Share |
سبتمر 2010
13
مستقبل السد العالي في ظل حمي تفكيك السـدود
المصدر: الأهرام الإقتصادى

نعمان الزياتى

نظر الكثيرون إلي السد العالي علي أنه أكبر جراحة جغرافية علي وجه الأرض، فعلت بالنيل ما فعلت جراحة قناة السويس للعالم القديم. وكلنا يدرك أن هذا المشروع الضخم لم يكن مشروعا سياسيا بقدر ما هو مشروع هندسي، فإن السياسة تداخلت وتدخلت فيه إلي حد بعيد ومن ثم اختلطت في المشروع دوافع المجد القومي مع الجدوي الاقتصادية. ولكي نعيد الأمور إلي طبيعتها الأولي والوصول إلي أحكام سليمة علي حالة السد العالي اليوم وما ينتابه من تشققات وترسيبات أمامه وكيفية معالجة ذلك ،علينا أن نخرج المشروع من إطاره السياسي ونعيده إلي وضعه الأصلي كمشروع هندسي في الأساس. صحيح أنه لا يوجد مشروع سابق ولا لاحق عاد بهذا القدر من الفائدة علي مصر ، فهو بكل المقاييس يعد أكبر إنجاز في تاريخ الشعب المصري ، وتجسيدا حيا للإرادة المصرية ، ويمثل مرحلة مهمة في تاريخ هذا الشعب .
وكلنا يدرك أن منافع السدود جلية. فالطاقة الكهربائية المولدة بفعل مساقط المياه تشكل نحو20% من الإمداد الكهربائي العالمي، وهي طاقة متجددة ونظيفة بدرجة كبيرة ، بخاصة عند مقارنتها بمصادر الطاقة الأخري. وتنظم السدود الفيضانات وتؤمن خزاناتها إمدادا مائيا موثوقا للري ومياه الشرب. ويستخدم بعضها لمساعدة الملاحة وذلك بتخفيف سرعة تدفق مياه الأنهار. أما الأذي الذي تسببه إقامة السدود فواضح أيضا: تشرد السدود الناس، ونتيجة لذلك فقد أصبحت مثيرة للجدل بصورة متزايدة في العالم النامي. ويمكن أن تخرب المناظر الطبيعية وتحتجز الرواسب (الضرورية لتشكيل الدلتا وضفاف الأنهار والشواطئ الرملية) وتعوق هجرة الأسماك وتدمر النظم البيئية في الممرات المائية وما يحيط بها. وللمنادين بصيانة الموارد الطبيعية تاريخ طويل في معارضتهم لإقامة السدود. ومع ذلك تطرح الرواسب في العديد من المواقع الأخري مشكلات أكبر. ففي سد " ماتيليجا دام " علي نهر " ماتيليجا كريك " في جنوب ولاية كاليفورنيا تجمع خلف السد قرابة 6 ملايين ياردة مكعبة من الطين ( كمية كبيرة جدا من الرواسب أدت إلي عدم صلاحية السد لخزن المياه للري والشرب ، واعتقد أن كثيرا من الأمراض التي أصابت المصريين ترجع إلي تراكم تلك الترسيبات).
ويمكن تلخيص نتائج السد العالي الجانبية وآثاره العكسية في معادلة واحدة، أن السد قد استبدل "المجاعة المائية " بـــ " مجاعة طينية" ، وفي حين أن غياب الطمي مسئول عن أخطار الخصوبة وتآكل السواحل وانخفاض الدلتا وهجرة السردين.
ويوجد في العالم حاليا نحو 800000 سد، منها 45000 سد كبير، بني معظمها في القرن الماضي. وبصورة رئيسية بعد الحرب العالمية الثانية.
وقد خرجت علينا تقارير تشير إلي شروخ في المنشأ الخرساني لمحطة الكهرباء، كما توجد بعض الترسيبات حول بعض وصلات المواسير الموجودة في جسم المحطة وعدة مواسير حديد متآكلة في أماكن الرشح بصفة خاصة، كما تلاحظ الرشح أيضا في أماكن فواصل الصب وبعض الفواصل الإنشائية ، واكتشاف شروخ في الجدار الخرساني لـ 12 نفقا من أنفاق السد بعد تركيب 12 مولدا كهربائيا بالاتفاق بين الحكومة المصرية وشركة أمريكية قامت باستبدال مولداتها بالمولدات الروسية عالية الكفاءة ، التي ظلت تعمل لمدة 30 عاما دون أية أعطال . المولدات الأمريكية بها معدل اهتزاز أعلي من المولدات الروسية، وأنها تعاني أعطالا مستمرة رغم أنها دخلت الخدمة منذ 4 سنوات.فلماذا كان هذا التوجه نحو الولايات المتحدة ؟سؤال في حاجة إلي إجابة .
