Share |
يناير 2008
1
مكانة الولايات المتحدة فى النظام العالمى. دورة القوة والتوازن الدولى الجديد
المصدر: السياسة الدولية
بقلم:   احمد ثابت

اختلف علماء العلاقات الدولية حول تحديد مكانة الولايات المتحدة فى النظام العالمى بعد انتهاء عصر الحرب الباردة وفيما يتعلق بالإطار النظرى الذى يفسر هذه المكانة وتحولاتها، برز اتجاه نظرى يركز على دورة القوة وتفاعلاتها مع هيكل النظام الدولى لكى يتغلب على الصعوبات المنهجية التى عجز منظور الدور فى السياسة الخارجية عن تجاوزها وبينما ظل علماء العلاقات الدولية، ولفترة طويلة، يركزون على أبنية النظم ودينامياتها ودوافع شن الحروب، فإن نظرية دورة القوة power cycle theory تعد تطويرا لذلك التقليد الذى درس الأنماط المنتظمة فى تاريخ العلاقات الدولية، ومحاولة لوضع المضامين العملية الناتجة عن ذلك أمام صانعى السياسة فى مجال السياسات الدولية المعاصرة نقد المفهوم التقليدى لتوازن القوة:
تشدد نظرية دورة القوة على مفهوم القوة النسبية والذى يتجسد فى نصيب الدولة من مصادر القوة مجتمعة، وهو المفهوم الذى يشكل جوهر فكرة بنية النظم فى العلاقات الدولية بيد أن نظرية دورة القوة تهتم أساسا بالهيكل المتغير للنسق ـ بعكس حال النظرية البنيوية فى العلاقات الدولية ـ من حيث محاولة إدراك تصورات واهتمامات رجال السياسة تجاه الأبنية المتغيرة ومن ثم فهذه النظرية تذهب إلى أن التوقعات المستقبلية للسياسة الخارجية، فى ارتباطها بمفهوم القوة النسبية، تقدم آلية سببية مهمة تربط النسق بالقرار مع ظهور تحول فى "موجات التاريخ" بصورة مفاجئة وغير متوقعة وفى حين انشغل علماء العلاقات الدولية ممن ركزوا على البعد الاجتماعى ـ النفسى لعملية صنع القرار بشكل العلاقة بين الفاعل والبنية، تركز نظرية دورة القوة على الجانب السلوكى للقرار على قدم المساواة مع الاهتمام بالبنية (1).
قامت نظرية دورة القوة بتطوير مفهوم الدور فى السياسة الخارجية كمعبر عن السياسة الخارجية كسلوك، ومن أجل ذلك استلزم الأمر أن تقوم النظرية بفك الارتباط بين هذا المفهوم والمعانى التى اكتسبها بفعل بعض الإطارات النظرية المؤسسية والواقعية ومن الملاحظ أن النظرية رفضت التصور القائل بأن "القيادة" أو "الحكم" يساويان "التحكم من أعلى" من قبل الدولة الأكثر قوة، هذا التصور الذى ارتبط بمفاهيم "الإمبريالية" و"الهيمنة" التى سادت لفترة طويلة إبان الحرب الباردة وعوضا عن ذلك، أكدت نظرية دورة القوة أن كلا من القوة والدور هما مفاهيم تتسم بالضرورة بأنها تعددية ومشتركة أو تتقاسمها دول عدة رغم عدم التكافؤ بينها ومن هنا، وبدلا من أن تمارس الدولة العظمى السيطرة على النسق، تذهب نظرية دورة القوة إلى أن هذه الدولة تؤدى دور القائد بالتعاون مع دول أخرى قادرة على ممارسة دور رئيسى فى الشئون الدولية وهذا يستلزم ـ حسب هذه النظرية ـ أن يتم التفاوض بين هذه القوى، بما فيها القوة العظمى، على طبيعة القواعد والنظم لا أن تفرض من قبل هذه القوة.
تستند نظرية دورة القوة على مفهوم القدرات النسبية المتغيرة للدولة، وفى ذلك تشترك مع المنظور الواقعى للعلاقات الدولية مؤكدة أهمية القوة فى تفسير العلاقات الدولية بيد أن محور تركيز النظرية ينصرف إلى البعد طويل المدى لعلاقات القوة، من زاوية صعود وأفول القوة النسبية للدولة ولدورها، ولكن ليس انطلاقا من التوزيع الجامد للقوة فى فترة معينة ومن هنا، تطرح النظرية تفسيرا مختلفا للاستقرار والنظام داخل النسق الدولى.
المفهوم النسبى للقوة والدور وأبعاد تفاعله مع النسق الدولى:
تقوم النظرية على أن قضايا استقرار النسق الدولى أو الحرب أو السلام لا تدل على نمط معين للنسق الدولى، ولكن المهم هو التحول من نسق لآخر لقد تمحور الجدل فى عقد الستينيات من القرن الماضى حول استقرار النسق الدولى بين من دافعوا عن الثنائية القطبية مثل "كينيث والتز"، ومن دافعوا عن التعددية القطبية مثل "روزكرينس" Rosecrance و"كارل دويتش" و"دافيد سينجر" (2).
لكن "دوران"، مؤسس نظرية دورة القوة خلص من تحليله لخمس فترات تاريخية منذ نشأة نظام الدولة الحديثة، إلى أن السبب الرئيسى لنشوب الحرب ليس هو ما إذا كان نمط معين من النسق الدولى أكثر أو أقل إغراء لاندلاع الحرب ولكن ذلك ينشأ عن التحول الحادث فى الأنساق الدولية إن حدوث نمط غير خطى من التغير الهيكلى يتسم بالكثافة وعدم القدرة على التنبؤ به ـ يؤدى لتشوه التوقعات عن السياسة الخارجية وتهديد أمن دول أخرى ـ هو، فى رأيه، المسبب الرئيسى للحرب، لا طبيعة نمط معين للنسق الدولى معنى ذلك أنه لا يمكن فصل سلوك دولة ما عن النسق الدولى، فالنسق هو نتاج التفاعل بين الدول الكبرى فيما يتعلق بالعدد والقوة النسبية والدور وتوازن القوة (3).
بهذه الفروض، أسهمت نظرية دورة القوة فى تطوير المفهوم التقليدى لتوازن القوة، من خلال توسيع المنظور الذى يركز على كيفية عمل هذا التوازن ومن ثم، يذهب مؤسس نظرية دورة القوة "دوران" إلى أنه حتى ولو كانت القوة العظمى أو الدولة الأكثر قوة تعانى من تراجع أو أفول، فلابد من استمرار مشاركتها فى مسئوليات حفظ النظام وتيسير مهمة تعديل دور هذه القوة أثناء تحول النسق (4)، ويؤكد رواد النظرية أن مفهوم الدور فى السياسة الخارجية لا يمكن أن يتواجد إلا إذا حظى بشرعية القبول النظامى، فالدور، شأنه شأن القوة، يتميز بالنسبية ومن هنا، يؤكد هؤلاء أن المنظور التعددى للعلاقات الدولية يمكن أن يوفق بين الواقعية والمثالية فيما يتعلق بتحليل الدور كشىء منفصل كليا عن القوة أو السيطرة.
وبإدخال مفهوم "الدور السياسى الدولى" فى إطار نظرية دورة القوة، يذهب "دوران" إلى أن هذا الدور يتكافأ مع القوة فى مسائل صناعة الدبلوماسية ويعرف "دوران" الدور السياسى الدولى بقوله: ـ يمكن النظر للدور بقدر أكبر من مكانة القوة أو موضعها، داخل النظام الدولى، رغم أن الدور يشتمل على كل هذه الاعتبارات إذ يتضمن الدور وبصفة غير رسمية مسئوليات حظيت بالشرعية ومتطلبات ترتبط بالموقف والمكانة ويشتمل الدور على قدرة القيادة، أو الأطراف المرتبطة بها، على توفير الأمن للآخرين أو مدى الاعتماد على الأمن الخارجى (5) ويرى "دوران" أيضا أنه فى حين تشكل القوة أداة صناعة السياسة الخارجية، يشتمل دور السياسة الخارجية على أهداف وقضايا هذه الصناعة، ومعنى ذلك أن الدور يتعلق بصميم وجود سلوك السياسة الخارجية (6) وهنا تثار عدة تساؤلات مثل: كيف تكتسب دولة ما دورا فى سياستها الخارجية بما يجسد اهتماماتها وأهدافها؟ وكيف يمكن إضفاء الشرعية على أدوار السياسة الخارجية؟ فى ذلك يذهب "دوران" إلى أن ـ الدور لا يتحدد فقط بالقوة أو بالطاقة القومية التى تشكل أساس القوة، فهو يتحدد أيضا بتقاليد النشاط السياسى الدولى والرصيد المتعلق بكيفية استخدام القوة كما يتحدد، فى حالة غياب ممارسة فعلية للقوة، بكيفية تجاوب الحكومات الأخرى مع هذه الدولة بتأثير قوتها ومكانتها ـ (7) وكما سلف القول، ترفض نظرية دورة القوة مقولة القيادة المهيمنة أو القائمة على الهيمنة انطلاقا من اعتقادها بعدم وجود قطب مهيمن يسيطر على النسق أو ـ على الأقل ـ يفرض إرادته، فالقيادة بشكل عام تميزت بالتعددية والمشاركة استنادا إلى أن القواعد والنظم عادة ما يتم التفاوض عليها لا فرضها ويوضح "دوران" ذلك الأمر بقوله: يتميز الدور، مثل القوة، بأنه نظامى بالضرورة، فرغم أنه يتحدد أساسا بما تقوم به الحكومة، لكنه يتحقق فقط فى حالة قبول الحكومات الأخرى به وعادة ما تؤثر الاستراتيجية المتبعة والمساومة بخصوص الدور على عملية إضفاء الشرعية بصورة غير رسمية أو ضمنية ومن ثم، يتعرض الدور لتغير بطىء مع مرور الوقت تبعا لأهداف الدولة واستراتيجيتها وقدرتها وكذلك بقبول الفاعلين الآخرين فى النسق(8).
ويرى "دوران"، بناء على ذلك، أن جمود أو قصور إدراك دول ما فى حالة صعود أو أفول لأهمية تعديل أدوارها ومسئولياتها بخصوص دورة قوتها، من شأنه أن يخلق ما يطلق عليه فجوة القوة ـ الدور، وهذه الفجوة قد لا تتحول إلى إشكالية للنظام الدولى فنظرا لأن التغير فى هيكل هذا النظام عادة ما يكون "خطيا" ومع وجود اتجاهات سابقة مستمرة داخل النظام، فقد لا تشكل فجوة القوة ـ الدور مشكلة ماثلة إلى أن تتسع هذه الفجوة، وتشهد دولة أخرى أو أكثر من دولة انقلابا مفاجئا فيما يتعلق بتوقعات الأمن مستقبلا ويمكن تجاهل فجوات الدور إذا لم يتعرض الأمن لتهديد، ولكن حدوث عدم توازن حاد بين القوة والدور أمر محتم بما يتطلب تعديل الدور أو تكيفه مع التغيرات ووفق نظرية دورة القوة، فإن توازن القوة ـ الدور يشكل جزءا من مفهوم أوسع هو "التوازن الديناميكى أو الحيوى"، والذى يسعى إلى تأكيد أهمية عنصر الأمن فى ظل تغير النسق الدولى وهنا، يؤكد رواد نظرية دورة القوة أن النسق الدولى ينبغى أن يكون معدا للتكيف والتماشى مع التوقعات المشروعة وغير العدوانية للدولة البازغة نحو نمو أدوارها ومسئولياتها، بما يستلزم من الدولة التى تعانى الأفول أو التراجع أن تكون مستعدة لتقليل مسئولياتها ورغم أن دينامية قوة الدولة ودورها تبدو متوقفة على إرادة الدولة، لكن من الضرورى إدخال تلك الدينامية فى أجزاء أخرى من أجل فهم أفضل للدوافع الهيكلية والنفسية وراء اللجوء للحرب كخيار استراتيجى وتتمثل هذه الأجزاء فى أربعة هى (9):
1 ـ الدور الذى ينسبه الآخرون لدولة معينة ascribed role
2 ـ الدور المعلن من قبل الدولة ذاتها declaratory role
3 ـ القوة العملية أو الممارسة فعلا لهذه الدولة operational power
4 ـ القوة الهيكلية للدولة structural power
وبالنسبة للدور المنسوب للدولة، فإنه يرتبط بسمعتها وبما تعتقده الحكومات الأخرى بشأن مكانة وموضع هذه الدولة، وماذا تتوقع الدول الأخرى من سلوك لها أما الدور المعلن للدولة، فيشير إلى الهدف والمدى ومحور التحرك المعلن فى سياسة الدولة الخارجية وهو يتضمن التقدير الذاتى للدولة لوضعها ومكانتها، وهو يحدد نيات الدولة فى أن تكون قائدة أو تابعة فى النسق الدولى، وإلى أى مدى سوف تنخرط فى العلاقات الدولية، وتحت أية ظروف سوف تلجأ إلى العمل العسكرى ولكن صدقية هذا التقدير للدور تتوقف على القوة العملية أو الواقعية للدولة، فالأفعال التى تستطيع الدولة الاضطلاع بها على الساحة الدولية، وما إذا كان مستوى الأداء يتسم بالديمومة أم لا ينبغى أن تسانده قوة هيكلية تعتمد أساسا على القدرات الاقتصادية للدولة.
