Share |
اغسطس 2010
12
النقش علي النحاس من أروع الفنون التي عرفتها البشرية
المصدر: الأهرام -الطبعة الدولية
بقلم:   عاطف زايد


النقش علي النحاس فن من ابرز الفنون الشرقية وهو حرفة تعتبر جزءا من الفن الإسلامي الذي يعد من اروع الفنون التي عرفتها البشرية، ويكفي ان ندلل علي ذلك بقول الكاتب الفرنسي جاستون ميجو في كتابه الفن الإسلامي لم تأت امة من الامم في فنونها ما يضاهي العبقرية التي تتجلي في الفن الزخرفي الإسلامي.
ولعبت الزخرفة العربية دورا كبيرا في الفن الإسلامي بحيث غطي علي الفنون الاخري، حيث اكتسبت هذا الدور بسبب روعة العناصر التي اعتمدت عليها وثرائها وتعدد الانماط والطرق، ولم تقتصر حرفة النقش علي النحاس في تزيين المباني فقط، بل تعدتها إلي تذويق جميع الحاجيات اليومية وتزيينها مهما قل شأنها التزيين والتذويق والترصيع والتذهيب وغير ذلك من وسائل التحلية والتجميل التي لاتعد ولاتحصي، اذ تشمل جميع الاشياء الضرورية للانسان في حياته اليومية من المهد إلي اللحد.
فن إسلامي.
يعود تاريخ النقش علي النحاس إلي بدايات ازدهار الحضارة العربية الإسلامية حيث اشتهر الاقبال علي تزيين المباني بالمساجد والمدارس والدور والقصور وسواها من المنشآت بشتي ضروب الزينة والزخرف وتهافت الناس علي اقتناء الاشياء المذوقة بالرسوم والنقوش فادي ذلك إلي نشوء حرف عديدة لسد هذه الحاجة، ولجأ صناع هذه الحرف إلي اساليب مبتكرة ووسائل شتي لتلبية الطلبات المنهالة عليهم، كالنقش والرسم والتذهيب والتلوين والتطعيم والتعشيق وسواها من الوسائل والاساليب التي اصطلح علي تسميتها الفنون الزخرفية.
والنقش علي النحاس هو احد هذه الفنون التي مازالت تحفظ بريقها الخاص رغم طغيان ادوات الاستخدام اليومية المعدنية كالالومنيوم والتوتياء والستيل ولاتزال منتجات النحاس المزخرفة بالنقوش تجد من يحبذها وتجذب علي نحو خاص السياح الاجانب الذين يريدون ان يقتنوا شيئا من سحر الشرق وان يعودوا إلي بلادهم محملين بالصناعات الشعبية التي تربطها بعالم الف ليلة وليلة الاسطوري.
ويدخل معدن النحاس كمادة اساسية في تصنيع الكثير من ادوات الاستعمال اليومية ففي عهد الدولة الإسلامية استخدم النحاس في صناعة العملات واواني الطعام، وتم استخدامه ايضا علي مدي واسع في طلاء قاع السفن الخشبية حتي لاتتعرض للتلف وكلحام لمعدن الحديد كما يستخدم في صناعة المولدات الكهربائية وصناعة الالات ويستخدم بكثرة ايضا في خطوط وكابلات الكهرباء الخارجية، وخيوط اللمبات الكهربائية ومعدات الاتصال، وتستخدم كميات كبيرة من النحاس في صناعة الحرير الصناعي.
ومما زاد من رقي وعراقة وفنية هذه المشغولات قيام الفنان المسلم بتطعيم موادها وخاماتها فأدخل الصدف إلي الخشب والمعادن علي بعضها البعض كما ادخل الذهب والفضة علي النحاس والبرونز وجمع بين العاج وخامات اخري وقام هذا الفنان بتزيين هذه المشغولات بالزخارف والنقوش الغائرة والنافرة النباتية والهندسية وحتي بالصور الادمية والحيوانية التي تعكس جانبا من حياة المرحلة التي ولدت فيها ومنها مشاهد المبارزات بالسيوف ورحلات الصيد والقنص بواسطة الصقور والشواهين وصيد الوحوش اضافة إلي ما حملت من كتابات واسماء وتواريخ مما جعلها تتحول إلي تاريخ مدون بالفن.
