Share |
يناير 2006
1
أوروبا والمتوسط - من برشلونة إلى سياسة الجوار
المصدر: السياسة الدولية
بقلم:   محمد مطاوع

هناك حقيقة لا جدال عليها، هى أن أوروبا لن تكون كما كانت قبل التوسع فى علاقاتها مع العالم الخارجى، ومنها علاقاتها مع منطقة البحر المتوسط فأهم نتيجة متوقعة للتوسع هى اختلاف المصالح بين الدول المتعددة.
ومن المؤكد أن هذه المصالح ستتدخل فى تشكيل سياسة الاتحاد الأوروبى تجاه منطقة البحر المتوسط كما أن توسع الاتحاد الأوروبى ليضم عشر دول من شرق ووسط أوروبا فى 1 مايو 2004 سوف يعنى تحول الاتحاد الأوروبى إلى كيان سياسى واقتصادى أكثر قوة وتأثيرا فى محيطه الإقليمى ـ وذلك رغم التصويت بـ "لا" على الدستور الأوروبى من قبل كل من فرنسا وهولندا ـ وهذا سيجعل من الصعب على الدول غير الأعضاء فى الاتحاد الأوروبى التأثير على سياساته، خاصة التجارية والاقتصادية.
وبمرور عشرة أعوام على عملية المشاركة الأورو ـ متوسطية منذ مؤتمر برشلونة 1995، كانت هناك تقييمات (سلبية وإيجابية) من الجانبين (الأوروبى والمتوسطى) لهذه العملية فى أبعادها الثلاثة:ـ السياسية والأمنية، والاقتصادية والمالية والاجتماعية والثقافية وقد كانت هذه التقييمات فرصة للتعرف على التوجه الجديد للاتحاد الأوروبى الموسع نحو دول الجوار الأوروبى فى إطار الاستراتيجية الأمنية الأوروبية ـ التى تم الاتفاق عليها فى 12 ديسمبر 2003 ـ وكان أحد أهدافها الرئيسية هو بناء علاقات جوار جيدة مع الدول المجاورة للاتحاد الأوروبى، وهو ما أنتج بعدا جديدا فى السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبى، تحت مسمى ـ سياسة الجوار الأوروبى ـ The European Neighborhood Policy (ENP) وقد تزامن ذلك مع عقد أول قمة أورو ـ متوسطية (27 ـ 28 نوفمبر 2005) بمشاركة قادة ووفود 35 دولة، من بينها مصر، بالإضافة إلى 5 دول أخرى فى صورة مراقب، وذلك للاحتفال بمرور 10 سنوات على عملية برشلونة وتدشين مرحلة جديدة لهذه العملية.
- تقييم عملية برشلونة:
يمثل تقييم عملية برشلونة المدخل الطبيعى للاقتراب من سياسة الجوار الأوروبى الجديدة، فقد احتفل الاتحاد الأوروبى ودول المشاركة المتوسطية فى 2005 بمرور عشرة أعوام على عملية برشلونة منذ تدشينها 1995 وفى خضم هذه الاحتفالات، كانت هناك تقييمات عديدة لعملية برشلونة بإيجابياتها وسلبياتها وكان التساؤل الرئيسى فى هذا الصدد:
ما هو حصاد أوروبا من المشاركة الأورو ـ متوسطية؟ وما هو حصاد الدول المتوسطية من هذه المشاركة؟ وكان الانتقاد الرئيسى هو أن هذه الشراكة لم تحقق الهدف الرئيسى منها، الذى تمثل فى إيجاد منطقة للرخاء والاستقرار والأمن فى البحر المتوسط، وذلك رغم وجود تأثيرات إيجابية لها سواء اقتصادية أو سياسية (1) فعلى الرغم من الجهود الدءوب لتطوير المشاركة، فإن النزاعات الإقليمية لم تتم تسويتها، كما أن النمو الاقتصادى بمعظم دول جنوب المتوسط لا يجارى معدل النمو السكانى، بمعنى أن النتائج الإيجابية كانت أقل بكثير مما كان متوقعا، ويمكن التدليل على ذلك من خلال الأرقام التالية:
أولا: فيما يتعلق بالدخل الفردى، لم تنخفض الفجوة بين معدل الدخل الفردى فى دول الاتحاد الأوروبى ودول جنوب المتوسط (تكاد تكون ثابتة منذ عام 1994 وحتى 2004) ، وهى فى المتوسط 18% من معدل الدخل الفردى فى دول الاتحاد الأوروبى.
ثانيا: فيما يتعلق بالتجارة الخارجية، كان إجمالى صادرات دول جنوب المتوسط إلى الاتحاد الأوروبى 481% فى عام 1995 وانخفضت فى عام 2003 إلى 461% أما الواردات، فقد كانت 506% فى عام 1995 وأصبحت 459% فى 2003.
ثالثا: فيما يتعلق بالاستثمارات الأوروبية المباشرة، فقد زادت لتبلغ 10 أمثال، فقد ارتفعت الاستثمارات الأوروبية فى مصر (على سبيل المثال) من 97 مليون يورو فى 1995 إلى 1387 مليون يورو عام 2001 ثم 968 مليون يورو فى 2003 وترجع هذه الأوضاع إلى بعض العوامل السلبية، منها:
1 ـ أن المفاوضات تمت على أساس فردى، وهو ما أدى إلى طول فترة التفاوض وتأخر دخول الاتفاقيات حيز التنفيذ.
2 ـ عدم تحرير تجارة السلع الزراعية، والاكتفاء بتبادل مزايا تجارية محددة، رغم تمتع دول المتوسط بميزة تنافسية كبيرة فى تلك السلع.
3 ـ صعوبة تحقيق دول المتوسط لشروط المنشأ الأوروبية، وبالتالى حرمانها من الدخول إلى أسواقه.
4 ـ استخدام بعض دول الاتحاد الأوروبى قيودا فنية وغير جمركية بهدف حماية إنتاجها المحلى.
5 ـ عدم اتجاه الاستثمارات الأوروبية إلى المشاركة فى إقامة صناعات فنية إلا أن ذلك لا يمنع من وجود مؤشرات إيجابية، تمثلت فى.
1 ـ برنامج التعاون المالى (ميدا 1 وميدا 2)، فقد ساهم التمويل المالى فى المساعدة على التنمية الاقتصادية والاجتماعية فى دول المتوسط.
2 ـ تشجيع التكامل الجنوبى الإقليمى بين دول جنوب المتوسط، حيث يتاح ذلك التكامل الصناعى من خلال (مبدأ تراكم المنشأ) ـ فى إطار اتفاقية أغادير (منطقة التجارة الحرة العربية ـ المتوسطية) وقد صدقت مصر وتونس على الاتفاقية، فى حين لم تصدق المغرب والأردن عليها حتى الآن.
