Share |
ابريل 2008
1
دور العوامل الخارجية فى الصراع العربى الإسرائيلى
المصدر: السياسة الدولية

كان الصراع العربى ـ الإسرائيلى، ولا يزال، ساحة رحبة للاختلاف، ليس فقط بين أطرافه، ولكن أيضا بين دارسيه فقد اختلف الدارسون حول مصادر الصراع، هل هى مصادر داخلية كامنة فى الدول المتصارعة أم أنها خارجية نابعة من خارج الصراع ؟
كما اختلفوا حول أساليب تسويته، هل تتم من خلال سلوك محدد، أى اتفاقيات تنهى الصراع، أم من خلال سلسلة من الإجراءات طويلة الأمد التى تجعل من التسوية بمثابة "عملية"، وليس سلوكا؟ وحول مضمون التسوية، هل تتضمن فرض طرق لشروطه على الآخر، أم أنها تتضمن تنازلات متبادلة؟ وحول دور القوى الكبرى فى الصراع، هل هو تسهيل تسوية الصراع، أم أنه من عوامل استمرار الصراع؟ هذا بالإضافة إلى غيرها من نواحى الاختلاف ومن أهم تلك النواحى، يبرز التمييز بين العوامل الخارجية، والعوامل الداخلية فى التأثير فى مسارات الصراع العربى ـ الإسرائيلى، وهو موضوع هذا المقال.
يقصد بالعوامل الخارجية تلك العوامل التى تنشأ من البيئة الخارجية للأطراف العربية والإسرائيلية المتصارعة، أى تلك الآتية من خارج نطاق ممارستها لسلطاتها، أو التى تنشأ نتيجة التفاعل مع وحدات دولية أخرى والنقاش حول مصادر الصراع العربى ـ الإسرائيلى ليس مجرد مسألة أكاديمية، ولكنه مسألة تتعلق بأدوات حل الصراع فإذا سلمنا بأن مصادر الصراع داخلية أو خارجية فإننا فى تلك الحلة سنصوغ استراتيجيات للحل تتعامل مع تلك المصادر فإذا قلنا مثلا، كما يقول التيار السياسى الذى يمثله جورج بوش، إن سبب الصراعى يرجع إلى الطابع الديكتاتورى للأنظمة السياسية العربية، فإننا سنبدأ أولا بالتحول الديمقراطى العربى كمدخل ضرورى لجعل الأنظمة العربية أكثر استعدادا للتنازل عن الأراضى ولذلك، سنبدأ بالإشارة إلى مصادر الصراعات فى الشرق الأوسط، ثم نتحول منها إلى مصادر الصراع العربى ـ الإسرائيلى.
مصادر الصراعات الشرق أوسطية:
كان الخلاف حول مصادر الصراع العربى ـ الإسرائيلى جزءا من خلاف أكبر حول مصادر الصراعات وأشكال عدم الاستقرار فى الشرق الأوسط عموما فقد انقسم دارسو تلك المصادر إلى فريقين، حيث ركز أنصار الفريق الأول على الجذور الداخلية للصراعات فى الشرق الأوسط فيرى هؤلاء أن الشرق الأوسط هو إقليم تسوده الفوضى والتخلف، وتحكمه أنظمة تسلطية فاقدة للشرعية وعاجزة عن القيام بالتنمية، ومن ثم فهى غير قادرة على صياغة أو قبول أى استراتيجيات للسلام أو الخوض فى أى ارتباطات سلمية بعيدة الأمد ويغلب هذا الرأى على معظم الدراسات الغربية للشرق الأوسط، وعلى الدارسين المحللين للمنطقة ممن يغلب على فكرهم العام الميل إلى التطابق مع الغرب فيسرد جيرد نونمان أربعة عشر سببا لعدم الاستقرار فى الشرق الأوسط، مثل نقص الشرعية السياسية، والتخلف والانفجار السكانى، وضعف المشاركة السياسية، والفجوة بين الأغنياء والفقراء، والتمزق والتوتر العرقى ـ الدينى، والهيمنة والتدخل الخارجى، والصراع العربى ـ الإسرائيلى، وسباق التسلح، وعدم وجود آلية لحل المنازعات، وضعف التكامل الإقليمى ومن الواضح أن معظم تلك العوامل هى عوامل داخلية بالأساس (1) كذلك، فإن ايان ليسر أشار إلى المصادر الداخلية، والإقليمية والعالمية للصراعات فى الشرق الأوسط وعند المستوى الداخلى، ركز على نقص الشرعية والاستقرار الداخلى، وتزايد سكان الحضر وصعود التطرف السياسى وبعد أن سرد المصادر الأخرى، أشار إلى أن المصادر الداخلية هى الأهم وأضاف ـ الأمن المتوسطى هو ـ فوق كل شىء ـ مسألة تتعلق بالأمن الداخلى لدول تواجه ضغوطا من قوى التغيير السياسى والاقتصادى والاجتماعى (2) وفى محاضرته فى الجمعية الملكية للشئون الآسيوية سنة 1992، قال سير جيمس كريج إن هناك خمسة أنواع من الضغوط الكبرى التى تستتر خلف ـ الفوضى ـ فى الشرق الأوسط، وهى: العداء للغرب عموما وللولايات المتحدة خصوصا، والأصولية الإسلامية، وفقدان الديمقراطية، وعدم المساواة فى توزيع الثروات داخل الدول وبينها، والصراع العربى ـ الإسرائيلى وأضاف سير كريج أنه يفضل حذف الصراع العربى ـ الإسرائيلى من القائمة، ولذلك لن يتحدث عنه كمصدر للصراعات فى المنطقة (3) أما بيرتز، فإنه سار فى الاتجاه ذاته ليقول إن التحديات الأساسية للاتحاد الأوروبى فى الشرق الأوسط والبحر المتوسط هى تحديات غير عسكرية، أهمها الهجرة، والمخدرات، والإرهاب، وما يمكن تسميته بتصدير الصراعات (4) فالشرق الأوسط ـ فى رأى بيرتز ـ هو الذى يصدر الصراعات للاتحاد الأوروبى، وليس العكس ويضيف تانر إلى ما سبق رأيا آخر فى مصادر عدم الاستقرار فى الشرق الأوسط، مفاده أن أسباب عدم الاستقرار تكمن فى المسافات القصيرة بين الحدود والعاصمة، ونقصان العمق الاستراتيجى، وانكشاف خطوط المواصلات مصحوبا بالخوف من الهجوم المفاجئ (5) ويلاحظ أن ما ذكره تانر إنما يشير إلى هواجس إسرائيل الأمنية فقط وعلى المنوال ذاته، سار بعض الباحثين العرب، وفى مقدمتهم الحبيب بن يحيى وعبد الله سعف فيقول بن يحيى إن أهم مصادر التهديد للأمن فى البحر المتوسط إنما تكمن من داخل الإقليم، خاصة من التطرف، والنزعة القومية، والتلوث، والبيئة، وتجارة السلاح، والفجوة بين الشمال والجنوب (6) أما عبد الله سعف، فيرى أن مصادر التهديد هى بالأساس داخلية واقتصادية (7).
