن نقارن الحملة الراهنة الخاصة بحقوق الإنسان فى الغرب بتلك المجهودات البطولية والنبيلة من أجل مكافحة العبودية وتجارة العبيد فى القرن التاسع عشر وإذا كانت تلك المجهودات قد أفادت من التلاؤم العرضى لمبادئها مع مصالح أقوى دولة فى النظام الدولى فى ذلك الوقت: أى بريطانيا، ومن إقدام هذه الدولة على مكافحة تجارة العبيد طوال القرن التاسع عشر، فإنه ليس ثمة ما يشينها فى ذلك ومن نفس المنطلق، فإن إفادة الحملة الراهنة للدفاع عن حقوق الإنسان باعتباره مسئولية مشتركة للبشرية من قوة هذه الدولة أو تلك، أو من قدرة المنظمة الدولية الرئيسية، أى الأمم المتحدة على استخدام هامش استقلالها النسبى عن الدول الأعضاء لنصرة حركة حقوق الإنسان فإن ذلك لا يغير من تقديرنا لحقيقة أن هذه الحركة تنبعث فعلا من الضمير العالمى الذى يستجيب له ويشارك فى تطويره فئات من المثقفين والمناضلين من جميع أركان الكرة الأرضية أما المنظور الثالث، فهو بالضرورة منظور يقوم على الفلسفة والثقافة السياسيتين ويتبلور هذا المنظور فى إدراك موحد بأن احترام حقوق الإنسان لم يعد حكرا للسياسة الدولية، وإنما قد أصبح جزءا لا يتجزأ من السياسة الداخلية لمختلف المجتمعات، وأنه بذلك يتحول إلى معيار أمين للمشروعية والمصداقية السياسيتين وفوق ذلك فإنه إذا كان مبدأ احترام حقوق الإنسان أحد أهم معايير الحكم على الشرعية والمصداقية للنظم السياسية، فإن علينا أن نقلب فى أوجه التشابك والتداخل بين ديناميكية التطور السياسى وخصائص وطبيعة الدولة من ناحية، وثقافة حقوق الإنسان من ناحية أخرى وهنا يدلف هذا المنظور إلى دراسة مضمون حقوق الإنسان، بما فى ذلك التى نصت عليها الإعلانات والمواثيق الدولية، دراسة نقدية ويعضد من هذا الاتجاه بروز إشكالية مدى التناغم بين مضمون نصوص هذه المواثيق والعهود من ناحية والثقافات السياسية والظروف الموضوعية التى تميز المرحلة الراهنة من تطور مجتمعات العالم الثالث من ناحية أخرى. وقد رأينا أن نجمع فى الملف الحالى بين تلك المنظورات الثلاثة لدراسة حقوق الإنسان فى السياسة الدولية فهناك بداية دراسة نظرية عن الأساس الفكرى لحركة حقوق الإنسان وإشكالية الجمع بين عالمية القضية التى هى لصيقة بصفة الإنسان وخصوصية الثقافات والتجارب والظروف القومية التى ينبغى أن تطبق هذه الحقوق على ساحتها والمقصود هنا هو تبين نوع المدخل أو المنهجية التى يمكن بها تطبيق هذه الحقوق على تنوع الظروف القومية وتباينها وهناك ثانيا دراستان عن حقوق الإنسان فى السياسة الدولية، أولاهما: تتناول الموضوع من جوانبه النظرية وثانيتهما تعمد إلى الكشف عن ميكانيكية هذه السياسة الدولية الخاصة بحقوق الإنسان فى حالة محددة هى حالة العلاقات بين الشرق والغرب: أو بين دولة الكتلة الشرقية ودول الكتلة الغربية ويلى ذلك دراسة تنطلق من منظور الحركة فوق القومية وتكشف عن أوجه نشاط وتنظيم وأداء إحدى المنظمات فوق القومية العاملة فى حقل الدفاع عن حقوق الإنسان على صعيد عالمى، وهى منظمة العفو الدولية.
يأتى أخيرا نصيب المنظور الثالث: أى دراسة حقوق الإنسان فى التطور السياسى الملموس وقد رأينا أن نركز هذه الدراسة على حالة وطننا العربى، باعتباره محور الاهتمام الرئيسى والمباشر لمثقفينا، ولمجلتنا وقد حفزنا على ذلك أيضا أن دراسة حقوق الإنسان فى الوطن العربى هى من أقل الدراسات الإقليمية فى هذا الميدان خصوبة وأكثرها فقرا من ناحية توافر المعلومات وموضوعية ومنهجية الدراسة ورقى مرتكزاتها النظرية والفكرية وقد يعود ذلك أساسا إلى أن الموضوع لا يزال فريسة للخطاب الأيديولوجى، خاصة الخطاب الأيديولوجى الرسمى. ولذلك، فقد كان مدخلنا إلى تلك الدراسات التطبيقية قائما على التأصيل فبدأنا بدراسة ترمى لاستشراف علاقة احترام حقوق الإنسان بمحددات التطور السياسى وإشكالياته فى العالم الثالث، خاصة إشكاليات تطور الدولة العربية، ثم عرضنا فى دراسة أخرى لتطور الأداء الحركى والتنظيمى، خاصة على يد المنظمة العربية لحقوق الإنسان التى لا تزال مجهولة من غالبية المثقفين العرب وأخيرا عرضنا لأعمال المؤتمر الفكرى الأول لحقوق الإنسان الذى عقد فى القاهرة احتفالا بالعيد الأربعينى لصدور الإعلان العالمى ويركز هذا المؤتمر على حالة حقوق الإنسان فى مصر، وهى الحالة التى يتوافر عليها أفضل المعلومات، ويتوافر عليها عدد من أفضل المهارات الفكرية والبحثية.
وأخيرا، لم يكن من الممكن أن نغلق الملف دون تناول القضية الأولى فى اهتماماتنا العربية الآن ولفترة طويلة فى المستقبل وهى القضية الفلسطينية وقد فضلنا أن تأتى مشاركتنا فى صورة تقدير لإمكانية استخدام منظور حقوق الإنسان فى الكفاح من أجل انتزاع الاستقلال الفلسطينى وفقا لمبدأ حق تقرير المصير الذى يأتى فى البند الأول من كل من العهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية، وللحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ولمجمل نصوص هذه العهود والمواثيق الدولية، إضافة إلى القانون الدولى المستقر بصدد معاملة السكان فى وقت الحرب أو تحت الاحتلال وكان من المناسب أيضا أن تضم دراسة تقارن بين موقف الحكومات العربية من التصديق على المواثيق والعهود الدولية التى تمت صياغتها بإشراف الأمم المتحدة، وصدرت عن جمعيتها العامة، بموقف إسرائيل من نفس هذه المواثيق والعهود.