3 ـ برنامج تحديث الصناعة، بما ساهم فى تحديث الصناعات المتوسطية وزيادة قدرتها التنافسية (2) وفيما يتعلق بالمحور السياسى والأمنى، فقد حققت المشاركة الأورو ـ متوسطية تقدما محدودا فى الحوار حول قضايا الشرق الأوسط والنزاع العربى ـ الإسرائيلى، وقضايا نزع السلاح وضبط التسلح وقضايا الانتشار النووى، إلا أن المحصلة هى عدم وجود تشاور كامل مع الدول المتوسطية وباستثناء الدور الذى قام به الاتحاد الأوروبى مؤخرا فى المراقبة على المعابر الحدودية فى غزة، فقد أحجمت أوروبا عن توظيف دورها فى تحقيق السلام، فبقيت خريطة الطريق دون تطبيق، ولم يكن للدور الأوروبى أى تأثير فى عمل اللجنة الرباعية (3) أما المحور الثقافى والاجتماعى، فقد ظلت الأنماط الثابتة للتفكير حاكمة لهذا المحور رغم عقد العديد من الندوات والمؤتمرات إلا أن أهم النتائج فى هذا الصدد، كانت إنشاء الجمعية البرلمانية الأورو ـ متوسطية، التى تولت مصر رئاسة دورتها الأولى فى الفترة من 8 مارس 2004 وحتى نهاية مارس 2005، وعقد الاجتماع الأول للجمعية بالقاهرة فى الفترة من 12 إلى 15 مارس 2005 برئاسة د. أحمد فتحى سرور (رئيس مجلس الشعب المصرى) ، ومؤسسة ـ أنا ليندا ـ للحوار بين الثقافات والحضارات التى تم افتتاحها فى أبريل 2005 وبالتالى، يتمثل أحد الانتقادات الموجهة إلى عملية برشلونة فى أنها ما زالت غير ظاهرة، بمعنى أنها لم تكن ناجحة بالقدر الكافى ومع ذلك، فإن التقييم العادل لهذه المشاركة يقتضى نوعا من التعمق فى نتائجها، فقد تم تصميم المشاركة الأوروبية فى البداية كعملية لإيجاد إطار للحوار والتعاون الثنائى والمتعدد وقد ولدت هذه المشاركة آثارا إيجابية فى هذا الاتجاه، فقد جمعت المشاركة الأورو ـ متوسطية ـ ومازالت ـ تجمع ما بين شركاء مختلفين ونجحت فى الحفاظ على حوار دائم حتى فى حالات زيادة التوتر فى العلاقات مع الشركاء ومع ذلك تظل هناك العديد من الإخفاقات، حيث توقفت المشاركة السياسية والأمنية على مستوى إعلانات المبادئ أما المشاركة الاقتصادية والمالية، فقد ولدت أكبر قوة دفع لعملية برشلونة، ولكن حتى فى المجال الاقتصادى، فإن هدف إنشاء منطقة تجارة حرة أورو ـ متوسطية بحلول 2010 يتم النظر إليه على أنه هدف طموح جدا، ويرى معظم المحللين أنه قد يمتد إلى عام 2015 أما المشاركة الاجتماعية والثقافية، فيجمع المحللون على محدودية نتائجها ويمكن القول، فى هذا الصدد، أن هذه النتائج غير المرضية هى نتاج لخصوصيات معينة على جانبى المتوسط فمن وجهة نظر الشركاء المتوسطيين، يبدو أن المشاركة السياسية والأمنية تم تصميمها بصفة خاصة لكى تحقق مصالح الاتحاد الأوروبى وتلبى حاجاته الأمنية، بينما يتم إعطاء اهتمامات الشركاء دورا فرعيا فى الأجندة العامة فى حين ترى أوروبا أن هذه المشاركة يجب أن تضطلع بدور مهم فى عملية السلام، ولكن توقف عملية السلام يجب ألا يكون معوقا للتعاون على جانبى المتوسط (4).
- سياسة الجوار الأوروبى:
كانت نقطة البداية فى الاقتراب الشامل للاستراتيجية الأمنية الأوروبية هى الاعتراف بالاعتماد المتبادل بين كل أبعاد الأمن السياسى والاقتصادى والاجتماعى والثقافى والبيئى والعسكرى، ومن ثم الحاجة إلى تشكيل مجموعة سياسات متكاملة لكل هذه الأبعاد وقد تمت ترجمة هذا الاقتراب إلى هدف عام فى الاستراتيجية الأمنية الأوروبية عرف بالتعددية الفاعلة ـ Effective ـ Multilateralism ـ فى حين تمت ترجمة هذا الاقتراب، فيما يتعلق بجيران الاتحاد الأوروبى، من خلال هدف رئيسى للاتحاد الأوروبى، وهو تطوير دائرة من الدول ذات الحكم الرشيد فى شرق الاتحاد الأوروبى وعلى حدود المتوسط، وذلك عبر إقامة علاقات تعاونية أعمق وأقوى وبالتالى، تمثل سياسة الجوار الأوروبى تطبيقا للاستراتيجية الأمنية الأوروبية على المستوى الإقليمى، حيث يمكن اعتبار الاتحاد الأوروبى وجيرانه على أنهم ـ مجتمع أمنى متشابك ـ أى مجموعة من الدول ترتبط مخاوفها الأمنية الأساسية لدرجة أنه لا يمكن إدراك الأمن القومى لأى منها بمعزل عن الأخرى، وقد استطاع الاتحاد الأوروبى تأمين استقرار القارة (دول وسط وشرق أوروبا) ، وعليه الآن أن يوسع أو يمتد بهذا النجاح إلى الجيران الجدد للاتحاد الأوروبى الموسع وتوضح ورقة الشراكة الاستراتيجية الأوروبية مع المتوسط والشرق الأوسط، التى تبناها المجلس الأوروبى فى يونيو 2004، أنه تجاوز نطاق طموحه داخل أوروبا ليسعى إلى شرق أوسط موسع وبالتالى يتمثل الهدف الرئيسى للاتحاد الأوروبى فى توسيع دائرة الأمن حول أوروبا من خلال سياسة الجوار الجديدة (5) وتقوم سياسة الجوار الأوروبى على فكرة بسيطة تم تدشينها فى قمة المجلس الأوروبى فى كوبنهاجن ديسمبر 2002، حيث رأت الدول الأوروبية الأعضاء أن الاتحاد الأوروبى يجب أن ينتهز فرصة توسعه نحو الشرق لكى يحسن علاقاته مع دول الجيران على أساس من القيم المشتركة وفى نفس الوقت، تجنب إيجاد خطوط تقسيم جديدة داخل أوروبا ولهذا، دعا المجلس الأوروبى إلى ضرورة إيجاد علاقات أقوى مع أوكرانيا ومولدوفيا وبيلاروسيا ودول جنوب المتوسط (6) وبالتالى، تهدف سياسة الجوار الأوروبى إلى مشاركة فوائد توسع الاتحاد الأوروبى فى 2004 مع دول الجوار من أجل تقوية الأمن والاستقرار فى كل الدول، فهى مصممة لمنع ظهور خطوط تقسيم جديدة بين الاتحاد الأوروبى الموسع