يميل الفريق الثانى إلى رؤية مصادر عدم الاستقرار فى الشرق الأوسط على أنها نابعة من عوامل خارجية فبالنسبة لهم، تعد مركزية الصراعات الإقليمية، وعدم التوازن الإقليمى للقوى، ونمط التدخلات الغربية فى شئون الشرق الأوسط، هى المصادر الأهم للصراعات فى المنطقة فالصراع العربى ـ الإسرائيلى يشكل أهم تهديد أمنى للشرق الأوسط، وبالتالى لا يمكن التقدم نحو تحقيق تعاون أمنى فى الشرق الأوسط، ما لم يحل هذا الصراع أولا، أى إنهاء الأجندة الجيو سياسية القديمة قبل البدء فى أجندة جيو اقتصادية جديدة وبالتالى، فإن حل الصراع ضرورى لتحقيق الاستقرار والتعاون الاقتصادى، وهى وجهة نظر عبر عنها عبدالمنعم سعيد سنة 1996 (8). كذلك، يرى هؤلاء أن الخلل فى توازن القوى بين العرب وإسرائيل هو المحدد للتوسعية الإسرائيلية فى الشرق الأوسط، كما أن التدخل الغربى غير المتوازن فى الشرق الأوسط لصالح إسرائيل يضاعف من تلك التوسعية، ومن هؤلاء كاتب هذا المقال (9) ومن بين صراعات الشرق الأوسط، يبرز الصراع العربى ـ الإسرائيلى باعتباره الصراع الأهم، والأكثر خطورة، مما يقودنا إلى عرض الرؤى المتفاوتة لدور العوامل الخارجية والداخلية فى الصراع العربى ـ الإسرائيلى، ثم نعرض ثانيا لمفهومنا للعوامل الخارجية، وأشكالها، وآليات علاقاتها مع الصراع العربى ـ الإسرائيلى.
ثلاث رؤى لدور العوامل الخارجية فى الصراع العربى ـ الإسرائيلى:
لعل أول ما يلفت الانتباه فى الأدب الأكاديمى حول محددات الصراع العربى ـ الإسرائيلى هو ذلك التباين الشاسع حول تحديد الوزن الحقيقى للعوامل الخارجية مقارنة بغيرها فهناك اتجاه يرى أنصاره أن الصراع العربى ـ الإسرائيلى يمتلك آلية ذاتية نابعة من العوامل المحلية، تجعل منه بمثابة "صراع اجتماعى ممتد"، بحيث إن الصراع ذاته يصبح مصدرا لاستمراره ويتسم الصراع الاجتماعى الممتد بأربع خصائص هى استمراره على مستوى عال من التفاعل الصراعى، وتذبذب مدى هذا التفاعل، وامتداده لكى يشمل كل القضايا، ووجود قوى توازنية داخلية تجعله واقعا فى إطار النمط التفاعلى الصراعى العادى وقد عبر عازار وجيريدينى وماكلورن، عن هذه الرؤية للطبيعة الذاتية لحركية الصراع العربى ـ الإسرائيلى (10) كذلك، فقد درس مليستين ثلاثة عوامل تصور أنها تؤثر فى السلوك الصراعى للعرب والإسرائيليين تجاه بعضهم بعضا، وهى السلوك الدولى السابق لكل طرف تجاه الآخر فى مرحلة سابقة، والمساعدة التى تقدمها القوتان العظميان للأطراف المحلية المتصارعة، وتوازن القوى العربى ـ الإسرائيلى وذلك من عام 1948 وحتى عام 1970 وقد خلص إلى أن العامل الرئيسى المحدد للسلوك الصراعى هو العامل الأول، وأن الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى ليس لهما إلا تأثير محدود على هذا السلوك، مما يعنى ترجيح أهمية العوامل الداخلية (11) وفى حقبة ما بعد 11 سبتمبر سنة 2001، برز شكل آخر لتلك المقولة مؤداه أن الصراع العربى ـ الإسرائيلى ناتج عن الطبيعة التسلطية للنظم السياسية العربية فهذه التسلطية تفسر عدم قدرة الدول العربية على الدخول فى تعهدات للسلام، وهى تعيش وتزدهر على توتر البيئة الإقليمية وبالتالى، فإن حل الصراع لا يكمن فى إجراء مفاوضات للسلام، وإنما فى إحداث تغيير جذرى فى النظم السياسية العربية فى اتجاه التحول الديمقراطى وتستند تلك المقولة إلى مقولة أكبر، هى أن النظم الديمقراطية لا تتحارب فإذا كانت إسرائيل دولة ديمقراطية بالفعل، فإن تحويل الدول العربية إلى ديمقراطيات سينهى الحروب على الأقل فى الشرق الأوسط (12) وهى المقولات التى تستتر خلف مشروع الشرق الأوسط الأكبر الذى طرحته الولايات المتحدة سنة 2004.