مهنة وفن
تبدأ عملية الزخرفة والنقوش بعد اختيار شكل الانية المطلوب صنعها حيث ترسم النقوش باقلام نقش فولاذية خاصة بهذه المهنة وبمساعدة المطرقة والسندان ثم تمسح القطعة جيدا حتي تعود إلي اصلها الطبيعي ثم يتم عزل القطعة التي يراد الحفر عليها بمادة شمعية لاتتأثر بالاحماض إلي جسم المعدن فوق الخدش أو الرسم ثم يقوم بتغطيس الانية بحمض الازوت الممدد وتركه لفترة حتي يأخذ الشق حجمه المطلوب وبعد اخراج القطعة من الحمض وغسلها وتنشيفها يتم تركيب خيوط الفضة في هذه الشقوق وذلك بالطرق الخفيف عليه يأخذ مكانه الصحيح وتسمي هذه الطريقة التطعيم بالفضة.
وهناك طريقة اخري تدعي الضغط علي النحاس حيث يتم حفر الشكل الخارجي للعنصر الزخرفي أو الخطي والطرق حوله حتي يبرز القسم الداخلي للزخرفة ويشمل عمل النقش تزيين الاوعية المنزلية من صوان ودلال قهوة ومناسف وابواب خارجية وكؤوس ولوحات تزيينية، كما يجب استخدام النحاس السميك اي ما فوق 1 ـ 2 ملم في النقش وليس النحاس الرقيق.
ويستخدم في النقش علي النحاس ادوات تتمثل في منضدة خشبية ومطارق حديدية خفيفة ومتنوعة واقلام الحفر الفولاذية والازاميل والاحماض المؤثرة التي تستخدم في التلوين واقلام الرسم.
الاطباق النجمية
للنقش علي النحاس مثل غيره من انواع النقوش عناصر ووحدات هندسية تعتمد في ايقاعها علي الترديد والتكرار لاعطاء التركيب المناسب لوحدة النقش ومن هذه الوحدات ما يسمي الاطباق النجمية وهي من أهم واجمل العناصر الهندسية المجردة التي اخرجتها يد الحرفي، وقد بدأت فكرتها علي الاخشاب ثم تطورت واكتمل نموها في التحف الاخري في شتي بقاع العالم الإسلامي في المشرق والمغرب.
ويتألف الطبق النجمي عادة من عنصر نجمي الشكل في الوسط يعرف باسم الترس يحيط مجموعة من الوحدات الهندسية بعدد اطرافه، اصغر حجما، لوزية الشكل تعرف باللوزات يلتف حولها من الخارج مجموعة اخري من عناصر هندسية اكبر حجما واكثر عددا تعرف بالكندات كما اتخذ النقاش العربي من الخط وحروفه المرنة القابلة للتشكيل والتطويع وسيلة لزخرفة التحف النحاسية حيث كان ينقش علي جوانبها بعض الآيات القرانية أو العبارات المأثورة أو ابيات الشعر فوق ارضية من الزخارف النباتية المورقة التي تساعد عادة علي ابراز تلك النقوش الخطية وتضفي عليها جمالا اخاذا.
وتتم زخرفة النحاس أو النقش عليه بثلاث طرق: الأولي هي الحفر أو النقش والثانية هي النقر أو الحفر البارز وهو اقل دقة من النقش، اما الطريقة الثالثة فهي تنزيل الفضة علي النحاس وهي صنعة لايعرف سرها إلا القلائل وتدعي مهنة، الالتونجية وهي كلمة تركية مركبة من التون ومعناها النحاس ومن جي علامة النسبة التركية للمهنة، تتطلب عملية النقش علي النحاس من الحرفي مهارة عالية بالخط والرسم الدقيق الذي يتم بادوات يدوية دون استخدام التقنية المتطورة بل بمجموعة بسيطة من الادوات التي هي عبارة عن طاولة ومطارق حديدية متعددة الاحجام ومطارق خشبية ومجموعة من الازاميل والاقلام الحديدية كما يقول الفنان الحرفي نبيه الهاشمي الذي يعمل في مجال النقش علي النحاس منذ أكثر من ربع قرن استطاع خلالها ان يختط اسلوبا خاصا تمثل في تجسيد لوحات لكبار المستشرقين الذين زاروا الشرق.