Share |
يناير 2008
1
النموذج السعودى للتنمية. الثوابت والمتغيرات
المصدر: السياسة الدولية


يشير تقرير حديث لبنك ـ جولدمان ساكس ـ إلى أن نصيب الفرد الخليجى من الناتج المحلى الإجمالى سيصل فى المتوسط إلى 78800 دولار فى عام 2050، وهو ما سوف يؤدى إلى اختفاء فجوة الدخل بين بلدان دول الخليج ومجموعة الدول السبع الصناعية.
وقد حذر التقرير من أمر جدير بالاهتمام، هو ازدواجية نماذج التنمية وما تحققه من نمو فى منطقة الخليج، وهو ما يلفت الانتباه إلى أهمية دراسة نماذج التنمية الاقتصادية التى تتبناها الدول الخليجية، ومن بينها المملكة العربية السعودية، للوقوف على حقيقة هذا النموذج من حيث فلسفته العامة وأبعاده ومحاوره، والتحديات التى تصادفه، وما حققه من إنجازات، فضلا عن إمكانية نجاحه فى تحقيق تنمية متواصلة بعيدا عن طفرات العوائد النفطية، المرتبطة بتقلبات أسعار النفط فى الأسواق العالمية، وهو ما توضحه السطور القادمة.
ملامح نموذج التنمية فى المملكة العربية السعودية: رغم كل ما يقال عن اعتماد عملية التنمية فى السعودية بشكل مفرط على الإيرادات من النفط، والتى تتأثر بتقلبات أسعار النفط العالمية، وأن هذا يجعل مسيرة التنمية أسيرة هذه التقلبات، رغم كل ذلك، إلا أن الأمر الذى لا يمكن إنكاره هو أن نموذج التنمية السعودى يعتبر نموذجا مضيئا فى كثير من جوانبه، وذلك لنجاحه فى تحويل الاقتصاد السعودى، خلال ثلاثة عقود فقط، من اقتصاد بدائى لا يكاد يوفر الاحتياجات الأساسية للسكان، معتمدا فى ذلك على إيرادات الحج والعمرة وبعض الصناعات الحرفية والتجارة، ليصبح اقتصادا متطورا يأتى فى مقدمة اقتصادات منطقة الشرق الأوسط فى عام 2007، بل ويأتى فى ترتيب دولى متقدم فى مجال جذب الاستثمارات، وفى مجال تيسير الأعمال والإصلاحات الاقتصادية وقد مر الاقتصاد السعودى، طوال العقود الماضية منذ عهد الملك المؤسس، بثلاث مراحل أساسية، المرحلة الأولى هى مرحلة ما قبل النفط، حيث كان الاقتصاد السعودى اقتصادا بدائيا صحراويا رعويا تدعمه عوائد موسمية للحج والعمرة والتجارة المرتبطة بهما وكانت المرحلة الثانية مرحلة الاعتماد على النفط كمصدر أساسى وحيد لتمويل مسيرة التنمية (1)، وهى مرحلة تسارعت فيها وتيرة التنمية فى ظل طفرة عوائد النفط الأولى فى السبعينيات، حيث توسعت الاستثمارات الحكومية، خاصة فى المجال الصناعى وفى مجال المرافق العامة والخدمات ولكن وتيرة التنمية والاستثمار تباطأت وأصبحت فى مأزق صعب فى فترة تراجع أسعار النفط العالمية خلال الثمانينيات والتسعينيات، وهو ما جعل الاقتصاد السعودى يدخل فى المرحلة الثالثة، وهى مرحلة التنمية القائمة على تنويع القاعدة الاقتصادية، وتقليل الاعتماد على النفط فى تمويل مسيرة التنمية، وقد تطلب ذلك إرساء العديد من التشريعات الاقتصادية وإرساء إطار مؤسسى ليضع وينفذ استراتيجية التنمية طويلة الأجل وخططها الخمسية والسنوية، وذلك على أساس إعمال آليات السوق وتوسيع دور القطاع الخاص وزيادة الاندماج فى الاقتصاد العالمى.
الأبعاد الأساسية لنموذج التنمية ـ السعودى:
يقوم النموذج السعودى للتنمية على مجموعة من الأبعاد الثابتة، التى تم الحرص عليها طوال العقود الماضية وحتى الوقت الراهن وهذه الأبعاد تعمل مجتمعة لتحقيق التنمية المتوازنة، وزيادة رفاهية المواطن باعتباره الهدف الأول للتنمية، ولكن بشرط أساسى هو أن يتم ذلك فى إطار تحقيق التوازن بين الثوابت والمتغيرات، أو ما يطلق عليه السعوديون التطور والأصالة، وهذه الأبعاد هى(2):
البعد الأول ـ الاندماج فى الاقتصاد العالمى مع المحافظة على هوية الدولة: لا يزال هناك إدراك سعودى لحقيقة أنه لا يمكن العيش بمعزل عن العالم الخارجى اقتصاديا وثقافيا بحجة الحفاظ على الخصوصيات والموروث من التقاليد والقيم الدينية والوطنية، ولذلك كان تأسيس وتحديث الدولة من خلال إرساء منظومة من التشريعات الاقتصادية والاجتماعية التى تساهم فى تحقيق التنمية وتراعى فى الوقت نفسه البعد الدولى، ولكن مع الإصرار على المحافظة على الثوابت، وفى مقدمتها الهوية الإسلامية للمملكة، وذلك باعتبارها أرض الحرمين الشريفين وقبلة جميع المسلمين فى العالم وترجم هذا فى التمسك بأحكام الشريعة الإسلامية لتنظيم المعاملات الاقتصادية، وكمصدر رئيسى للتشريع والعقاب ومحاربة الجرائم ورغم تعرض المملكة لانتقادات وضغوط، بعضها داخلية ومعظمها خارجية، خاصة ما يتعلق بأحكام الإعدام وحقوق المرأة ومشاركتها فى التنمية الاقتصادية والاجتماعية، إلا أن تمسك المملكة بهذا البعد قد أدى على الصعيد الداخلى إلى ترسيخ ثقافة وطنية تتعامل مع هذا البعد على أنه أحد الثوابت التى يجب التمسك بها، بل واتخاذ التشدد أو التساهل بصدده كمعيار للمقارنة بين العهود المختلفة للحكم وإن كان هذا يأتى مصحوبا بتزايد الحوار والجدال بالداخل حول ضرورة تقليل التشدد فى الجوانب الدينية والمطالبة بإعادة صياغة دور بعض الجهات (3).
