Share |
يناير 2009
1
السودان ودول الجوار. علاقات المد والجزر
المصدر: السياسة الدولية

بالرغم من أن السودان يعد أكبر البلدان العربية والإفريقية من حيث المساحة (2.5مليون كم)، وبالرغم مما حباه الله من نعم كثيرة، سواء من حيث الموقع الاستراتيجى المهم كجسر للتواصل بين إفريقيا العربية الإسلامية فى الشمال، وإفريقيا السوداء فى الجنوب، فإن هذه المساحة وهذا الموقع جعلا علاقات السودان دائما يشهد حالة من المد والجزر مع جيرانه، خاصة أنه يعد أكبر بلد عربى إفريقى من حيث الجيران، وربما لا ينازعه فى ذلك سوى الكونغو الديمقراطية ذات الجيران التسعة أيضا ومؤخرا، شهدت علاقات السودان الخارجية مع دول الجوار الإفريقى (*) حالة من التوتر النسبى فى العلاقة مع كل من إثيوبيا وكينيا، كل على حدة فى حين شهدت هذه العلاقة تحسنا نسبيا فى العلاقة مع إريتريا.
وكان لكل علاقة أسبابها الخاصة فى التوتر أو التحسن، فضلا عن بعض مظاهرها، وبالتالى ستكون لها تداعياتها، سواء على الصعيد الداخلى أو الخارجى "العلاقات الثنائية"، أو حتى الإقليمى من خلال التنظيمات الإقليمية التى تجمعها.
أولا ـ العلاقة مع إثيوبيا:
تعددت مظاهر الأزمة فى العلاقة بين الجانبين، خاصة من جانب الخرطوم التى اتهمت الحكومة الإثيوبية فى أكتوبر 2008 بتزويد الجيش الشعبى لتحرير السودان الذى يسيطر على جنوب السودان بأسلحة ثقيلة تشمل دبابات، تم نقلها جوا إلى جوبا عاصمة الجنوب وهو ما دفع الخرطوم إلى طلب توضيحات من أديس أبابا، فضلا عن استدعاء السفير الإثيوبى لإبلاغه بالأمر وبعد ذلك بعدة أيام (21 أكتوبر)، اقتحمت قوة حكومية مقر سكن الملحق العسكرى الإثيوبى فى الخرطوم، وقامت بفض حفلة بسبب توزيع خمور فيها واقتياد بعض من حضروها إلى مركز للشرطة، باعتبار أنهم انتهكوا قوانين البلاد ولم تكن هذه الخلافات الأولى من نوعها، ويبدو أنها لن تكون الأخيرة، خاصة فى ظل الحدود الكبيرة الواسعة بين البلدين، إذ سبق هذه الأزمات مناوشات بين القوات الحكومية فى كلا الجانبين فى يوليو 2008، مما أسفر عن مصرع 19 جنديا سودانيا هاجمتهم قوات إثيوبية داخل أحد المعسكرات وبالرغم من أن أديس أبابا نفت الهجوم فى بداية الأمر، إلا أنها وصفته بعد ذلك بأنه مناوشات بسيطة، وسيسعى الطرفان لاحتوائها.
وفى المقابل، فإن إثيوبيا تتهم السودان بدعم متمردى بنى شنقول الذين يدخلون عبر الحدود إلى ولاية النيل الأزرق، كما اتهمت وزير الثقافة والشباب فى إقليم بنى شنقول وكذلك محافظ أصوصا بإبداء تعاونهما مع الجانب السودانى فى قضايا حدودية لم ترض حكومتهما، الأمر الذى أدى إلى تعرض الوزير إلى الاعتقال، ولجوء المحافظ إلى ولاية النيل الأزرق السودانية فى يوليو 2007 ورفض السلطات السودانية تسليمه (1).
ويمكن القول أن الاتهامات الإثيوبية للخرطوم تتمحور حول ثلاث نقاط هى (2) :
1ـ دعم الخرطوم للمعارضة الإثيوبية المسلحة "جبهة تحرير الأورومو" من جهة وبنى شنقول من جهة أخرى.