ويلاحظ أن رواد نظرية دورة القوة يصفون كلا من الدور المنسوب والمعلن بأنهما يتعلقان بالأفكار وأنهما يشكلان جزءا من الدور السياسى الدولى الذى يحدد بما هو أكبر من القوة والوضعية والمكانة ذلك أن هذين المفهومين يقدمان المسئوليات المتمتعة بالشرعية بصفة ضمنية وكذلك المتطلبات المرتبط بالمكانة والوضعية إن إسباغ أدوار معينة لدولة ما يدل على قبول الأعضاء الآخرين بهذه الأدوار، والذى يضفى الشرعية على هذه الأدوار ويمكن للأدوار المنسوبة هذه أن تتطور عندما يتفحص صانعو السياسة فى الدول الأخرى التطبيقات المختلفة للسياسة الخارجية للدولة المنسوب لها القيام بأدوار محددة فى سياستها الخارجية، ثم يرسم هؤلاء صورة قومية عن دور هذه الدولة فى الشئون الخارجية.
ويجب أن يكون الدور المعلن لدولة ما متسقا بما يمكن الدول الأخرى من التنبؤ بردود فعل هذه الدولة على تصرفات الأعضاء الآخرين فى النسق الدولى وبمثل ما أن الدور المتوقع أو المنسوب يعبر عن توقع الدول الأخرى لسلوك الدولة، فإن الدور المعلن يجسد رؤية الدولة الخاصة بدورها فى النسق الدولى ومن ناحية أخرى، يعد دور الدولة المعلن أحد ردود فعل الدولة على التغيرات فى مقومات دور الدول الأخرى وإذا كان الدور المعلن غير متسق، فإن الدول الأخرى تواجه صعوبات فى بناء تصور متناغم عن دور متوقع لهذه الدولة ومع ذلك، فإن التناغم أو الاتساق ليس كافيا، فالدور المعلن المتسق يمكن أن يصبح شيئا وهميا إذا انحرف بعيدا عن قدرة الدولة ـ العملية والهيكلية ـ على تحقيق سياساتها المعلنة ومن الضرورى أيضا أن يتصف دور الدولة المعلن بالصدقية، كما يجب أن يتجانس الحفاظ على الدور المعلن مع قوة الدولة العملية والهيكلية.
ترتبط القوة الفعلية أو العملية والهيكلية بموارد القوة المادية، فهى تعبر عن القوة والوضع والمكانة وتشير القوة العملية أو الفعلية إلى ما تستطيع الدولة القيام به فعلا فى المدى القصير للتأثير فى الأحداث على الساحة الدولية، كما تشير إلى قدرة الدولة على نشر الأمن أو إعطاء المساعدة إلى جانب حماية نفسها ومقاومة أفعال دول أخرى تناهض أو تعوق مصالحها وهى تشمل القوة العسكرية للدولة فيما يتعلق باستخدامها أو التهديد باستعمالها، وكذلك جغرافية الدولة من حيث السكان والموارد، كما تشمل مهارة الدبلوماسيين والموظفين الآخرين فى تعاملهم مع الدول الأخرى، وقدرة أجهزة استخباراتها على تحديد قدرات ونيات الخصوم الفعليين وتعتبر القوة العسكرية أكبر القطاعات التى تحظى بالإنفاق بين قطاعات القوة العملية، حيث تبلغ 15% من الميزانية الفيدرالية الأمريكية، فى حين تبلغ 1% فقط للدول الأخرى إن السماح للقوة العسكرية بأن تشغل مقوما متفردا يساعد على النظر إلى القوة العسكرية كأكبر أداة من أدوات السياسة الخارجية من حيث الاستنزاف المالى وكذلك كأهم عنصر.
وبالنسبة للقوة الهيكلية، فهى تجسد القدرة الاقتصادية التى تمد الدولة بكل من قدرتها الحالية على توظيف القوة وقدرتها على النمو الاقتصادى طويل الأمد.
الجدل حول توصيف المكانة الأمريكية فى النسق الدولى:
توصف الولايات المتحدة بأنها الدولة الوحيدة التى حكمت العالم من خلال خمسة مراكز قيادة عسكرية على مستوى المعمورة، فهى تحتفظ بأكثر من مليون جندى مسلحين من الرجال والنساء فى أربع قارات، وتنشر أربع مجموعات قتالية محمولة مستعدة للحرب فى كل محيطات الأرض، وأنشأت فى يوليو 2007 قيادة عسكرية مستقلة للقارة الإفريقية مقرها المغرب (10) كما أنها تضمن بقاء عدد من الدول، بدءا من إسرائيل إلى كوريا الجنوبية، كما تدير عجلات التبادل والتجارة الدولية، وتشغل قلوب وعقول مختلف شعوب العالم بأحلامها ورغباتها (11) ورغم ذلك، فإن القوة غير العادية والمتفردة للولايات المتحدة لم تلق الاعتراف عندما انهار حائط برلين عام 1989 وتفكك الاتحاد السوفيتى، وفى حين أقر عدد قليل من الخبراء أن أمريكا دخلت ما سمى ـ لحظة القطب الواحد ـ وسوف تتمتع بهذه اللحظة إلى أن يعود النسق الدولى إلى القطبية التعددية كما يذهب "كرواثامر" (12).
Krauthammer، أو كما يرى "سنيدر" Snyder أن النسق الدولى يبدو أحادى القطب، بينما كان يبدأ فى الانتقال إلى تعدد الأقطاب (13) لكن كثيرا من الخبراء والمعلقين يرون أن زوال الاتحاد السوفيتى ونهاية الحرب الباردة سوف يفضيان إلى عودة مفهوم وسلوك توازن القوة بالمعنى المتعارف عليه والذى تمت ممارسته تاريخيا.
والواقع أن عهد إدارة كلينتون 1993 ـ 2001 كان يمثل فترة انتقالية، وكان هدفه الأساسى هو إدماج الاقتصاد العالمى تحت الهيمنة الأمريكية، وكان نادرا ما يستخدم القوة المتاحة لدى الولايات المتحدة مفضلا السعى للعمل مع الحلفاء فى القضايا ذات الاهتمام المشترك وفى الوقت نفسه الذى ذكرت فيه أولبرايت وزيرة الخارجية فى عهد كلينتون أن الولايات المتحدة "قوة لا يمكن الاستغناء عنها"، فإن كلينتون مارس هذه القوة فى حالات معينة، مثل استخدام القوة بشكل محدود ضد العراق والسودان، وقاد التحالف الأوروبى فى كوسوفو ولكنه ظل فى غالب الأحوال ملتزما بالعمل متعدد الأطراف، والإبقاء على الاتفاقيات الدولية التى توصل إليها أسلافه مثل معاهدة حظر التجارب النووية، ومعاهدة حظر الصواريخ الباليستية، والتى وقعها الرؤساء من كيندى إلى نيكسون، لخفض القدرات النووية للولايات المتحدة، كذلك، تفاوض كلينتون على بروتوكول كيوتو حول الاحتباس الحرارى ووقعه، وكل هذه الخطوات كانت تؤطر المصالح الاستراتيجية الأمريكية فى إطار من اعتبارات الأمن الجماعى وكان يوجد اقتناع من قبل واشنطن وغالبية المجتمع الدولى بأهمية الشراكة وبالقدر نفسه بأهمية الريادة الأمريكية.
بيد أن إدارة بوش الابن استغلت هجمات الحادى عشر من سبتمبر 2001 لكى تستخدم القوة العسكرية المفرطة فى أفغانستان والعراق وتوضح لكل من الأصدقاء والأعداء أن هناك قوة عسكرية واحدة من دون منازع هى الولايات المتحدة ولجأت هذه الإدارة إلى العمل الانفرادى، وتم إحلال الضربات الاستباقية محل الردع ضد الخصوم الفعليين والمحتملين وهكذا، أعادت هجمات الحادى عشر من سبتمبر 2001 تأطير الشئون العالمية ضمن نطاق الأمن القومى والحرب على الإرهاب ويبدو الشىء غير العادى فى أن ممارسة الولايات المتحدة للقوة العسكرية المفرطة والزعامة العالمية تمت عبر حصار المنطقة الأخطر من الناحية الاستراتيجية فى العالم وهى الشرق الأوسط.
العصف بالتزامات القوة العظمى:
أدى استخفاف إدارة بوش الابن بالقانون الدولى وبالقواعد الدولية إلى تشجيع آخرين على سلوك المسلك نفسه، حيث كثف الروس من هجماتهم لسحق الشيشان وسط صمت وتغاض من قبل إدارة بوش الابن، كما هاجمت القوات الإندونيسية إقليم آتشيه التابع لها، وزادت إسرائيل من عدوانها العسكرى ضد الفلسطينيين، كما كثفت الهند العداء مع باكستان، وزاد سخط الرأى العام العالمى على عدوانية إدارة بوش، وتم التشكيك فى نزاهة القيادة الأمريكية لتحديها الفج للمعارضة واسعة النطاق عالميا لغزو العراق، ومن ثم تحولت الولايات المتحدة من قائد عالمى إلى قوة عظمى خارجة عن القانون the rogue imperium حتى بين حلفائها الأوروبيين (14).
ومن هنا، ثار سؤال أساسى يتعلق بأسباب ممارسة الولايات المتحدة لتفوقها فى ميدان التوزيع العالمى للقوة بهذه الطريقة التى لا تكترث كثيرا برغبات الدول الأخرى يجيب على هذا السؤال أحد الباحثين البارزين بأن النخب السياسية فى الولايات المتحدة عموما ليست من تلك النوعية التى تعى أهمية أن تحترم بلادهم قواعد السياسة الواقعية فى العلاقات الدولية (15)، مما يجعل من غير المفيد هنا الاعتماد على منطق علاقات القوة فى مجال فهم كيفية ترشيد التفوق الممارس بشكل عدوانى فى عملية صنع السياسة والواقع أنه لا يوجد سبب مادى ظاهر قادر على تفسير لماذا ينبغى النظر إلى التفوق الأمريكى على أنه أمر حتمى ومن الملاحظ أن حكومات دول أخرى تحاول أن تتوافق ضمنيا مع السياسة الأمريكية، رغم معارضة الرأى العام عندها، حتى دون أن تتعرض للقوة الجبرية الأمريكية (16).