كما أدى ذلك على صعيد تعاملات المملكة الدولية إلى تعامل بلدان العالم مع هذا البعد على أنه من خصوصيات المملكة التى يجب احترامها، ومع ذلك فلا تزال الضغوط، خاصة الخارجية، تتزايد على المملكة فى هذا المجال من أجل توسيع مساحة الحريات الثقافية وتقليل التشدد بشأن المعاملات الاقتصادية وتوافقها مع أحكام الشريعة الإسلامية بحجة تحقيق مزيد من التنوع والتوسع الاقتصادى والاندماج فى الاقتصاد العالمى ولكن الأمر الجدير بالذكر هنا أن زيادة إقبال المجتمع السعودى على المعاملات الاقتصادية المتوافقة مع الشريعة الإسلامية، خاصة المصرفية منها، وتمسك غالبية المجتمع بالقيم والتقاليد الإسلامية الظاهرية، يعطيان مؤشرا على أن هذا البعد أساسى فى نموذج التنمية السعودى، ويصعب تجاهله أو تغييره مهما تكن الضغوط على الأقل فى الأجل المنظور.
البعد الثانى ـ الانفتاح الثقافى مع المحافظة على القيم والتقاليد الموروثة:
أدى حرص المملكة على عدم المساس بالقيم والتقاليد المورثة إلى وجود نوع من السيطرة على منافذ الثقافة التى يتغذى منها المجتمع السعودى، إلا أنه واقعيا لا يمكن القول إن نموذج التنمية السعودى يقوم على تبنى مبدأ الانغلاق الثقافى، خاصة فى السنوات الأخيرة، حيث زادت الحريات الثقافية والانفتاح على وسائل الإعلام الخارجية، أيضا أصبحت هناك غزارة فى ابتعاد الشباب السعودى إلى العديد من بلدان العالم من أجل التعليم والتدريب وذلك بدعم مباشر من الدولة ومن العوامل التى تعزز الانفتاح الثقافى فى نموذج التنمية السعودى أيضا هذا التنوع الكبير فى الثقافات التى تنحدر منها العمالة الأجنبية التى تعمل بالمملكة، والتى جاوزت 6 ملايين شخص من عدد كبير من دول العالم الإسلامية وغير الإسلامية ولكن يجب عدم إغفال حقيقة أن هناك تأخرا سعوديا فى مجال الانفتاح على الثقافات الأخرى وفى مجال دمج العمالة الوافدة فى المجتمع المحلى، وذلك إذا قارنا النموذج السعودى بالنموذج الإماراتى أو القطرى أو الكويتى.
البعد الثالث ـ تنويع القاعدة الاقتصادية، وتقليل الاعتماد على النفط: استفاد المخطط السعودى من تجربة سنوات الطفرة النفطية والاقتصادية الأولى فى السبعينيات، وما أعقبها من تراجع فى وتيرة النمو الاقتصادى بسبب تراجع أسعار النفط العالمية فى الثمانينيات والتسعينيات، حيث تنبه لخطورة الاستمرار فى الاعتماد على النفط بشكل جائر لتحقيق التنمية، ولذلك بدأ الاتجاه لتنويع مصادر الدخل من خلال تنويع القاعدة الاقتصادية عن طريق التوسع الصناعى والزراعى والخدمى وتنشيط السياحة ورغم التقدم البطىء على هذا الاتجاه، إلا أن الزيادة فى الصادرات غير البترولية وزيادة نسب مساهمة الصناعة والزراعة والخدمات فى الناتج المحلى الإجمالى تشير إلى أن هناك بعض النجاحات التى يمكن البناء عليها فى هذا المجال للتخلص من عقدة اعتماد نموذج التنمية السعودى على النفط، خاصة أن الظروف الراهنة مواتية بسبب الإيرادات النفطية الضخمة، وانضمام المملكة لمنظمة التجارة العالمية، وتوسع دور القطاع الخاص فى النشاط الاقتصادى.
استراتيجية إدارة الاقتصاد فى نموذج التنمية السعودى: يتبنى نموذج التنمية فى المملكة العربية السعودية استراتيجية طويلة الأجل لإدارة الاقتصاد، وتقوم هذه الاستراتيجية على عدد من المسارات المستهدفة والتى تعتبر قابلة للتعديل فى تفاصيلها وليس فى توجهاتها العامة وخطوطها العريضة وتمتد فترة هذه الاستراتيجية إلى 20 سنة، بدأت عام 2005 وتنتهى عام 2024، وتغطى أربع خطط خمسية للتنمية، بدأت بخطة التنمية الثامنة 2005 ـ 2009، وتنتهى بالخطة الحادية عشرة 2020 ـ 2024.
وترسم هذه الاستراتيجية صورة مستقبلية للاقتصاد السعودى، مبنية على تطلعات الحكومة والمجتمع السعودى وهذه الصورة تختصرها الاستراتيجية فى الفقرة التالية (4): " سيكون الاقتصاد السعودى، إن شاء الله، بحلول عام 1444/ 1445 هـ (2024)، اقتصادا متطورا منتعشا ومزدهرا، قائما على قواعد مستدامة، موفرا فرص عمل مجزية لجميع المواطنين القادرين على العمل، متسما بنظام تعليم وتدريب عالى الجودة والكفاءة وعناية صحية متميزة متاحة للجميع، إضافة إلى جميع الخدمات الأخرى اللازمة لتوفير الرفاهية لجميع المواطنين، وحماية القيم الاجتماعية والدينية والحفاظ على التراث".
