Share |
يوليو 2007
1
العراق. تحولات سياسية وتوازنات هشة
المصدر: السياسة الدولية

إذا كان مصير العملية السياسية المتعثرة بالعراق لا يحظى باهتمام إعلامى كبير، مقارنة بالتركيز على أحداث العنف الطائفى والجدل حول الانسحاب الأمريكى من العراق، فإن هناك الكثير مما يجرى على صعيد التفاعلات السياسية التى قد يؤدى رصدها إلى استشراف مآلات الوضع السياسى فى العراق خلال المرحلة المقبلة.
إعادة بناء الخريطة السياسية:
ثمة حركة دائبة فى الخريطة السياسية العراقية، التى لا تزال تتشكل منذ سقوط نظام صدام حسين بالحرب التى شنتها الولايات المتحدة الأمريكية فى ربيع عام 2003، والتى أدت، ليس فقط إلى تفكيك الدولة العراقية وهياكلها، بل، وأيضا، إلى تفكيك المجتمع العراقى الفسيفسائى ذاته إلى مكوناته الأولية، الدينية والمذهبية والعرقية، والتى سرعان ما تفسخت بدورها إلى هوياتها الفرعية السابقة لنشوء الدولة الوطنية كالقبلية والجهوية.
فالصورة النمطية التى استمرت منذ ذلك الوقت هى أن الصراع الحالى الدائر حول السلطة والثروة يدور بين شيعة، وسنة، وعرب وأكراد، ومسلمين، ومنتمين إلى ديانات عديدة أخرى، فى الوقت الذى تم فيه تجاهل الخريطة السياسية المعقدة التى تنضوى فى الإطار الأوسع للتشكيلة الاجتماعية العراقية أو تتقاطع معها بمعنى آخر، فإن الاهتمام ظل منصبا على الانقسام الرأسى داخل المجتمع العراقى، بينما توارى الاهتمام بالانقسام الأفقى، وهو ما لا يمكن أن يستكمل المشهد العراقى الحالى بدون تسليط الضوء عليه وفهمه.
منذ وقوع الغزو الأمريكى للعراق، فإن ستة تنظيمات كانت معارضة إبان النظام العراقى السابق أشركتها الإدارة الأمريكية فى عملية إعادة بناء عراق ما بعد صدام حسين فعلى الصعيد الكردى، تصدى الحزبان الرئيسيان ـ وهما الحزب الديمقراطى الكردستانى والاتحاد الوطنى الكردستانى ـ للتمثيل الكردى، بينما برز المجلس الأعلى للثورة الإسلامية فى العراق كأبرز ممثل للشيعة، فى الوقت الذى سعت فيه ثلاثة تنظيمات هامشية ـ وهى حركة الوفاق الوطنى، والمؤتمر الوطنى، والحركة الملكية الدستورية ـ إلى أن تطرح نفسها باعتبارها تنظيمات فوق طائفية أو قومية وعلى الرغم من محاولة الإدارة الأمريكية استقطاب بعض رموز الليبرالية واليسار والتيارات القومية العربية فى مشروع التغيير الذى رعته، إلا أنها حطت من قيمة هذه الاتجاهات السياسية ومكانتها الاجتماعية والسياسية فى عملية التغيير من تركيزها على الاتجاهات الطائفية والمذهبية، وهى غلطة كلفتها ثمنا باهظا فيما بعد حين انتهى مشروع التغيير إلى مجرد مشروع للمحاصصة الطائفية والعصبوية، وليس مشروعا لإحلال دولة حديثة، برلمانية، ديمقراطية تعددية، لكل مواطنيها، بدلا من نظام صدام الشمولى.
ولم تلبث بعض الأحزاب والقوى المعارضة الأخرى أن انخرطت فى العملية السياسية التى أطلقتها إدارة الاحتلال، كحزب الدعوة الإسلامى، والحزب الشيوعى العراقى، رغم معارضتها المبكرة للحرب ومشروع التغيير الذى رعته الإدارة الأمريكية إلا أن قرار المشاركة كان تعبيرا عن البراجماتية السياسية والخشية من أن تؤدى المقاطعة إلى تهميش أدوارها فى الحياة السياسية المستقبلية كما انضم إلى هذه الجوقة لاحقا "تجمع الديمقراطيين العراقيين" الذى شكله بعض العراقيين برئاسة عدنان الباججى، كنواة لتجميع القوى الليبرالية المترفعة عن الاستقطابات الطائفيةكنتيجة لذلك، فقد هيمنت هذه القوى مجتمعة على مجلس الحكم والمجلس الوزارى اللذين شكلتهما إدارة الاحتلال بإصرار من تلك القوى تمهيدا لتشديد قبضتها المبكرة على السلطة، قاطعة الطريق على عملية انتقالية منظمة، يتم خلالها الوصول إلى وفاق وطنى مع كافة القوى السياسية والاجتماعية الأخرى، ويجرى خلالها الإعداد لانتخابات تمثيلية واسعة، وفق دستور توافقى.
