Share |
يناير 2008
1
الخليج العربى فى الاستراتيجية العالمية
المصدر: السياسة الدولية


كان، ولا يزال، الخليج محط أنظار الدول الكبرى فى النظام الدولى، بدءا من القرن السادس عشر وحتى يومنا هذا ففى طريقهم إلى شبه الجزيرة الهندية، مرت القوات البرتغالية والبريطانية وغيرها بالخليج كنقطة انطلاق إلى المحيط الهندى، وسيطرت بريطانيا على كافة أراضيه، ولم تقرر الجلاء عنها إلا بعد أن أصابتها أعراض الشيخوخة وتغير شكل النظام الدولى والمصالح الدولية، وهكذا انسحبت من الخليج عام 1971.
وقبل انسحابها، كانت الولايات المتحدة بصورة مباشرة ـ عن طريق شركات استخراج وبيع النفط أو عن طريق إيران كركيزة استراتيجية ـ قد رسخت مكانتها فى المنطقة، خاصة مع المملكة العربية السعودية التى لا تزال تعتمد على الولايات المتحدة فى دعم نظامها السياسى واستقرارها الداخلى وسلامتها الإقليمية.
ولا شك فى أن الوجود البريطانى السابق والوجود الأمريكى الذى تلاه، حفزا الدول العربية الأخرى المهتمة بالخليج واستفزها، سواء للحفاظ على سلامته باعتباره البوابة الشرقية للأمن العربى، أو لمنع إيران كقوة إقليمية من لعب دور إقليمى يهدد دور تلك القوى الإقليمية العربية، وعلى رأسها مصر والعراق بيد أن الحرب الإيرانية ـ العراقية (1980ـ 1988)، ثم غزو العراق للكويت (1990) قد أثارا حفيظة الدول العربية الأخرى، وعلى رأسها مصر، مما أدى إلى تحالفها مع الولايات المتحدة ودول الخليج ودول عربية أخرى، مثل سوريا، لوضع حد لتنامى النفوذ العراقى فى الخليج، وإن كانت الولايات المتحدة قد شعرت بالامتنان للعراق الذى أجهد إيران عسكريا فى حرب الثمانى سنوات.
فلماذا إذن هذا الاهتمام الدولى بالخليج؟ وما هى مكانته فى الاستراتيجية الدولية؟ وما هى المخاطر المترتبة على ذلك؟
الخليج أهمية اقتصادية واستراتيجية:
لا يزال الخليج، وعلى رأسه المملكة العربية السعودية، يلعب دورا حيويا كمنطقة منتجة ومصدرة للنفط والغاز الطبيعى، فالمنطقة تحتوى على ما يقرب من 62% من الاحتياطى المؤكد للنفط، والذى يتوقع أن يستمر لمدة ثمانين عاما على الأقل، كما يحتوى على نحو ـ 40% من الاحتياطى المؤكد للغاز الطبيعى وهكذا، تستطيع دول الخليج، وهى أعضاء فاعلة فى الأوبك، أن تؤثر تأثيرا كبيرا على أسعار الطاقة فى العالم، خاصة أن البدائل المعلنة، كالطاقة الشمسية والطاقة النووية، لم يثبت استخدامها على نطاق واسع فكل من النفط والغاز الطبيعى، رغم الارتفاع الحالى فى الأسعار، لا يزالان يشكلان مصدرين مناسبين ومتاحين للطاقة فى عالم اليوم ويلاحظ فى السنوات الأخيرة أن الصين صارت من أكثر الدول المستوردة للنفط من دول الخليج، مما يحد من إمكانيات خفض الأسعار.
يضاف إلى ذلك أن الشرق الأوسط، خاصة الخليج، وبصفة أخص الدول الست الأعضاء فى مجلس التعاون الخليجى (المملكة العربية السعودية، مملكة البحرين، قطر، الإمارات العربية المتحدة، الكويت وعمان)، تمثل أهم الدول المستوردة للسلاح فى العالم، حيث بلغت قيمة وارداتها عام 2006 ما يربو على 22 مليار دولار.
إذا أضفنا إلى ذلك أيضا تركز التجارة الخارجية لدول الخليج العربى مع الولايات المتحدة وأوروبا، لاكتملت الصورة صحيح أن هناك اتجاها حديثا داخل دول الخليج يرى أهمية تنويع شركاء التجارة الخارجية والاتجاه نحو آسيا خاصة الصين، بيد أن التجارة الخارجية لا تزال مركزة مع الولايات المتحدة وأوروبا، بحيث صارت دول الخليج فى رغدها الحالى سوقا رائجة لمنتجات الطرفين، وربما يكون ذلك أحد الأسباب التى أدت إلى زيادة الأهمية الاقتصادية للخليج فى عالم اليوم.