وجيرانه، وفى نفس الوقت تعرض عليها الفرصة للمشاركة فى أنشطة الاتحاد الأوروبى المختلفة، من خلال تعاون سياسى وأمنى واقتصادى وثقافى أعمق وتتعامل سياسة الجوار الأوروبى مع أحد الأهداف فى الاستراتيجية الأمنية الأوروبية، وهو هدف بناء الأمن مع دول الجوار وتعرض سياسة الجوار إقامة علاقات متميزة مع دول الجوار تقوم على الالتزام المتبادل بالقيم المشتركة، خاصة فى مجالات حكم القانون والحكم الرشيد واحترام حقوق الإنسان بما فيها حقوق الأقليات، وتقوية علاقات الجيرة الحسنة، ومبادئ اقتصاد السوق والتنمية المستديمة، بمعنى أن تتمتع الدول غير الأعضاء فى الاتحاد الأوروبى بمزايا العضوية دون الدخول فيها، خاصة حرية انتقال السلع ورؤوس الأموال والخدمات والقوة البشرية (7) فقد رأت الدول الأوروبية أن المشاركة الأورو ـ متوسطية فى حاجة ملحة إلى إعادة الحيوية وهو ما قد توفره سياسة الجوار الأوروبى، حيث تهدف إلى إقامة منطقة من الرخاء المشترك والقيم المشتركة، وذلك عبر إيجاد شراكات أعمق مع جيران الاتحاد الأوروبى واقترحت المفوضية الأوروبية مجموعة من الحوافز لتحقيق هذا الهدف، منها:ـ توسيع السوق الداخلية، ووضع نظام تفضيلات تجارى، وفتح الأسواق، ووضع إطار للهجرات القانونية وحركة الأشخاص، والتكامل فى مجالات النقل والطاقة وشبكات الاتصالات ومنطقة البحث الأوروبية، وإيجاد مؤسسات جديدة لتطوير وحماية الاستثمار، وكذلك دعم التكامل فى النظام التجارى العالمى، وذلك على أن يتم ربط هذه الفوائد بالتقدم فى الإصلاح السياسى والاقتصادى فى هذه الدول، فيما يمكن تسميته ـ المشروطية الإيجابية (8).
ـ Positive Conditionality ـ
ويظهر من تحليل تطورات عملية المشاركة الأورو ـ متوسطية وسياسة الجوار الأوروبى أن اهتمام الاتحاد الأوروبى بالأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للتعاون المتوسطى ينبع فى المقام الأول من اهتمامها بالأمن السياسى، بمعنى أن الاتحاد الأوروبى يوظف العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لتحقيق هدف الأمن والاستقرار فى دول الجوار، ومن ثم انعكاس هذا الاستقرار على أوروبا الموسعة (9).
ومن هذا المنطلق، يمكن فهم التقرير الذى أصدرته المفوضية الأوروبية فى بروكسل فى 23 مارس 2004 حول ـ المشاركة الاستراتيجية للاتحاد الأوروبى مع جنوب المتوسط والشرق الأوسط ـ، حيث تضمن اقتراحا بمشاركة استراتيجية جديدة مع دول الشمال الإفريقى والشرق الأوسط تأخذ فى الاعتبار المصالح المتبادلة بين هذه الدول، وكذلك تطوير آليات التعاون القائمة بالفعل ومنها المشاركة الأورو ـ متوسطية وقد أكد هذا التقرير بشكل صارم على ما يسمى المشروطية السياسية، بمعنى توظيف كون أوروبا الشريك التجارى والتنموى الأهم لمجتمعات شمال إفريقيا والشرق الأوسط فى وضع تصوراتها حول مستقبل المنطقة موضع التنفيذ وتأكيدها أن التسوية السياسية للصراع العربى ـ الإسرائيلى وعملية الإصلاح فى الشرق الأوسط الموسع يمكن أن تسيرا معا فى أن واحد (10) وتضع سياسة الجوار الأوروبى، التى تم النص عليها رسميا بواسطة المفوضية الأوروبية فى ورقة أوروبا الموسعة فى مارس 2004 الأولوية القصوى بأن يقوم الاتحاد الأوروبى بتشكيل مستقبل علاقاته مع جيرانه، وقدمت المفوضية الأوروبية ما يسمى بورقة استراتيجية وتقارير عن الدول فى 12 مايو 2004 وتمثل الورقة الاستراتيجية خطوة مهمة فى وضع شروط محددة، لكى يستطيع الاتحاد الأوروبى أن يعمل بطريقة أكثر تفاعلا وقربا مع جيرانه، ومن ثم تطور من قدرة الاتحاد على دعم أهداف سياسته الخارجية والأمنية المشتركة وعلى أساس الورقة الاستراتيجية، قدمت المفوضية الأوروبية فى 9 ديسمبر 2004 أول مجموعة من مسودات خطط العمل مع الدول المشاركة، كما تم تقديم آلية مالية للمساعدة سميت (الجوار الأوروبى وأداة الشراكة (11).
ـ European Neighborhood and Partnership Instrument .
عناصر سياسة الجوار الأوروبى:
هناك محاور رئيسية ستطبق أوروبا من خلالها سياسة الجوار الجديدة، وأهم هذه المحاور: أولا: الورقة الاستراتيجية (مايو 2004) التى تضع المبادئ والنطاق الجغرافى ومنهجية (طريقة) تنفيذ سياسة الجوار الأوروبى والقضايا المتعلقة بالتعاون الإقليمى، وهى تشرح فى نفس الوقت كيف سيتم توفير الدعم المالى لهذه السياسة، وكيف سيتم دفع التعاون بدرجة أعمق فى مناطق مثل التنمية الاقتصادية والاجتماعية والتجارة والطاقة (12).
ثانيا: خطط العمل (9 ديسمبر 2004) وتمثل خطط العمل هذه أدوات رئيسية فى عملية جعل جيران الاتحاد الأوروبى أكثر قربا وتفاعلا معه، وذلك من خلال ترجمة أهداف سياسة الجوار إلى واقع، فهى عبارة عن وثائق سياسية يتم الاتفاق عليها بين الاتحاد الأوروبى والدول المعنية، وتقوم على مبادئ مشتركة وتأخذ فى الاعتبار خصوصيات كل جار وعمليات الإصلاح الوطنى وعلاقاته مع الاتحاد الأوروبى، حيث تحدد خطط العمل الأولويات لكل من الطرفين بهدف تكثيف التكامل الاقتصادى وتعميق التعاون السياسى بمعنى آخر، تقوم خطط العمل على الأطر التعاقدية القائمة (اتفاقيات المشاركة والتعاون) وتدعيمها وإعطائها قوة دفع، على أن تتم عملية مراجعة دورية لمراقبة تنفيذ خطط العمل، وهو ما يجعلها بالتالى مرجعا مهما لمخصصات المساعدة المالية تحت آلية ـ الجوار الأوروبى وأداة الشراكة ـ (ENPI) (13).