فى المقابل، فقد ظهرت على المشهد السياسى العراقى، خلال فترة مبكرة من الاحتلال، قوى سياسية أخرى خارج الإطار التحالفى الذى أقامته قوى المعارضة السابقة التى وفدت من الخارج.
ولكن فى غياب المشروع الوطنى، وفى ظل نظام المحاصصة الطائفية والقومية الذى بدأ يترسخ ويفرض نفسه على المجتمع، فقد كان محتما أن تتخذ القوى البازغة الجديدة منحى مماثلا، خاصة فى الجزء العربى، إما نتيجة الرغبة فى المنافسة ضمن التيار الطائفى الذى أصبح سائدا، أو نتيجة لحالة الاستقطاب الحاد والتخندق التى آلت إليها الأمور خلال هذه الفترة على الجانب الشيعى، ظهر التيار الصدرى كانعكاس طبيعى للخلافات التى يعيشها المكون الشيعى، على مستوى المرجعيات الدينية ومدارسها المتنوعة والولاءات التى تعبر عنها، أو على أسس مناطقية، أو قبائلية، أو اجتماعية، أو بسبب خلافات تاريخية ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل ظهرت تيارات أخرى ـ ربما أقل فاعلية ـ ولكنها عكست دائرة التنوع فى المحيط الشيعى الذى لم يستطع المجلس الأعلى أو حزب الدعوة الاستئثار به، رغم ميزة هيمنتهما المبكرة على مقاليد السلطة والتمثيل التى تمتعت بها.
على الجانب السنى، كان واضحا منذ البداية أن الصدمة التى أصابت هذا المكون الاجتماعى بسبب شعوره بالخسارة، نتيجة فقدانه الدفة التى كان يدير بها الحكم، منذ إنشاء الدولة العراقية عام 1921، قد أدت إلى رفض شامل للنظام الجديد الذى بدأ يتشكل واختيار بديل مقاومته بكل الوسائل المتاحة، وعلى رأسها العمل المسلح فعدا الحزب الإسلامى، وهو الجناح العراقى من التنظيم الدولى للإخوان المسلمين، وبعض الشخصيات السياسية التى انضمت للعملية السياسية، فإن الغالبية العظمى من السنة العرب اختارت العمل على إسقاط المشروع، لا الانضمام إليه أو دعمه وإذ ظلت بقايا حزب البعث، بسبب طغيان نفوذهم القديم فى الوسط السنى، فى طليعة الأطراف السنية التى لجأت إلى العمل المسلح، فإن حركات وجماعات ذات اتجاهات إسلامية مختلفة سرعان ما أخذت موقعها فى التصدى لقيادة السنة العرب ومشروعهم السياسى، مزاحمة البعثيين على قيادة وتمثيل السنة العرب.
وتحت ضغوط الواقع الجديد وجهود الدفع بالعملية السياسية وتنامى الاستقطابات الطائفية، فإن تقسيما للعمل بدأ يظهر بين الجماعات السنية، حيث ظل البعض يعمل على الجانب العسكرى فى مقاومة الوضع الجديد، بينما برزت جماعات سنية سياسية تعمل سلميا على الدفاع عن المصالح السنية وتتبنى أهدافها وتسعى للحصول على المكاسب السياسية والاقتصادية، كل بطريقته واجتهاده فقد ظهرت هيئة علماء المسلمين، على الجانب المتشدد، بينما تشكلت هيئات وجماعات أخرى أقل تشددا، أو أكثر اعتدالا، لكنها سعت لطرح الأجندة السنية والدفاع عنها، سواء من خلال عملية كتابة الدستور الدائم، أو انتخابات المجلس النيابى فى ديسمبر عام 2005 ولعل من أبرز هذه الجماعات "المؤتمر العام لأهل العراق"،
"والجبهة العراقية للحوار الوطنى" التى شكلت مع الحزب الإسلامى وآخرين "جبهة التوافق العراقية"، والتى خاضت الانتخابات كممثلين للسنة العرب، إضافة إلى جماعات وشخصيات أخرى.