2ـ دعم وتعاطف الحكومة السودانية مع المقاومة الإسلامية الصومالية فى مواجهة القوات الإثيوبية الداعمة للحكومة الانتقالية الصومالية.
3ـ العلاقات الوطيدة بين السودان وإريتريا، العدو اللدود لإثيوبيا.
أما السودان، فيرى أن هناك نوعا من التحالف بين إثيوبيا والجيش الشعبى لتحرير السودان، وبعض قوى التمرد فى دارفور ويتمثل ذلك فى تهريب الأسلحة، وتدمير بعض المرافق الحكومية، وهو ما كشف عنه تقرير أحد المراكز الحكومية السودانية (3)، حيث أشار إلى قيام القوات الإثيوبية بتهريب السلاح إلى الجيش الشعبى عبر الحدود إلى جنوب ولاية النيل الأزرق المحاذية لجنوب السودان كما اتهم مركز إعلامى سودانى بأن هذا التهريب يتم من خلال إحدى دول الجوار "فى إشارة إلى إثيوبيا"، ويستهدف ضرب خزان الروصيرص فى شرق البلاد الذى يمد السودان بالرى والكهرباء عبر تحالف عسكرى بين الجيش الشعبى وقوات متمردى جبهة الخلاص فى دارفور، التى نشأت فى إريتريا، وبدعم وتأييد من إسرائيل.
ثانيا ـ العلاقة مع كينيا:
تفجرت الأزمة فى العلاقة بين الجانبين بالتزامن تقريبا مع تفاقمها مع إثيوبيا، حيث اتهمت الحكومة السودانية كينيا بتمرير أسلحة إلى الجيش الشعبى لتحرير السودان من خلال السفينة الأوكرانية التى اختطفها القراصنة أمام السواحل الصومالية فى 25 سبتمبر 2008 وبالرغم من نفى كينيا لذلك، إلا أن الخرطوم ردت على هذه الخطوة بتجميد اتفاق تزويدها كينيا بالوقود بأسعار تشجيعية، والذى كان مقررا توقيعه فى أكتوبر 2008 كما قررت الخرطوم عدم مشاركة الرئيس البشير فى اجتماعات القمة غير العادية لمنظمة الإيجاد ـ الهيئة الحكومية للتنمية فى شرق إفريقيا ـ والتى عقدت فى العاصمة نيروبى فى التاسع والعشرين من أكتوبر 2008 والتى خصصت لمناقشة الأزمة الصومالية، حيث حضرها نيابة عنه نائبه الأول سيلفا كير.
تفسير الموقفين الكينى والإثيوبى:
يمكن القول أن لكل دولة منهما مصالحها وأهدافها الخاصة، وإن اجتمعتا فى النهاية على الوسيلة لتحقيق هذه الأهداف، ألا وهى دعم قوى الجنوب فإثيوبيا تعتبر السودان أقوى منافس إقليمى لها فى المنطقة، ومن ثم فهى تحاول دائما تهديد السودان من خلال دعم المتمردين الذين يسيطرون على منابع المياه فى الجنوب أما بالنسبة لكينيا، فهى تهدف لضمان عدم مطالبة الخرطوم بمثلث إيلمى الاستراتيجى (يعد منطقة غنية بالمعادن على الحدود الكينية ـ السودانية، تبلغ مساحتها 3458 كم2 وقامت بريطانيا ـ أثناء احتلالها للسودان ـ بضمه إداريا لكينيا وعقب استقلال البلدين، رفضت كينيا إعادته، بل قامت عام 1988 بنشر خريطة لم تقتصر على وضع الإقليم بحدوده المعروفة داخل أراضيها، بل قامت بتوسيع تلك الحدود بما يعادل 6223 كم2، وهو ما اعتبرته حكومة الصادق المهدى آنذاك انتهاكا للسيادة السودانية).
