Share |
اغسطس 2010
17
الـرنـان الشيخ عبد النبي ..
المصدر: الأهرام المسائى


متعدد الأساتذة
كل فنان يعتبر امتدادا لفنان سبقه،أو استمرارا لجيل ماجاء قبله، أو سيرا علي خطي مدرسة ينتمي لها، إلا الشيخ عبد النبي الرنان، فهو امتداد لكل من سبقوه من مختلف الفنانين والمداحين، خاصة أولئك الذين تربي علي ايديهم، ووجدهم ملء السمع والأبصار عندما فتح عينيه علي الدنيا كما يقولون.
عبد النبي عبدالعال محمدين، هذا هو اسمه، وعبد العال محمدين (والده) هو أحد نجوم فن الكف الصعيدي ،ولمن لايعرف فن الكف، فعليه أن يستمع الي الأغنية الشهيرة "نعناع الجنينة" التي غناها النجم النوبي محمد منير، ولكن عليه أن يسمعها بصوت آخر، بعيدا عن التوزيع الحديث، ليس لرداءة الموسيقي ، ولكن لأنها أصبحت شيئا آخر غير الأصل ،لنسمعها من إذن محمد بشير المطرب الأسمر الجميل المشهور بإحياء حفلات الكف في وسط البلد، وساقية الصاوي، ربما نسمعها أيضا من أكرم مراد، الفنان النوبي الأصلي وابن شقيقة حمزة علاء الدين الذي احتفي به العالم وجهلته مصر.
وإذا أراد التعرف علي هذا الفن من مصادره فليستمع الي "العزب الإسناوي" أو ابنه جابر أو من سيد الركابي في جلسة لناس "مكان" (المركز الثقافي المصري).
إذن كان والد "الرنان" رجل كف من الطراز الرفيع، والكف ليس ذكرا ولا مديحا ولا إنشادا، إنه لون من الغناء، عادة مايرتبط بكلمات شديدة الحسية، ورغم هذا فإنها ليست مبتذلة.
وهكذا وجد الفتي عبد النبي، المولود عام 1950، نفسه في حضرة واحد من أبرع الفنون، لأنه يعتمد علي سرعة البديهة، والتلقائية والارتجال، فمن يغني الكف عليه أن يجيد "تضفير" الكلمات في أسرع وقت وعلي نفس القافية والوزن، وإلا فالاعتزال أولي به.
أحمد برين
ولد الرنان في قرية الدير بمركز اسنا محافظة قنا، أي أنه بلديات الشيخ أحمد برين الذي تحدثنا عنه سابقا، وكما قلنا فإن أبو بريم (لقب برين) كان مداحا ومنشدا، صحيح أنه كان يقص الحكايات تأسيا بجنوب الصعيد الذي لا يعتمد في مديحه علي أشعار كبار المتصوفين، إلا أنه كان مداحا ممتازا.
كان المدح له ليال، والكف له ليال مختلفة فالمدح يكون في المناسبات ذات الطابع الديني وشبه الديني: ختمة قرآن ،إحياء الذكري السنوية لمتوفي ،ختان لأحد الذكور (كان ختان الذكور في الصعيد يحمل دلالات مهمة تتعلق بالطهارة وما أشبه، ولذلك سموه "الطهور" ومن هنا كان ختان الصبي مناسبة تحمل في جزء منها ملمحا روحانيا وغيرها من المناسبات أما الكف فكان يرتبط بالزفاف وتحديدا لليلة الحناء التي تسبق الليلة الكبيرة ومن المعروف ان الصعيد لم يكن يسمح بتاتا بزفاف يقام في قرية تشهد مأتما أو مناسبة دينية، ومن هنا كانت هناك مساحة كبيرة لفن الكف ، ومساحة للإنشاد الديني لايطغي جانب علي جانب.
تعلق الرنان الذي اكتسب لقبه من رنين صوته بليالي المدح التي يقيمها البرين، والتي يتخللها رواية قصص وما أشبه، إلي جانب ملازمته لوالده في حفلات الكف، ومن هنا كان للشيخ عبد النبي أستاذان،وطريقان، وطريقتان يمكن أن نضيف لهما طريقا ثالثا هو طريق "الرواجحية"
الرواجحية
كانت الرواجحية فرقة موسيقية تحت قيادة الفنان محمد أبوالضوي وهو أحد المداحين المتصوفين عن حق،كان محافظا علي استقلال المديح عن غيره من الفنون، لم يكن قصاصا ولاحكاء ولم يدخل الفنون الشعبية في المديح، وحافظ علي أجواء التراث بما في ذلك الجلوس علي الحصيرة، ورفض اعتلاء الدكة الخشبية للغناء والمديح.