وتنطلق الاستراتيجية من عدة توقعات، أهمها التوقعات بشأن المؤشرات السكانية فى المملكة، حيث تشير التقديرات السكانية إلى نمو سكان المملكة (سعودى وغير سعودى) بمعدل سنوى متوسط قدره 0.87% خلال مدة الاستراتيجية، ليصل عدد السكان إلى نحو 30 مليون نسمة عام 2024، منهم نحو 4 ملايين نسمة من غير السعوديين، وهذا يعنى أن الاستراتيجية مبنية على توقع انخفاض فى معدل النمو السكانى للسعوديين من نحو 2.4% عام 2005، إلى نحو 2.1% عام 2024 كما يتوقع أن تشهد التركيبة السكانية للمملكة تغيرا ملحوظا يؤدى إلى انخفاض عدد غير السعوديين، وانخفاض معدل الإعالة الصافى للسعوديين من نحو 47 فرد فى عام 2004 إلى نحو 2.2 فرد، كما يؤدى إلى مضاعفة أعباء الرعاية الاجتماعية والصحية لكبار السن من السكان فى عام 2024.
وتهدف الاستراتيجية إلى الارتقاء بمتوسط دخل الفرد ليصل إلى أكثر من الضعف مرتفعا من نحو 58.5 ألف ريال عام 2006 إلى نحو 98.5 ألف ريال فى عام 2024، أى بمعدل نمو سنوى متوسط لفترة الاستراتيجية قدره 4.2% وبالتبعية، تستهدف الاستراتيجية تحقيق نمو فى الناتج المحلى الإجمالى للوصول إلى هذا الهدف بمعدل 66% خلال فترة الاستراتيجية.
ولتحقيق تنوع مصادر هذا الناتج وتقليل مساهمة قطاع النفط فيه، فإن الاستراتيجية تتبنى عدة آليات رئيسية لإدارة السياسات الاقتصادية الكلية، أهمها ما يلى:
ـ تعزيز الاستثمارات العامة والخاصة، بحيث تصبح المصدر الرئيسى للنمو الاقتصادى، حيث يتوقع للإنفاق الاستثمارى أن ينمو بمعدل سنوى نحو 9.3% وسوف يأتى معظم النمو فى الإنفاق الاستثمارى من نمو الاستثمارات الخاصة، بمعدل سنوى قدره 10.3% لفترة الاستراتيجية، وذلك حتى يرتفع إسهام الاستثمارات الخاصة فى الناتج المحلى الإجمالى من 15.4% إلى 30.7%.
ـ زيادة الصادرات بمعدل 6% سنويا لتصبح مساهمتها نحو 31.6% فى الناتج المحلى الإجمالى عام 2024، وتنويع هيكل الصادرات ليتحول لصالح الصادرات غير البترولية، والتى تتضمن صادرات الصناعات التحويلية والبتروكيماويات والتكرير والتعدين، حيث سترتفع نسبتها فى إجمالى الصادرات من 20.7% فى عام 2004 إلى نحو 53.7% عام 2024
ـ زيادة الصادرات الخدمية بمعدل نمو سنوى نحو 7.3%، ليصل إسهامها فى الصادرات إلى نحو 9.6%.
ـ تنمية القطاعات الإنتاجية غير النفطية بمعدل 7.1% سنويا لتصل حصتها فى الناتج المحلى الإجمالى إلى نحو 27.4% عام 2024 ـ تحقيق نمو فى القطاع الصناعى بنحو 7.8% سنويا، ليصل إسهامه فى الناتج المحلى الإجمالى إلى نحو 24.9%.
ـ تحقيق نمو سنوى فى قطاع الخدمات بمعدل 8.8% ليرتفع إسهامه فى الناتج المحلى الإجمالى إلى نحو 41.9% فى نهاية الاستراتيجية.
ـ زيادة مساهمة القطاع الخاص فى الناتج المحلى الإجمالى لتصل إلى نحو 69.3% عام 2024 وذلك بمعدل نمو سنوى يبلغ نحو 8.1%.
وبالإضافة إلى هذه الآليات، فإن الاستراتيجية السعودية طويلة الأجل تستهدف تحسين نوعية الحياة للمواطن، بالتركيز على الجوانب المكملة للجانب الاقتصادى، والتى تؤثر فى مؤشرات التنمية البشرية، وتساهم فى تحقيق أهداف الألفية الإنمائية، خاصة الصحة، والتعليم، وتوزيع الدخل، والبيئة، وتمكين المرأة، والنقل، والاتصالات، والإسكان (5).
منهجية التخطيط فى نموذج التنمية السعودى:
يقوم النموذج السعودى فى التنمية على منهج التخطيط لرسم معالم مسيرة التنمية وتحديد سياساتها وبرامجها الاقتصادية والاجتماعية فى إطار خطط خمسية شاملة تنبثق من الاستراتيجية طويلة الأجل، وذلك لتؤدى دورين أساسيين ومتكاملين هما:
ـ الدور الأول: دور توجيهى يتصل بأجهزة الدولة والقطاع العام ـ الدور الثانى: دور تأشيرى يتصل بالقطاع الأهلى والقطاع الخاص.
وفى هذا السياق، يمكن القول إن خطة التنمية الثامنة 2005 ـ 2009، والتى يعتبر عام 2007 عامها الثالث، مرحلة جديدة فى مسيرة التخطيط التنموى فى المملكة، كما تعد الحلقة الأولى فى منظومة مسار استراتيجى للاقتصاد الوطنى يمتد لعشرين عاما قادمة، بهدف بناء اقتصاد متنوع ومزدهر، يضمن فرص عمل مجزية، ويحقق الرفاهية للجميع.