ثالثا ـ العلاقة مع إريتريا:
تشهد العلاقات السودانية مع إريتريا تحسنا كبيرا منذ أواخر عام 2005، خاصة بعد انعقاد اللجنة المشتركة الأولى بينهما فى 6 و7 ديسمبر 2005، والتى تم الاتفاق خلالها على رفع التمثيل الدبلوماسى بينهما إلى مستوى السفراء فورا، واستمرار التواصل الرسمى والشعبى بينهما على كافة المستويات وقد توطدت هذه العلاقة بعد ذلك، خاصة بعد الدور الحيوى الذى لعبته أسمرا فى التوصل لاتفاق شرق السودان (14 أكتوبر 2006)، والذى ساهم فى إغلاق إحدى الجبهات المهمة التى كان يتعين على الحكومة المركزية فى الخرطوم مواجهتها كما لعبت أسمرا دورا فى المفاوضات الخاصة بأزمة دارفور لما لها من روابط مع بعض قوى التمرد هناك، خاصة حركة العدل والمساواة التى تحتفظ بعلاقات وطيدة مع مؤتمر البجا، ومن ثم قدمت أسمره نفسها على أنها وسيط نزيه فى هذا الصراع، والأمر نفسه لعبه الرئيس أفورقى فى استضافة بلاده للمحادثات السودانية ـ التشادية فى سبتمبر 2008، والتى أسفرت عن اتفاق الطرفين على تشكيل دورية مشتركة لمراقبة الحدود بينهما، خاصة فى ظل كون بلاده أحد بلدان مجموعة الاتصال المعنية بالأزمة والتى تشكلت وفق إعلان داكار للمصالحة بينهما فى مارس 2008.
أهداف إريتريا:
تتلخص أهداف إريتريا من هذا التقارب فى عدة أمور، أبرزها ما يلى:
1ـ الرغبة فى تحسين صورة النظام فى الداخل، خاصة فى ظل حالة الاحتقان السياسى المتمثلة فى زيادة حدة المعارضة، وعدم إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية فى موعدها المقرر عام 2001، وتأجيلها لموعد غير محدد.
2ـ الرغبة فى تحسين الوضع الاقتصادى الذى شهد تدهورا حادا خلال الآونة الأخيرة وقد كشف تقرير عن الأمن الغذائى فى البلاد، تم إعداده فى مارس 2005، عن أن استمرار إغلاق الحدود بين إريتريا والسودان يعنى فقدان أسمرا لثلث سوق الغذاء التقليدية، ومن ثم تصاعد أسعار الحبوب بها (4) فضلا عن ذلك، فإن أسمرا ترغب فى تدفق البترول السودانى إليها على غرار ما يحصل عليه عدوها اللدود: إثيوبيا.
3ـ الرغبة فى وقف هجمات المعارضة التى تنطلق من أراضى السودان ضدها، حيث تكبد النظام خسائر كبيرة مادية ومعنوية فى ظل الأوضاع المتردية التى يعانى منها وبالفعل، منعت الحكومة السودانية فى شهر يوليو 2006 عقد عدة مؤتمرات للمعارضة الإريترية على أراضيها (5).
4ـ الرغبة فى كسب ود السودان كحليف لها فى مواجهة إثيوبيا:
أهداف السودان:
وفى المقابل، فإن الخرطوم ترغب من توطيد هذه العلاقات فى استمرار حالة الاستقرار النسبى فى شرق البلاد فى ظل تأزم الأوضاع فى دارفور، وتوتر العلاقة مع الجنوب ولن يتحقق هذا الاستقرار فى أحد أبعاده إلا عبر بوابة أسمرا، خاصة أن هذه المنطقة الشرقية مهمة للسودان لعدة اعتبارات، منها:
1ـ الرغبة فى ضمان وصول صادرات النفط إلى الخارج، والتى تمر عبر أراضى شرق السودان إلى ميناء بشاير النفطى على البحر الأحمر.
2ـ الأهمية الاقتصادية للمنطقة فبالإضافة لكونها تشتمل على الموانئ الوحيدة للسودان على البحر الأحمر (بور سودان ـ سواكن البشاير وغيرها)، يوجد بها أكبر منجم ذهب فى البلاد فى منطقة أرياب، ويستخرج منها سنويا ما بين 5 و6 أطنان، كما توجد بها خزانات المياه الرئيسية فى البلاد مثل خزان خشم القرية، فضلا عن وجود بعض المشاريع الغذائية بها، مثل مشروعات الغذاء فى ولاية القضارف (تضم منطقة شرق السودان ثلاث ولايات هى القضارف، البحر الأحمر، كسلا) لذا، فإن الحكومة تسعى لاستقرار الأوضاع بها حتى تجنى عوائد هذه المشاريع التى كانت عرضة للسلب والنهب، فضلا عن إمكانية التدمير بسبب ظروف الحرب.