لقد أفرزت تلك المرحلة قوى وتحالفات سياسية عكست حقائق عديدة على الأرض، أبرزها انزواء فكرة الدولة وما يرتبط بها من أفكار المواطنة والهوية الوطنية والمشاركة والشرعية والعقلانية والبناء، وحلت محلها الهويات الصغرى وكل ما يرتبط بها من مصالح مذهبية وعرقية ومفاهيم الغلبة والمحاصصة والتهميش والتغييب المجتمعى والتطرف ونزعات التدمير ومع تنامى الصراع من أجل السلطة والثروة، والذى حفزه قرار سلطة الاحتلال بإجراء الانتخابات التشريعية وتسليم السلطة للعراقيين، استجابة لإلحاح الطرفين الشيعى والكردى، فقد ترسخت الطائفية السياسية فى المجتمع العراقى، بكل ما يصاحبها من راديكالية وانحطاط فى الفكر السياسى والثقافة المجتمعية وإذا ما أمكن اختزال وصف الواقع السياسى العراقى عشية الانتخابات، فإنه لم يكن إلا واقعا شديد السيولة ومنفلتا وماضيا نحو المزيد من التفكك والتفسخ، على الرغم من عملية الاصطفاف الطائفى ـ السياسى السريعة التى حصلت، وأيضا بسببها.
وكما كان متوقعا، فقد احتشدت القوى الشيعية الرئيسية فى تحالف واحد، هو الائتلاف العراقى الموحد، الذى حشد بدوره المكون الشيعى وراءه بهدف تحقيق الأغلبية البرلمانية التى ستتيح له السيطرة على رئاسة الحكومة وأغلبية مقاعد الحكومة والأهم من ذلك كله، تركيز السلطة والثروة بيد الشيعة، باعتبارهم الأغلبية السكانية فى العراق، كقاعدة لبناء العراق الجديد كما تراه هذه القوى تشكل الائتلاف من قوى المعارضة الشيعية القديمة وأبرزها: المجلس الأعلى للثورة الإسلامية، وحزب الدعوة، إضافة إلى القوى الصاعدة وهى التيار الصدرى، وحزب الفضيلة، ومجموعات أصغر، إضافة إلى شخصيات مستقلة ما وحد هذه القوى هو المصلحة المذهبية بهدف تحقيق الأغلبية الشيعية البرلمانية ومن ثم الحكومية، والتى بلورها موقف آية الله على السيستانى وإصراره على عقد الانتخابات، وفقا لقاعدة صوت واحد لشخص واحد، التى أراد ترسيخها كقاعدة للحكم فى العراق المستقبلى.
على الصعيد الكردى، استمر التحالف الكردستانى بين الحزبين الكبيرين وأحزاب أقل أهمية، حيث تبنى التحالف أجندة كردية واضحة قائمة على ترسيخ مبدأ الفيدرالية وتقاسم الثروة وإعادة رسم خريطة المنطقة الكردية، من خلال ضم كركوك ومناطق أخرى، يرى الأكراد أنها انتزعت خلال العهود السابقة من مناطقهم ورغم بقاء الحزبين على مسافة من بعضهما من قضايا كثيرة أخرى واستمرار خلافاتهما بشأن توزيع السلطة بينهما فى مناطق نفوذهما، إلا أن الحرص والإصرار على إنجاز الأجندة القومية بقى عامل التوحيد بينهما فى هذه الفترة الحرجة التى وفرت فرصة مثالية لإنجاز الأهداف الكردية من خلال تراكم الإنجازات التى حققوها خلال هذه الفترة، والتى رأوا ضرورة تصديقها دستوريا وإذا كان ضروريا للأكراد التحالف مع الائتلاف الشيعى فى هذه المرحلة لمواجهة الاعتراضات على الأجندة الكردية، خاصة من قبل السنة العرب، فإنه لم يتجاوز بأى شكل من الأشكال حدود ذلك، خاصة محاولة تشكيل نواة لتحالف وطنى ديمقراطى أوسع بين القوى السياسية، خارج إطار القسمة والمحاصصة الطائفية والعرقية الضيقة.