ومن نافلة القول إن الولايات المتحدة زادت بشدة من لجوئها لاستخدام القوة العسكرية المفرطة لتحقيق أهداف سياستها الخارجية منذ نهاية عصر الحرب الباردة، رغم أنها لم تواجه خطرا كبيرا يقارن بقوة الاتحاد السوفيتى السابق فقد شنت الولايات المتحدة أربع حروب فى 14 عاما فقط منذ عام 1989 ضد العراق مرتين، وضد صربيا وأفغانستان، وهذا يعادل ضعف ما خاضته من حروب خلال أكثر من 40 عاما من حقبة الحرب الباردة، حيث شنت حربين فقط ضد كوريا الشمالية وفيتنام كما وصلت الميزانية الأمريكية للدفاع إلى نحو نصف إجمالى إنفاق دول العالم الدفاعى، بل وصل هذا الإنفاق إلى أكثر من خمسة أمثال مثيله فى مجموع الأعداء المحتملين لواشنطن ويلاحظ وجود شبه اتفاق بين النخب السياسية الأمريكية على تأكيد التفوق الأمريكى، مما يشجع على الاستمرار المدهش فى عسكرة السياسة الخارجية الأمريكية، ويفسر أيضا تأييد بعض الليبراليين والديمقراطيين هناك للعدوان على العراق، ومنهم المرشح الديمقراطى للرئاسة جون كيرى ونائبه جون إدواردز فى نوفمبر 2004.
فى هذا الإطار، كتب عدد من باحثى وخبراء العلاقات الدولية عن ضرورة أن تقوم الولايات المتحدة بما سبق أن قامت به مختلف القوى الكبرى فى التاريخ، وخصوصا بعد أن تحققت الهيمنة لها: الانسحاب من بعض المناطق بالخارج، خفض الإنفاق على الأمن القومى، وإشراك الآخرين فى أعباء قيادة العالم وكان "بول كيندى" قد أشار إلى أفول العصر الأمريكى وإلى أنه بقدر ما تسرع الولايات المتحدة فى التكيف مع هذه الحقيقة، يكون ذلك أفضل لها (17) كما ذكر "كيندى" أن عصر"لسلام الأمريكى" قد ولى وأن الولايات المتحدة سوف تتحول لقوة كبرى عادية.
لكن هذا الاتجاه الأفولى قوبل بنقد حاد من قبل مصدرين مهمين هما أولا: كتابات أستاذة الاقتصاد السياسى البريطانية الراحلة سوزان سترينج "Susan Strange" كنموذج، والتى أكدت بقاء الولايات المتحدة كحالة بنيوية متفردة فى إطار مجموعة الدول الكبرى (18)، أما المصدر الآخر للنقد، فقد جاء من "هارولد ماكميلان" الذى يؤسس رؤيته على تتبع الأحداث الكبرى، بدءا من الانهيار غير المتوقع للنظم الشيوعية فى شرق أوروبا، مرورا بتفكك الاتحاد السوفيتى، بل ويتنبأ بتراجع المعجزة الاقتصادية اليابانية وكذلك باحتمال حدوث واحدة من الطفرات الاقتصادية الكبرى فى التاريخ الاقتصادى الأمريكى (19) وبناء على هذين التوجهين، يثير أصحابهما سؤالا أساسيا: إن الولايات المتحدة لا تسير فى الواقع على خطى القوى الكبرى الأخرى فى التاريخ ومن ثم ألا يجب أن نتقبل أن هناك ثمة شيئا خاصا جدا يميز النظام الأمريكى؟ أولا ينبغى أن نخلص إلى أن الولايات المتحدة هى استثناء على القاعدة الذهبية لانهيار أو أفول القوى الكبرى؟ (20) وبعد أن يرد هؤلاء بالإيجاب، يذهبون تأييدا لرأيهم إلى أن الولايات المتحدة استعادت عافيتها الاقتصادية، وبرهنت على قوتها الاقتصادية وضاعفت من تفوقها العسكرى على الآخرين وتمكنت من دخول الألفية الجديدة بسلاسة، ويبالغ هؤلاء فى القول إن على العالم قبول الهيمنة الأمريكية والتأقلم معها رغم قسوة الحقيقة (21).
التباين فى التوصيف قوة عظمى أم إمبراطورية؟:
شكل فوز اليمين المحافظ الجديد بالرئاسة فى انتخابات نوفمبر 2000، وإعلان إدارة بوش الابن عن استعداد واشنطن لخوض حربين فى وقت واحد، فرصة لإثارة التساؤل عن احتمال أن تفكر واشنطن فيما لا يمكن التفكير فيه، ذلك أن عصر التفوق العسكرى الأمريكى الذى لا مجال لتحديه من زاوية تمدد الذراع العسكرية لواشنطن بصورة لم تحدث من قبل، مما يجعل الولايات المتحدة تتحول من قوة عظمى إلى إمبراطورية وما يكسبها قوة إمبريالية تمتلك القدرة على معاقبة المناهضين لها، وأن تصوغ القواعد العريضة للعبة منفردة بل هناك من يصفها بأنها قوة أكبر من الإمبريالية فى عصر ما سمى "النظام الدولى الأمريكى"، حيث تحتفظ بحلفاء تابعين وشبكات استخبارات كبيرة، كما تستحوذ على خمس مجموعات من أنواع الوجود العسكرى على مستوى المعمورة، إلى جانب جيش ضخم من مليون من الرجال والنساء منتشرين فى خمس قارات، كما توجد لديها مجموعات مقاتلة محمولة تقف على أهبة الاستعداد فى كافة المحيطات، إلى جانب امتلاكها لنحو 30% من الناتج الاقتصادى العالمى (22).
مثل هذه الموارد الهائلة دفعت هذا الفريق إلى التفاؤل بازدياد وليس نقصان موارد القوة الأمريكية بمرور الوقت، ويرى أيضا أن الولايات المتحدة لن تسلك الطريق نفسه الذى سلكته من قبل إمبراطوريات، مثل أسبانيا وبريطانيا وحتى الاتحاد السوفيتى ولكن الماضى "المجيد" للولايات المتحدة الذى يؤسس عليه هذا الفريق رؤيته سالفة الذكر قد لا يصلح لأن يكون دليلا موجها لمستقبل القوة الأمريكية القريب، مما جعل البعض يرى أننا فى بداية نهاية عصر أمريكى طال كثيرا (23) وفى ذلك، يعترض "مايكل كوكس" Cox على مقولة إن الولايات المتحدة تمثل إمبراطورية شديدة الخصوصية عما سبقها من إمبراطوريات بزعم أنها لم تسع إلى احتلال أراضى الآخرين أو أنها تقود قضية الحرية السياسية فى العالم، هذا إلى جانب أن العالم نفسه صار أكثر تعقيدا وتركيبا وأكثر تنوعا، وأنه صار عصيا على التحكم فيه من قبل قوة ما منفردة (24).
الحدود التاريخية والمعاصرة للإمبراطورية:
فقد أبرزت خبرة الإمبراطوريات التاريخية عدة دروس تنطبق على الظروف العالمية المعاصرة، ومن أهمها أنه لم توجد دولة تستطيع بمفردها أن تمارس نفوذا فائق القوة فى مختلف الأوقات وفى ظل ظروف العولمة، حيث تنتقل الأموال بسرعة غير عادية فى عالم بلا حدود، يصبح من الصعوبة بمكان على أية دولة، حتى لو كانت بقوة الولايات المتحدة، أن تتحكم تماما فى العلاقات والسياسة الدولية ورغم الإمكانيات الاقتصادية الكبيرة للولايات المتحدة التى أعطتها قدرة عسكرية هائلة، إلا أن هذه الإمكانيات لا تجعل الولايات المتحدة بنفس القوة التى كانت عليها منذ عقدين من الزمن كمثال، قبل أن تتحول أوروبا والصين إلى فاعلين اقتصاديين قويين، كما تعد القوة الأمريكية الآن أقل مما كانت، عليه بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، عندما كانت واشنطن تستحوذ على نحو 70% من الموارد المالية للعالم (25) غير أن الولايات المتحدة لا تزال تملك نحو 30% من الناتج العالمى وتتفوق بصورة مطلقة بنسبة 40% على أقرب منافسيها، كما لا تزال قوة الدولار والأسواق المالية فى وول ستريت تشكل مركز النظام المالى العالمى وإذا لاحظنا أن زمن العولمة يشهد استمرار تحكم الدول فى جزء مهم من الاقتصاد العالمى، كما لا تزال توجد موارد مالية هائلة فى حوزة الحكومة الأمريكية لا تعطيها فقط دورا مؤثرا فى تشكيل القاعدة المادية التى يعيش عليها الأفراد، وإنما تعطيها أيضا نفوذا ضخما فى قطاعات ومؤسسات تدير الاقتصاد العالمى، فإن ـ وكما سوف يأتى لاحقا ـ تحكم الولايات المتحدة فى مثل هذه القطاعات والمؤسسات ليس تاما، إلى جانب أن قراراتها ومخرجاتها لا تتوافق دائما مع ما ترغب فيه واشنطن، وإن كانت قادرة على التحكم فى آليات عملها، فعلى حد قول "جوزيف شتيلجتز"، أحد أبرز موظفى صندوق النقد الدولى، بصراحة إن برامج الصندوق تمليها واشنطن (26).
تتحدد الإشكالية هنا فى واقع أن المقومات المادية أو عناصر القوة الخالصة التى تجعل الولايات المتحدة أكثر قوة ومناعة هى ذاتها التى تقيد قدرتها على فعل ما تستطيع القيام به فحيث تشير أدبيات الاجتماع السياسى، وخصوصا كتابات ماكس فيبر، إلى التفرقة بين القوة والسلطة، فالسلطة غير المقيدة ليست بعيدة عن إفساد من يمارسونها وهذا ما حدث منذ تولى بوش الابن الرئاسة حيث امتلكت الولايات المتحدة إمكانات هائلة بعد عقد من تجديد قوتها، مما جعلها تبدو لا منافس لها فى عالم أحادى القطب، ولكن إدارة بوش الابن تعمدت حصر القوة الأمريكية بطريقة تسببت فى عدم ارتياح الآخرين فى أفضل الأحوال، وفى غضب شديد على أسوأ الظروف فقد كثفت هذه الإدارة من استخدام سياسة الانتقام مع شن العدوان على العراق فى مارس 2003، ولم يحدث أن شنت واشنطن حربا، بعدد قليل جدا من الحلفاء المتحمسين مع استثناء وحيد هو حربها على فيتنام فى ستينيات القرن الماضى إذ أثارت الحرب على العراق ـ وحتى قبل أن تبدأ ـ معارضة عالمية واسعة النطاق، وهذه المعارضة لم تكن بسبب انعدام التعاطف مع الهدف من الحرب وإنما لأن الكثيرين نظروا إليها باعتبارها سياسة أكثر عدوانية لدولة بالغة القوة يقودها رئيس قليل الاكتراث بالرأى العام العالمى تلك كانت حادثة نادرة فى التاريخ لدولة قامت بحشد هذه القوة الصلبة الهائلة فى وقت قصير، كما لم توجد دولة افتقدت كثيرا لموارد القوة الناعمة مثل الولايات المتحدة.