وفى المقابل، هناك اتجاه آخر يرى مؤيدوه أن المتغيرات الخارجية هى المحدد الرئيسى، وأحيانا الوحيد، للصراع العربى ـ الإسرائيلى وفى الأدب العربى، تزعم هذا الاتجاه الدكتور حامد ربيع فى كتابه بعنوان "المتغيرات الدولية وتطور مشكلة الشرق الأوسط" الصادر فى دمشق سنة 1979 فى هذا الكتاب، أكد المؤلف أن المتغيرات الدولية هى المتغيرات الوحدة التى تؤثر فى أزمة الشرق الأوسط، بحيث "إن المتحكم الرئيسى فى تشكيل الصراع الإقليمى فى الشرق الأوسط بجميع أبعاده ومستوياته هو أساسا وفقط المتغيرات الدولية" (13) كما أن القوى المحلية لا تملك إرادة فى، ولم تستطع بعد أن ترتفع إلى، مستوى المتغير المستقل كما أن مستقبل المنطقة إنما تتحكم فيه متغيرات وعناصر تنبع من الإطار الدولى والقوى الخارجية فإسرائيل ذاتها لا تملك إرادة أو قوة ذاتية، والقيادات العربية لا إرادة لها فى الصراع من الواضح أن المؤلف قد ألغى إرادات القوى المحلية فى الصراع العربى ـ الإسرائيلى، وجعل المنطقة مجرد مسرح لصراع دولى أكبر لا قدرة لها على التأثير فيه (14)
وبالمثل، يرى سيار الجميل أنه منذ أن ولد النظام الإقليمى للشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الأولى وبقى حيا حتى يومنا هذا فإنه يعد واحدا من "النظم التابعة" للنظام الدولى فهذا النظام يتحدد بالنظام الدولى الأم ونظام الشرق الأوسط فى القرن العشرين كان صناعة أوروبية، بينما نظام الشرق الأوسط القادم هو صناعة أمريكية ويضيف الجميل أنه خلال العصور الثلاثة الأخيرة (1960 ـ 1990)، ركز النظام الدولى على التناقض العام بين الدول العربية، وعلى استخدام التناحر العرقى والدينى والطائفى (15).
وأخيرا، فهناك اتجاه ثالث يرى أن العوامل الخارجية والعوامل الداخلية تتفاعل فى التأثير على الصراع العربى ـ الإسرائيلى بمعنى أنه لا يمكن فهم الصراع دون العودة إلى النوعين من العوامل وإن كان بعض أنصار هذا الاتجاه يميلون إلى تغليب نوع معين من العوامل، فإنهم لا يغفلون أثر العوامل الأخرى، كما يفعل أنصار الاتجاه الأول والاتجاه الثانى ولعل من هؤلاء تيم نيبلوك فهو يرى أن التغيير فى العلاقات الدولية بعد الحرب الباردة، خاصة نهاية الاتحاد السوفيتى، كان هو العامل الحاسم وراء كل تطورات الصراع العربى ـ الإسرائيلى فى اتجاه المفاوضات، وضاعف من تأثير ذلك حرب الخليج الثانية، وهى أيضا عامل خارجى ولكنه يضيف أنه بدون التحولات الداخلية، لما كان من الممكن للعوامل الخارجية أن تنتج أثرا فنهاية الحرب الباردة خلقت فرصا جديدة لإسرائيل حاولت استثمارها من خلال التسوية السلمية ولكن بدون الانتفاضة الفلسطينية، ما كان لإسرائيل أن ترى تلك الفرص "فالدمار الذى ألحقته الانتفاضة بصورة إسرائيل فى العالم وصورة إسرائيل لذاتها، كان عاملا حاسما (16) ويذهب طارق إسماعيل إلى رأى مشابه فى كتابه" العلاقات الدولية للشرق الأوسط المعاصر ـ فهو يرى أن الشرق الأوسط هو نظام إقليمى تابع للنظام العالمى، وأن موقع هذا الإقليم فى النظام العالمى يضع قيودا مهمة على حرية الحركة للقوى المحلية، وأن هذا الأثر مازال مهما رغم ازدياد القوة الوطنية والإقليمية لدول الشرق الأوسط فى مواجهة الفاعلين والنظم الإقليمية الأخرى ويرجع ذلك إلى أن النظام المعاصر تم بناؤه بشكل أوروبى وتم تعديله لاحقا من خلال المنافسة بين القوتين العظميين ومن ثم، فإن دول الشرق الأوسط ـ باعتبارها قوى مشاركة جديدة فى المباراة الدولية ـ مضطرة إلى العمل فى إطار القواعد والأسس التى لم تشارك هى فى وضعها ولكنه يضيف أن ذلك لا يعنى أن دول الشرق الأوسط لا حول لها ولا قوة بالعكس، فهى تمارس تأثيرا سياسيا مهما، ولكن هذا التأثير يتم فى أطر خارجية (وداخلية) محددة ويضيف أنه برغم أن النظام الدولى يحدد الأطر التى تتم من خلالها العلاقات الدولية فى الشرق الأوسط، فإنه لابد من الأخذ بعين الاعتبار ثلاثة عوامل حاسمة هى: (1) إن السياسة الداخلية هى التى تحدد ـ الخطاب ـ السياسى للدول الشرق أوسطية فى مجال السياسة الداخلية، فالثقافة، والأيديولوجية، والمقدرات الاقتصادية وغيرها تؤثر فى سلوك تلك الدول (2) إن التماسك الإقليمى فى الشرق الأوسط يزيد من قدرته على التعامل بجدية مع النظام العالمى (3) إن الشرق الأوسط يحتل مكانا وسطا فى النظام العالمى، فهو يتلقى التأثيرات ويؤثر أيضا فى هذا النظام (17) وحديثا، دافع جيمس رسل عن رؤية مشابهة لمصادر التوتر فى الشرق الأوسط فى السنوات الخمس الأخيرة ولكنه يركز على المستوى الإقليمى والداخلى، ويكاد يغفل المستوى العالمى فهو يشير إلى سباقات التسلح فى الشرق الأوسط، وإلى أشكال التوترات الداخلية مثل الصراع بين حماس وفتح، والتوترات الطائفية فى العراق وغيرها (18) ولا يشير رسل إلى مسئولية الولايات المتحدة عن تلك التوترات.
ونحن نميل إلى الاتجاه الثالث فى تفسير الصراع العربى ـ الإسرائيلى، لعدة اعتبارات، أولها أنه الأقرب إلى المنطق العلمى الذى يؤكد أن الظواهر السياسية لا يمكن أن تكون نتيجة لعامل واحد وثانيها أنه الأقرب إلى الصحة من الناحية الإمبيريقية فمنذ نشأة مفهوم الشرق الأوسط على يد القوى الغربية، ارتبط الإقليم دائما بنمط الصراعات والتدخلات الغربية، وكانت القوى الغربية ـ ولا تزال ـ تسعى إلى تطبيق أجندتها فى الشرق الأوسط، حتى لو تطلب ذلك الدخول فى حروب، كما حدث فى العدوان الثلاثى سنة 1956، والعدوان الأنجلو ـ أمريكى على العراق سنة 2003 كما أن حداثة استقلال دول المنطقة أدت بالنخب الحاكمة إلى تأكيد السيادة وإلى الدخول فى منافسات تسعى إلى تأكيد السيادة والدولة القومية والقيادة الإقليمية، مما أدى إلى أشكال متعددة من الصراعات ويقودنا ذلك إلى محاولة فهم مصادر أحد أهم صراعات الشرق الأوسط، وهو الصراع العربى ـ الإسرائيلى، مع التركيز على العوامل الخارجية بالأساس، لأنها موضوع هذا التقرير.