الاستراتيجيات الأمريكية والغربية إزاء الخليج:
أحد التفسيرات لتمركز القوات الأمريكية فى منطقة الخليج، خصوصا منذ عام 1991، هو بالطبع الأهمية الاستراتيجية للبترول والغاز الطبيعى، بيد أن أوجه الأهمية الأخرى ترتبط بالعوامل الآتية:
الخطر الإيرانى: ليس فقط بسبب القدرة النووية الجديدة، وإنما كذلك بسبب ازدهار المذهب الشيعى فى منطقة الخليج، بصفة خاصة، بصورة تهدد استقرار دول حليفة وصديقة للولايات المتحدة الأمريكية والغرب، ولهذا قامت الولايات المتحدة بفرض عقوبات مشددة على الشركات التى تتعامل مع إيران بغرض عزلها ومنعها من الحصول على التكنولوجيا النووية المعاصرة، كما كانت وراء إصدار عدة قرارات فى مجلس الأمن الدولى تستهدف حصار إيران عسكريا واقتصاديا.
قرب المنطقة من روسيا: والتى عاد نفوذها إلى الازدهار فى المنطقة مرة أخرى، سواء فيما يتصل بالمساعدات الفنية العسكرية لإيران بهدف بناء قدراتها النووية، أو بسبب معارضتها الشديدة لقيام الولايات المتحدة بنشر شبكة صواريخ الدفاع الجوى فى دول الجوار الروسى، وهكذا فإن الخليج يشكل نقطة تماس استراتيجية حساسة بين الطرفين.
أهمية الحفاظ على أمن ووحدة إسرائيل: وذلك بالوجود العسكرى فى المنطقة بغرض ردع أية قوة عسكرية مناوئة لإسرائيل من ناحية، وإضعاف أية دولة تهدد أمن إسرائيل من ناحية أخرى، وهذا ما حدث بالفعل حينما احتلت الولايات المتحدة العراق عام 2003 وأنهت بذلك أى دور فاعل لمقاومة إسرائيل من المشرق العربى.
وللدمج بين ما هو استراتيجى وما هو اقتصادى، قامت الولايات المتحدة بالمبادرة بمفهوم الشرق الأوسط الكبير، أو الواسع، أو الجديد وربطه بعدة مبادرات جزئية، مثل مبادرة المشاركة فى الشرق الأوسط (MEPI)، ومنتدى الإصلاح فى الشرق الأوسط الذى عقد مؤتمره الثانى فى قطر عام 2005.
كما تم توقيع عدة اتفاقيات خاصة بإنشاء مناطق تجارة حرة مع الولايات المتحدة التى عقدت بين عمان والولايات المتحدة، وبين الإمارات والولايات المتحدة وتستهدف الولايات المتحدة من ذلك خلق مصالح مشتركة بين تلك الأطراف الإقليمية وغيرها بصورة تجعلها تتردد أكثر من مرة فى التفكير فى الاستقلال الاقتصادى والعسكرى عن الولايات المتحدة.
أما الاتحاد الأوروبى، فبالإضافة إلى مبادراته بشأن دول الجوار، والتى تنبثق عن إعلان أو عملية برشلونة، فقد أصدر مبادرة خاصة بدول الخليج والتى أطلق عليها (Istanbul Cooperation Initiative (ICI، والتى تستهدف ترسيخ التعاون العملى مع دول الشرق الأوسط الواسع، بدءا من دول مجلس التعاون، والمبادرة مفتوحة لكافة الدول التى تلتزم بمواجهة الإرهاب والحد من أسلحة الدمار الشامل، كما أنها تسعى إلى الإصلاح السياسى.
ولا شك فى أن الإعلاء من وضع ومكانة الخليج فى الاستراتيجية الدولية يرتبط ارتباطا أصيلا بالفشل العسكرى الأمريكى فى العراق من ناحية، وبالقدرات العسكرية الإيرانية من ناحية أخرى فعلى الرغم من القضاء على نظام صدام حسين ومحاولة إقامة نظام ديمقراطى فى العراق، إلا أن الانهيار الأمنى من ناحية، وتكريس البنيان الطائفى والعرقى والمذهبى من ناحية أخرى، أصابا استراتيجية الولايات المتحدة والغرب بالفشل، وصعوبة تعميم تجربتهما على دول أخرى فى المنطقة إن هذا الفشل دفع بالولايات المتحدة والغرب إلى محاولة الحفاظ على الأمن فى الخليج واستقرار المنطقة، من خلال الدعم العسكرى والسياسى لنظم الحكم، وليس تهديد بقائها تحت أية حجة كالإصلاح السياسى أو التحول الديمقراطى، فالوجود العسكرى المكثف للقاعدة فى العراق ولأنصارها فى المملكة العربية السعودية يؤكد ضرورة التعامل مع هذه النظم بحساسية شديدة وحمايتها من أية تهديدات داخلية أو خارجية.