ومن جانب آخر، وفيما يتعلق بالملابسات التى تمارس فى ظلها الولايات المتحدة قوتها، يرى "جوزيف ناى الابن" أن الولايات المتحدة ربما تكون هى القوة العظمى الوحيدة، ولكن ذلك لا يعنى بالضرورة أن تستطيع التصرف بانفراد وتأمل فى الوقت نفسه فى الإبقاء على علاقات حميمة مع دول أخرى (27)، وإذا كان تشكيل تحالفات دولية مسألة جيدة، وخصوصا تلك التى تتم برغبة طوعية فإن هذه التحالفات إذا فرضت عن طريق التخويف لا القبول تفشل وإن كان المدافعون عن اتجاه الهيمنة يزعمون أن واشنطن قامت بذلك فعلا فى حربها على العراق، وأن هناك تحالفا هو الذى فاز فى العراق، فإنه يرد على ذلك بأن الإمبراطوريات الأكثر أمنا فى التاريخ هى تلك التى تمكنت من القيادة المقبولة طوعا وليس عن طريق الإجبار ومع أن الولايات المتحدة لديها مجموعة من الأصدقاء حول العالم، إلا أنها تحرص على اختبار ولائهم إلى أقصى حد ويثير هذا الموضوع مسألة الشرعية عموما والمشكلة التى تعانى منها واشنطن بعد انهيار الاتحاد السوفيتى فى كيفية إضفاء الشرعية على ما تقوم به فى الخارج.
ومن أهم الملامح المتفردة للمكانة الإمبريالية للولايات المتحدة أن قليلا من الأمريكيين يشعرون فعلا بأنهم مكترثون بالماضى أو يفكرون فيه عندما يقيمون تلك الإمبراطورية بفوضوية، ويرتب ذلك تداعيات خطيرة، من أهمها أن تصرفات الولايات المتحدة ـ وخصوصا فى العراق ـ يتم تسويقها أساسا للجمهور المحلى، مما يجعل واشنطن معرضة لاتهام مستمر بالنفاق وازدواج المعايير كما توجد صعوبة فى بناء فضاء محلى قوى يدور فيه الجدل حول الممارسات الأمريكية فى الخارج.
بيد أن مفهوم الإمبراطورية ليس، فى الواقع، من المفاهيم الشائعة فى التاريخ الأمريكى، بل يعتقد بعض الأمريكيين أن عصر الإمبراطورية قد ولى ويلاحظ أن مفهوم الإمبراطورية استخدمه اليسار الأمريكى تحديدا فى معرض هجومه على السياسة الأمريكية فى الستينيات من القرن العشرين، لكن اليمين المحافظ الجديد مارس مضمون المفهوم بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 رغم إنكاره لمقولة إن الولايات المتحدة تشكل إمبراطورية، وإنكاره السلوك الإمبراطورى أساسا وما يدل على تلك الممارسة الفعلية للسلوك الإمبراطورى أن إدارة بوش الابن لم تلجأ لأشكال الردع القديمة ولم تتبن التصورات التقليدية حول مصادر التهديد، بل صارت تفرض النمط الخاص من "السلام" فى عالم يعج بالفوضى، فإدارة بوش الابن تزعم أنها تخوض حربا شرسة من أجل السلام وحماية وتوسيع إمبراطورية الحرية ولكن هذا الزعم يدل على أن الولايات المتحدة تعطى نفسها دورا عالميا منفردا فى وضع المعايير، وتحديد التهديدات، واستخدام القوة، وتنحية العدالة (28) وقد تحدث كثير من الباحثين عما تواجهه الإمبراطورية الأمريكية "الجديدة" من متاعب، وأبرز مثال على ذلك موقفها فى العراق، الذى يقدم مثالا على تهديدات متتابعة مترتبة على سلوك قوة إمبراطورية، توقعها فى مآزق خطيرة (29).
ويرى "مايكل إيجناتييف"، أحد أبرز علماء العلاقات الدولية المعارضين للتوجه الإمبراطورى الأمريكى، أنه رغم امتلاك الولايات المتحدة أصولا هائلة ونفوذا عالميا من دون منافس، فإنه لا يوجد لديها إدراك حقيقى لذاتها كقوة عالمية، وبالتالى فليس لديها أيديولوجيا تحدد ما تسعى إلى تحقيقه عالميا ومما يثير الدهشة أن الأمريكيين ليسوا راغبين فى دفع الثمن أو الذهاب بعيدا فى مجال بناء ما يتصورونه نظاما عالميا جديدا تحت الهيمنة الأمريكية (30).
وهذا ما توضحه استراتيجية بوش الابن والتى هدفت إلى التخلص من العقبات المفروضة عليها من قبل "العالم الحقيقى أو الواقعى" لا المتخيل، ولجأت إلى العمل الانفرادى، ويعبر ذلك عن مسلك محفوف بالمخاطر كلف الولايات المتحدة الكثير منذ تولى بوش الابن الرئاسة.
وفيما يتعلق بالسياسة الأمريكية تجاه الأمم المتحدة، والتى تتسم بالتقليل من شأنها وكذلك عدم الالتزام بالقانون الدولى فقد أثار ذلك تخوف غالبية بلدان العالم، وصار الخطر يتمثل بالنسبة لهم فى أن الولايات المتحدة لم تعد دولة بين دول، بل إمبراطورية بين دول، وهذا يسهم فى فهم لماذا تتصرف الولايات المتحدة هكذا، ولماذا يقلق المجتمع الدولى من تصوير ذاتها وممارسة سلوكها كقوة إمبريالية لا يتحداها أحد ويرى البعض أن المجتمع الدولى يجب أن يقر بذلك من منطلق أن الإمبراطوريات تحتفظ بالحق فى التصرف تبعا لمصالحها الذاتية، انطلاقا من وجهة النظر الإمبراطورية بأن القوة تخلق الحق وعلى المجتمع الدولى أن يتذكر أن القوة العسكرية كانت هى بداية الإمبراطورية وكذلك نهايتها، وأن الإمبراطوريات تسعى لإضعاف القانون الدولى والمؤسسات متعددة الأطراف لتعزيز قدرتها على المناورة والإبقاء على الهيمنة ومن أهم أسباب الاضطراب والسخط على الولايات المتحدة هو حقيقة أن الكثيرين فى العالم اعتقدوا بما ذكره "فرانسيس فوكوياما" عقب نهاية الحرب الباردة من أن العالم دخل مرحلة "نهاية التاريخ"، ومن ثم فإن الممارسات الإمبراطورية والأشياء العدوانية الأخرى لن تحدث مجددا ولكن لجوء إدارة بوش الابن لاستخدام سياسة خارجية ممعنة فى النزعة العسكرية المفرطة جعلنا نصطدم باحتمال عودة التاريخ مرة أخرى، وأننا لسنا مجهزين لمثل هذا الموقف ولكن يبدو التناقض من أنه رغم كون الإمبراطورية الأمريكية تعد استمرارا للتاريخ، فإن التاريخ نفسه صار يتطور خارج إطار الإمبراطوريات، حيث نمر الآن بمرحلة من التطور تسبق مباشرة الاندماج العالمى الكامل، وهذا مفهوم أساسى فى إدراك لماذا تحتاج الولايات المتحدة إلى أن تعتبر نفسها إمبراطورية انتقالية، مما يجعلها الإمبراطورية الأخيرة باختيارها أو كضحية لهذا الوضع إن العالم يتحول بسرعة إلى الاندماج تحت تأثير العولمة الاقتصادية وتكنولوجيا الاتصال السريع، وفى عالم مندمج كهذا ينبغى أن يتغير أساس القيادة من السيطرة إلى العمل لحساب الآخرين، أو فى خدمة الآخرين، أو كمؤتمن على عمل معين وفى هذا العالم، تبرز أهمية القضايا الثقافية والانقسامات الاجتماعية أكثر من القوة العسكرية، كما يتصاعد تأثير قضايا الإثنية والدين على حساب قوة الدولة، ومن ثم فإن إدارة الدولة والمجتمع لا يمكن ممارستها باللجوء للحرب، ولا يمكن للقوة العارية أن تصنع أصدقاء أو أن تغير عقول الأفراد فى ظل بيئة مثل هذه، يتزايد الحيز الثقافى لإدارة المجتمع والدولة أو الحوكمة، والذى يجب أن يؤخذ فى الحسبان، فالمجتمع الدولى يقتضى توافر قيادة يجب أن تتسم بالحساسية أو شدة الإدراك للتباينات المجتمعية والثقافية وأيضا الظروف السياسية والاقتصادية، وهذا ما يتطلب قيادة تدعم من مؤسسات الاندماج العالمية المطلوبة لطرح هذه العناصر المعقدة معا فى إدارة عادلة للنظام العالمى، ينبع عن ذلك نوع من اندماج التنوع عبر الصبر والحلول الوسط، وهذا يستلزم بناء التوافق فى إطار من الاحترام المتبادل والقواعد والإجراءات الدولية، والقيادة الناجحة هنا تتم عبر ممارسة النفوذ وليس الإجبار، وتمكين الآخرين وليس ممارسة القوة تجاههم ويرى البعض أن التجاذب بين القوة الأمريكية غير المنازعة والمحكومة بالنزوع العسكرى والفعل الانفرادى والحاجة إلى عالم مندمج يتميز بالتنوع الثقافى ويتطلب روح العمل فى خدمة الآخرين أو كمؤتمن حتى يدار بكفاءة ـ هذا التجاذب هو الإطار الذى تلعب فيه الإمبراطورية الأمريكية دورها المتفرد والمتميز خلال القرن الحادى والعشرين، وعلى أساسه سوف يتشكل كل من أمريكا والعالم إلى الأفضل أو الأسوأ وفى مجال وصف الولايات المتحدة بأنها إمبراطورية وتوصيف نوعية القوة التى تلجأ إليها، يذهب البعض إلى تطبيق أحد المفاهيم الشائعة عن القوة، وهو مفهوم ـ القوة الإكراهية أو الجبرية ـ (31) the compulsory power والذى يشير إلى مجموعة من العلاقات بين الفاعلين تمكن أحدهم من تشكيل ظروف وأفعال طرف آخر بصفة مباشرة ويقترب هذا التعريف من ذلك الذى قدمه ماكس فيبر من أن القوة تعنى وجود فاعل فى علاقة اجتماعية معينة لديه إمكانية تجعله فى وضع إنفاذ إرادته رغم مقاومة الآخرين، بغض النظر عن الأساس الذى تبنى فيه هذه الإمكانية بعبارة أخرى، هو ممارسة نفوذ على سلوك الآخرين عبر عقوبات سلبية والأمر الأساسى هنا هو قدرة الولايات المتحدة ورغبتها فى استعمال التركز الهائل للموارد لديها فى التشكيل المباشر لأفعال الآخرين ويستند وصف الولايات المتحدة بأنها إمبراطورية على سعيها الواضح إلى استخدام الإجبار والترويع فى حالة الضرورة لاستمرار وتعزيز سيطرتها على المناطق والدول الأخرى وبالتالى، فإن التشديد على السيطرة على الآخرين يرتبط بالتأكيد بمفهوم القوة الإكراهية ولكن هذا المفهوم يثير أسئلة حول ما إذا كان تعريف الإمبراطورية يعتمد على النيات أم لا، فكثير من الجدل الراهن حول كون الولايات المتحدة إمبراطورية يتعلق بنياتها ومع أن نصيب الولايات المتحدة من الموارد المادية العالمية لم يتغير كثيرا خلال العقد الماضى ـ عقد التسعينيات من القرن العشرين ـ فإن التغير الذى حدث هو إصرار إدارة بوش الابن على استغلال الوضعية التى لا ينافسها فيها أحد لاستخدام القوة أو التهديد باستخدامها ضد الآخرين، وكذلك لتخويف من يتحدونها وهذا ما أتضح من استراتيجية الأمن القومى للولايات المتحدة لعام 2002، والتى عبرت صراحة عن هدف الحفاظ على الإمبراطورية فى الشكل إن لم يكن فى الاسم ولكن السؤال الذى يفرض نفسه هنا هو: هل توافر النية يجب أن يكون معيار تحديد وجود الإمبراطورية؟ وكما لاحظنا من تعريف مفهوم القوة الإكراهية أنه لا يتوقف على النيات لممارسته، فهذه القوة تمارس حتى لو كان من يسيطرون مباشرة على آخرين غير واعين بما تنتجه أفعالهم من تبعات غير مقصودة فدولة ما ليست لديها نية لإقامة أو المحافظة على إمبراطورية، فى حد ذاتها، قد تلجأ، مع ذلك، لممارسة السيطرة المباشرة بمعنى قريب مما تقوم به الإمبراطوريات فإذا كانت القوة الإكراهية هى الأمر الأساسى هنا، فقد لا يوجد الدليل على وجود إمبراطورية من النيات ولكن فى التداعيات المترتبة على أفعال الإمبراطورية ومن جانب آخر، يثير مفهوم القوة الإكراهية التساؤل حول إمكان الاعتماد على الوسيلة الإجبارية كضرورة لتحديد الإمبراطورية أم لا، ومع أن مفهوم القوة الإكراهية يعنى أساسا بالسيطرة المباشرة على الآخرين، فإنه يقر بوجود مستوى عال من التكنولوجيا يسمح لطرف ما بالتحكم فى سلوك وظروف طرف آخر، مما يعنى أن الإمبراطوريات التى تستخدم الوسائل العسكرية يمكن لها أيضا أن تستعمل تكتيكات أقل إكراها (32) وتدل سياسات اليمين المحافظ الجديد التى تطبقها إدارة بوش الابن على ذلك الأسلوب، فهى تستعمل وسائل متعددة فى خدمة أدوات أحادية الجانب كدليل على السعى الإمبراطورى، ويعنى هذا الانتقال من استراتيجية كبرى تدور حول القوة المؤسسية إلى استراتيجية أخرى تركز أساسا على استعمال القوة الإكراهية كدليل على المكانة الجديدة للولايات المتحدة كإمبراطورية تستند هذه الفكرة على تفسير أسباب استمرار الهيمنة الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية، والتى تختلف عما سبقها من خبرات دول أخرى بما فيها الإمبراطوريات الاستعمارية، كما برهنت خبرة ما بعد هذه الحرب على أهمية الإقرار بأن حكم العالم عن طريق القوة الجبرية لم يقدر له الاستمرار، وفضلت الولايات المتحدة آنذاك إقامة مؤسسات دولية قادرة على تعزيز المصالح والقيم الأمريكية، وبعبارة أخرى، لم تنبع الهيمنة الأمريكية من قوتها المتعددة الأبعاد، بل من إنشاء مؤسسات متعددة الأطراف أسبغت الشرعية وقيدت فى الوقت نفسه من القوة الأمريكية، وأسهمت فى إضفاء الطابع الديمقراطى على عملية صنع القرار حيث تتمتع هذه المؤسسات باستقلال نسبى عن الولايات المتحدة، وتسيطر عليها دول أخرى ولو جزئيا، مما لا يجعلها تابعة تماما لواشنطن، حتى لو كانت هذه المؤسسات تجسد المصالح الأمريكية ولكن لجوء إدارة بوش الابن لآليات العمل الأحادى بدلا من عمل متعدد الأطراف جعل الخبراء والمراقبين يعيدون وصف الولايات المتحدة كقوة إمبريالية هناك نوع آخر من القوة تتمتع به الولايات المتحدة، هو القوة المؤسسية the institutional power، وهذا المفهوم يختلف عن مفهوم القوة الجبرية من حيث إنه يعنى سيطرة فاعل على آخرين بطرق غير مباشرة، وهذا ما يتم عبر مؤسسات رسمية وغير رسمية تتوسط العلاقة بين الطرفين، يتم فى إطارها تقييد أفعال وظروف الآخرين، فالولايات المتحدة تمارس هذا النوع من القوة ويمكن القول هنا إن عدم وجود صراع مفتوح لا يعنى غياب القوة، فالمؤسسات الدولية قد تخدم الأهداف الأمريكية، وتقلل من فرص أية معارضة محتملة لهذه الأهداف هذا فضلا عن أن هذه المؤسسات خلقت توزيعا عشوائيا للمنافع، بحيث صارت الولايات المتحدة هى المستفيد الأكبر ولا تزال الولايات المتحدة تمارس ولكن بشكل غير مباشر وعبر مؤسسات دولية، حيث تلجأ لتجنب استخدام وسائل أحادية للسيطرة لصالح أدوات مؤسسية غير مباشرة فى التأثير ولأن الرأسمالية عالمية ومتعدية للأقاليم والحدود، فقد أسهمت جزئيا فى تكوين الولايات المتحدة كدولة رأسمالية وهذه السمة ترتبط بالحكم التسلطى لرأس المال العالمى ومن هنا، فإن الرأسمالية تؤدى دورا عالميا ومع أن الولايات المتحدة تلعب دورا مهما فى تنظيم الاقتصاد العالمى عبر فتح مناطق جديدة، فإنها تعمل مع فاعلين من الدول ومن غير الدول للمحافظة على الرأسمالية العالمية وعلى توسعها ومن ناحية أخرى، فإن إدارة الاقتصاد العالمى تتم عبر كل من القهر والرضا معا وقد أبدت الولايات المتحدة رغبتها فى استخدام القوة العسكرية للإبقاء على الاستقرار الاقتصادى العالمى، ومن ثم الاستقرار السياسى ـ الاجتماعى ولكن البعض يرى أنه رغم تراجع القوة الأمريكية من حيث الموارد المادية، فإنها تمثل ذروة الإمبراطورية عابرة القوميات والتى تعطيها القدرة على تشكيل أبنية الأمن والمال والمعرفة والإنتاج، والتى تعمل لصالح الولايات المتحدة وتحد من فرص الدول الأخرى (33) ويذهب البعض الآخر إلى أن القوى الليبرالية الغربية الكبرى حاولت استخدام مصادر قوتها بعد الحرب العالمية الثانية لإنشاء آليات حوكمة دولية من أجل الحفاظ على قوتها ونشرها على نطاق واسع (34) والسؤال هنا هو: كيف تستطيع القوى الكبرى تحديد مضمون واتجاه الحوكمة العالمية عبر استعمال قوتها المادية الحاسمة، ليس فقط فى تعيين المناطق التى تتم السيطرة عليها ولكن أيضا فى التوجيه المباشر لأعمال القوى الأضعف حتى تتكيف مع مصالحها؟ ومن أبرز الأمثلة هنا جهود الولايات المتحدة فى تحديد ميادين عمل المحكمة الجنائية الدولية عبر الإغراء بالحوافز لدول مستهدفة بعينها، وكذلك العلاقة الخاصة بين الدول الأوروبية وبعض مستعمراتها السابقة بالنسبة لبنود منظمة التجارة العالمية (35).
تحديات القوى البازغة الجديدة:
يشهد القرن الحادى والعشرون صعود قوتين اقتصاديا وسياسيا هما الصين والهند، حيث يقدر الاحتياطى النقدى من العملات الصعبة لدى الصين بتريليون دولار، وفى الوقت نفسه ينمو قطاع التكنولوجيا العالية بسرعة فى الهند، وكل من الهند والصين قوة نووية ولديهما أسطول بحرى قوى وتتوقع مصادر موثوقة مثل المجلس الوطنى للمخابرات the National Intelligence Council، وهو مجموعة بحثية أو مركز تفكير مؤثر تابع للحكومة الأمريكية، أن تصبح الصين ثانى أكبر اقتصاد فى العالم، والهند كرابع أكبر اقتصادات العالم، مع حلول عام 2025، ومثل هذا التطور يفتح الطريق أمام عالم متعدد الأقطاب ويشكل هذا التغير البنيوى تحديا بارزا للمؤسسات العالمية التى تسيطر عليها الولايات المتحدة منذ عقد الأربعينيات من القرن الماضى، وهى التى تعمل على تحرير التجارة العالمية وفتح أسواق رأس المال وحظر الانتشار النووى، كما تمكنت ـ من وجهة النظر الأمريكية ـ من ضمان حد أدنى من السلام والرفاهية (36) ، ناهيك عن المكاسب التى جنتها واشنطن من هذه المؤسسات بيد أن عدم اندماج الصين والهند فى هذه المؤسسات يعنى غموض مستقبل النظام العالمى برمته.
ويلاحظ الكثيرون أن إدارة بوش الابن لم تأخذ هذا التحدى على محمل الجد عبر ست سنوات من الحكم، ذلك أن لجوءها للعمل الانفرادى - كما فى العراق - عرض السياسة الخارجية الأمريكية للنقد، وإن كان الخلاف حول احتلال العراق ألقى الضوء على ما تتسم به إدارة بوش الابن من براجماتية وانتقائية فى العمل متعدد الأطراف إذا ما اضطرت للجوء إليه، حيث سعت الاستراتيجية الكبرى لهذه الإدارة إلى إعادة تشكيل سياسة واشنطن الخارجية والمؤسسات الدولية من أجل التحسب للتغيرات فى التوزيع العالمى للقوة فقد أعادت هذه الإدارة توزيع موارد السلطة التنفيذية بغرض التركيز على القوى الدولية البازغة، وحاولت تأكيد أن هذه القوى تكسب فعلا من النسق العالمى الذى تشيده واشنطن، ومن ثم دعمت واشنطن تصورات وملفات هذه القوى فى محافل دولية عديدة، من صندوق النقد الدولى إلى منظمة الصحة العالمية، وبشأن قضايا خلافية، مثل الانتشار النووى والعلاقات المالية والبيئة، ولكن هذه الأمور تتعلق فقط بالمستوى الأدنى من السياسات العالمية لا بقضايا تحتل الأولوية لدى إدارة بوش الابن، مثل الحرب الدولية على الإرهاب وهنا، يرى البعض أن بوش الابن يعيد دعوة والده بوش الأب إلى نظام عالمى جديد، ولكن عبر إنشاء نظام عالمى جديد للجديد ذاته أو أكثر جدة (37).
أضحت الهيمنة الانفرادية للولايات المتحدة على المؤسسات والأحلاف الدولية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وكأكبر القوى الغربية المستفيدة من هذه المؤسسات والأحلاف محل تساؤل فى ضوء تراجع المكانة النسبية لواشنطن، والنفوذ التقليدى كذلك فى صندوق النقد الدولى والبنك الدولى واتفاقيات الجات وحلف الناتو فقد صار توزيع القوة فى العالم مختلفا، وفى ذلك تتوقع مؤسستا "جولدمان ساكس" والبنك الألمانى فى تقرير مشترك أن إجمالى الدخل القومى للبرازيل وروسيا والصين والهند سوف يتفوق مع حلول عام 2010 على نظيره فى الولايات المتحدة واليابان وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا، وسوف يشهد عام 2025 بلوغ هذا المجموع للدول الأربع سالفة الذكر ضعف ـ أى مرتين ـ نظيره للدول السبع الصناعية الكبرى (38) ومن الملاحظ أن الإدارات الأمريكية منذ انتهاء الحرب الباردة لم تحفل كثيرا بصعود نفوذ ومكانة القوى الدولية الجديدة مثل الصين والهند، وخصوصا فى إطار أن إنشاء منظمة التجارة العالمية، وتوسيع حلف الناتو فى شرق أوروبا، وامتداد أعماله السياسية والأمنية إلى مناطق أخرى مثل البلقان وجنوب البحر المتوسط، دعم من المكانة الأمريكية كقوة عظمى وحيدة.