العوامل الخارجية المؤثرة فى الصراع العربى ـ الإسرائيلى:
سبق أن عرفنا المقصود بالعوامل الخارجية ويمكن القول إن تلك العوامل تنقسم إلى أربعة أقسام: عوامل تتعلق بالنسق الدولى والتفاعلات الدولية، والمسافة الدولية، والموقف الدولى ينصرف النسق الدولى إلى تلك التفاعلات المنتظمة المترابطة بين الوحدات الدولية، وهو يتضمن عدة أبعاد، لعل أهمها هيكل أو بنية النسق، ومؤسساته، وعملياته أما التفاعلات الدولية، فهى عدة عوامل تتعلق بسياسات الأطراف الدولية الخارجية تجاه الأطراف العربية والإسرائيلية المتصارعة ومن ذلك الدعم الذى تقدمه بعض القوى الكبرى لتلك الأطراف، كالدور الأمريكى فى الوصول إلى المعاهدة المصرية ـ الإسرائيلية سنة 1979 أما المسافة الدولية فيقصد بها المسافة النسبية بين الأطراف العربية والإسرائيلية ولا نقصد بتلك العوامل مجرد المسافة الجغرافية، ولكن أيضا ميزان القوى، والمكانة الدولية للأطراف المتصارعة كأن نقول إن اختلال ميزان القوى العربى ـ الإسرائيلى كان من عوامل استمرارية التصلب الإسرائيلى، والتراجع العربى وأخيرا، فإن عامل الموقف الدولى ينصرف إلى مواقف محددة نشأت فى البيئة الدولية فى لحظة معينة، ومن ذلك أزمة الخليج الثانية سنة 1990 ـ 1991 وأثرها على مسار الصراع العربى ـ الإسرائيلى، أو أثر الاحتلال الأمريكى للعراق سنة 2003 على هذا المسار.
أولا ـ النسق الدولى:
لعل أهم العوامل الخارجية التى أثرت على مسارات الصراع العربى ـ الإسرائيلى هو النسق الدولى بكل مكوناته وتتضمن تلك المكونات ثلاثة عناصر جوهرية هى، بنية النسق، ومؤسساته وعملياته، ولكل منها دور مهم فى الصراع بنية.
النسق الدولى:
يقصد بذلك شكل توزيع القوى فى النسق الدولى، ومدى الترابط بين تلك القوى وينصرف توزيع القوى إلى ما إذا كان البنيان أحادى القطبية، أم ثنائى القطبية، أم متعدد الأقطاب تأثر الصراع العربى ـ الإسرائيلى بشكل الاستقطاب العالمى، أحاديا كان أو ثنائيا فقد اتسم البنيان الدولى بين عامى 1945 و 1947 بدرجة من القطبية الأحادية التى تمثلت فى تفوق قطب الحلفاء وسحق القطب الآخر (المحور)، مع وجود درجة من التوافق بين الحلفاء، خاصة الاتحاد السوفيتى والولايات المتحدة، سواء فى إطار مؤتمرات إعادة تشكيل النسق العالمى (يالتا وبوتسدام) أو مؤتمرات وزراء خارجية الدول الأربع والتى انتهت فى مارس 1947 كان للتوافق فى إطار القطبية الأحادية المؤقتة دور كبير فى مسارعة كل عناصر القطب المنتصر فى الحرب العالمية الثانية إلى دعم إنشاء إسرائيل، والاعتراف بها بعد إنشائها، وذلك بالنظر إلى تعاطف الحركات الوطنية العربية، وقيادة الحاج أمين الحسينى مع دول المحور وبعد تحول البنيان الدولى نحو القطبية الثنائية اعتبارا من عام 1947، تغير نمط التأثير فمع عصر الحرب الباردة بين القطبين، أصبح الشرق الأوسط إحدى الساحات المفتوحة للصراع بين القطبين، وأصبح اهتمام كل قطب مركزا على إضعاف نفوذ القطب الآخر وانعكس ذلك على الصراع العربى ـ الإسرائيلى، حيث أصبح الصراع يدور فى إطار القواعد المتفق عليها للتفاعل العالمى بين القطبين، والتى كرسها نظام ميزان الرعب، وأهمها: الالتزام المتبادل بعدم مفاجأة الطرف الآخر، وضبط النفس المتبادل والتدخل غير المباشر فى الصراعات الإقليمية، ومنها الصراع العربى ـ الإسرائيلى (19) من ناحية أخرى، فقد وفرت البنية القطبية الثنائية مساحة واسعة للأطراف العربية والإسرائيلية للمبادرة السياسية بعيدا عن نفوذ القطبين ولذلك، كان من الممكن للأطراف العربية رفض المشروعات الأمريكية للتسوية بل وتحدى النفوذ الأمريكى صراحة ـ استنادا إلى وجود البديل السوفيتى ـ بل وممارسة الضغط أحيانا على القوتين العظميين لتبنى استراتيجية تلائم مصالح القوى المحلية، وهى مساحة من المناورة فقدتها تلك الأطراف بعد سقوط الاتحاد السوفيتى فقد أدى تحول البنيان الدولى نحو الأحادية إلى نهاية التنافس العالمى كمحدد للصراع وإلى تراجع هامش المبادرة والحركة للدول العربية، مما دعا الأردن والسلطة الفلسطينية إلى توقيع اتفاقيات سلام مع إسرائيل ولكن المساندة الأمريكية الكاملة للمشروع الصهيونى أفقدت التسوية السلمية قوة الدفع التى ولدها انتهاء القطبية الأحادية ومع تصاعد الانحياز الأمريكى، تصاعد التحدى الإقليمى للولايات المتحدة (20).