وهكذا فإن عبد النبي كان تلميذا في ثلاث مدارس في وقت واحد، وكانت جميعها مدارس متميزة، حيث حققت كل منها نجاحا وانتشارا وصيتا وكان علي الشيخ الصغير أن يختار طريقا يسلكه من بين هذه الطرق واختار عبد النبي الرنان أن يكون "مداحا".
الاختيار
لم يكن الشيخ عبد النبي يري في نفسه فنانا للكف مثل والده عبد العال محمدين ،فهو لم يكن مثله يجيد الارتجال، يضاف لذلك ميله الفطري للحزن الذي كان مدخله لعالم التصوف، ومن هنا لم يقتنع الرنان بنفسه فنانا للكف (كفاف)، لكن هذا لم يمنع أنه تأثر بذلك الفن، وهو جعل لمدائحه مذاقا خاصا بداية من الطبلة التي "اخترعها" اختراعا، وانتهاء بالموضوعات. فقد اخترع الشيخ عبد النبي الرنان آلة إيقاع تشبه الطبلة، وهي عبارة عن سلطانية من الألمونيوم، شد عليها جلدا فصنعت آلة ارتبطت بالفنان وارتبط بها.
وبحسب الأديب المبدع أحمد أبو خنيجر ،فإن الشيخ الرنان أقسم علي ألا يترك هذه الطبلة حتي يموت، ومن هذه الطبلة اكتسبت مدائح عبد النبي "رنينا" خاصا يضاف الي رنين صوته، مما جعله في النهاية بحق هو "الرنان".
كذلك تأثر اختياره لما يغنيه من موضوعات بفن "الكف" فكان يغني المواويل ،والمربعات وغيرها من الأشكال الشعبية التي لم تكن معروفة من قبله في فن المديح ولذلك فإن فترة السبعينيات كانت هي الفترة الذهبية للشيخ الرنان،حيث كان رقم اثنين في مبيعات الكاسيت بعد الشيخ ياسين، عندما ظهر جهاز التسجيل مع العائدين من الخليج، وهكذا أصبح الشيخ "محجوزا" لستة أشهر مقدمة طيلة فترة السبعينيات والثمانينيات، ويرجع هذا النجاح الكبير الي استخدامه تلك الأشكال الشعبية في الغناء.
بل إن مدائحه عرفت كذلك فن "الواو" وفن الواو هذا يشبه مرويات السيرة الهلالية في الشكل ،ويهتم بالجناس بين الألفاظ مع اختلاف المعاني.
وكان الأهم من كل هذا هو إدخاله القصص من نوعية "عزيزة و يونس" لفن المديح أو في جلسات المديح.
"كوكتيل" فني
إذن اختار الشيخ عبد النبي أن يكون مداحا، في شكل "كفاف" شعبي وغير أن الروح نفسها التي كان يغني بها كانت متأثرة بالشيخ محمد أبو الضوي المتصوف، ونظرا لهذا "الكوكتيل" الفني فقد كان مطلوبا في جميع أنحاء العالم، بل انه يعتبر الوحيد تقريبا بين المداحين ممن ذهبوا للإنشاد في دول افريقية غير عربية ،بالإضافة الي زيارته للدول العربية ، والأوروبية وأمريكا.
المرض والنهاية
منذ تسعينيات القرن العشرين ،والأمور لم تعد كما هي مع الشيخ عبد النبي الرنان، فقد خفت بريق الانشاد والمديح ،عندما عرفت الكهرباء طريقها لبيوت القري في الصعيد (ومن ثم التليفزيون والدش بطبيعة الحال) كما أنه أصيب بمرض السكر اللعين، وهو المرض الذي سيشتد عليه حتي يصل الي ذروته عام 2001، عندما يتسبب في بتر ساقه.
غير أن تلك الظروف لم تجعل الشيخ الرنان يعتزل المديح، أو يغير طريقه مثلما فعل آخرون، لم يتجه للغناء العاطفي مثل الشيخ محمد العجوز، ولم يعمد الي توزيع مدائحه وكفه بشكل حديث كما فعل جابر العزب، وإن كان قد استمر في التسجيل والمديح، حتي بعد حادث البتر اللعين.
وظل الشيخ عبد النبي الرنان متمسكا بفن المديح، متنقلا بين القري والموالد المتبقية في الصعيد. مولد أبو الحجاج الأقصري، مولد السيد الشاذلي ،وطبعا المولد النبوي.
واستمر علي هذه الحال حتي وافته المنية يوم 18 اغسطس 2009 الماضي، وهو في سن صغيرة نسبيا (59 سنة) متأثرا بمرضه اللعين.