ولكن هذه المكاسب الأمريكية، من ناحية أخرى، أثارت احتجاج القوى الدولية الجديدة، فهى تعتقد أن هياكل الإدارة الدولية تعمل ضدها، ومن ذلك انفراد صندوق النقد الدولى بحل الأزمة المالية الآسيوية فى التسعينيات، مما أدى لاستياء الدول الواقعة على الساحل الباسيفيكى، كما شعرت الهند بالإحباط إزاء رفض الولايات المتحدة لتجاربها النووية عام 1998، كما استاءت من وضع واشنطن سياستها تجاهها فى إطار إقليمى أوسع هو الأمن شرق الآسيوى وكانت الصين أيضا حانقة من المفاوضات المطولة والمبالغ فيها حول انضمامها لمنظمة التجارة العالمية، وكذلك إزاء قصف طائرات الناتو الحربية لكوسوفو وجمهورية صربيا، والذى أدى لتدمير مقر السفارة الصينية فى بلجراد، وتعمد واشنطن اختراق سيادة الدول بزعم حماية حقوق الإنسان، إلى جانب تجاهل واشنطن للأمم المتحدة والعمل من خلال حلف الناتو، مما يقلل بالتأكيد من التأثير الصينى فى السياسة الدولية بيد أن إدارة بوش الابن أدركت، ومنذ بداية وجودها فى السلطة، أهمية إعطاء الأولوية للمصالح القومية العليا لواشنطن بالمفهوم التقليدى فى علاقتها بقوة كبرى بازغة مثل الصين، كما أيقنت أن تنامى النفوذ الإقليمى للصين فى آسيا إنما يجسد تراجعا واقعيا فى القوة العالمية للولايات المتحدة وقد أتضح ذلك التوجه مبكرا من اختيار سياسة التجاوز السريع للأزمة مع الصين، والناتجة عن اعتراض سلاح الجو الصينى لطائرة التجسس الأمريكية فى أبريل 2001، والذى تم قبل وقوع هجمات الحادى عشر من سبتمبر 2001 فقد أدرك بوش الابن أنه ورغم فعالية الخطاب المتشدد ضد الصين، فإن ذلك يجب أن يتلاشى أمام المصلحة القومية العليا لواشنطن ومن ثم، يلاحظ تراجع النظر للصين باعتبارها منافسا استراتيجيا للولايات المتحدة لحساب تأكيد متانة العلاقات بين البلدين ومع أن الصين ـ بدورها ـ بدت مستاءة من الوجود العسكرى الأمريكى المتزايد فى آسيا الوسطى، إلا أنها ظهرت متفقة فى الموقف مع الولايات المتحدة فيما يتعلق بمواجهة الإرهاب العالمى.
ومن جانب آخر، عبر الصينيون مرارا عن رفضهم لأسلوب العمل الانفرادى للولايات المتحدة تحت إدارة بوش الابن وللحرب ضد العراق، لكنهم لم يسمحوا لذلك الرفض بإفساد العلاقة الثنائية ومن جانبها، لم تعبر إدارة بوش الابن عن رفض قوى لنكوص الصين عن وعودها بضمان استمرار الحريات المتاحة لسكان مقاطعة هونج كونج بعد عودتها لبكين، بل اكتفت بإبداء تحفظ هادئ، كما لم يتسبب قيام الصين ببيع التكنولوجيا النووية وتكنولوجيا الصواريخ فى إثارة أزمة بين الدولتين، حيث تابع الصينيون بيع مواد مزدوجة الاستعمال فى المجال النووى لكل من إيران وباكستان، وحصرت الاعتراض فى حدود الشكوى كذلك، لم تقم إدارة بوش الابن بعمل جدى تجاه طلب الكونجرس ممارسة ضغوط على الصين لتعديل الاختلال فى الميزان التجارى بين البلدين لصالح الصين، وطرح الصينيون أيضا وعودا فقط فى ميدان مواجهة الانتشار النووى، وقرصنة أفلام السينما، وبرامج الكمبيوتر المتقدمة.
هذا فضلا عما يتصل بالموقف من تايوان ففى حين عبر بوش الابن عن التزامه بالدفاع عن تايوان إذا ما تعرضت لهجوم من جانب الصين، لكنه وجد نفسه فى وضع صعب، فهو يرغب فى علاقة وثيقة مع الصين لأسباب مهمة، لكنه لا يسمح لنفسه ـ من جهة أخرى ـ بأن يتهم بخيانة مصالح تايبيه ذات النظام الديمقراطى ففى ديسمبر 2003، وإزاء تخوف قادة تايوان وأصدقاء تايبيه من الأمريكيين، حذر بوش الرئيس التايوانى "شون شوى بيان" "المعروف بميوله الصريحة بالاستقلال عن الصين" من الإقدام على عمل منفرد تجاه موضوع الاستقلال ومن اللافت للنظر أن ما تسبب فى مضاعفة أثر الصدمة من هذا التحذير أن بوش وجهه إبان لقاؤه مع رئيس وزراء الصين "وين جياباو" ويبدو أن كلا من واشنطن وبكين لم تكن راغبة فى فوز ـ بيان ـ برئاسة ثانية وفى ذلك دعت واشنطن بكين إلى مزيد من الصبر يذهب بعض الباحثين والخبراء إلى أن عدم قدرة الولايات المتحدة الأمريكية على استخدام القوة العسكرية والضربات الاستباقية والوقائية ضد إيران وكوريا الشمالية جعلها تسند مهمة إقناع الإيرانيين والكوريين الشماليين إلى مفاوضات متعددة الأطراف هذا فضلا عن أن رفض إدارة بوش التفاوض المباشر مع بيونج يانج قبل تسوية أزمة برنامجها النووى قدم هدية ثمينة للصين الراغبة أساسا فى حصار الهيمنة الأمريكية الاستراتيجية طويلة الأمد على آسيا ويرى البعض أن حرية الولايات المتحدة فى العمل سوف تستمر على هذا النحو بفضل سلبية "المجتمع الدولى" وحتى الآن، لا توجد دلائل قوية على أن الدول الكبرى الأخرى سوف ترفض قيادة أو تفوق الولايات المتحدة، إذا ما حرصت الأخيرة على طلب مشورتها وبينما يبدو أن العائق الأكبر أمام الفعالية الأمريكية هو ما يأتى من التفاعلات الداخلية، فإن استغلال التفوق سوف يقل أو يكثر استنادا إلى الخبرة، حيث يتصاعد إذا ما مرت الكارثة فى العراق وإذا حقق استخدام القوة نجاحا سهلا، لكنه سيتقلص إذا انهار العراق أو ظهرت أوجه فشل أخرى ويعتقد هذا البعض أن تراجع التفوق الأمريكى سوف يستغرق وقتا طويلا، وخصوصا فى حالة تزايد الخصومة مع منافس قوى مثل الصين ومن هنا، لن يكون مفاجئا أن يستمر استغلال الولايات المتحدة لتفوقها، وهو المنطق الذى يتماشى مع علاقات القوة كما يراها الواقعيون الذين يرحبون بهيراركية عالمية، ويتنبأون بعدم وجود تحد فعلى للهيمنة الأمريكية فى الأفق المنظور، بينما لا يرحب واقعيون آخرون بذلك، لأنهم يفضلون توازن القوة، ويتوقعون حدوث عدم استقرار إذا ما تزايد تحدى الهيمنة الأمريكية (39).
ويلاحظ أن إدارة بوش الابن قد انتهجت بالفعل سياسة العمل متعدد الأطراف مع قوى دولية أخرى، ولكن فى الإطار الذى يدعم الأهداف الأمريكية وتبعا لذلك، غضت إدارة بوش النظر عن مؤسسات دولية تبدو فعالة، مثل منظمة التجارة العالمية، بينما سعت لتعزيز القواعد والقرارات متعددة الأطراف ذات الأهمية الخاصة لواشنطن، كما فى اتفاقيات صندوق النقد الدولى أو قرارات مجلس الأمن الدولى بيد أن هذه الإدارة تخلت عن المؤسسات التى فشلت فى التجاوب مع الشروط التى وضعتها واشنطن مثل وكالات الأمم المتحدة الأخرى وقد شددت إدارة بوش فى استراتيجية الأمن القومى الأمريكى لعام 2006 على الموقف المزدوج للإدارة بالقول إن ما تخلص إليه القوة العظمى "يجب أن يحظى بالتأييد من قبل مؤسسات ملائمة إقليمية وعالمية لجعل التعاون أكثر دواما، وفعالية وواسع التأثير فى هذا الإطار، توجد مؤسسات يمكن إصلاحها لمواجهة تحديات جديدة، ينبغى إصلاحها بالتعاون مع شركائنا، فى حين أن المؤسسات التى لم توجد بعد، فينبغى أن ننشئها بالتعاون مع شركائنا" وهكذا، فالمؤسسات العالمية لن تكون مطلوبة عندما لا تتماشى سلطة صنع القرار داخلها مع نمط توزيع القوة، وهذا هو ما يتم بالفعل ومجلس الأمن الدولى نموذج واضح على ذلك، كما أن مجموعة الدول السبع الصناعية الكبرى مثال بارز، فقد تولت هذه المجموعة معالجة أشكال العجز فى الاقتصادات الكلية فى السبعينيات من القرن العشرين، وكانت ناجحة إلى حد ما فى المهمة فى عقد الثمانينيات عندما كانت تضم نصف النشاط الاقتصادى العالمى ولكن ورغم أن روسيا انضمت إليها فصارت مجموعة الثمانى، فإنها أثبتت عدم فعاليتها من دون إدخال الصين بقوتها الاقتصادية الهائلة فى مداولاتها.
ويبدو أن واشنطن تفضل فى هذه المرحلة تعزيز العلاقات الاقتصادية مع الصين فى صورة حوار استراتيجى اقتصادى ففى ديسمبر 2006 رأس وزير المالية الأمريكى وفدا من ستة مسئولين، وكذلك زار رئيس بنك الاحتياط الفيدرالى الصين، وتباحث حول قضايا تراوحت من التعاون فى مجال الطاقة مرورا بالخدمات المالية إلى سعر الصرف للعملة الصينية كما يظهر التعاون فى تسوية نزاعات مختلف عليها مثل الملف النووى لكوريا الشمالية، وأزمة دارفور، واستئناف جولة الدوحة للتجارة الدولية، والتشاور مع وكالة الطاقة الدولية حيث تحاول واشنطن جلب الصين إلى نادى القوى الكبرى وبشأن الهند، تكثف واشنطن تعاونها مع نيودلهى ففى عقد التسعينيات، اهتمت واشنطن بتسوية النزاع الهندى ـ الباكستانى حول كشمير، وكبح نزاع نووى محتمل ورغم أهمية باكستان كحليف فى مجال مكافحة الإرهاب، فإن العلاقات الأمريكية ـ الهندية شهدت دفئا ملموسا فى الأعوام الخمسة الأخيرة، وزار وزير التجارة الأمريكى الهند فى نوفمبر 2006 بغرض توسيع الحوار التجارى وفى عام 2006، تم التوصل لاتفاق ثنائى للتعاون فى ميدان الطاقة النووية للأغراض السلمية كاعتراف واقعى من الولايات المتحدة بالهند كقوة نووية، ويعزز الاتفاق التزام الهند بقواعد عدم الانتشار النووى فى برنامجها النووى السلمى، ولكنه يبقى على البرنامج العسكرى النووى الهندى خارج رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وقد وجه النقد لهذا الاتفاق لأنه يهدد اتفاقية حظر الانتشار النووى.
بيد أن إدارة بوش تجادل بأن الهند قوة بازغة كبرى وأنه لم يعد ممكنا حبس الجنى داخل القمقم، كما أنها دولة ديمقراطية، فلا خطر منها وطبقا لما ذكرته استراتيجية الأمن القومى للولايات المتحدة لعام 2006 فإنها تعتبر الهند دولة مسئولة وقادرة على الوفاء بالالتزامات العالمية بالتعاون مع الولايات المتحدة بطريقة تتناسب مع تصرف قوة رئيسية كما سعت إدارة بوش الابن لجذب دول نامية بازغة للمشاركة فى إعادة تشكيل المنظمات الدولية، حيث دعت كلا من البرازيل والهند وجنوب إفريقيا للتباحث معها فى إطار الاجتماع الوزارى لجولة الدوحة حول المحادثات التجارية فى سبتمبر 2003 ويدعو المفاوضون التجاريون الأمريكيون إلى مشاركة أكبر للصين على أمل أن الصين سوف تخفف من لهجتها المتحدية.