والملاحظ أن الأهداف التنموية للألفية محل تركيز واضح من هذه الخطة، وأنها تعتمد على منح القطاع الخاص صلاحيات واسعة فى النهوض بالتنمية الاقتصادية فى الدولة وذلك على حساب تراجع دور الدولة لتمارس الحكومة دورا تأشيريا يضمن مصلحة المواطنين ودفع عجلة الاقتصاد، كما أنها تؤكد إتباع سياسة الاقتصاد الحر فى إطار التمسك بمبادئ وقيم الدين الإسلامى وبقراءة متأنية فى خطط التنمية فى المملكة، يلاحظ أن المخطط استخدام نوعية من النماذج تتبناها دول متقدمة، مثل اليابان وألمانيا وبعض دول الاتحاد الأوروبى، لوضع تقديرات حقيقية عن معدلات التنمية المستقبلية، حيث يتم الاعتماد على النماذج التالية (6):
ـ نموذج "بعيد المدى" لدراسة الاستراتيجية بعيدة المدى.
ـ نموذج "الخطة" لإعداد الخطة الثامنة والسيناريوهات.
ـ نموذج "المتابعة" لمتابعة الخطة والاستراتيجية بعيدة المدى.
ـ نموذج "النفط والغاز" لتقدير الإيرادات المتوقعة من الصادرات البترولية والغاز والطلب المحلى خلال مدة الخطة ـ نموذج "العمالة" لإعداد متطلبات الخطة من العمالة والموازنة فى سوق العمل.
ـ نماذج قطاعية مثل نموذج النقل والإسكان.
ـ نماذج رياضية تحليلية لتقييم السياسات الاقتصادية، وإجراء سلسلة من عمليات المحاكاة وإعداد البدائل باستخدام معايير مختلفة للتقييم، واختيار أفضل البدائل التى تعمل فى ظل الموارد المتاحة والتوجهات الاستراتيجية.
وتتعامل خطط التنمية مع التحديات التى تواجه الاقتصاد السعودى، خاصة ما يتعلق منها برفع الكفاءة الإنتاجية، والتنمية البشرية، وتحسين القدرة التنافسية، وتنمية الصادرات، والنمو المستمر للتجارة الدولية فى قطاع الخدمات، وتقنية المعلومات، وإدارة الطلب على الموارد المائية، وتنويع الإيرادات الحكومية وتطويرها كما يلاحظ أيضا أن خطط التنمية فى المملكة تراعى موقع السعودية فى أسواق الطاقة الدولية، وتأخذ فى الحسبان الآثار الإيجابية والسلبية لتقلبات الأسعار العالمية للنفط، كما تأخذ فى الحسبان أيضا التحديات المرتبطة بالتطور التقنى وأبحاث تطور مصادر الطاقة وتنوعها وبدائلها الممكنة.
كما يلاحظ أيضا بالنسبة لخطط التنمية أن هناك ربطا بين الخطط والموازنات السنوية للدولة، حيث يتم ربط اعتمادات أبواب الموازنات بالأهداف والأولويات الواردة فى وثائق الخطط، كما يتم ربط البرامج والمشروعات بأهداف الخطة وأسسها الاستراتيجية.
نموذج التنمية السعودى إيجابيات عديدة:
أحدث نموذج التنمية تغييرات شبه هيكلية فى الاقتصاد السعودى، وقد جاءت هذه التغييرات كنتيجة طبيعية للفلسفة التى يقوم عليها النموذج، خاصة ما يتعلق بالانفتاح الاقتصادى على العالم الخارجى، وإعمال آليات السوق.
فعلى المستوى العام، أصبحت المملكة عضوا فى منظمة التجارة العالمية فى عام 2006، وجاء ذلك بعد قيام المملكة بإدخال العديد من الإصلاحات وإرساء العديد من التشريعات والأطر المؤسسية التى تجعل اقتصادها أكثر قابلية للاندماج فى الاقتصاد العالمى وقد كانت أهم الثوابت التى انطلقت منها المملكة فى إدخال هذه الإصلاحات والتشريعات هى توسيع مجال المنافسة العادلة فى الاقتصاد الوطنى والعمل على حمايتها، والالتزام بمزيد من الشفافية والوضوح فى مجال الإجراءات والتشريعات التى تحكم تيسير الأعمال سواء فى مجال الاستثمار أو التجارة مع العالم الخارجى، وكذلك تطوير النظام القضائى، وتغيير دور الدولة فى النشاط الاقتصادى من لاعب رئيسى إلى حكم أو منظم، وتوسيع دور القطاع الخاص ليكون شريكا أساسيا فى مسيرة التنمية وقد بدأت نتائج نموذج التنمية المتبع فى المملكة فى الظهور تدريجيا فى العديد من المجالات، وهى نتائج تعتبر مزيجا بين الايجابيات والتحديات، ويمكن تلخيص أهمها فى الآتى:
1 ـ فى مجال تحسين نوعية الحياة:
تحسنت نوعية الحياة للمواطن السعودى بشكل ملحوظ، وذلك بعد أن تمكنت المملكة خلال مدة وجيزة نسبيا من مسيرتها التنموية من مضاعفة دخلها عدة مرات، وتحقيق نمو ملحوظ فى متوسط دخل الفرد بمعدل سنوى متوسط قدره 3.2% خلال المدة من عام 1974 وحتى عام 2006، ليصل متوسط دخل الفرد إلى نحو 15620 دولارا، وكذلك تحقيق تحسن مماثل فى مؤشرات التنمية البشرية بمصاحبة هذا النمو فى الدخل.