لاعبون جدد وصراعات قديمة:
على الجانب العربى السنى، تبلور موقف براجماتى تم بموجبه توزيع الأدوار بين الأطراف السنية المختلفة، بين قوى شاركت فى الانتخابات، وقوى أخرى فضلت البقاء بعيدا عنها، وقوى ثالثة ظلت مصرة على استمرار المقاومة المسلحة، لكنها لم تمنع السنة من المشاركة الفعالة فى العملية الانتخابية، بهدف واضح هو تثبيت حق ودور ومصالح وأهداف المكون السنى العربى، بغض النظر عن نتائج الانتخابات أو العملية السياسية ذاتها فقد تشكلت جبهة التوافق العراقية من القوى السنية التى أعلنت استعداها للعمل السياسى، وحصلت على النسبة الكبيرة من المقاعد المخصصة للمحافظات السنية واستطاعت أن تكون اللسان المعبر عن مصالح السنة داخل البرلمان والحكومة، مستمدة شرعيتها من صناديق الاقتراع التى جاءت بها غير أن استمرار المقاومة المسلحة الشرسة أثبت أن المشاركة الانتخابية، وما صحبها من إقبال واسع النطاق فى المناطق السنية، لم يكن لتشكل تفويضا مطلقا لجبهة التوافق للعمل باسم السنة، بقدر ما كان تكتيكا ومناورة جماعية، لاستشراف فرص أفضل من خلال التركيز على العمل المسلح لإفشال العملية السياسية بصيغتها المطروحة ربما خلق مثل هذا الموقف المركب وضعا سيكولوجيا مريحا لعموم السنة بإيجاد شعور بأنهم يمسكون بعدة أوراق مرة واحدة بأيديهم، ولكنه لم يشكل رؤية واستراتيجية عمل سياسية للجماعة السنية فى العراق، وبالتالى لم يكشف إلا عن خريطة سياسية شديدة التشوش والارتباك، فى وقت اتصفت فيه الجماعتان الشيعية والكردية بتوافق أكبر.
على الجانب الآخر، أفرزت الحاجة للمشاركة فى العملية السياسية، من قبل القوى الرافضة للطائفية السياسية، تشكيل القائمة العراقية التى رأسها رئيس الوزراء السابق إياد علاوى ذو التوجه العلمانى تكونت هذه القائمة من حركة الوفاق الوطنى التى يرأسها علاوى ذاته، ومن تجمع الديمقراطيين المستقلين الذى كان يرأسه عدنان الباججى، والحزب الشيوعى العراقى، ومن قوى وشخصيات ذات توجهات ليبرالية أو علمانية ووطنية عامة كان هدف القائمة هو بلورة تيار خارج إطار الفرز الطائفى والاستقطابات الحادة التى شحذتها القوى الأخرى، وطرح نفسه كتيار وطنى وسطى معتدل بديل يستقطب الفئات الرافضة للطائفية فى الوسط والجنوب العربى.
غير أن عوامل عديدة عملت سريعا على إضعاف قدرة هذه القائمة على لملمة هذا التيار وتأسيس قاعدته السياسية، أبرزها نخبوية الشخصيات والقوى المنضوية فى القائمة والخليط السياسى غير المتجانس التى تشكلت منه، وفشلها فى اختبارات سابقة عندما كانت فى الحكومة، وافتقادها للقاعدة الشعبية، بل ووصولية وانتهازية العديد منها، وتقديمها خطابا ملتبسا، خاصة بشأن قضايا شائكة وحساسة، مثل علاقة الدين بالدولة والمحاصصة الطائفية إضافة إلى ذلك، فقد ظل موقف القائمة من قضية اجتثاث البعث والتعامل مع بقايا النظام السابق وأجهزته، مثل الجيش وأجهزة المخابرات والأمن، مصدر قلق فى الوسط الشيعى عززته شخصية علاوى، البعثى السابق الذى تمحورت القائمة حوله، حيث أثيرت المخاوف من صدامية جديدة، فى الوقت الذى ظل فيه السنة العرب متشككين فى ماضيه كحليف قوى للأمريكيين وهو ما انعكس بالتالى سلبا على أداء القائمة الانتخابى.