ثالثا: الجوار الأوروبى وأداة المشاركة: وهى أداة مالية جديدة ستحل محل برنامج ميدا فى الدول المشاركة فى سياسة الجوار بداية عام 2007 .
رابعا: تقارير الدول وتغطى هذه التقارير التقدم الذى تم إحرازه فى تنفيذ الاتفاقيات الثنائية والإصلاحات المرتبطة بها وتعكس الوضع السياسى والاقتصادى والمؤسسى فى الدول، وتركز على المناطق ذات الأولوية فى سياسة الجوار الأوروبى، وهو ما يعنى توفيرها لنقطة بداية لتطوير خطط عمل مشتركة (14) إن سياسة الجوار الأوروبى تكمل عملية برشلونة ولديها أهداف عامة تتشابه مع أهداف المشاركة الأورو ـ متوسطية، بل وتعتمد عليها وتتمثل فى:ـ تخفيض الفقر، وإيجاد فضاء من الرخاء والقيم المشتركة يقوم على التجارة الحرة، وتكامل اقتصادى متزايد وروابط سياسية وثقافية أكبر، وتعاون عبر حدودى أكبر، ومسئوليات مشتركة فى منع وحل الصراعات وقد تتشابه أو تختلط هذه الملامح مع ملامح عملية برشلونة، ولكن سياسة الجوار تؤكد بعض الجوانب، أهمها المشاركة التدريجية فى السوق الداخلية للاتحاد الأوروبى، والقضايا المتعلقة بالتنمية المستديمة (الصحة، حماية البيئة، حماية المستهلك) وكذلك تركيز أكبر على التكامل فى مجالات النقل والطاقة وشبكات الاتصالات إن التمييز هو أساس السياسة الجديدة للاتحاد الأوروبى تجاه جيرانه، وهذا ما نلاحظه فى خطط العمل، حيث ستكون مفصلة وتضع أهدافا استراتيجية وجدولا زمنيا لتنفيذها (15) وسيتم تمويل هذه السياسة من خلال أداة تمويل جديدة تحل محل أدوات التمويل القائمة، خاصة برنامج ميدا، فى 2007 (16) هذا، وتشمل سياسة الجوار الأوروبى الجديدة مناطق مختلفة، مثل دول شرق أوروبا (بيلاروسيا، أوكرانيا، مولدوفيا) ودول المشاركة الأورو ـ متوسطية (المغرب، الجزائر، تونس، مصر، لبنان، إسرائيل فلسطين، سوريا، ليبيا، الأردن) ودول جنوب القوقاز (أرمينيا، جورجيا، أذربيجان) وقد نشرت المفوضية الأوروبية فى أواخر مايو 2004، 7 تقارير تشمل:
إسرائيل والأردن ومولدوفيا والمغرب وفلسطين وتونس وأوكرانيا ومع دخول اتفاقيات المشاركة الأوروبية المتوسطية مع مصر ولبنان حيز التنفيذ، قامت المفوضية الأوروبية بإدخال الدولتين وأعدت تقارير عنهما للمجلس الأوروبى فى 2 مارس 2005، ثم جاء قرار مجلس الشئون العامة والعلاقات الخارجية (GAER) بإدراج أرمينيا وجورجيا وأذربيجان فى سياسة الجوار الأوروبى، لكى يمثل خطوة مهمة لتدخل وانغماس الاتحاد الأوروبى فى منطقة جنوب القوقاز (17) فقد أوصت المفوضية الأوروبية فى 2 مارس 2005 بتكثيف العلاقات مع مصر ولبنان وأرمينيا وأذربيجان وجورجيا، معتمدة فى ذلك على تقارير عن الدول الخمس وعلى أساس هذه التقارير، يمكن للمجلس الأوروبى أن يطور خطط عمل تحت راية سياسة الجوار الأوروبى مع الدول الثلاث فى جنوب القوقاز أما قرار تطوير خطط عمل مع كل من مصر ولبنان، فقد تم اتخاذه بالفعل، رغم أنه بالنسبة للبنان سيعتمد التوقيت على تطور الأوضاع السياسية فيها وسيتمثل هدف هذه الخطط فى تحديد أجندة مشتركة للعلاقات مع الاتحاد الأوروبى من السنوات الثلاث إلى السنوات الخمس التالية، بهدف تعميق التعاون السياسى والتكامل الاقتصادى ويذكر فى هذا الصدد، أنه كان قد تم التفاوض بالفعل على تطوير خطط عمل مع إسرائيل ومولدوفيا والأردن والمغرب وفلسطين وتونس وأوكرانيا (18) من برشلونة إلى الجوار:
تضع سياسة الجوار الأوروبى إطارا لكل سياسات الاتحاد الأوروبى مع دول الجوار، بما يشمل إعادة تكييف وتنسيق أدوات الشراكة الحالية، واستبدال برامج مثل ميدا بآلية جديدة (الجوار الأوروبى وأداة الشراكة) ، وهو ما يقود إلى سياسة أكثر اتساقا استجابة لطموحات الاتحاد الأوروبى فى أن يجعل سياساته أكثر فعالية وأكثر شفافية وبالتالى، المسألة هى زيادة قدرة الاتحاد الأوروبى على محاسبة الدول المشاركة فى هذه السياسة، مقابل زيادة التزاماته ومسئولياته تجاه تلك الدول لقد أصبح مفهوم المشروطية أكثر أهمية فى سياسة الجوار الأوروبى عما كان الحال عليه فى المشاركة الأورو ـ متوسطية، حيث أصبحت الأهداف الموضوعة أكثر وضوحا، ويمكن قياسها (19) ونستطيع أن نقول أن هناك اختلافين رئيسيين بين سياسة الجوار الأوروبى والمشاركة الأورو ـ متوسطية:
- الاختلاف الأول على المستوى الجيوسياسى:
رغم الاختلافات فى منطقة البحر المتوسط، فإن المشاركة الأورو ـ متوسطية تشمل دولا ترتبط جغرافيا بدرجة أكبر، حيث يتم النظر إلى هذه الدول تاريخيا على أنها دول يربطها مصير واحد، حتى بفرض وجود خلافات بينها فى الماضى، فى حين أن سياسة الجوار الأوروبى تشمل دولا متباعدة جغرافيا، ومختلفة فى مصالحها السياسية والاقتصادية.
- أما الاختلاف الثانى، فيتمثل فى أنه بينما يعد اقتراب المشاركة الأورو ـ متوسطية اقترابا إقليميا فى الأساس، فإن سياسة الجوار الأوروبى تقوم على العلاقات الثنائية بدرجة أكبر، وتميز بين الدول المشاركة فيها (20) وتتمثل الأهداف الرئيسية لسياسة الجوار الأوروبى فى الآتى:
- منع الصراعات فى جوار الاتحاد الأوروبى وأعمال الاعتداء ضد الاتحاد الأوروبى ـ ـ تسوية الصراعات والنزاعات المستمرة.