ومع ذلك، لا تزال هناك العديد من التحديات التى تواجه المملكة فى هذا المجال، وأهما تحقيق العدالة فى توزيع عوائد التنمية والقضاء على الفقر فى المجتمع السعودى، حيث تصنف المملكة حاليا فى دليل التنمية البشرية فى الشريحة العليا للدول المتوسطة الدخل كما أن تحسين جودة الحياة فى المملكة لتضاهى نظيرتها فى الدول المتقدمة يتطلب على الأقل مضاعفة نصيب الفرد من الناتج المحلى الإجمالى، وتنمية مؤشرات التنمية البشرية الأخرى كما تبرز الحاجة إلى ضمان أن تطال فوائد التنمية جميع شرائح المجتمع، وأن تتم معالجة مسألة الفقر فى أسرع وقت ممكن.
2 ـ فى مجال تنويع القاعدة الاقتصادية:
رغم الصعوبات، حقق النموذج السعودى بعض النجاحات على هذا المحور، وقد ترجمت هذه النجاحات فى تعزيز دور القطاعات غير النفطية فى التنمية الاقتصادية، وذلك بزيادة إسهاماتها فى الناتج المحلى الإجمالى من 51% إلى 71.5% خلال العقود الثلاثة الأخيرة (7) ومع ذلك، يجب تأكيد أن تحقيق نجاح فعلى فى هذا المجال بحيث تصبح مسيرة التنمية فى المملكة بعيدة عن تأثيرات النفط وما يتعلق به من إيرادات وتقلب فى الأسعار، أمر لا يزال بعيدا نسبيا، حيث ستبقى العائدات النفطية تقوم بدور المحرك الرئيسى لعجلة التنمية، وتمثل معظم إيرادات الميزانية العامة للمملكة، لتغطى النفقات الاستثمارية والتشغيلية خلال عقود قادمة كما أن التغلب على ذلك يتطلب جهودا كبيرة وإصلاحات اقتصادية واجتماعية وثقافية جوهرية فى المملكة العربية السعودية وهو ما قد يتطلب بعض الوقت، وقد يكون ذلك أهم تحد يواجه نموذج التنمية السعودى.
3 ـ فى مجال التنمية البشرية:
رغم تحسن ترتيب المملكة فى المؤشر العام للتنمية البشرية خلال العقود الأخيرة، إلا أن هذا لم يواكبه تغير جوهرى فى أهم المفردات والمؤشرات الفرعية المكونة لهذا المؤشر، خاصة ما يتعلق منها بالتعليم ونوعيته، وتوافر فرص العمل وقد ساهم ذلك فى تفاقم مشكلة العمالة فى المملكة، والذى تمثل فى تزايد الاعتماد على العمالة الوافدة، ووجود صعوبات فى مجال توطين العمالة السعودية محل العمالة الوافدة، وذلك لأن متطلبات عملية التنمية فاقت العرض من العمالة الوطنية المناسبة فى عدد من المهن مما جعل توطين الوظائف أحد التحديات الرئيسية التى تواجه نموذج التنمية السعودى (8)، وذلك فى ظل تفاقم ظاهرة ضعف المواءمة بين مخرجات نظام التعليم والتدريب من جهة، ومتطلبات التنمية من مهارات وتخصصات من جهة أخرى، والتى أدت إلى بروز البطالة الهيكلية بين المواطنين، وذلك لتصبح أيضا مشكلة ضعف توفير فرص العمل من التحديات الرئيسية التى تواجه هذا النموذج
4 ـ فى مجال رفع القدرة التنافسية للاقتصاد السعودى:
حقق نموذج التنمية فى السعودية تحسنا فى القدرة التنافسية للاقتصاد السعودى فى العديد من المجالات، ونجحت المنتجات السعودية فى النفاذ إلى العديد من الأسواق العالمية، وحققت المملكة فائضا تجاريا مع العديد من البلدان العربية والعالمية ولكن الملاحظ أن هذا التحسن جاء على خلفية جهود وسياسات الإصلاح الاقتصادى فى جانب محدود منه، ولكن الغالبية العظمى من هذا التحسن جاءت من طبيعة الدعم الذى تتلقاه الصناعات الوطنية مقارنة بنظيرتها فى البلدان الأخرى، وكذلك نتيجة للميزة النسبية التى تتمتع بها المملكة والمرتكزة على وفرة ورخص الطاقة، وهو ما جعل قطاعات الطاقة والبتروكيماويات والأنشطة المرتبطة بها تحقق مستويات متقدمة فى العالم، وجعل الشركات السعودية العاملة فى هذا المجال تحصل على تصنيفات دولية متقدمة على نظيرتها فى الدول الصناعية ورغم هذه الايجابيات، إلا أنها ستظل مرهونة بالنفط والغاز، ومن ثم تبقى ضرورة خلق مزايا تنافسية جديدة فى الاقتصاد السعودى من أكبر التحديات التى تواجه نموذج التنمية، وذلك لتنويع القاعدة الاقتصادية وتنمية الصادرات غير النفطية والخروج من هذه الدائرة المفرغة التى يتحكم فيها النفط.