أما الجانب الآخر للنسق الدولى، فهو مدى الترابط بين الوحدات، يقصد بذلك كثافة المعاملات بين الوحدات الدولية ووجود مؤسسات لبلورة التفاعلات والمعاملات، ومدى تكامل المصالح وتبادل التأثير بين تلك الوحدات وقد اتخذ ترابط البنيان الدولى بعد الحرب العالمية الثانية صفة ـ الاعتماد المتبادل ـ ورغم تأثير تلك الصفة على السياسة الدولية عموما، إلا أنها لم تؤثر بشكل واضح على الصراع العربى ـ الإسرائيلى، لعمق التناقضات بين العرب والإسرائيليين، ولوجود بنيان القطبية الثنائية يبد أنه بعد نهاية الحرب الباردة، تحول الاعتماد المتبادل إلى شكل أرقى أطلق عليه مسمى "العولمة" وتتسم العولمة بالتركيز على التماثل بين الدول فى القيم الاقتصادية والسياسية والثقافية، وبأن هناك قوى عالمية تدفعها فى اتجاه تحقيق "التنميط العالمى"، أهمها الشركات متعدية الجنسيات، و"مجلس إدارة" العالم المكون من الدول الصناعية السبع الكبرى كانت المشروعات عبر الإقليمية للتعاون هى أحد تجليات العولمة وقد كان مشروع ـ المشاركة الأوروبية ـ المتوسطية ـ هو أحد أهم أشكال تلك المشروعات، وقد دخلت الدول العربية المطلة على البحر المتوسط ذلك المشروع، والذى مثل بذلك أول مشروع عبر إقليمى تشترك فيه الدول العربية وإسرائيل فى ترتيب مشترك ذى أبعاد اقتصادية، وسياسية، وثقافية وفى إطار تلك المشاركة، طرحت الدول الأوروبية مشروعات عقد ميثاق أمنى متوسطى يحدد مسار تسوية الصراع العربى ـ الإسرائيلى، كما شجعت التكامل الاقتصادى العربى ـ الإسرائيلى من خلال قواعد المنشأ كذلك، فقد أدت العولمة إلى تراجع أهمية القضايا الإقليمية التقليدية، كالصراع العربى ـ الإسرائيلى لحساب ما يسمى ـ التهديدات الأمنية الجديدة ـ كمكافحة الإرهاب، والجريمة المنظمة، والمخدرات وغيرها.
المؤسسات الدولية:
يقصد بها مجموعة القواعد الرسمية والعرفية التى تنظم سلوك الفاعلين الدوليين وتفاعلاتهم، وهى تشمل التنظيمات الدولية والقواعد القانونية الرسمية والعرفية المستقرة فى النسق الدولى، أو ما يسميه بعض الدارسين ـ بالأنظمة الدولية ـ قامت المؤسسات الدولية العالمية بدور مهم فى الصراع العربى ـ الإسرائيلى، ومن ذلك دور الأمم المتحدة فى إصدار قرار تقسيم فلسطين سنة 1947، وقرار مجلس الأمن رقم 242، الذى تحول إلى ـ مرآة ـ يرى فيها العرب والإسرائيليون ما يريدون، مرورا بقرارات الهدنة سنة 1949، ووقف إطلاق النار سنة 1967، وسنة 1973، ووجود قوات الطوارئ الدولية على حدود الدول العربية المجاورة لإسرائيل، بما فى ذلك القوات الموجودة فى لبنان وسوريا فى الوقت الراهن ويلاحظ أن هذا الدور قد تضاءل بعد نهاية نظام القطبية الثنائية، إذ تحولت الأمم المتحدة إلى إطار لتنفيذ السياسة الأمريكية وشرعنتها، وتراجع دورها لحساب دور حلف الأطلنطى فالحلف يقدم بدور أمنى فى البحر المتوسط، والخليج العربى ويتم حاليا تداول فكرة وجود قوات أطلنطية فى الأراضى الفلسطينية المحتلة من ناحية أخرى، فإن الاتفاقيات القانونية الدولية قامت أيضا بدور فى الصراع ولعل أشهر الأمثلة على ذلك هو معاهدة منع الانتشار النووى الموقعة سنة 1968، والتى تحولت إلى أداة لمنع الدول العربية من تحقيق توازن نووى مع إسرائيل، حيث صدقت الدول العربية عليها، بينما امتنعت إسرائيل عن ذلك كما أن بعض جوانب الصراع العربى ـ الإسرائيلى (مصر وإسرائيل والأردن، وإسرائيل) قد سويت فى إطار اتفاقيات قانونية ثنائية ولا يمكن تجاهل دور التحكيم الدولى فى حل مشكلة طابا بين مصر وإسرائيل، والرأى الاستشارى لمحكمة العدل الدولية بشأن شرعية الجدار العازل الذى بنته إسرائيل فى الأراضى الفلسطينية المحتلة.
العمليات الدولية:
يتضمن النسق الدولى عددا من العمليات السياسية الكبرى، التى تؤثر على الصراعات الإقليمية، ومنها الصراع العربى ـ الإسرائيلى ففى أثناء الحرب الباردة، سادت عملية ـ توازن الرعب ـ بالمعنى الذى يعرفه الدارسون وفى إطار تلك العملية، حدثت عمليات الحرب الباردة، والانفراج العالمى الأولى والثانى وبصرف النظر عن التفاوت بين تلك العمليات الفرعية، فإن توازن الرعب كان هو العملية المركزية التى فرضت عدة قواعد للعمل بين القوتين العظميين، تلخصت فى الالتزام بعدم مفاجأة الطرف الآخر وضبط النفس المتبادل، وعدم اللجوء المباشر إلى القوة العسكرية، والاستعاضة عن ذلك بالحروب بالوكالة ولهذا، لم تواجه القوتان العظميان بعضهما بعضا بشكل مباشر فى الصراع العربى ـ الإسرائيلى، ولجأتا إلى مد القوى المحلية بالسلاح وكان الانفراج الدولى، ممثلا فى بيان الانفراج الصادر عن قمة نيكسون ـ بريجينيف ـ سنة 1972، أحد العوامل التى دفعت مصر وسوريا إلى اللجوء إلى البديل العسكرى فى أكتوبر سنة 1973 وبعد نهاية القطبية الثنائية، أدى التحول البنيوى فى النسق الدولى إلى اتجاه الصراع العربى ـ الإسرائيلى نحو التسوية السلمية فى إطار مؤتمر مدريد والمحادثات الثنائية والمتعددة الأطراف، ثم اتفاقية السلام الأردنية الإسرائيلية، وإعلان أوسلو وما ترتب عليه (21) بيد أن القطبية الأحادية أظهرت أثرها السلبى على الصراع لانحياز الولايات المتحدة المعلن والمطلق لإسرائيل، مما أدى إلى تعطيل العملية السلمية، بل وتحول الولايات المتحدة بعد 11 سبتمبر نحو إعادة الشرق الأوسط إلى العصر الاستعمارى ودبلوماسية البوارج بشكل جديد.