لكن هذه الجهود الأمريكية لم تسفر حتى الآن عن نتائج مرضية، فهى تشجع دولا معينة على المشاركة مثل الهند والصين وجنوب إفريقيا وكوريا الجنوبية، بينما لا تهتم بمواقف تكتلات أخرى أو دول أخرى فقد فشلت جولة الدوحة بسبب رفض الاتحاد الأوروبى تقليص الدعم للمنتجات الزراعية إذا لم توافق دول نامية ومتقدمة على فتح أسواقها فى مجال السلع غير الزراعية كما تحفظ البعض على الاتفاق النووى بين الهند والولايات المتحدة، فى الوقت الذى تأخذ فيه واشنطن مواقف متشددة من إيران وكوريا الشمالية من جهة أخرى، يرى خبراء أمريكيون أن جهود إدارة بوش الابن نحو تشجيع دمج الصين فى نظم الاقتصاد والأمن العالمية لم تسفر سوى عن تحول بطىء للصين من قوة ثورية فى النظام العالمى إلى قوة محافظة تدافع عن الأمر الواقع.
هناك صعوبة أخرى أمام محاولة واشنطن إعادة صياغة قواعد العمل بالمؤسسات الدولية فنظرا لأن اكتساب القوة يعتبر عملية صفرية أو لعبة صفرية، فإن أية محاولة لدعم وضع الصين والهند ودول أخرى بازغة داخل المؤسسات الدولية معناها فقدان دول كبرى أخرى كثيرا من نفوذها، وبالتالى سوف يسعى الخاسرون إلى مقاومة أو تخريب هذه المحاولات (40) ومع أن الدول الأوروبية لا تزال تتمتع بمكانة قوية، إلا أن النمو الاقتصادى والديموجرافى لا يصل إلى نظيره فى الدول البازغة أو الولايات المتحدة إن الدول الأوروبية التى كان لديها وضع متميز فى عدد من المؤسسات الدولية الرئيسية لعالم ما بعد الحرب العالمية الثانية توشك على فقدان الكثير فى عملية إعادة توزيع القوة التى تجرى لصالح الدول الواقعة على الساحل الباسيفيكى ونظرا لامتلاك الأوروبيين حق الاعتراض فى كثير من المنظمات الدولية، فمن المحتمل أن يقاوموا التحولات التى تقودها الولايات المتحدة، وقد زاد نفوذ الأوروبيين بعد أن صار الاتحاد الأوروبى كتلة تصويتية كبيرة من 25 صوتا للدول الأعضاء من جانب آخر، فمن المتوقع أن تساند الدول النامية، التى تقف على هامش النظام الاقتصادى العالمى، المقاومة الأوروبية للمحاولات الأمريكية، وذلك لأن واشنطن تستخدم آلية التعاون متعدد الأطراف بصورة انتهازية لتحرير نفسها أساسا من القيود التى تفرضها الترتيبات السابقة على هذه الآلية، بل إن المعارضة واسعة النطاق عالميا للأمركة تجعل من الصعب على هذه الدول الترحيب بالتعاون مع واشنطن فى هذا الصدد.
التراجع فى مناطق نفوذ تقليدية:
يبدو من الغريب أن تسعى الولايات المتحدة لعدم مكافأة حلفائها التقليديين فى أوروبا، ومكافأة حكومات تمتلك أجندة لا تتوافق مع الأهداف والمصالح الأمريكية، بيد أن البديل لذلك يثير متاعب فلو كانت هذه الحكومات غير مندمجة فى النظام العالمى، فقد تسعى فيما بينها لتأسيس منظمات دولية تصطدم بالضرورة مع المصالح الأمريكية وقد شهدت السنوات القليلة الماضية تفعيل جماعات غير فعالة مثل حركة عدم الانحياز، مستفيدة من التيار المناهض للأمركة وقد بدأت الصين بالفعل بتأسيس هياكل تنظيمية خارج متناول واشنطن، مثل مجموعة شنغهاى المكونة من الصين وقرغيزستان، وقازاقستان، وروسيا، وطاجيكستان، وأوزبكستان (مع الهند وإيران ومنغوليا وباكستان كمراقبين) والتى تعمل على تنمية التعاون العسكرى وفى مجال الطاقة وكان الرئيس الإيرانى أحمدى نجاد قد اقترح أمام قمة المجموعة فى يونيو 2006 أن تتصدى المجموعة لتهديدات قوى الطغيان باستخدام القوة والتدخل فى شئون الدول الأخرى، وقد أكد البيان الصادر عن القمة هذا المعنى، منبها إلى أن ـ الاختلافات فى التقاليد الثقافية والنظم السياسية والاجتماعية، وأن قيم ونماذج التنمية التى ترسخت عبر التاريخ لا ينبغى اعتبارها ذريعة للتدخل فى الشئون الداخلية للدول الأخرى (41).
وقد سعت الصين أيضا إلى اجتذاب الدول الغنية بالموارد الطبيعية، وهو ما تجلى فى القمة المشتركة مع إفريقيا التى استضافتها بكين فى أكتوبر 2006 وحضرها أكثر من 40 رئيسا إفريقيا من أجل تأكيد الرغبة المستمرة فى النفاذ إلى القارة الغنية بالطاقة (42) ومن نافلة القول إن واشنطن تفضل أن تقوم الصين والهند بتطوير مصالحهما فى إطار القيادة الأمريكية لهياكل السياسة الدولية وليس خارجها.
من ناحية أخرى، تتراجع المكانة الأمريكية فى أمريكا اللاتينية مع صعود تيارات وحركات وأحزاب اليسار فى أكثر من 14 دولة من دول القارة العشرين منذ عام 2000 لقد كانت واشنطن تعتبر هذه القارة مجال نفوذها التقليدى من دون منافس منذ صدور مبدأ مونرو عام 1823، حيث عُدت أمريكا اللاتينية "الحديقة الخلفية"، وقامت طوال القرن العشرين بفرض نظم ديكتاتورية عسكرية ودعمها فى مواجهة الحركات الثورية اليسارية وقد عبرت مصادر أمريكية عديدة عن القلق من فقدان النفوذ المهيمن للولايات المتحدة هناك ووجهت النقد لما سمته تجاهل كل من إدارتى كلينتون وبوش الابن للمنطقة لكن وجهة نظر راديكالية أمريكية تذهب إلى أنه لا يمكن إرجاع تقلص النفوذ الأمريكى لأخطاء السياسة الأمريكية تجاه المنطقة، ولا إلى قرارات شخصية لهذا السياسى أو ذاك فى واشنطن (43) فالأسباب الفعلية تتعلق بالتغيرات الهائلة فى الاقتصاد العالمى، والآثار الكارثية لسياسات النظم الحاكمة اليمينية هناك، والمدعومة من واشنطن إبان سيطرة هذه النظم على السلطة.
إن التغيرات الاقتصادية العاصفة التى جاءت بها العولمة تشتمل على التراجع النسبى لمكانة الرأسمالية الأمريكية فى مواجهة نظيرتها من أوروبا الغربية، إلى جانب بزوغ قوة الصين كعملاق اقتصادى فمنذ بداية عقد التسعينيات من القرن الماضى، سجل الاتحاد الأوروبى تفوقا ملموسا على الولايات المتحدة كمصدر رئيسى للاستثمار الأجنبى المباشر والتجارة مع دول أمريكا اللاتينية (44)، بينما احتفظت الولايات المتحدة بالصدارة فى بعض الصادرات للقارة، وذلك فقط بفضل اتفاقية منطقة التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (النافتا) المبرمة عام 1993، وبموجبها يذهب ثلثا الصادرات الأمريكية للمنطقة إلى المكسيك وحدها علما بأن كثيرا من هذه الصادرات عبارة عن مكونات سلعية ترسل عبر الحدود لمزارع أعدت فى المكسيك خصيصا لاستغلال الأيدى العاملة المكسيكية الرخيصة لإنتاج سلع للسوق الأمريكية.
من جانب آخر، صارت الصين تشكل مصدر إزعاج حقيقيا للولايات المتحدة لدورها المتنامى جنوب القارة، حيث قام الرئيس الصينى هو جينتاو ونائبه زينج كينجهونج بزيارتين للقارة فى عامى 2004 و2005 أسفرتا عن توقيع اتفاقيات تجارية وعسكرية، وتحولت المنطقة إلى مصدر أساسى للمواد الخام التى تحتاج إليها الصناعات الصينية كما زادت الصادرات الصينية لبلدان القارة بمعدل ستة أمثال عبر السنوات الست من 2000 إلى 2006، ومن المتوقع أن تصل قيمتها إلى نحو 100 مليار دولار سنويا مع نهاية العقد الحالي ومن أجل ضمان النفاذ إلى الموارد الاستراتيجية الناضبة، تعهدت الصين باستثمار مبالغ هائلة تقدر بـ100 مليار دولار فى شق الطرق وبناء الموانئ ومرافق البنية الأساسية الأخرى على مدى العقد القادم، كذلك قامت الصين بتنفيذ عدد من المشاريع الرئيسية، بما فيها صناعة النفط فى فنزويلا والغاز الطبيعى والمعادن فى بوليفيا (45).
إزاء هذا النفوذ المتزايد للصين فى أمريكا اللاتينية، عقد الكونجرس الأمريكى جلستى استماع عام 2005 لمناقشة ما اعتبر هجوما صينيا على منطقة النفوذ التقليدى لواشنطن ولمدة طويلة وفى شهادته أمام الكونجرس، تعهد مساعد وزير الخارجية السابق لشئون أمريكا اللاتينية أو ما يعرف بـ"المحيط الغربى" "روجر نورييجا" بأن الإدارة ستراقب جيدا أى مؤشر على احتمال أن ينتج عن التعاون الاقتصادى بين دول القارة والصين دعم علاقات سياسية تعمل ضد الأهداف الاستراتيجية لواشنطن فى المنطقة (46) تعنى هذه التغيرات فى العلاقات الاقتصادية العالمية أن الرأسمالية الأمريكية لم تعد اللاعب الوحيد فى المنطقة، ولا الطرف الأكثر حصولا على الربح، كما يسمح التنامى فى العلاقات الاقتصادية بين بلدان القارة والقوى المنافسة للولايات المتحدة لنظم الحكم هناك بهامش كبير للمناورة كانت النظم الوطنية هناك تفتقر إليه إبان الحرب الباردة بين موسكو وواشنطن ويعد هذا من أهم العوامل الرئيسية وراء ما يعرف بالتحول إلى اليسار فى أمريكا اللاتينية، وإن كان من الأفضل وصفه بالتحول نحو اليورو أو اليوان.
وحتى داخل الحزام الغربى نفسه، تواجه الرأسمالية الأمريكية تحديا بازغا من قبل البرازيل، فهذه الدولة بعدد سكانها الضخم، أى أكثر من 180 مليون نسمة ولديها موارد طبيعية كبيرة بما مكنها من أن تصبح تحتل المركز العاشر ضمن أكبر الدول الصناعية، وخامس دولة مصدرة للسلاح على مستوى العالم، وأدى النمو الاقتصادى المتسارع للبرازيل إلى تجدد المواجهات بينها وبين الولايات المتحدة حول قضايا التجارة التى تتراوح بين حقوق الملكية الفكرية والصادرات الزراعية وقد اتضحت التداعيات السياسية لما تواجهه واشنطن من مصاعب هناك بفرض ضغوط سياسية حتى على دول غربية تتعامل مع بلدان القارة، مثال ذلك قرار أصدره الكونجرس الأمريكى فى بداية عام 2005 بعدم السماح لشركة أسبانية لصناعة الطائرات ببيع طائرات حربية لفنزويلا تحتوى على تكنولوجيا أمريكية تدخل فى صناعة الملاحة الجوية، انتقاما من الرئيس الفنزويلى اليسارى المعارض للإمبريالية الأمريكية هوجو شافيز، لكن أسبانيا ـ التى تحكمها الآن حكومة من يسار الوسط وعارضت علنا الاحتلال الأمريكى للعراق وقامت بسحب قواتها العاملة هناك ـ تحدت هذا الحظر باستبدال التكنولوجيا الأمريكية بأخرى أوروبية كما حدثت مواجهات مع أسبانيا أيضا بشأن بيع الأخيرة زوارق حراسة بحرية لفنزويلا، ومع البرازيل بخصوص بيعها طائرات حربية لفنزويلا.