5 ـ فى مجال تحقيق التنمية المتوازنة جغرافيا:
رغم تحسن مستويات التنمية فى المناطق المختلفة للمملكة، إلا أنه لا يمكن إغفال التفاوت الكبير بين هذه المناطق، والذى يفسر هذه الموجة المتزايدة للهجرة إلى المدن الرئيسية مثل الرياض وجدة والدمام، وهو ما خلق ضغوطا على مرافق هذه المدن، وخلق اختناقات مرورية وإذا استمر هذا الوضع، فقد تبرز مشكلة مركزية التنمية فى المملكة بشكل كبير، مما يخلق العديد من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية فى المستقبل (9) لذا، يمكن القول إن إعادة التوازن بين مناطق المملكة من حيث التنمية يمثل أحد التحديات الرئيسية لنموذج التنمية من هنا، كان التوجه الجديد لنموذج التنمية السعودى نحو تحفيز النشاط الاقتصادى فى المناطق الأقل نموا، وذلك من خلال حزمة من المدن الاقتصادية التى بلغ عددها ست مدن، من أجل تحقيق التنمية المستدامة والمتوازنة وإعادة توزيع السكان على أرض المملكة وتقليل التركز السكانى التوجهات الحديثة لنموذج التنمية السعودى: لقد ساهمت مجموعة من العوامل فى نجاح نموذج التنمية السعودى فى تحقيق الإنجازات السابق الإشارة إليها، وكان من أهم هذه العوامل ما يلى: ـ الإمكانيات المادية الوفيرة، حيث تتوافر للمملكة الموارد المالية التى تتطلبها عملية التنمية لدى القطاعين العام والخاص كما أن الطفرة فى العوائد البترولية كانت كفيلة بتلبية احتياجات نموذج التنمية بشكل كبير ـ التجهيزات الأساسية والمرافق والخدمات المتطورة فى مجال النقل والاتصالات، والكهرباء، والمياه، والصرف الصحى، وشبكات توزيع المنتجات البترولية، والخدمات الصحية، وخدمات التعليم والتدريب، والخدمات الاجتماعية ـ الجاذبية للاستثمارات الأجنبية المباشرة التى أصبح يتمتع بها الاقتصاد السعودى ـ التطور فى البيئة المؤسسية والتنظيمية، وتركز الجهود على عملية التطوير المؤسسى والإدارى، واتخاذ العديد من الإجراءات والقرارات الهادفة إلى ترشيد الإدارة العامة وتعزيز كفاءتها ـ وجود قطاع خاص يتسم بالنشاط والمبادرة، حيث بلغت مساهمته فى الناتج المحلى الإجمالى نحو 44% عام 2006 إلا أن التحديات التى أفرزها نموذج التنمية طوال السنوات السابقة تطلب من الدولة أن تجد آليات جديدة للتغلب على تحديات التنمية، وقد شجع الحكومة على ذلك الطفرة الهائلة فى عوائد النفط، وضرورة استغلالها فى تدعيم توجهات التنمية والتغلب على تحدياتها الرئيسية من هنا، كان التوجه الجديد لنموذج التنمية السعودى نحو ما يعرف بالتنمية المتوازنة والمستدامة المعتمدة على حزمة من المدن الاقتصادية، حيث تم الإعلان فى عامى 2006 و2007 عن إنشاء ست مدن اقتصادية فى مناطق مختلفة من المملكة تقوم على استغلال المزايا النسبية لكل منطقة وتساعد على توطين الوظائف والسكان، ومنع الهجرة وزيادة الصادرات غير النفطية ومن هذه المدن مدينة الملك عبدالله الاقتصادية، ومدينة الأمير عبدالعزيز بن مساعد الاقتصادية بمنطقة حائل، ومدينة المعرفة الاقتصادية بالمدينة المنورة، ومدينة أجياد الاقتصادية بمكة المكرمة، والمدينة الاقتصادية بمنطقة جازان (10) ومن المتوقع أن تساهم هذه المدن فى التغلب على أهم تحديات التنمية فى المملكة، وقد اعتبرت بعض المؤسسات المالية الدولية أن المدن الاقتصادية التى يجرى تأسيسها فى السعودية سوف تؤهل الاقتصاد السعودى ليكون اقتصادا عصريا متكاملا مع الاقتصادات العالمية، وذلك من خلال وضع الأسس اللازمة لاقتصاد عصرى مدفوع من قبل القطاع الخاص ومن المتوقع أن تزيد القيمة الإجمالية للاستثمارات فى هذه المدن الاقتصادية على 200 مليار دولار، كما أن هذه المدن ستحقق أحوالا معيشية وعملية مناسبة لنحو 25 مليون شخص، أى لواحد من كل عشرة سعوديين، وسوف تعزز أيضا التنمية الاقتصادية فى مناطق لم تنل نصيبها من التطوير، وتساعد على اللامركزية والتوازن فى نموذج التنمية السعودى وتعتبر أكبر المدن فى هذا المشروع مدينة الملك عبدالله الاقتصادية، التى تمتد مسافة 35 كيلومترا على الخط الساحلى بالقرب من مدينة رابغ المصممة بحيث تتسع لمليون ونصف مليون شخص وسوف توفر نحو 800 ألف وظيفة، وسوف تشتمل على ميناء بحرى كبير، وعلى صناعات خفيفة، ومرافق سياحية وخدمات مالية وسوف ينصب تركيز مدينة الأمير عبدالعزيز بن مساعد الاقتصادية فى مدينة حائل شمال المملكة على أعمال الزراعة والتعدين والتصنيع إما مدينة اقتصاد المعرفة فى المدينة المنورة، فسوف تركز على المؤسسات الأكاديمية والأبحاث وعلى الإرث الإسلامى للمملكة أما المدينة الاقتصادية للطاقة فى المنطقة الشرقية، فمن المتوقع أن يزيد عدد سكانها وحدها على سكان مملكة البحرين المجاورة البعد الخارجى فى نموذج التنمية السعودى: يتضمن نموذج التنمية السعودى بعدا إقليميا، وبعدا دوليا، وقد تأثر هذا النموذج، وسيظل يتأثر، بالتطورات والمستجدات على هذين