إقامة شراكات اقتصادية وسياسية قوية تقوم على القيم المشتركة والرخاء والأمن.
ـ التحكم فى الهجرة وكل أشكال التهريب إلى داخل الاتحاد الأوروبى.
حماية أمن مواطنى الاتحاد الأوروبى فى الخارج وتقوم الفكرة الأوروبية لسياسة الجوار الأوروبى على إيجاد نوع من التوازن بين خطط العمل الثنائية من ناحية، بحيث يتم تفصيل الفوائد طبقا للاحتياجات الخاصة بكل دولة وظروفها، وذلك عبر الاتفاق المنفرد مع الدولة العضو ومن ناحية أخرى، من خلال مشاركة متعددة الأطراف ـ مثل عملية برشلونة ـ وذلك للتعامل مع القضايا الإقليمية وتطوير تكامل إقليمى بين الدول الأطراف فى الشراكة وتغطى خطط العمل الأعوام الثلاثة إلى الخمسة القادمة، وتعكس الاختلافات فى تطور الدولة واستعدادها للإصلاح ولعلاقات أعمق مع الاتحاد الأوروبى، كما يتم الاتفاق على خطط العمل من خلال الطرفين فى إطار اتفاقيات الشراكة الثنائية الأورو ـ متوسطية الحالية، على أن تجرى مراقبة تطبيقها، وعلى أن تضع المفوضية الأوروبية تقارير دورية عن مدى التقدم فيها والخطوة التالية، إذا تم تنفيذ الأولويات فى خطط العمل، هى عقد اتفاقيات الجوار الأوروبى لكى تحل محل اتفاقيات المشاركة الحالية (21) ومن الواضح أن سياسة الجوار الأوروبى لا تحل محل عملية برشلونة، ولكنها تضيف إليها وهذا ما عبرت عنه بنيتا فيريرو فالدنر (مفوض العلاقات الخارجية وسياسة الجوار الأوروبى) بقولها ـ إن سياسة الجوار تترجم أولوياتنا المشتركة إلى أهداف سياسية فعلية ذات أهداف محددة، ويمكن قياسها للتعامل مع التحديات التى تواجه المتوسط فهى لا تحل محل عملية برشلونة، بل تحسنها، حيث أن تنفيذ خطط العمل سيكون من خلال الإطار المؤسسى لاتفاقيات المشاركة ـ (22) وتوفر عملية برشلونة بالفعل إطارا قويا وشاملا لدفع سياسة الجوار الأوروبى للأمام، حيث ستساعد خطط العمل التى يتم الاتفاق عليها بواسطة الدول المشاركة والاتحاد الأوروبى على تقوية أهداف عملية برشلونة وتوفير الدوافع والحوافز لوضعها موضع التنفيذ وفى نفس الوقت، تعرض سياسة الجوار الأوروبية على الشركاء دخولا أفضل للسوق الأوروبية وحصة فى السوق الداخلية الأوروبية ومناطق أولويات أخرى مثل العدالة والحرية والأمن، والبنى التحتية والبيئة واتصال الشعوب مع بعضها بعضا وبالتالى تعد سياسة الجوار الأوروبى مكملة لعملية برشلونة، حيث تسمح لكل دولة بأن تطور علاقات وروابط أقوى مع الاتحاد الأوروبى، وتقوم على الاحتياجات والقدرات الخاصة بكل دولة (23) وإذا اتفقنا على أن سياسة الجوار الأوروبى لا تتضمن عضوية الاتحاد الأوروبى، فإن الحوافز التى تقدمها هذه السياسة للدول المشاركة فيها هى.
1 ـ التعاون فى مجالات البحث العلمى والبيئة والتعاون الثقافى.
2 ـ إمكانية حصول الدول المشاركة على حصة من السوق الداخلية للاتحاد الأوروبى.
3 ـ توفير أدوات تمويلية جديدة:ـ الجوار الأوروبى، وأداة الشراكة، بداية من 2007.
4 ـ تم تفصيل خطط العمل بين الاتحاد الأوروبى والدول المعنية لكى تعكس حالة علاقات الاتحاد الأوروبى مع كل دولة واحتياجاتها وقدراتها ومصالحها من هذه العلاقة وبالتالى، تختلف الخطط حسب ظروف كل دولة، بما فيها الموقع الجغرافى والوضع السياسى والاقتصادى والعلاقات الحالية مع الاتحاد الأوروبى والدول الأخرى وبرامج الإصلاح المطبقة فيها ويسمح هذا التمييز بين شركاء الاتحاد الأوروبى بتحسين التعاون طبقا لقدرات واحتياجات كل دولة على حدة، بما يعنى أن علاقة الاتحاد الأوروبى مع كل دولة من دول الجوار ستعتمد على درجة التزام هذه الدولة بالقيم المشتركة وقدرتها على التنفيذ المشترك للأولويات التى تم الاتفاق عليها سابقا (24) وقد تم إحراز نوع من التقدم فى الأدوات الرئيسية فى سياسة الجوار الأوروبى منذ عام 2003 ففيما يتعلق بخطط العمل، قدمت المفوضية الأوروبية فى مايو 2004 ما يسمى ـ تقارير الدول.
- باعتبارها أول خطوة نحو خطط العمل فى سياسة الجوار الأوروبى ـ وتناولت الوضع السياسى والاقتصادى والاجتماعى والمؤسسى فى إسرائيل والأردن ومولدوفيا والمغرب وفلسطين وتونس وأوكرانيا، وقد أعقب ذلك فى ديسمبر 2004 إقرار خطط العمل التى تبناها وزراء خارجية الاتحاد الأوروبى فى 21 فبراير 2005 كما قدمت المفوضية الأوروبية فى مارس 2005 تقارير الدول عن الوضع السياسى والاقتصادى والاجتماعى والمؤسسى فى مصر ولبنان بالإضافة إلى أرمينيا وأذربيجان وجورجيا، ثم بدأت المفاوضات مع مصر، وبدأ نوع من العمل التحضيرى فى دول جنوب القوقاز والعمل مستمر على إعداد تقارير الدول الخاصة بكل من الجزائر وسوريا (25) وتغطى أول مجموعة من خطط العمل إطارا زمنيا يمتد من 3 إلى 5 سنوات وهناك ثلاث خطوات لتطوير وتنفيذ خطط العمل فى كل دولة هى.
1 ـ الحوار داخل الأطر الموجودة (اتفاقيات الارتباط والمشاركة) بطريقة مشتركة وتحليل الإنجازات والإخفاقات، وذلك من خلال لجان التعاون فى الاتفاقية.
2 ـ تتم كتابة وثيقة بواسطة المفوضية الأوروبية والدول الأعضاء فى الجوار الأوروبى، يتم الاتفاق عليها بطريقة مشتركة ووضع الأهداف المشتركة وجدول زمنى لتحقيقها.
3 ـ يتم عمل مراجعة سنوية للتقدم الذى تم إحرازه فى تطبيق خطة العمل (26).