ثانيا ـ التفاعلات الدولية:
يشمل هذا البعد الخارجى عددا من العوامل الفرعية، لعل أهمها دور القوى الخارجية، والاعتماد الاقتصادى الدولى ينصرف العامل الأول إلى تأثير الوحدات الثالثة على الصراع وقد اضطلعت هذه الوحدات بدورين مهمين فى الصراع العربى ـ الإسرائيلى الدور الأول: هو التدخل فى الصراع عن طريق مد الأطراف المتصارعة بالعون الاقتصادى والعسكرى والدعم المعنوى، مما يؤثر فى سلوك الأطراف المحلية تجاه بعضها بعضا وقد اتسم الصراع العربى ـ الإسرائيلى إبان القطبية الثنائية باستقطاب ثنائى مماثل، حيث أيد الاتحاد السوفيتى الدول العربية ـ الثورية"، وأيدت الولايات المتحدة إسرائيل ومن المعروف أن فرنسا لعبت الدور الأهم فى تمكين إسرائيل من امتلاك السلاح النووى ودعمتها الولايات المتحدة فيما بعد وفى دراسة رائدة لهما، قرر إيزارد وسميث أن الصراع العربى ـ الإسرائيلى قد تأثر كثيرا بحجم المعونات الاقتصادية والعسكرية السوفيتية والأمريكية لإسرائيل والعرب على التوالى (22)، فى الوقت الذى وجد فيه ميلستاين أن هذا التأثير كان محدودا (23) كذلك، فقد درست ودودة بدران أثر الأطراف الثالثة على الصراع العربى ـ الإسرائيلى ـ خاصة أثر الولايات المتحدة على الصراع المصرى ـ الإسرائيلى بين عامى 1967 و 1979 ـ ووجدت أن الولايات المتحدة قد تصرفت فى الصراع إما كحليف (لإسرائيل) أو كوسيط وفى الحالتين، أثرت ـ إلى حد كبير ـ على مسار التسوية، سواء من حيث إدارة الصراع أو تسويته (24) أما الاعتماد الاقتصادى الدولى، فإنه يشير إلى علاقة بين القوى العربية والإسرائيلية من ناحية وبين القوى الكبرى بشكل تعتمد فيه الأولى على الثانية فى تنظيم اقتصادها من ناحية أخرى الاعتماد هو علاقة تبعية ذات اتجاه واحد، وهو بذلك يختلف عن الاعتماد المتبادل ومن المؤكد أن إسرائيل والدول العربية اعتمدتا اقتصاديا على القوى الكبرى، سواء كمصدر للمعونة الاقتصادية، أو التكنولوجيا، وأن ذلك قد أنشأ أشكالا مهمة من الاستجابة السياسية للعرب والإسرائيليين لمطالب الدولة المعتمد عليها ولكن العرب وإسرائيل لم يكونا مجرد مستجيبين لمطالب ومصالح القوتين العظميين، ولكنهما مارسا تأثيرا عليهما فى الوقت نفسه إلى حد عجز القوتين عن تحقيق بعض أهدافهما ومن ذلك أنه رغم اعتماد مصر الساداتية على المعونة العسكرية السوفيتية، إلا أنها سنة 1982 أخرجت الخبراء السوفيت من مصر بشكل مهين وهناك نوع آخر من التفاعلات ـ عبر القومية ـ أثر فى الصراع العربى ـ الإسرائيلى، وهى التفاعلات بين القوى المحلية المتصارعة، والقوى الداخلية فى مجتمعات أخرى فقد لعبت القوى السياسية الصهيونية فى المجتمعات الغربية دورا مهما فى مسار الصراع العربى ـ الإسرائيلى ولعل أشهر الأدلة على ذلك هو دور اللوبى الصهيونى فى إطار منظمة ـ إيباك ـ فى الولايات المتحدة فقد كانت تلك القوى تقليديا أكثر تطرفا من الحكومات الإسرائيلية تجاه العرب، وقامت بمدها بالمهاجرين وبالمتطوعين عند نشوب القتال، وساهمت فى الضغط على حكوماتها لتبنى سياسات موالية لإسرائيل وبذلك، كانت تلك القوى عاملا معطلا لتسوية الصراع العربى ـ الإسرائيلى.
ثالثا ـ المسافة الدولية:
يقصد بها المسافة النسبية بين العرب والإسرائيليين من حيث المقدرات النسبية، والمكانة الدولية ففى تقديرنا أن المقدرات النسبية، أى ميزان القوى بين العرب وإسرائيل، لعبت دورا مهما فى مسار الصراع ذلك أن الخلل فى الميزان لصالح إسرائيل، بشكل دائم منذ بدء الصراع، كان من العوامل، بالإضافة إلى الدعم الغربى، التى أدت إلى تعطيل تسوية الصراع، خاصة مع احتكار إسرائيل للسلاح النووى فى الشرق الأوسط ولو كانت دولة عربية واحدة قد امتلكت السلاح النووى أيضا، لكانت معادلة الصراع العربى ـ الإسرائيلى قد تغيرت بالكامل، كما هو الحال فى العلاقات بين القوتين العظميين فى عصر القطبية الثنائية، والعلاقات الهندية ـ الباكستانية بعد سنة 1998 أما من حيث المكانة الدولية، فإنه يقصد بها مدى اتساق أو عدم اتساق مكونات مكانة الدولة فى النسق الدولى فمكانة الدولة فى هذا النسق تتحدد بناء على مكونات اقتصادية، وسياسية، وعسكرية، وثقافية، وحضارية، وغيرها فإذا كان هناك اتساق فى تلك المكونات للدولة الواحدة، أى كانت تتمتع بقيم عليا أو دنيا فى تلك المكونات، فإنها تكون فى حالة توازن فى المكانة أما إذا كانت تتمتع ببعض القيم العليا، بينما تظل القيم الأخرى دنيا، فإنها فى تلك الحالة تتسم بعدم توازن المكانة ويدلنا استعراض مكانة الدول العربية وإسرائيل فى النسق الدولى على أنها غير متوازنة، مما كان له أثره على الصراع العربى ـ الإسرائيلى فمن ناحية، نجد أنه منذ سنة 1973، تمتعت السعودية بقيم عليا فى البعد الاقتصادى للمكانة، وبقيم دنيا فى باقى أبعاد المكانة، بينما امتلكت مصر قيما عليا فى البعدين العسكرى والثقافى للمكانة، وفقدت قيمها العليا فى البعد الاقتصادى، مما أدى إلى توزيع هيكل القوة فى النظام العربى، وافتقاد النظام للقيادة الإقليمية وأصبح من المتعين على الدول العربية أن تدخل فى مساومات متعددة، يسعى كل طرف من خلالها لتعظيم مكانته، وذلك من أجل الوصول إلى قرار موحد، مما أضعف بدوره من الأثر العربى على الصراع كذلك، فإسرائيل ذاتها تتمتع بقيم عليا فى البعدين الاقتصادى والعسكرى للمكانة، ولكنها لا تتمتع بقيم عليا فى البعد السياسى لتلك المكانة، خاصة فى محيط الشرق الأوسط، مما يدفعها إلى إتباع سياسات عدوانية لاكتساب النفوذ السياسى المكمل لقوتها الاقتصادية والعسكرية.