البعدين، وذلك لأن نموذج التنمية السعودى يعمل فى إطار إقليمى ضيق هو مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ويعتبر له الأولوية فى توجهات التنمية السعودية، ويعمل كذلك فى إطار إقليمى أوسع هو التكامل الاقتصادى العربى ويلى البعد الخليجى فى الأهمية أما على المستوى الدولى، فيراعى نموذج التنمية وضع المملكة فى النظام الاقتصادى الدولى، خاصة دورها فى استقرار أسواق النفط العالمية، وكذلك عضويتها فى العديد من المؤسسات الاقتصادية الدولية، خاصة منظمة التجارة العالمية، وصندوق النقد والبنك الدوليين وتشير الوقائع والمؤشرات إلى تزايد التوجه الاقتصادى السعودى نحو الشرق، ابتداء من الزيارات التى قامت بها القيادة السياسية للعديد من دول الشرق، مثل الصين واليابان والهند، وكثافة تبادل الزيارات بين رجال الأعمال مع هذه الدول خلال السنوات الأخيرة، ومرورا باتفاقيات الشراكة التى أبرمتها المملكة مع بعض هذه الدول، وانتهاء بتطور حجم التبادل التجارى والاستثمارات المشتركة مع هذه الدول، ومنها الصين على وجه الخصوص (11) والملاحظ أن هذا التوجه ليس مقصورا على المملكة فقط، وإنما هو توجه شبه جماعى لدول مجلس التعاون الخليجى وللعديد من الدول العربية، ويمكن رصد ذلك بوضوح من متابعة نفس المؤشرات لدى هذه الدول، ومن تصريحات بعضها بأن الصين ستصبح الشريك التجارى الأول لها خلال سنوات قليلة والمؤكد أن هذا التوجه كان نتاجا للعديد من العوامل الاقتصادية والسياسية، وفى مقدمتها تزايد وتيرة النمو الاقتصادى فى الصين والدول الآسيوية، بما ينبئ بتحول قيادة الاقتصاد العالمى إلى الصين بعد أن ظلت لسنوات طويلة بيد الولايات المتحدة الأمريكية، وما يرتبط بهذا النمو من تزايد الطلب الصينى على النفط، وكذلك كنتيجة طبيعية للتشدد الأمريكى فى مجال مراقبة حركة رءوس الأموال ومنح التأشيرات، بعد أن سيطر الهاجس الأمنى على السياسة الأمريكية منذ أحداث سبتمبر 2001 إلى جانب ما سبق، فقد امتد عمل نموذج التنمية السعودى للتنمية إلى خارج الحدود، حيث لم تقتصر جهود المملكة على رفع مستويات المعيشة لمواطنيها ومحاربة الفقر فى الداخل فقط، وإنما تجاوزته إلى المستوى الدولى فبالإضافة إلى المساهمات الطوعية التى تقدمها المملكة إلى المفوضية السامية لحقوق الإنسان، وإلى الأجهزة التابعة لها، تقوم المملكة بجهود كبيرة لإعمال مبدأ الحق فى التنمية، وهو من الحقوق الرئيسية للإنسان، فقد تجاوزت المملكة تنفيذ ما دعت إليه الأمم المتحدة من تخصيص 70% من الدخل القومى الإجمالى للدول كمعونات خارجية، حيث بلغ ما قدمته المملكة من معونات خارجية نحو 4% من إجمالى الدخل القومى، وهو ما تجاوز نحو 76 مليار دولار خلال الأعوام العشرين الماضية، أى بواقع 37 مليار والملاحظ أن هذه المعونات والقروض تقدم لدول عربية وإسلامية وصديقة، وذلك لتمويل عمليات الإغاثة ومحاربة المجاعات والفقر، ولتمويل مشروعات التنمية وهى تستخدم لتنفيذ مشروعات، ولشراء سلع ومستلزمات متنوعة فى هذه الدول ورغم الضغوط والانتقادات التى تتعرض لها المملكة من بعض الجهات الدولية، ومن بعض الدول الكبرى، خاصة فيما يتعلق بحقوق الإنسان والعمالة الوافدة والمرأة، إلا أن نموذج التنمية فى المملكة قد حصل على شهادات ومراكز دولية تعكس مواصلة الاقتصاد الوطنى لمسيرة الازدهار والنمو وكان من بين هذه الشهادات ما جاء فى تقرير ممارسة الأعمال الصادر عن البنك الدولى، فقد تصدرت المملكة دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا كأفضل بيئة جاذبة للاستثمار، حيث قفزت إلى المركز الـ 23 عالميا من بين 178 دولة عام 2007، بعد أن كانت تحتل المركز الـ 38 وقد احتلت المملكة مراكز متقدمة فى المجالات الفرعية لتقرير ممارسة الأعمال، حيث جاءت فى الترتيب الثالث عالميا فى تسجيل الملكية، والسابعة فى مجال الضرائب كما جاءت المملكة ضمن أفضل عشرين دولة عالميا من حيث حجم الاستثمارات الأجنبية متصدرة فى ذلك دول الشرق الأوسط والدول العربية، لتبلغ الاستثمارات التى استقطبتها المملكة عام 2006 نحو 18 مليار دولار بنسبة زيادة بلغت 51% مقارنة بعام 2005 نموذج التنمية السعودى تحديات مستقبلية: لعل التقييم المنصف لنموذج التنمية فى المملكة العربية السعودية يجب ألا يقف فقط عند الايجابيات التى حققها هذا النموذج حتى الآن، حيث يجب عدم إغفال الكيفية التى تحققت بها هذه النتائج الايجابية، والظروف التى ساعدت على ذلك، والتى يعتبر أغلبها مزايا موروثة لم يخلقها نشاط القطاع الخاص أو الحكومى فى المملكة، أى أنها مزايا ريعية من هبة الطبيعة فى أغلبها وإن كان هذا لا ينكر دور جهود القطاعين الحكومى والخاص فى استغلال هذه المزايا والأهم مما سبق هو تقييم مدى قدرة هذا النموذج على الاستمرار فى تحقيق تنمية متواصلة فى المملكة مستقبلا، بحيث تكون تنمية لها مواصفات