وقبل البدء في تنفيذ المشروع في بدايته ، كان هناك خطان أساسيان لنقل الطمي من أمام السد إلي خلفه بواسطة مواسير ضخمة تخترق جسم السد أو نقله بواسطة قناة تحويل جانبية تدور حوله وتتخطاه ، فأما فكرة المواسير ، وكان هذا الحل مفترضا القيام به قبل إنشاء أو أثناء بناء السد، أما الآن فإن المشكلة هي استحالة وضع مثل هذه المواسير في جسم ضخم بضخامة السد ، والخوف علي حدوث انهيارات في جسم السد ، هذا فضلا عن ضعف تيارات الحمل في بحيرة راكدة ركود مياه السد .ومن ثم لا مفر عن فكرة قناة التحويل الجانبية كبديل . ويقال إن كثيرا من وثائق السد العالي قد اختفت ، ويمكن استنتاج أن الوثائق التي اختفت والمتعلقة بالمشاريع التكميلية المصاحبة لبناء السد والتي تقلل من آثاره السلبية إلي الحد الأدني. وما يطرح من أفكار اليوم لحماية الدلتا من طغيان البحر المتوقع تغفل الجانب المهم في المسألة، فهناك حقيقة يعرفها الجميع وهي أن الطمي يتدفق مع الماء ثم يترسب في قاع النهر وينتشر علي سطح الوادي غشاء سنوي رقيق للغاية ولكنه مع تراكمه الألفي يرفع مستوي القاع والوادي . وعلي أية حال ، فإن السد العالي عندما أوقف ورود الطمي فقد أوقف عملية التوسع الأفقي للأرض المصرية علي أطرافها إلي الأبد ، فأصبحت غير قابلة للزيادة ، إن لم تكن قابلة حقا للتناقص كما رأينا في العقود الثلاثة الأخيرة إضافة إلي أن السد العالي أوقف عملية الرفع الرأسي لمستوي الأرض المصرية إلي الأبد . ومن ثم آن الأوان للبت في أمر السد من خلال استكمال المشاريع الجانبية له والتقليل بقدر الإمكان من الخسائر وخاصة الخسائر المحتمل وقوعها في المستقبل .
ومن ثم علينا أن نسرع الخطي من أجل إعادة الخصوبة لتربتنا الزراعية ومواجهة التحديات الناشئة من تراكم المياه في البحيرة. وهذا التعديل لا يقتضي هدم جسم السد بل سيبقي كما هو. ولأن السد العالي مصمت ، فلابد من سد جديد ذي فتحات في تحويله جانبية لمرور المياه إلي الشمال ، بطاقة تصريف يومية قدرها 860 مليون متر مكعب ، وهي الطاقة القصوي لاستيعاب المجري أثناء الفيضان دون خطر. علما بأن هذه القناة يمكن أن تخفف من تأثير الضغط علي البحيرة ، فعلينا أن نعي حقيقة كبري تضرب بعمق في أمن مصر القومي، إن لم يكن الوجود القومي المصري ذاته ، فأولا هناك التهديد بالدمار الذي ستعيش مصر تحت رحمته إلي أجل غير مسمي - فبحيرة ناصر - 120 مليار متر مكعب علي الأقل - كتلة مائية جبارة تستقر في أقصي جنوب مصر وعلي أعلي ارتفاعها وهي أشبه ما يكون بقنبلة نووية من العيار الثقيل قد تنفجر في أي لحظة لو حدث ما يؤدي إلي انسياب المياه بلا رابطة من البحيرة ، فإن التخريب الذي تحدثه في مصر سيكون أضعاف ما أحدثته قنبلة هيروشيما وخاصة أن الأبحاث أثبتت أن منطقة البحيرة قد أخذت تتعرض للزلازل الموضعية نتيجة لثقل كتلتها المائية الهائلة. ومن ثم علينا أن نعيد رسم خريطة المياه بتوقع حدوث مثل هذه الأشياء مستقبلا فكيف سيتم مواجهتها إن حدثت لا قدر الله. علينا أن نرسل الخبراء والمهندسين إلي الهيئات الأجنبية المسئولة عن حماية السدود وصيانتها وخاصة تلك التي لم تتجاوز عمرها الافتراضي والمراكز الخاصة بتفكيك السدود ، ليتعلموا كيف يعيدون الأنهار إلي طبيعتها وكيف يحافظون علي السدود التي لم يتقرر هدمها الآن وكيف يتم تعظيم الفائدة من السدود الموجودة حاليا؟.