ومن ناحية أخرى، فإن البروز القوى للدور الإقليمى المتميز لإيران فى الوطن العربى والشرق الأوسط، سواء بمد يد العون والمساندة للمقاومة الفلسطينية أو اللبنانية ضد إسرائيل، أو بتوظيف الأقليات الشيعية فى بلدان عدة على نمط الغلبة الشيعية فى العراق، واحتمالات قيام إيران بإنتاج وتملك أسلحة نووية، والتعاطف الصينى والروسى مع الموقف الإيرانى ـ كل ذلك دفع الولايات المتحدة وأوروبا إلى محاولة عزل إيران وحصارها اقتصاديا وعسكريا وتكنولوجيا وحرمانها من أية وسائل للنمو والتطوير العسكرى.
بيد أن هناك حدودا لتلك المحاولات الأمريكية، خصوصا بعد صدور تقرير حديث عن المخابرات المركزية الأمريكية يشير إلى أن إيران كانت قد أوقفت برنامجها النووى وعمليات التخصيب لأهداف عسكرية عام 2003 هذا بالإضافة إلى أن أية عملية عسكرية أمريكية غير محسوبة ضد إيران من شأنها أن تؤجج غضب شيعة العراق ضد الوجود العسكرى الأمريكى، وهؤلاء الشيعة ـ كما هو معلوم ـ هم أهم سند للأمريكيين فى العراق، حتى وقتنا هذا، فالجنود الأمريكيون فى العراق، فى حالة أى هجوم عسكرى أمريكى أو إسرائيلى على إيران، سيتحولون إلى رهائن لدى الشيعة، ومن ثم لدى إيران ومع ذلك فإنه ليست هناك أية ضمانات أو رادع يمنع أن تقوم إسرائيل بهجوم استباقى مفاجئ على المفاعلات النووية الإيرانية وفى هذه الحالة، سيتم توريط الولايات المتحدة التى تعتبر أن حماية أمن إسرائيل وضمان وجودها هى مسئوليات أمريكية ذات أهمية استراتيجية ودينية مستقبل الخليج فى الاستراتيجية الدولية: يمكن التفكير فى التصورات التالية لوضع الخليج فى الاستراتيجية الدولية:
1ـ سيظل الخليج منطقة مهمة استراتيجيا واقتصاديا فى أية استراتيجية إقليمية أوروبية وأمريكية، نظرا لعناصر الأهمية المشار إليها آنفا.
2ـ يمكن أن تزداد الأهمية الاقتصادية للخليج والحاجة إلى دعم الاستقرار والتوازن فيه، نظرا لحاجة الصين المتزايدة للطاقة من الخليج فالتنمية الاقتصادية المتزايدة فى الصين تقوم أساسا على الطاقة المستوردة، خاصة من الخليج، وبصفة أخص من إيران، ويصير عليها ـ ولضمان استمرار تدفق النفط من الخليج ـ أن تؤكد الاستقرار السياسى والأمنى هناك.
3ـ تتزايد المصالح الإيرانية وتتشابك مع مصالح الأطراف العربية فى الخليج ولم يكن غريبا، إذن، أن تقوم دول مجلس التعاون الخليجى بدعوة الرئيس الإيرانى أحمدى نجاد للمشاركة فى القمة الثامنة والعشرين للمجلس، وهو الذى أشار بوضوح إلى أن الخليج يواجه تهديدات خارجية مشتركة تقتضى من دوله التعاون الاستراتيجى والعسكرى ضدها، هذا فضلا عن ضرورة التكامل الاقتصادى وذلك لإنشاء منطقة تجارة حرة تضم ضفتى الخليج إن هذا التطور، إذا تزامن مع حسن النية الإيرانى تجاه الإمارات العربية المتحدة وذلك بالانسحاب من جذرها الثلاث أو المشاركة فى السيادة عليها، يعد خطوة مهمة لترسيخ مقولة إن أمن الخليج هو مسئولية أبنائه.