ولم يقتصر الفرز السياسى على هذه الجماعات فقط، فقد أدت العملية الانتخابية إلى خروج جماعتين من الجماعات الست التى شاركت منذ البداية فى مشروع إسقاط نظام صدام حسين، وهما المؤتمر الوطنى العراقى، برئاسة أحمد الجلبى، والحركة الملكية الدستورية بزعامة الشريف على، وكذلك خروج بعض الشخصيات والقوى التى التحقت بالركب فيما بعد، مثل غازى الياور، الذى أصبح أول رئيس جمهورية مؤقت، والحزب الوطنى الديمقراطى الذى مثله نصير الجادرجى فى تشكيلة مجلس الحكم لقد أظهر خروج الجلبى الشيعى، الذى فشل فى الحصول على الأصوات اللازمة لدخوله البرلمان، علامة شديدة الدلالة على حجم التأييد الشعبى الذى يتمتع به، على الرغم من أنه كان الصوت الأكثر دويا وصخبا والآلة الدافعة لسنوات طويلة فى المشروع الأمريكى فى العراق كما أظهر خروج الياور، الذى ينتمى لواحدة من كبرى القبائل السنية فى العراق، دليلا على الاتجاهات الحقيقية فى الوسط السنى والرافضة لأى رموز ارتبطت بمشروع التغيير.
تصدعات سياسية وتوازنات هشة:
لم تستطع النتائج التى حققتها جميع الأطراف ولا التناقضات الرئيسية بينها أن تخفى التناقضات الثانوية داخل كل مجموعة مذهبية أو قومية، كما أن وصول العملية السياسية إلى طريق مسدود، واستمرار التدهور الأمنى، دفعا بهذه التناقضات إلى الواجهة مما أدى ـ خلال فترة وجيزة ـ إلى تفكك التحالفات والائتلافات والتفاهمات التى تشكلت خلال العملية الانتخابية أو دفعها نحو التفكك ولم يكن انهيار هذه التحالفات سوى دليل على هشاشة التنظيمات السياسية التى أفرزتها الحاجة الآنية وافتقادها الشرعية السياسة والشعبية فى أوساط المكونات الطائفية، أولا، وداخل التيار الوطنى العام، أو الأغلبية العراقية الصامتة ثانيا، والتى انصاعت تحت ظروف شديدة القسوة والارتباك للشعارات الطائفية بغية حماية ذاتها من التهديدات والمخاوف والهواجس التى شعرت بأنها تواجه مستقبلها ومصيرها.
فعلى الجانب الشيعى، ظهرت تصدعات فى الائتلاف العراقى الموحد، حيث برزت الخلافات بين التيار الصدرى وجيش المهدى أولا، ثم مع حزب الفضيلة ثانيا، وهما أكبر جماعتين داخل الائتلاف بعد المجلس الأعالى للثورة الإسلامية، فكان أن انسحب التيار الصدرى من الحكومة، وانسحب حزب الفضيلة من الائتلاف ذاته، كما خرجت أصوات أخرى معارضة داخل البرلمان أو فى الشارع السياسى الشيعى ولم يقتصر الأمر على ذلك بل تورطت الأطراف الشيعية فى قتال داخلى، سواء عن طريق ميليشياتها أو من خلال الصراع بين هذه الميليشيات والقوات الحكومية، خاصة فى البصرة والعمارة والناصرية والنجف والعديد من المدن الجنوبية لقد كانت السمة الأبرز لهذا القتال ـ كما اتضح فى البصرة بين حزب الفضيلة والجماعات الشيعية الأخرى ـ هى الصراع على النفوذ السياسى فى الشارع الشيعى والرغبة فى التحكم، والسيطرة على أجهزة الدولة وعلى موارد البترول الغنية فى المناطق الشيعية.
ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل امتدت الصراعات إلى داخل هذه الجماعات، مثلما حصل مع التيار الصدرى وجيش المهدى الذى أظهرت الأشهر التى تلت العملية الانتخابية أنه مثخن بالصراعات، ومفتقد لقيادات حقيقية وبرنامج سياسى واضح، ومخترق من أطراف داخلية وخارجية عديدة وكان واضحا أن عقد حزب الدعوة أول مؤتمر عام له، منذ تأسيسه، كان محاولة لتفادى أية تصدعات يمكن أن تحدث داخله، واستثمار قوة الدفع التى أتاحها مركزه من خلال قيادته للحكومة فى توسيع قاعدته الشعبية بين الأوساط الشيعية وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار وجود فصائل أخرى متنازعة لحزب الدعوة، فإن الواضح أن انتخاب رئيس الوزراء نورى المالكى، كأمين عام للحزب على حساب إبراهيم الجعفرى، منظر الحزب وربان تنظيمه لسنوات طويلة، قد فتح شرخا جديدا داخل الحزب، ستتضح معالمه فى وقت لاحق لقد كان نجاح المالكى فى السيطرة على قيادة الحزب دليلا على نجاح السلطة والمال، أكثر من نجاح الكفاءة والقيادة، وهى مؤشرات على الوجهة الضيقة التى سيمضى فيها الحزب، سواء على المستوى التنظيمى الداخلى، أو على المستوى الشيعى ككل.
وفى هذا الإطار، يأتى أيضا انعقاد مؤتمر المجلس الأعلى للثورة الإسلامية فى العراق، الذى قرر فيه تغيير اسمه إلى المجلس الإسلامى الأعلى فى العراق فقط، فى إشارة واضحة إلى تقديم صورة أكثر اعتدالا وأبعد من تلك التى ربطت بينه وبين إيران، من ناحية، وبين مفاهيم الثورة الإسلامية التى شكلت عقيدة ومبادئ عمل المجلس منذ تأسيسه عام 1982، من ناحية أخرى من غير المعروف الآن ما إذا كان المجلس قد قطع شوطا آخر أم لا فى وضع برنامج سياسى جديد ملائم للوضع الراهن وتحديات المرحلة، خاصة موقفه التقليدى المؤيد لمبدأ ولاية الفقيه، أى هيمنة رجال الدين على كافة الأمور ومنها السياسية لقد اعتبر المجلس دائما مجرد واجهة لعائلة الحكيم وللشخصيات الدينية التى التفت حولهم، وستبقى قدرته الحقيقية مرتبطة بمدى إمكانيته فى التعبير عن تيارات وطنية أعرض فى المجتمع الشيعى والداعمة بقوة لوحدة العراق وكيانه التاريخى، ومدى نجاحه فى البقاء فى قيادة الائتلاف، وفى نجاحه فى تطوير برنامج سياسى معتدل وهياكل سياسية تعمل وفق الآليات الديمقراطية المنسجمة مع باقى الآليات المتبعة فى البرلمان وفى مجمل العملية السياسية.
أما بالنسبة للسنة العرب، فقد تميزوا هم أيضا بنسبة حراك سياسى عالية، رغم أن الكتلة السنية ظلت بأطيافها شديدة التعقيد والارتباك فى مسعاها لإفشال المشروع المضاد، سواء كان ذلك من خلال العمل المسلح أو العمل السياسى بمختلف أشكاله فلم تنقض الانتخابات ويتم تشكيل الحكومة الجديدة، حتى ظهرت الخلافات بين المجموعات السنية بشكل واضح، عكست درجة عالية من التنوع إزاء الطريقة المثلى لتحقيق الأهداف السنية، لكنها عكست بشكل أكثر وضوحا عدم وجود برنامج وأجندة محددة يمكن أن تجتمع حولها كل الأطراف السنية لقد ظهر جليا أن هناك تباينات سياسية وقبلية وفئوية بين السنة، ليس فقط بشأن الطريقة المثلى التى يمكن أن يتم بها الحصول على المكاسب وتحقيق المصالح السنية، بل حول المشروع الوطنى لإعادة بناء الدولة العراقية المحطمة.
فمن جهة، ظلت جماعات المقاومة ـ خاصة البعثية ـ رافضة تماما الدخول فى أى صيغة من صيغ المساومات السياسية، أو ما سمى بمحاولات الوفاق والمصالحة الوطنية، وأصرت على انسحاب القوات الأجنبية ورفض النتائج التى تحققت منذ سقوط نظام صدام حسين ووقف العملية السياسية والعودة إلى المربع رقم واحد وشاركت الفصائل الإسلامية هذا التوجه مع ذهاب بعضها إلى برنامج أكثر تطرفا كإعلانها دولة العراق الإسلامية كبديل للوضع القائم على الطرف الآخر، ظلت جبهة التوافق السنية ملتزمة بالعملية السياسية مع العمل على تحسين شروط الاندماج السنى، والمشاركة فى السلطة والثروة، خاصة ما يتعلق بإعادة كتابة الدستور وتعديل القوانين الخاصة بتوزيع الموارد النفطية والفيدرالية، وإعادة النظر فى حل الجيش السابق وقانون اجتثاث البعث.