- قمة برشلونة 2005:
جاءت قمة برشلونة (27 ـ 28 نوفمبر 2005) بهدف تدشين مرحلة جديدة للمشاركة الأورو ـ متوسطية، محورها محاولة التغلب على الإخفاقات والصعوبات التى واجهت عملية برشلونة فى السنوات العشر الماضية، وفى نفس الوقت محاولة لتدشين سياسة الجوار الأوروبى بوصفها سياسة أكثر صلابة وأكثر حزما فى تعامل أوروبا مع جنوب المتوسط وكان محور مناقشات القمة قضيتين رئيسيتين هما:
الإرهاب الدولى والهجرة غير الشرعية القادمة من دول جنوب المتوسط، وذلك وسط مخاوف من تعثر عملية برشلونة بسبب الخلافات الأورو ـ متوسطية حول صيغة البيان الختامى فقد كانت نقطة الخلاف الأولى فى تعريف الإرهاب وحق المقاومة المشروعة حيث رأى الجانب الأوروبى ضرورة تجريم الإرهاب بكل أنواعه وصوره دون الإشارة إلى حق مقاومة الاحتلال، وهو ما رفضه الجانب العربى وبالتالى أدى ذلك إلى خلاف فى تحديد مفهوم الإرهاب فى ـ مدونة السلوك لمكافحة الإرهاب ـ بينما تمثلت نقطة الخلاف الأخرى فى قضية الهجرة، حيث هدف الاتحاد الأوروبى إلى الحد من هجرة دول الجنوب إلى الشمال ـ وذلك لما تسببه من مشكلات اجتماعية واقتصادية لأوروبا ـ دون تقديم أى معونات أو خبرات فى المقابل وكان الغياب العربى فى قمة برشلونة لافتا للنظر، حيث غاب عنها جميع القادة العرب باستثناء الرئيس الفلسطينى محمود عباس أبو مازن وقد عكس هذا الغياب نوعا من خيبة الأمل لدى طرفى التعاون، سواء على الجانب العربى أو الجانب الأوروبى فقد منحت أوروبا ـ 11 مليار دولار على هيئة معونة للشركاء فى جنوب المتوسط على مدى 10 سنوات، إلا أن الجانب العربى رأى أن ذلك غير كاف بالمرة وفى المقابل، انتظر الأوروبيون أن تتحسن الأوضاع فى العالم العربى، وأن تحدث إصلاحات ملموسة (الديمقراطية وحقوق الإنسان) ـ إلا أن ذلك لم يحدث إلا قليلا ولهذا، يبدو أن الأمل الخاص بإنشاء منطقة تجارة حرة بحلول 2010 أمر غير مرجح على الأكثر (27) وقد فشلت القمة فى الخروج بإعلان ختامى مشترك، واكتفت بإصدار بيان رئاسى صادر عن إسبانيا وبريطانيا، جدد فيه قادة الدول الأعضاء فى عملية برشلونة تعهدهم بتحقيق السلام والاستقرار والرفاهية فى منطقة الشرق الأوسط من خلال استمرار الحوار والتعاون المتبادل ويفسر البعض فشل القمة فى الاتفاق على نص الإعلان الختامى ـ الذى كان من المفترض أن يأتى تحت عنوان ـ رؤية مشتركة ـ بسبب إصرار الدول الغربية على ربط المساعدات بالإصلاحات السياسية والاقتصادية والتوجه نحو الديمقراطية (28) ورغم ذلك، اتفق قادة ورؤساء الوفود المشاركة فى القمة على وثيقتين:
الوثيقة الأولى (ميثاق شرف لمكافحة الإرهاب)، والوثيقة الثانية (برنامج عمل مدته خمس سنوات يتضمن خطة مفصلة للتعاون فى مجالات المشاركة السياسية والأمنية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية الدائمة) (29) وبقراءة تحليلية للوثيقتين، نلاحظ أنهما أعطتا أهمية كبيرة لسياسة الجوار الأوروبى الجديد، بما يشير إلى أن هناك اتجاها لاستبدال عملية برشلونة بسياسة الجوار الأوروبى الجديد (رغم كل التأكيدات الأوروبية على أن سياسة الجوار الأوروبى تكمل عملية برشلونة) وإن كان هذا الاتجاه لم يعبر عنه صراحة، فإنه يمكن استخلاصه من سياق ومضمون سياسة الجوار الأوروبى الجديد ومن الوثائق التى صدرت فى قمة برشلونة الأخيرة فقد كانت خلاصة القمة الأخيرة فى الدعوة إلى ضرورة ربط المعونات بالتقدم فى مجالات الإصلاح السياسى وحقوق الإنسان، وهذا هو جوهر سياسة الجوار الأوروبى الجديد فى وضعها خطط عمل تفصيلية، يمكن من خلالها تقييم أداء كل دولة وتقييم المساعدات التى يجب تقديمها لكل دولة طبقا لمدى تقدمها فى الخطة من عدمه، وهذا هو ما عبر عنه ـ كريستيان لافلر ـ مهندس سياسة الجوار الأوروبى بقوله:
ـ إننا نحمل جزرة كبيرة لمن يمضى على طريق الإصلاح ـ كما تركز سياسة الجوار الأوروبى على قضية الهجرة، وهو ما عبر عنه ـ فراتينى ـ (نائب رئيس المفوضية الأوروبية والمسئول عن شئون الحرية والعدالة والأمن) بقوله:
ـ إن القضايا المتعلقة بالهجرة واللجوء السياسى من القضايا التى يجب أن يترسخ فيها التعاون فى إطار سياسة الجوار الأوروبى الجديد ـ (30).
الرؤية المصرية لسياسة الجوار الأوروبى الجديد:
- ينبع اهتمام مصر الواضح ودعمها القوى للتعاون الأورو ـ متوسطى (عملية برشلونة) من قناعتها بأهمية وحيوية بناء جسور التواصل بين جانبى البحر المتوسط وفى هذا الإطار، جاء التزام مصر بالاستمرار فى دورها الفعال فى تعميق العلاقات بين ضفتى المتوسط فى كافة قنواتها وأطرها، بما فى ذلك مبادرة سياسة الجوار الأوروبى الجديد ومازالت مصر ـ حتى كتابة هذه السطور ـ فى مرحلة تفاوض مع الجانب الأوروبى حول خطط العمل المقترحة بين الجانبين فى ظل سياسة الجوار الأوروبى، إلا أن ذلك لا يمنع من إلقاء الضوء على الملامح الرئيسية للرؤية المصرية لسياسة الجوار الأوروبى، فقد تم التفاوض بالفعل على تطوير خطط عمل مع إسرائيل ومولدوفيا والأردن والمغرب وفلسطين وتونس وأوكرانيا، فى حين قدمت المفوضية الأوروبية تقريرا للمجلس الأوروبى عن العلاقات بين مصر والاتحاد الأوروبى فى 2 مارس 2005 وبرصد محتويات هذا التقرير، نجد أنه اشتمل بشكل تفصيلى على أوجه العلاقات بين مصر والاتحاد الأوروبى، والتى تراوحت ما بين قضايا المساعدات الاقتصادية والقضايا السياسية (قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان) والعلاقات الخارجية والنزاعات الإقليمية، وبين الوضع الاقتصادى الداخلى والأداء الاقتصادى الكلى كما تناول هذا التقرير أيضا الوضع الاجتماعى والتنمية المستديمة والإصلاحات الهيكلية ومدى التقدم الذى تم إحرازه فيها بمعنى آخر، قدم هذا التقرير وثيقة يقوم على أساسها الاتحاد الأوروبى بالتفاوض مع الجانب المصرى لوضع خطة عمل تتضمن تحديد الأولويات المصرية والأوروبية وطبقا للإعلان المصرى فى أول اجتماع لمجلس المشاركة الأورو ـ متوسطية، تنظر مصر لسياسة الجوار الأوروبى على أنها مبادرة طموح ستعود بالفائدة على جميع دول جنوب المتوسط (31).