3ـ الأهمية الجيوبوليتيكية للمنطقة، فهى منطقة اتصال وتماس للسودان مع الخارج، خاصة مع دول شبه الجزيرة العربية عبر البحر الأحمر، كما أنها نقطة تماس مهمة كذلك مع دول القرن الإفريقى، خاصة إريتريا التى كانت تشكل نقطة الانطلاق الخلفى لقوى التمرد منذ انطلاق شرارة العمل المسلح عام 1994 لذا، فإن الخبراء العسكريين السودانيين يرون أن أية ضربة تأتى من الشرق ضد الحكومة ستكون ضربة مميتة، خاصة أن الجيش الإريترى ينشر نحو 35 ألف جندى على الحدود مع السودان، فى حين أن عدد القوات السودانية هناك لا يزيد على 9 آلاف جندى وبالتالى إذا انحاز الجيش الإريترى للمتمردين ـ كما كان يحدث من قبل ـ فإن هؤلاء سيكونون بمثابة قوة ضاربة تستطيع ـ على أقل تقدير ـ تنفيذ مخططات لتخريب شرق السودان ومنشآته المهمة، أن لم يترتب على ذلك احتلال بعض المناطق كما حدث عام 2002، عندما سيطر هؤلاء على بلدة همشكوريب الاستراتيجية (6).
مما سبق، يتضح أن السودان يواجه مجموعة من التحديات الداخلية والخارجية يصعب عليه مواجهتها فى أن واحد، كما أن فتح أكثر من جبهة قد يتسبب فى حدوث مصاعب أكثر لنظام الخرطوم ويبدو أن النظام يسعى لتأمين جبهتى الغرب والشرق قدر الإمكان، من خلال توطيد العلاقات مع كل من تشاد وإريتريا، من أجل التفرغ للجبهة الجنوبية التى يبدو أنها ستكون التحدى الأكبر خلال الفترة القادمة، خاصة فى ظل تلميحات بل وتصريحات بعض قادة الجنوب بأن الجنوبيين سيصوتون لصالح خيار الانفصال وبالطبع ما يشجعهم على ذلك الدعم الإقليمى، خاصة من كينيا وإثيوبيا، وهو ما يفسر أسباب توتر العلاقات معهما فى الآونة الأخيرة، وهو أمر سينعكس على الدور السياسى والأمنى لمنظمة الإيجاد التى تضم ـ بالإضافة لهذه الدول الثلاث ـ كلا من الصومال وأوغندا وجيبوتى وإريتريا وقد برز هذا بوضوح فى اجتماع الإيجاد الأخير لمناقشة الأزمة الصومالية، كما سينعكس أيضا على دور تجمع صنعاء، الذى يضم كلا من السودان وإثيوبيا والصومال واليمن، والذى كان يستهدف منذ نشأته قبل عدة أعوام مواجهة النفوذ الإريترى لكن فى ظل هذا التقارب السودانى ـ الإريترى، فإن دور هذا التجمع سيكون محدودا على الأقل فى الجانبين السياسى والأمنى.
الهوامش:
(*) تم استبعاد المحور المصرى وكذلك العلاقة مع تشاد لأنهما يحتاجان إلى دراسة مستقلة.
1ـ جريدة الحياة اللندنية8، يوليو 2007
2ـ جريدة الحياة 23، أكتوبر 2008
3ـ جريدة الحياة، 7 يوليو 2007
4ـ wwwalnahda18mcom
5ـ مزدلفة محمد عثمان، السودان وإريتريا الضغط بالمعارضين، جريدة الصحافة السودانية، 5 يوليو 2006
6ـ أسامة الهتيمى، اتفاق أسمرا هل ينزع فتيل أزمة شرق السودان؟، موقع مفكرة الإسلام، 9 أكتوبر 2006 فى: wwwislammemoee/article/aspx?id=7711