رابعا ـ المواقف الدولية:
المقصود بذلك هو نشوء حافز مباشر فى البيئة الخارجية، أى فى إقليم خارجى، يؤدى إلى سلسلة من التفاعلات الجديدة التى سرعان ما تنعكس على الصراع فى الإقليم محل الدراسة (وهو فى حالتنا الشرق الأوسط) لعل أهم المواقف الدولية هى تلك التى تتميز بطابع الأزمة الدولية من حيث توافر عناصر المفاجأة، والتهديد لقيم الوحدات الدولية، وتوافر وقت محدود لاتخاذ القرار، وزيادة احتمال نشوب الحرب فى هذا الموقف وقد تأثر الصراع العربى ـ الإسرائيلى بالعديد من الموقف الدولية، لعل من أخطرها الحرب العراقية ـ الإيرانية (1980 ـ 1988)، وحرب الخليج الثانية الناشئة عن الغزو العراقى للكويت (1990 ـ 1991) والمواقف الناشئة عن الغزو الأنجلو ـ أمريكى للعراق سنة 2003، والمواجهة المتصاعدة منذ ذلك التاريخ بين الغرب وإيران حول برنامجها النووى وقد أفادت تلك المواقف الدولية إسرائيل، إذ أدت إلى مزيد من الخلل فى ميزان القوى الإقليمى لصالحها، وأضعفت من النظام العربى بإخراج العراق من معادلته كما أن العالم العربى يشهد استقطابا إقليميا حادا تدعمه الولايات المتحدة بين من يسمون ـ بالمعتدلين العرب ـ مع إسرائيل فى مواجهة إيران وسوريا، وهو استقطاب من شأنه اعتبار إيران بمثابة العدو الرئيسى وليس إسرائيل، التى مازالت تحتل الأراضى السورية والفلسطينية واللبنانية المحتلة سنة 1967 وما بعدها من ناحية أخرى، فقد أثر الموقف الدولى فى جنوبى آسيا، بعد أحداث سبتمبر سنة 2001 فى الولايات المتحدة، على الصراع العربى ـ الإسرائيلى، حيث تركز الاهتمام على ما يسمى "مكافحة الإرهاب"، بما فى ذلك الحركات الإسلامية الأصولية فى باكستان وأفغانستان المؤيدة للشعب الفلسطينى، بل وتحول حكومة مشرف فى باكستان إلى إقامة علاقات مع إسرائيل.
خاتمة:
هناك مخاطرة تكمن فى تحليل العوامل الخارجية للصراعات فى الشرق الأوسط، وهى قيام المدافعين عن الأثر الحاسم للعوامل الداخلية برفع لواء ـ الأكليشيه ـ التقليدى بأن من يشير إلى العوامل الخارجية يتبنى ـ نظرية المؤامرة ـ وقد أصبح رفع هذا الأكليشيه علامة ثابتة فى الخطاب السياسى لفريق من الدارسين، يرى أن صراعات المنطقة ناتجة عن معضلات بنيوية وإدراكية لشعوب المنطقة، وللشعوب العربية خاصة، وأن حل تلك الصراعات إنما يكمن فى التخلى عن ـ أوهام ـ دور العوامل الخارجية والانكفاء على الذات لحل المعضلات الداخلية، وقبول الاندماج الكلى مع القوى الخارجية، خاصة قوى العولمة والحق أن هذا الأكليشيه أصبح أداة سهلة لتفادى الدخول فى حوار جاد حول محددات صراعات الشرق الأوسط، خاصة الصراع العربى ـ الإسرائيلى ولو تم هذا الحوار، فسيتضح أن العوامل الداخلية والخارجية قد تفاعلت فى نشأة وتطور وتعميق الصراع العربى ـ الإسرائيلى وأن وزن العوامل الخارجية كان دائما، سواء فى حقبة القطبية الثنائية أو بعدها، عاملا حاسما فى وضع ضوابط وفرض ضغوط على القوى المحلية للتحرك فى اتجاه معين موات لمصالح تلك القوى وفى هذا الصدد، لا يمكن إغفال الدور الغربى فى الخلل الرهيب فى ميزان القوى فى الشرق الأوسط لصالح إسرائيل، وهو ما يكمن خلف سلوك الهيمنة الإقليمية الإسرائيلى ولا يمكن فهم أسباب الإصرار الأمريكى على غزو العراق سنة 2003 إلا فى هذا السياق، أى سياق تغيير البيئة الإقليمية، مما يكرس من الخلل فى التوازن لصالح إسرائيل ولذلك، لاحظنا أن الذين تحمسوا لهذا الغزو من المثقفين العرب هم أنفسهم من يلجئون باستمرار إلى أكليشيه نظرية المؤامرة ولا يعنى ذلك أن العوامل الداخلية لم يكن لها، أو ليس لها، دور فى استمرار الصراع فالضعف البنيوى للنظم السياسية والاقتصادية العربية مسئول عن عدم قدرة الدول العربية على التحرك الاستراتيجى العقلانى فى الصراع ونقصد بذلك التحرك الذى يقوم بحساب العوائد، ليس فقط فى المدى القصير، وإنما أيضا فى المدى البعيد، وعلى اتخاذ القرار فى ضوء حسابات واقعية للمكاسب والخسائر وقد فتح هذا الضعف الساحة أمام مزيد من تدخل القوى الكبرى لتحقيق مصالحها فى المقام الأول ونشير هنا ـ على سبيل المثال ـ إلى سوء الحسابات السياسية للقيادة المصرية فى أزمة مايو ـ يونيو سنة 1967، مما أعطى إسرائيل المجال لتعميق الخلل فى التوازن، وكان بداية لصعود المشروع الإمبراطورى الأمريكى ـ الإسرائيلى فى الشرق الأوسط ولذلك كله دلالات مهمة بالنسبة لأدوات إدارة وتسوية ومستقبل الصراع فالأمر يتطلب حركة على المستويين الإقليمى والعالمى فى اتجاه تصحيح موازين القوى، وهى حركة لن تثمر نتائجها بدون تحول جذرى عربى فى اتجاه التنمية والديمقراطية ولا يعنى ذلك، كما يرى البعض، تجميد الصراع أو القبول بالمعروض والتركيز على الداخل، فتلك صيغة مقنعة للاستسلام للمطالب الإمبراطورية الإسرائيلية.