وتنبع الرؤية المصرية لسياسة الجوار الأوروبى من اهتمام مصر بأن تكون جزءا من هذه السياسة الجديدة فقد كانت هذه السياسة موجهة فى البداية نحو شرق الاتحاد الأوروبى الموسع، ثم اتجهت إلى منطقة جنوب المتوسط باعتبارها منطقة أكثر التصاقا بأوروبا وانطلقت الرؤية المصرية من ضرورة أن تكون سياسة الجوار الأوروبى مكملة لعملية برشلونة وليست بديلا عنها، وأن تعكس الملكية المشتركة للتعاون الأورو ـ متوسطى، وذلك باعتبار أن المسار الثنائى لسياسة الجوار الأوروبى لا يلغى، ولكنه يكمل المسارات متعددة الأطراف، وكذلك التأكيد على أهمية أن تلمس الشعوب والمجتمعات المدنية مردودا إيجابيا لسياسة الجوار الأوروبى، وضرورة الاستفادة من الحريات الأربع المتاحة فى إطار سياسة الجوار الأوروبى، بما فى ذلك حرية الانتقال التى تعد أساسا لتحقيق التواصل والمصالح المشتركة، وهذا ما عبر عنه خطاب الرئيس مبارك الذى ألقاه رئيس الوزراء نيابة عنه ـ فى ختام قمة برشلونة الأخيرة بقوله ـ إننا نتطلع لمزيد من الإيضاحات حول ما تطرحه سياسة الجوار الأوروبى الجديد من مزايا إضافية، خاصة ما يتصل منها بالحريات الأربع ـ (32).
وهذا يعنى أن الرؤية المصرية لسياسة الجوار الأوروبى قد انطلقت من مبدأ ثابت، هو مبدأ الملكية المشتركة وذلك على اعتبار أن هذا المسار الثنائى (سياسة الجوار الأوروبى) يقوم بالأساس على ما يسمى خطط العمل، وخطط العمل هذه ليست نموذجا أو نمطا يطبق على الجميع، ولكنها يجب أن تنبع من ظروف كل دولة وأولوياتها وتفاوضها مع الاتحاد الأوروبى، بمعنى أن خطط العمل المقترحة يجب أن تعكس الأولويات المصرية فى مختلف القطاعات السياسية والاقتصادية والثقافية، وكذلك مراعاة التوازن فى الالتزامات بين الجانبين، والأهم من ذلك أن تأخذ فى الاعتبار خصوصيات المجتمع المصرى وتؤكد الرؤية المصرية فى نفس الوقت على أهمية تخصيص الموارد المالية اللازمة لدعم خطط العمل المقترحة بما يدعم ويساند خطط التطوير والإصلاح فى المجتمع المصرى وعلى هذا الأساس، تقدمت مصر برؤية واضحة للعناصر التى يمكن أن تندرج فى خطة العمل المشتركة مع الاتحاد الأوروبى، حيث تتسق مع أولويات خطة التنمية الوطنية المصرية وفى قمة برشلونة الأخيرة، تبلورت بدرجة أكبر معالم الرؤية المصرية لعملية برشلونة، وسياسة الجوار الأوروبى ففى ضوء تولى مصر مهمة التنسيق فى إطار مجموعة الدول العربية الأعضاء فى عملية برشلونة، تمت بلورة رؤية عربية موحدة لتقييم وتفعيل عملية برشلونة وكان من ضمن المبادئ التى عرضتها مصر فى القمة:ـ مبدأ الملكية المشتركة، واحترام خصوصية كل مجتمع، واحترام التنوع الثقافى والدينى لشعوب المنطقة ووجود توازن فى تحقيق مصالح ضفتى المتوسط، وتوجيه أنشطة برشلونة الثنائية والإقليمية نحو التوصل إلى تسوية شاملة للصراع العربى ـ الإسرائيلى أما على المستوى غير الرسمى، فتختلط الآمال بالمخاوف تجاه سياسة الجوار الأوروبى الجديد، فهناك تخوف من أن يتم استبدال عملية برشلونة بسياسة الجوار الأوروبى، وأن تكون هذه السياسة منحازة لدول وسط وشرق أوروبا الموسعة، وكذلك تخوف من زيادة المشروطية السياسية للمعونات، وهو ما ظهر جليا فى القمة الأخيرة وفى المقابل، هناك آمال فى الفوز بالحريات الأربع التى يلوح بها الاتحاد الأوروبى فى سياسته الجديدة.
خاتمة:
لا تمثل كل من عملية برشلونة ولا سياسة الجوار الأوروبى هدفا فى حد ذاته، بقدر ما تمثلان معا صيغا للتعاون، يمكن من خلالها للدول الأوروبية والمتوسطية أن تعظم من منافعها السياسية والاقتصادية والاجتماعية وبقدر ما تنطوى عليه سياسة الجوار الأوروبى من تحديات، بقدر ما تنطوى عليه أيضا من فرص يمكن استغلالها وحيث أن مجتمعاتنا فى حاجة إلى نهضة شاملة فى كل المجالات، فإن التعاون مع الجانب الأوروبى ضرورة من ضرورات التنمية، وذلك فى إطار من الندية والاحترام المتبادل وإذا كانت نتائج عملية برشلونة غير مرضية لجانبى المتوسط، فإن سياسة الجوار الأوروبى تمثل وسيلة أكثر تحديدا ودقة، يمكن من خلالها قياس مدى التقدم فى العلاقات على كلا الجانبين من عدمه، بما يعنيه ذلك من إعادة الحيوية لعملية برشلونة، وذلك عبر تقديم حوافز جديدة لدول المتوسط، وفى نفس الوقت تحديد التزامات أكثر دقة.
أى أن سياسة الجوار الأوروبى يجب ألا تحل محل عملية برشلونة بقدر ما يجب أن تكملها وتضيف إليها وذلك عبر وضع أهداف وأولويات يحددها الطرفان للتعامل مع التحديات المشتركة، وهو ما يعنى أن التزام دول الجوار بالتنفيذ المشترك للأولويات التى تم الاتفاق عليها سابقا هو الذى سيحدد نوع العلاقة مع الاتحاد الأوروبى فى المستقبل.