وقد ردت البرازيل على ذلك بعقد اجتماع فى أوائل مايو 2005 ضم الرئيس البرازيلى "لولا دا سيلفا"، والرئيس الفنزويلى شافيز، والرئيس الأرجنتينى "كيرشنر" بغرض مناقشة خطة إنشاء مشروع مشترك لصناعة السلاح فى إطار اتفاقية منطقة التجارة الحرة بين بلدان أمريكا اللاتينية (ميركسور) Mercosur وتدعو الخطة إلى التنسيق والتعاون بين مصانع السلاح المنشأة إبان نظم الحكم العسكرية الديكتاتورية فى الأرجنتين والبرازيل، وتأسيس فرع لشركة ـ إمبراير ـ Embraer البرازيلية فى الأرجنتين، وذلك بغرض إنتاج طائرات حربية ومعدات أخرى للقارة ككل، بما يشكل منافسة مع الصناعة الأمريكية الأكثر تكلفة والتى كانت المورد التقليدى للسلاح لبلدان القارة بقيمة تصل سنويا إلى 35 مليار دولار (47).
وفيما يتعلق برد الفعل الأمريكى إزاء هذا التراجع، من المتوقع أن تتخذ واشنطن سبيلا متناميا من العسكرة، وكانت واشنطن طوال السنوات السابقة، قد شيدت شبكة من القواعد العسكرية فى المنطقة، كما وسعت من عمليات القيادة العسكرية للجنوب الخاصة بأمريكا اللاتينية، والتى تضم عددا كبيرا من الأفراد يفوق عدد الوكالات الأمريكية الأخرى المناظرة وشهد عام 2002 فشل الانقلاب العسكرى الذى ساندته واشنطن ضد الرئيس الفنزويلى شافيز، وقيل إن تلك العملية الفاشلة احتوت على مشاركة مباشرة من خبراء عسكريين أمريكيين، ونشر سفن حربية وطائرات تجسس أمريكية كما شهد عام 2004 الإطاحة برئيس هايتى أريستيد، وغزو الجزيرة من قبل مشاة البحرية الأمريكية كذلك، توجد لدى واشنطن خطط معدة مسبقا للسيطرة المباشرة على نفط فنزويلا، بنفس الأمر الذى تم من غزو واحتلال للعراق.
الهوامش:
1 ـ انظر فى ذلك: C F Doran,Confronting the Principles of the Power Cycle , in M I Midlarski, ed, Handbook of War Studies II,Ann Arbor: University of Michigan Press, 2000, pp 332 ـ 368.
2 ـ انظر كمثال: K W Deutsch and J D Singer, Multipolar Power Systems and International Stability , World Politics, no 16, ـ April 1964, pp 390 ـ 406, R Rosecrance,Bipolarity, Multipolarity, and the Future , Journal of Conflict ـ Resolution, vol 10, no 3, 1966, pp 314 ـ 327.
3 ـ انظر فى ذلك: C f Doran, The Politics of Assimilation: Hegemony and its Aftermath, Baltimore, MD: Johns Hopkins, University ـ Press, 1971.
4 ـ see as an example; C F Doran, Systems in Crisis: New Imperatives of high Politics at Century ـ s end, ـ Cambridge: Cambridge University press, 1991.
5 ـ Ibid, pp 30 ـ 31.
6 ـ Doran, ـ Confronting the Principles of the Power Cycle , op cit, p 338.
7 ـ Doran, Systems in Crisis, op cit, pp 30 ـ 31.
8 ـ Doran, ـ Confronting the Principles of the Cycle Power , op cit, pp 338 ـ 9.
9 ـ William J Lahneman, Changing Power Cycles and Foreign Policy Role Power Realignments: Asia, Europe, ـ and North America , International Political Science Review, vol 24, no 1, January 2003, pp 100 ـ 101.
10 ـ الأهرام، 28 يوليو 2007.
11 ـ See as an example; Michael Ignatieff, ـ American Empire , New York Times Sunday Magazine, New York Times, 1 ـ May, 2003, p22.
12 ـ C Krauthammer, ـ The Unipolar Moment, Foreign Affairs, vol 70, no 1, 90/1991, pp 35 ـ 49.
13 ـ G H Snyder, Alliance Politics, Ithaca, NY: Cornell University Press, 1997, p 18.
14 ـ Jim Garrison, America As Empire: Global Leader or Rogue Power? , in: Felix Dodds and Tim Pippard, eds, Human & Environment Security: An Agenda for Change, London: Earthscan, 2005, pp 201 ـ 2.
15 ـ Michael Cox, Whatever Happened to American Decline? International Relations and the New United States ـ Hegemony , New Political Economy, vol 6, no 3, 2003, pp 312 ـ 4.
16 ـ Richard K Betts, The Political Support System for American Primacy , International Affairs, vol 81, no 1, 2005, pp 1 ـ 2.
17 ـ Paul Kennedy, The rise and Fall of Great Powers: Economic Change and Military Conflict from 1500 to 2000, London: Harper Collins, 1988.
18 ـ Susan Strange, The Future of the American Empire , Journal of International Affairs, vol 42, no 1, 1988, ـ pp 2 ـ 4.
19 ـ ورد فى: Michael Cox, Empire by Denial: the Strange Case of the United States , International Affairs, vol 81, no 1, 1988, pp 2 ـ 4.
20 ـ انظر كمثال: John Ikenberry, ed, American unrivaled: the Future of the Balance of Power, Ithaca, NY, London: Cornell University Press, 2002.
21 ـ M Cox,Empire by Denial , op cit, p17.
22 ـ Michael Ignatieff, Empire Lite, Prospect, no 83, February 2003, pp 36 ـ 43.
23 ـ M Cox,Empire by Denial , op cit, p 20.
24 ـ M Cox, The Empire s Back in Town or Americas Imperial Temptation Again, Millennium, vol 32, ـ no 1, 2003, pp 3 ـ 5.
25 ـ انظر كمثال: ـ Joseph Nye, Jr, The Paradox of American Power: Why the World ـ s Only Superpower Can ـ t Go it Alone, New York: Oxford University press, 2002.
26 ـ ورد فى: M Cox, Empire by Denial , Op Cit, p 25.
تابع الهوامش:
27 ـ ورد فى : M Cox, Europe and the New Atlantic Challenge after September 11: Crisis what Crisis? , Journal of Transatlantic Studies, vol 1, No1, 2003, pp 38 ـ 9.
28 ـ John Ikenberry, American Imperial Ambition ـ Foreign Affairs, vol81, No 5, Sept Oct 2002, p 44.
29 ـ M Cox, Empire by Denial , op cit, p 20.
30 ـ M Ignatieff, Empire Lite , op cit, pp 38 ـ 9.
31 ـ Stefen Rosen, An Empire: If You Can Keep It , The National Interest, Spring 2003, pp 51 ـ 2.
32 ـ See; Joseph Nye, US Power and Strategy After Iraq , Foreign Affairs, vol 82, no 4, Autumn 2003, pp 61 ـ 3 .
33 ـ Susan Strange, Toward A Theory of Transnational Empire , in: Ernst Otto Czempiel and James N Rosenau, eds, Global Changes and Theoretical Challenges, Lexington, Mass: Lexington Books, 1989, pp 161 ـ 3.
34 ـ See as an Example; G John Ikenberry, After Victory: Institutions, Strategic Restraint, and the Building of Order, Princeton, NJ: Princeton University Press, 2001.
35 ـ Michael Barnett and Raymond Duvall,Power in International Politics , International Organization, No 59, ـ Winter 2005, p 59.
36 ـ Daniel W Drezner, The New New World Order , Foreign Affairs, March/April 2007, wwwforeignaffairsorg.
37 ـ Ibid.
38 ـ Ibid .
39 ـ R Betts, op cit, pp 13 ـ 14.
40 ـ الحياة اللندنية، 18 يونيو 2006.
41 ـ الحياة اللندنية، 14 أكتوبر 2006.
42 ـ Bill Van Auken, Report on Latin American Perspectives , Part1, 18 March 2006, wwwwswsorg .
43 ـ Ibid .
44 ـ Ibid .
45 ـ wwwaljazeeranet.
46 ـ wwwwswsorg .
47 ـ Ibid.
مصادر الدراسة:
1 Books:
-Doran, CF (2000), Confronting the Principles of the Power Cycle , in MI Midlarski, ed, Handbook of War Studies II, Ann Arbor: University of Michigan Press Doran, Cf (1971), Systems in Crisis: New Imperatives of High Politics at Century s End, Cambridge: Press Doran, CF (1991), The Politics of Assimilation: Hegemony and its Aftermath, Baltimore MD: Johns Hopkins University Press Garrison, Jim (2005), America as Empire: Global Leader or Rogue Power? , in Felix Dodds and Tim Pippard, eds, Human & Environment Security: An Agenda for Change, London: Earthscan Ikenberry, John, ed (2002), America Unrivaled: The Future of the Balance of Power, Ithaca, NY, London: Cornell University Press Ikenberry, John (2001), After Victory: Institutions, Strategic Restraint, and the Building of Order, Princeton: Princeton University Press Kennedy, Paul (1988), The Rise and Fall of Great Powers: Economic Change and Military Conflict from 1500 to 2000, London: Harper Collins Strange, Susan (1989), Toward a Theory of Transnational Empire , in Ernst Otto Czempiel and James N Rosenau, eds, Global Changes and Theoretical Challenges, Lexington, Mass : Lexington Books Snyder, GH ( (1997), Alliance Politics, Ithaca, NY: Cornell University Press Nye, Joseph, jr (2002), The Paradox of American Power: Why The World s Only Superpower Can t Go it Alone, New York: Oxford University Press
تابع الهوامش:
2 Periodicals:
Barnett, Michael and Raymond Duvall (2002), Power in International Politics , International Organization, no 59, Winter Betts, Richard K (2005), The Political Support System for American Primacy , International Affairs, vol 81, no 1 Cox, Michael (2005), Empire by Denial: The Strange Case of United States , International Affairs, vol 81, no 1 Cox, Michael (2003), Whatever Happened to American decline?: International Relations and the New United States Hegemony New Political Economy, vol 6, no 3 Cox, Michael (2003), The Empire s Back in Town, or America s Imperial TemptationAgain , Millennium, vol 32, no 1 Cox, Michael (2003), Europe and the New Atlantic Challenge after September 11: Crisis, What Crisis? , Journal of Transatlantic Studies, vol 1, no 1 Deutsch, KW and JD Singer (1964), Multipolar Power Systems and International Stability , World Politics, no 16, April Drezner, Daniel W (2007), The New New World Order , Foreign Affairs, March/April Ignatieff, Michael (2003), Empire Lite , Prospect, no 83, February Krauthammer, C (1990/1991), The Unipolar Moment , Foreign Affairs, vol 70, no 1 Ikenberry, John (2002), American Imperial Ambition , Foreign Affairs, vol 81, no 5, September October Lahneman, WJ (2003), Changing Power Cycle and Foreign Policy Role Power Realignments: Asia, Europe, and North America , International Political Science Review, vol 24, n0 1, January Rosecrance, R (1966), Bipolarity, Multipolarity, and the Future , Journal of Conflict Resolution, vol 10, no 3 Rosen, Stefen (2003), An Empire: If You Can Keep It , The National Interest, Spring Strange, Susan (1988), The Future of the American Empire , Journal of International Affairs, vol 42, no 1 Nye, Joseph jr (2003), US Power and Strategy after Iraq , Foreign Affairs, vol 82, no 4, Autumn.
3 - Websites:
wwwaljazeeranet wwwwswsorg.