الهوامش:
1 ـ Nonneman, Gerd, Obstacles to stability in the Middle East: An overview of context and linkages , in Couloumbis, T. T. Veremis; and T. Dokos (Eds), The Southeast European Yearbook, (Athens: Hellenic Foundation for European and Foreign Policy, 1994): 105 134.
2 ـ Lesser, Ian, New dimensions of Mediterranean security , (Santa Monica, CA, Rand), 1996, mimeo.
3 ـ Craig, James What is wrong with the Middle East? in Asian Affairs, 2, 23 (June 1992): 131 141.
4 ـ Perthes, Volker, Security challenges from the Mediterranean: A German Perspective , in Hegazy, Sonja (Ed) Egyptian and German Perspectives on Security in the Mediterranean (Cairo: Friedrich Ebert Stiftung, 1998) : 29 36.
5 ـ Tanner, Fred, The Euro Mediterranean Partnership: Prospects for arms limitations and confidence building after Malta , in International Spectator, 32, 2 (April June 1997) : 3 - 26.
6 ـ Ben Yahia, Habib, Security and stability in the Mediterranean Regional and international changes , in Mediterranean Quarterly, (winter 1993) ).
7 ـ Saaf, Abdullah, A framework for stability in the Mediterranean , in Scheben, Thomas (Ed) Towards a Partnership between Europe and the Mediterranean Region: Security and Peace, (Cairo: Konrad Adenauer Stiftung, 1996): 76 - 78.
8 ـ Abdel Monem Said Aly The Egyptian concepts in a transitional period , in Ibid, 41 - 45.
9 ـ Mohammad Selim Southern Mediterranean perceptions of security cooperation and the role of NATO , in Hans Gunther Brauch, A Marquina & A Biad, Eds Euro Mediterranean Partnership for the 21st Century, (London: Macmillan 2000), pp 129 146.
10 ـ Edward Azar, P Jureidini, and R McLaurin, Protracted Social Conflict, Theory and Practice in the Middle East, Journal of Palestine Studies, (USA), 8 (1), autumn 1978, pp 41 - 61.
11 ـ Jeffery Milstein, American and Soviet influence, balance of power, and Arab Israeli violence, in Bruce ـ Russet, ed, Peace, War, and Numbers, (London, Sage, 1972), pp 139, 161.
12 ـ Marie Joelle Zahar, Democracy, War, and Peace in the Middle East, reviewed in Journal of Palestine Studies, 26 (3), 1997, pp 105 - 106 وفى رؤية عامة للموضوع Fred Chernoff, Democratic peace and progress in International Relations , International Studies Review, 6 (1), March 2004, pp 49 - 77 Kenneth Pollack et al, Symposium: Imperial dreams: Can the Middle East be transformed? Middle East Policy, 10 (4), Winter 2003, pp 1 - 28.
13 ـ حامد عبدالله ربيع، المتغيرات الدولية وأزمة الشرق الأوسط ( دمشق، دار الطلائع، 1979) وراجع عرضنا لهذا الكتاب فى السياسة الدولية، يناير سنة 1981، ص 237 ـ 239.
تابع الهوامش:
فى هذا الكتاب، قدم المؤلف عدة تنبؤات مهمة ربما يفيد أن نتذكرها بعد مرور ثلاثة عقود على نشرها فقد تنبأ المؤلف بأن إسرائيل ستفقد تأييد القوتين العظميين، مؤسسا رأيه على أنه مع نهاية القرن، فإن المسلمين السود سيمارسون نفوذا هائلا فى المجتمع الأمريكى، بحيث سيفوق نفوذهم النفوذ الصهيونى كما أن المسلمين سيمارسون فى المجتمع السوفيتى نفوذا حاسما فى صنع القرار السوفيتى، ومن ثم ستنحاز القوتان إلى جانب العرب (ص 174) كما توقع أن إسرائيل ستزول إن عاجلا أو آجلا، وأنها إما ستتفتت من الداخل أو تتحول إلى ـ دولة عربية (ص 186) وفى المقام ذاته، يتنبأ بأنه سيكون ـ من مصلحة الولايات المتحدة وإسرائيل دعم الوحدة الإقليمية العربية (ص 214) وفى هذا السياق، يأتى تأكيد المؤلف القاطع بأن المتغيرات الخارجية وحدها هى التى تحدد مصير الصراع العربى ـ الإسرائيلى.
14 ـ المرجع السابق، ص 11، 24، 54.
15 ـ سيار الجميل، المجال الجوى للشرق الأوسط إزاء النظام الدولى القادم من مثلث الأزمات إلى مربع الأزمات، تحديات مستقبلية، المستقبل العربى، يونيو 1994، ص 20 ـ 22 .
16 ـ Tim Niblock, A Framework for renewal in the Middle East , in Haifa Jawad, ed, The Middle East in the New World Order, (London, McMillan, 1994), pp 4 5.
17 ـ Tareq Ismael, International Relations of the Contemporary Middle East, (Syracuse, Syracuse University Press, 1986), pp 12 - 13.
18 ـ James Russell, Regional Threats and Security Strategy: The Troubling Case of Today’s Middle East, November, 2007 (wwwStrategic Studies Institutearmymil).
19 ـ محمد السيد سليم، تحليل السياسة الخارجية، (القاهرة، مكتبة النهضة المصرية، 1998)، ص 294 ـ 297 .
20 ـ BA Roberson, The impact of the international system on the Middle East , in Raymond Hinnebusch, and A Ehteshami, eds, The Foreign Policies of Middle East States, (Boulder, Lynne Reinner, 2002), pp 55 - 70 21 ـ Mohammad Selim, Regional Systems in Transition: The Middle Eastern and African Systems in Comparative Perspective , The Middle East and African Studies, (Korea), 1993, pp 18 ـ 48.
22 ـ Walter Isard and T Smith, The major power confrontation in the Middle East: Some analysis of short run, middle run, and long run considerations ـ, Peace Research Society (International) Abstracts, 15, 1970, pp 33 - 34.
23 ـ Milstein, op cit, p 14.
24 ـ Wadouda Badran, The Role of Third Parties in Conflict between Small States: A Case Study of the United States and the Egyptian Israeli Conflict, January 1967, December 1978, (Doctoral dissertation submitted to Carleton ـ University, 1981