ولم يكن هذا التباين الواسع داخل الصف السنى ليستمر دون انعكاسات جذرية تبلورت فى خلافات وانقسامات وتشظ، أنتجت فى النهاية خريطة سياسية مختلفة عما كانت عليه منذ أربع سنوات فلم يعد البعث حزبا واحدا، بل انقسم إلى جناحين رئيسيين، أحدهما ظل يقوده عزت إبراهيم نائب صدام السابق، والآخر مدعوم من سوريا، ويقوده محمد يونس الأحمد، فى الوقت الذى تبعثرت فيه قيادات وكتل رافضة للطرفين كما ظهرت تحالفات جديدة داخل الجماعات الإسلامية المسلحة على خلفية اختلافات وتناقضات أساسية، خاصة ما يتعلق بالموقف من الشيعة، حيث ظلت المجموعات المدعومة من القاعدة وما يسمى بدولة العراق الإسلامية على مواقفها المتشددة، خاصة باستهداف الشيعة فى عملياتها الإرهابية، بينما نأت باقى التنظيمات بنفسها عن المواقف المتشددة ضد الشيعة، والتزمت بخط المقاومة ضد الوجود الأجنبى والمشروع السياسى المتمخض عنه.
ولعل أبرز سمات الخلافات السنية ـ السنية هى الصراع الضارى الذى نشب فى منطقة الأنبار، حيث أسست الجماعات القبلية المتنفذة ما سمى
بـ "مجلس صحوة عشائر الأنبار" الذى أخذ على عاتقه قتال التنظيمات المتشددة ـ خاصة القاعدة ـ وطردها من مناطق نفوذها، مما وجه ضربة قاسية لتلك التنظيمات وخلق أجواء مواتية لدور سلمى أكثر إيجابية من قبل سكان هذه المحافظة السنية الكبيرة فى العملية السياسية وجاءت الاتصالات التى قام بها ممثلو عشائر الأنبار مع التيار الصدرى لتشير إلى إمكانية عمل مشترك أو تفاهم بين جماعتين سنية وشيعية، ربما يمكن البناء عليهما مستقبلا كنواة لتحالفات أوسع.
وحتى هيئة علماء المسلمين، برئاسة حارث الضارى، والتى طرحت نفسها لفترة طويلة كممثلة لقطاع سنى واسع، فقد تعرضت لتحد كبير حين قررت جماعات من العلماء السنة تشكيل هيئة جديدة للعلماء، اتخذت مواقف أكثر اعتدالا من تلك التى اتخذتها هيئة الضارى وكانت الخلافات التى ظهرت علنا بين هيئة الضارى وباقى الجماعات السنية السياسية، كالحزب الإسلامى العراقى وأطراف أخرى فى جبهة التوافق، قد أضعفت من موقف الهيئة التى بدت مفتقرة لرؤية واضحة تجاه التحديات التى يواجهها المكون السنى، عدا توجهها العام بالمطالبة بخروج الاحتلال ولعل كل هذه الأمور هى التى حدت مؤخرا بالهيئة ورئيسها إلى اتخاذ مواقف بدت وكأنها تنأى بها عما كان يحيط بها من اتهامات بأنها تؤيد تنظيم القاعدة والجماعات الإرهابية الأخرى.
وبالمجمل، فقد ظلت الخريطة السياسية السنية فى العراق ـ خلال هذه الفترة ـ على حالها من التشتت والارتباك، حيث أخفقت الجماعات السنية فى صياغة مشروع موحد واقعى يخرجها من إطار الموقف الرافض للعملية السياسية كلها دون تقديم بدائل موضوعية ولعل من بين الأسباب التى تعرقل ذلك استمرار مراهنة الجماعات السنية على احتمال فشل المشروع السياسى الحالى، والانسحاب الأمريكى من العراق، والتى ستوفر لهم الفرصة، إما فى العودة إلى حكم العراق أو ـ على الأقل ـ تحقيق مكاسب أكبر الملاحظة الأبرز فى عمل الجماعات السنية هى تقوقعها أيضا داخل شرنقة مذهبية وعجزها عن الوصول والتواصل مع أطراف وقوى سياسية واجتماعية، خاصة داخل المكون الشيعى من خلال برنامج وطنى مشترك خارج الأطر الطائفية.