دولية، بمعنى تنمية تعتمد على الكيف وليس الكم، تنمية تتسم بالعدالة فى توزيع عوائدها بين الفئات المختلفة للمجتمع، وتتسم بمراعاة البعد البيئى، ومراعاة حقوق الأجيال القادمة فى الثروة والرفاهية، خاصة الثروات القابلة للنضوب، وفى مقدمتها النفط والمياه، وعدم استغلالها استغلالا جائرا من أجل رفاهية الأجيال الحالية فقط أيضا تقييم مدى نجاح هذا النموذج فى تحقيق التنمية المستدامة فى ظل الاحتفاظ بالتوازن بين التمسك بالخصوصيات السعودية، خاصة الهوية الإسلامية للدولة والموروث من القيم والعادات والتقاليد من ناحية، والانفتاح الثقافى على العالم والاندماج فى الاقتصاد العالمى من ناحية أخرى إن نجاح النموذج السعودى فى تحقيق ذلك مرهون بالتغلب على عدة تحديات جوهرية، أهمها ما يلى:
ـ الخروج من الدائرة المفرغة لتأثير النفط على مسيرة التنمية فى المملكة "ناء قطاع صناعى وتجارى وسياحى وخدمى على أسس دولية، تعمل فيها المؤسسات بدافع المنافسة الحرة، وتحمى فيها الدولة المنافسة العادلة وتحارب الفساد الاقتصادى ـ تطوير العملية التعليمية لتحقيق مواءمة فعلية بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، والتركيز على إكساب الخريجين مهارات فعلية، والابتعاد عن تقييم العملية التعليمية من ناحية الكم ـ حسم العديد من القضايا المتعلقة بالإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، وفى مقدمتها التخصيص، وحقوق المرأة ـ النجاح فى إحداث تغيير إيجابى فى ثقافة المجتمع السعودى بشأن العديد من القضايا، خاصة قضايا العمل الحر، والعمل فى بعض المهن والحرف، والتعليم، وعمل المرأة، والبذخ فى الإنفاق، والنظرة إلى الآخر، ودمج العمالة الأجنبية فى المجتمع ـ استيعاب الدروس المستخلصة من التجارب الإقليمية القريبة من الحالة السعودية، خاصة تجربة دولة الإمارات وإمارة دبى وتحديدا فيما يتعلق بإجراءات تيسير الأعمال، والانفتاح على العالم الخارجى، ودور القطاع الخاص ورغم صعوبة تحقيق كل ذلك، إلا أنه ليس من المستحيل التغلب على هذه القضايا، خاصة بعد أن أصبح الاقتصاد السعودى قادرا على التعامل مع هذه التحديات ولكن لضمان التعامل مع هذه القضايا بفاعلية، ولضمان استمرار نجاح نموذج التنمية السعودى، تبقى الأهمية القصوى للحفاظ على الأمن والاستقرار فى المملكة، وذلك من خلال التمكن من دحر الأفكار والعمليات الإرهابية ضد الدولة والمجتمع، والتى تعتبر بمثابة النيران تحت الأرضية التى يقف عليها نموذج التنمية السعودى، وذلك رغم النجاحات التى حققتها المملكة فى مواجهة هذا الخطر.
الهوامش:
(1) د. أمين ساعاتى، الاقتصاد السعودى من الملك عبدالعزيز إلى الملك عبدالله، جريدة الاقتصادية، عدد الثلاثاء، 6 نوفمبر 2007.
(2) د. عبدالله بن عبدالعزيز اليوسف، الأمن مسئولية الجميع رؤى مستقبلية، ورقة عمل مقدمة لندوة الأمن والمجتمع الرياض 21 ـ 24 صفر 1425 هـ .
(3) يدور فى المجتمع السعودى فى الوقت الراهن حوار بشأن عدد من قضايا الإصلاح، أهمها القضايا التالية: الوحدة الوطنية والعلاقات والمواثيق الدولية ـ الغلو والاعتدال رؤية منهجية شاملة ـ المرأة حقوقها وواجباتها وعلاقة التعليم بذلك ـ قضايا الشباب الواقع والتطلعات ـ نحن والآخر رؤية وطنية للتعامل مع الثقافات العالمية وللتعرف على قضايا الحوار الوطنى فى المملكة، يمكن الرجوع إلى: اللقاءات الوطنية للحوار الفكرى، مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطنى، الرياض، 2006.
(4) وزارة الاقتصاد والتخطيط، الاستراتيجية بعيدة المدى للاقتصاد الوطنى (2004 ـ 2024).
(5) وزارة الاقتصاد والتخطيط، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائى، الأهداف التنموية للألفية، 2006.
(6) وزارة الاقتصاد والتخطيط، خطة التنمية الثامنة، 2005 ـ 2009.
(7) لمزيد من التفاصيل، يمكن الرجوع إلى: عادل محمد فقيه، العناصر الأساسية لتنويع القاعدة الاقتصادية فى المملكة، ورقة مقدمة إلى مؤتمر الرؤية المستقبلية للاقتصاد السعودى، الرياض، 19 ـ 23 أكتوبر 2002.
(8) لمزيد من التفاصيل حول التنمية البشرية فى المملكة، يمكن الرجوع إلى: د. عبدالمنعم بن إبراهيم العبد المنعم، اقتصادات التنمية البشرية بالمملكة العربية السعودية، كلية الاقتصاد والإدارة جامعة الملك سعود، فرع القصيم، 2006.
(9) د. عبدالعزيز بن عبدالله الخضيرى، التنمية فى المملكة بين مدن تختنق ومدن تحتضر، جريدة الاقتصادية، عدد 26 نوفمبر ـ 2007.
(10) مجلس الغرف التجارية الصناعية السعودية، المدن الاقتصادية والمشروعات الكبرى والدور المرتقب للقطاع الخاص التقرير الاقتصادى للمجلس، العدد السادس، مايو 2007، ص ص 28 ـ 32.
(11) مجلس الغرف التجارية الصناعية السعودية، استنساخ التجربة الاقتصادية الصينية فى المملكة، التقرير الاقتصادى للمجلس، العدد السابع، مارس 2007، ص ص 28 ـ 34.