المدهش حقا أن هناك حملة كبيرة تجتاح الدول من مشرقها لمغربها لتفكيك السدود وإعادة الحياة الطبيعية للأنهار إلي ما كانت عليه في الماضي ، ولقد تجاوزت معدلات إزالة السدود في الولايات المتحدة معدلات بنائها ، وخلال السنتين الماضيتين فقط، تمت إزالة نحو 80 سدا، ويتوقع الباحثون المتابعون لهذا المسار استمرار عمليات إزالة السدود. ومع أن الولايات المتحدة تقود هذا المسعي حاليا ، فهي ليست الوحيدة في هذا المجال. فقد فككت فرنسا سدودا في وادي اللوار، كما أزالت أستراليا وكندا واليابان بعض سدودها أو تخطط لإزالتها . فقد أضحت عملية إزالة السدود حدثا مألوفا عندما يتقادم أو يهرم السد ويصبح دوره ثانويا في تزويد منطقة ما باحتياجاتها من الطاقة الكهربائية، أو يصبح غير آمن أو يصبح إصلاحه مكلفا جدا. أو عندما تقرر المجتمعات إعادة أنهارها إلي طبيعتها السابقة. وتطرح الرواسب في العديد من المواقع الأخري مشكلات أكبر.
وستزودنا إزالة العديد من السدود الكبيرة بمعلومات مهمة إضافية. ومع نهاية هذا العام سوف يزال سدان من "أوليمبيك ناشيونال بارك" في ولاية واشنطن: سد "كلاينز كانيون" الذي يبلغ ارتفاعه 210 أقدام وسد " إلوها" الذي يبلغ ارتفاعه 109 أقدام. وفي كلا الموقعين يقوم العلماء بجمع بيانات أساسية حول أسماك السلامون،وحول مستويات الأكسجين وتعداد الحشرات وحمولات الرواسب. وفي اليابان، سيزال في العام القادم سد "أريز" استجابة للحملة التي قام بها الناشطون المدنيون المهتمون بتدني نوعية المياه وانخفاض معدل صيد الأسماك. وستقوم أستراليا بتحويل بحيرة موكوان إلي مستنقعات عندما يزال سدها! في حين تفكر فرنسا بإزالة السد الخامس علي نهر اللوار.
والرواسب المحتجزة خلف السدود تكشف عن متغيرات حاسمة عندما تفكك تلك السدود. والمسألة الكبري التي غالبا ما تواجه مسئولي الإدارة هي كيفية معالجة التراكم الكبير للأوحال والحطام. ويقوم العلماء بفحص هذه المواد بصورة دورية لمعرفة مدي سميتها . فإذا كانت الرواسب تحتوي علي مستويات عالية من الملوثات. فإن تكلفة إزالتها، وبخاصة من المواقع البعيدة، لابد أن تقارن بقدرة الممر المائي علي نقلها والتخلص منها . فإذا كانت حمولة الرواسب عالية جدا وقدرة إزالة النهر للرواسب منخفضة، فلابد أن يختار المهندسون نقل الرواسب علي مراحل ، بحيث يتاح في كل مرة إطلاق كميات صغيرة من الرواسب. فأحيانا يشيد المهندسون اقنية عبر خزانات السدود ويزرعون غطاء نباتيا لتثبيت الرواسب أو يضعون عوائق صنعية مثل الصخرر. أو سياجا مؤقتا لحجز الأوحال في مكانها .
ويمكن تنفيذ المشروع (حماية السد من الزلازل ومن تراكم الطمي بإنشاء قناة جانبية) ويمكن إسناد هذا المشروع العملاق إلي القطاع الخاص لتحقيق الكفاءة الاقتصادية والاستدامة البيئية وإعادة الخصوبة لأرضنا الزراعية . يجب ألا ينظر إلي هذا المشروع علي أنه مشروع تجاري يجب التربح منه ، بل مهمة وطنية والتزام قومي يتناسب مع قيمة السد .