الهوامش.
1 ـ Andreas Marchetti, Barcelona, Neighborhood and Beyond The EU ـ s Long Term Strategies for Democracy and Security ـ In The Wider Middle East:ـ wwwuni ـ bonnde/ uzswac/ marchetti ـ barcelona 20% neighbourhood 20% and 20% beyondpdf, ـ 2005/7/20, PP:ـ 1 ـ 2 .
2 ـ The Euro ـ Mediterranean Partnership:ـ Ten Years after Barcelona, A Conference Held in Cairo 19 ـ 20 April 2005, ـ under the auspices of the Center for European Studies .
3 ـ جريدة الأهرام، قضايا وآراء، 1 ديسمبر 2005 .
4 ـ Andreas Marchetti, Barcelona, Neighbourhood and Beyond the EU ـ s Long Term Strategies for Democracy and Security ـ in The Wider Middle East ـ Op Cit, PP:ـ 2 ـ 3 .
5 ـ Sven Biscop, The European Security Strategy and The Neighborhood Policy:ـ A New Starting Point For A Euro ـ Mediterranean Security Partnership paper presented At EUSA Ninth Biennial International Conference, Austin, Texas, 31 ـ March 2 April 2005 (Royal Institute For International Relations) , PP:ـ 1 ـ 2 .
6 ـ Margot Wallstrom, The European Neighbourhood Policy and The Euro Mediterranean Partnership, Euro Mediterranean ـ Parliamentary Assembly, Cairo, 14 March 2005, PP:ـ 1 ـ 2 .
7 ـ what is The European Neighborhood Policy? http:ـ //europaeuint/comm/world/enp/policy ـ enhtm, PP:ـ 1 ـ 2 .
8 ـ Sven Biscop, The European Security Strategy and The Neighborhood Policy:ـ A New Starting Point For a Euro ـ ـ Mediterranean Security Partnership Op Cit, PP:ـ 6 ـ 7 .
9 ـ سمعان بطرس فرج الله، مصر والدائرة المتوسطية:ـ الواقع والمستقبل حتى 2020، دار الشروق، الطبعة الأولى، 2002، ص ص:ـ ـ 116 ـ 117 .
10 ـ عمرو حمزاوى، الرؤى الأوروبية للإصلاح فى العالم العربى:ـ حدود تغير تعريف الجوار الجغرافى وإعادة صياغة العلاقة بين الاقتصاد والسياسة، بحث مقدم إلى مؤتمر:ـ قضية الديمقراطية فى الوطن العربى، مركز دراسات وبحوث الدول النامية القاهرة، 2004، ص ص:ـ 4 ـ 5 .
11 ـ What is The European Neighbouhood Policy, OpCit, PP:ـ 1 ـ 2 .
12 ـ what are the Key Elements of the ENP, http:ـ //europaeuint/comm/world/enp/components ـ enhtm, PP:ـ 1 ـ 1 .
13 ـ http:ـ //europaeuint/comm/world/enp/faq ـ enhtm .
14 ـ what are the Key Elements of the ENP, OpCit, PP:ـ 1 ـ 2 .
15 ـ Beyond Enlargement:ـ Commission Shifts European Neighbourhood Policy into Higher Gear, Brussels, 12 May 2004, ـ http:ـ //europaeuint/comm/world/enp/whatsne w ـ enhtm
16 ـ Margot Wallstrom, The European Neighbourhood Policy and The Euro ـ Mediterranean Partnership, OpCit, PP:ـ 2 ـ ـ 3 .
17 ـ European Neighbourhood Policy:ـ The Next Steps, Brussels, 2 March 2005, http:ـ ـ //europaeuint/comm/world/enp/whatsnews ـ enhtm, PP:ـ 1 ـ 1 .
18 ـ Ibid, PP:ـ 1 ـ 2 .
19 ـ Andreas Marchetti, Barcelona, Neighbourhood and Beyond:ـ The EU ـ s Long Term Strategies For Democracy and ـ Security In The Wider Middle East, Op, Cit, PP:ـ 3 ـ 4 .
20 ـ Margot Wallstrom, The European Neighbourhood Policy and The Euro ـ Mediterranean Partnership, OpCit, PP:ـ 2 ـ ـ 3 .
21 ـ Sven Biscop, The European Security Strategy and The Neighbourhood Policy:ـ A New Starting Point for A Euro ـ Mediterranean Security Partnership, Op Cit, PP:ـ 5 ـ 6 .
22 ـ Benita Ferrero ـ Waldner, Commissioner for External Relations & European Neighbourhood Policy, Speech to ـ Political Committee of the Euro ـ Mediterranean Parliamentary Assembly, Brussels, 25 January 2005 .
23 ـ http:ـ //europaeuint/comm/world/enp/faq ـ en Htm, Op Cit, PP:ـ 5 ـ 6 .
24 ـ Ibid, PP:ـ 3 ـ 4 .
25 ـ Ibid, PP:ـ 7 ـ 8 .
26 ـ Communication from the Commission To The Council and The European Parliament:ـ Wider Europe Neighbourhood, New ـ Framework for Relations With Our Eastern and Southern Neighbours, Brussels, 2003/3/11, PP:ـ 17 ـ 18 .
27 ـ جريدة الأهرام، تقرير إخبارى من برشلونة، 29 نوفمبر 2005 .
28 ـ ظهرت هذه الاختلافات بدرجة أكبر فى ضوء تصريحات وزير الدولة الجزائرى (عبد العزيز بلخادم) ـ إنه من المهين أن يطلب الأوروبيون إصلاحات مقابل حفنة من اليورو هات، وإنه من الضرورى القيام بإصلاحات نابعة من إرادة الشعوب العربية، وألا تقتصر المشاركة الأورو ـ متوسطية على منطقة للتبادل الاقتصادى الحر .
29 ـ لقراءة الوثيقتين، انظر: * Euro ـ Mediterranean Code of Conduct on Countering Terrorism, the Council of European Union, Brussels, 28 November ـ 2005 ـ * Five ـ Year Work Programme, The 10th Anniversary Euro ـ Mediterranean Summit, the Council of the European Union, ـ Brussels, 28 November 2005, http:ـ //wwwfcogovuk/files/kfile/euromed ـ 5 year Pdf, 11/30/2005 .
30 ـ جريدة الأهرام، انظر مقال فراتينى فى صفحة ـ نحن وأوروبا ـ ، 28 نوفمبر 2005 .
31 ـ Commission of the European Union, Commission Staff Working Paper, Annex to:ـ European Neighbourhood Policy, ـ Country Report (Egypt) , Brussels, xxx, Sec (2005) 287/3 .
32 ـ انظر نص خطاب الرئيس مبارك لقمة برشلونة فى جريدة الأهرام، 28 نوفمبر 2005.