وبالرغم من أن التحالف الكردستانى يبدو أكثر التحالفات تماسكا فى المشهد العراقى المفكك، إلا أن ذلك لا يعنى أبدا أن الجبهة الكردية موحدة تماما، وأنها غير معرضة لعمليات فرز سياسى فى المستقبل فعلى الرغم من وحدة الموقف الكردى تجاه القضايا المطلبية للأكراد والسعى إلى تعظيم المكتسبات الكردية عراقيا، وعلى الرغم من انتخاب رئيس للإقليم وبرلمان وحكومة موحدة له فإن الواقع الكردستانى لا يزال منقسما سياسيا وجغرافيا ـ إلى حد معين ـ إداريا بين الحزبين الرئيسيين اللذين يتشاركان حكم الإقليم بطريقة أقرب لهيمنة الأحزاب والقيادات الشمولية منها للطريقة الديمقراطية التعددية لقد ظهرت خلال الفترة الأخيرة بوادر انقسام واضح داخل قيادة الاتحاد الوطنى الكردستانى، عززها المرض المفاجئ لزعيمه جلال طالبانى واحتمال غيابه فقد عادل حصول طالبانى على المنصب الرمزى، كرئيس الجمهورية، حصول منافسه مسعود برزانى على رئاسة منصب رئيس الإقليم، وهو منصب فعلى، والذى تمكن من خلاله من تعزيز موقعه ونفوذ حزبه الديمقراطى الكردستانى وسط الأكراد على حساب حزب طالبانى وترجع بعض أسباب الخلافات داخل قيادة الاتحاد إلى ضعف المكاسب التى حصل عليها حزبهم، نتيجة ما يراه البعض من قسمة ضيزى أدت إلى تركز السلطة والثروة بيد حزب برزانى واحتمالات توسع ذلك مستقبلا، خاصة إذا ما غاب طالبانى عن الساحة.
إن قدرة الأكراد على البقاء موحدين تبقى مرهونة بمدى إمكانية كسر الثنائية الحزبية التى تحكمت بهم سنين طويلة، والانتقال إلى نظام تعددى ديمقراطى حقيقى من ناحية، ومن ناحية أخرى، بلورة مواقف واقعية من المعضلات والتحديات الداخلية والإقليمية والدولية التى تواجههم كما أن المكاسب التى حققها الأكراد على المستوى العراقى، وعلى رأسها الفيدرالية، تبقى مرهونة هى الأخرى بمدى قدرتهم على الدفع بتأسيس نظام ديمقراطى تعددى داخل العراق، مما يتطلب إدارة تحالفات جديدة مع قوى ناهضة تعزز من فرصة بناء دولة حديثة، تحقق الموازنة بين تلبية الحقوق الكردية ومصالح الجماعات الوطنية الأخرى، والمتطلبات الإقليمية والدولية.
من المؤكد أن الخريطة السياسية العراقية، سواء على المستوى العام، أو داخل الجماعات والمكونات الوطنية، ستمضى إلى المزيد من التفكك والتحلل والتشرذم، حتى مع استمرار حالة التخندق الطائفى والقومى، وأيضا بسببه وإذا كان ذلك أمرا مفهوما بسبب الصراع الدائر حول طبيعة الدولة التى يراد إعادة بنائها وتقاسم السلطة والثروة فيها، فإن الأمر ينطوى أيضا على توازنات القوى التى أحدثتها عملية التغيير فى مجتمع أصبح فيه العنف وعناصر القوة هى الأكثر تحكما فى مجرى الحراك السياسى والاجتماعى من الآليات السلمية المعتادة وسيبقى هذا المأزق الذى يتحكم بكافة الجماعات والاتجاهات هو سيد الموقف، ما لم تنته دورة العنف الدموية، وتجتث قواها المحركة وتسقط رهاناتها الخطيرة فى الحرب الأهلية والتقسيم، وما لم يتح لقوى حقيقية مغيبة أن تلعب دورها الطبيعى فى إعادة الحياة للمجتمع العراقى المتنوع، ولكن أيضا الموحد.