Share |
اكتوبر 2010
7
"بازل 3.." قلق البنوك وامتعاض الحكومات
المصدر: الأهرام اليومى

نزيرة الأفندي

قبل ثلاثة أيام من حلول الذكري السنوية الثانية لانهيار بنك "ليمان برازر" الأمريكي في 15 سبتمبر 2008، جاءت قرارات "لجنة بازل" المكونة من 27 دولة، في الثاني عشر من شهر سبتمبر الحالي 2010 تحت عنوان مقررات "بازل 3" في محاولة لإعادة الانضباط لأداء البنوك والحد من اندفاعها في طريق الاستثمارات عالية المخاطر، سواء في صورة مشتقات أو تلك المهجنة، وغيرها من أنواع توريق الديون وتدوير المخاطر، والتي أدت إلي الأزمة المالية العالمية الأخيرة.
وفي الوقت الذي اعتبرت فيه هذه المقررات استجابة لمطالب محددة تبنتها مجموعة العشرين، ومن ثم ستعرض عليها في لقاء القمة المقرر عقده في العاصمة الكورية الجنوبية "سيول" في شهر نوفمبر المقبل من أجل إقرارها، ثم يتم طرحها علي الدول للتصديق عليها بصورة منفردة في غضون فترة لا تتجاوز نهاية عام 2012، ثم تدخل التنفيذ الفعلي في يناير 2013، وبذلك تحد من لعبة الكراسي الموسيقية التي تلعبها البنوك من خلال التوسع في أنشطتها داخل الدول ذات النظم والرقابة المالية الرخوة بعيدا عن الرقابة في دولة المقر أو الوطن الأم في العالم المتقدم. إلا أن تلك المقررات أوجدت حالة من الجدل داخل دوائر البنوك في الدول المتقدمة ـ بغض النظر عن ضخامة أو صغر أحجامها أو تفاوت رءوس أموالها ـ، كما انقسمت الآراء بين الخبراء والمحللين حول مدي تأثيراتها في مجال ضبط الأداء، أما الحكومات والساسة، فقد تمثل شعورهم العام في "الامتعاض" من هزالة هذه المقررات والتشكيك في قدرتها علي ضبط أداء البنوك والحيلولة دون تكرات أحداث الأزمة المالية العالمية التي عصفت بدول العالم خلال عامي 2008، 2009، ومن ثم التفت بعض الآراء حول الاعتقاد بممارسة الدوائر المصرفية في الدول الرئيسية الأعضاء في "لجنة بازل" ضغوطا للحيلولة، دون صدور قرارات أكثر صرامة وفعالية لمنع تكرار أحداث الأزمة المالية التي أطاحت فعليا بنسبة 7% من أصول البنوك الأمريكية وحدها.
فلماذا كان القلق والجدل من الانقسام والامتعاص حيال مقررات "بازل 3" والتي توافقت في جزء كبير منها مع المخاوف التي فرضتها "بازل" التي أعلنت في عام 1988 وتم تطبيقها عام 1992؟
استقراء المقررات الأخيرة والنقاط الرئيسية التي تضمنتها يوضح أسباب تباين ردود الأفعال، التي توافقت مع الأصداء التي أحدثتها المقررات الأولي الصادرة في نهاية الثمانينيات، حيث استخدمت "ورقة آثارها السلبية علي حركة الائتمان للتخويف من التشدد في قرارات "بازل" الأخيرة، فقد كانت التوقعات تشير إلي ارتفاع نسبة الاحتياطي الأساسي للبنوك منسوبا إلي رأس المال والأصول المالية عالية المخاطر، وجاءت النسبة المعلنة في حدود 7%، منها 4.5% تمثل النسبة الأساسية من رأس المال، 2.5% اضافية تكون بمثابة منطقة أمان وقائية في مواجهة التقلبات التي قد تتعرض لها الأصول عالية المخاطر، وكانت النسبة الأساسية السابقة لا تتجاوز 2%.
وقد كانت نسبة الـ7% أقل مما تقتضيه وتستوجبه النتائج المدمرة التي ترتبت علي الأزمة المالية التي فجرتها ممارسات البنوك في القطاعين العقاري والمالي، من وجهة نظر البعض وخاصة بالنسبة للحكومات، ومن هنا كان التركيز علي المقترحات التي لم تنفذ من جانب لجنة "بازل" والخاصة بنسبة مواجهة "مابعد الفقاعة" أو اتساع وضخامة حجم نشاط البنوك، أما وجهة نظر البنوك، فتنصرف إلي أن تضاعف النسبة من 2% إلي 4.5% يضاف إليها 2.5% أخري بمثابة عائق يحول دون ممارسة نشاطها واتساعه، لأن نسبة 7% تعتبر الزامية ولا يمكن التغاضي عنها، بل يمكن أن تؤدي إلي توقيف وتجميد هذا النشاط في حالة عجز البنوك عن تعبئة المزيد من الموارد المالية للتعادل مع نشاطها في مجالي الإقراض والاستثمار وخاصة التوريق، يضاف إلي ذلك أن القواعد الملزمة لا تسري علي البنود الواردة في القيود المحاسبية فقط، بل تمتد إلي المناطق الخفية للاستثمارات ذات المخاطر العالية وبغض النظر عن ادراجها أم لا وتعد المشتقات أبرز النقاط في هذا المجال، كما يطرح تجميد توزيع الأرباح علي المساهمين وكذلك الحوافز والمكافآت لمجالس إدارات البنوك كبديل أساسي في حالة اختلال النسبة المقررة عن رأس المال بمعناه الواسع، يضاف إلي هذا وذاك حساسية موقف البنوك الأوروبية مقارنة بنظيرتها الأمريكية،من أجل المواءمة مع مقررات "بازل 3" حيث إن التشريعات وخطوات الإصلاح المالي المتخذة من جانب "واشنطن" والتي اطلق عليها "قاعدة فولكر" والتي طبقت في مجال الشركات الاستثمارية العاملة في القطاع المالي وكذلك البنوك كانت أسرع في مواجهة تبعات ومسببات الأزمة مقارنة بأوروبا.
وقد اعتبرت مخاوف البنوك بمثابة "ورقة" راهنت عليها جماعات الضغط التابعة لها وأثرت بالتالي علي "قرارات بازل 3" سواء بالنسبة لـ7% وكذلك طول الأمد الزمني الذي حدد للتطبيق الكامل لمقررات "بازل 3" والذي يصل إلي ثمانية أعوام، ومن هنا كان الشعور بالغبطة والابتهاج بالنسبة للمتعاملين في أسهم البنوك والقطاع المالي في البورصات العالمية، حيث تعد هذه "الفئة" هي المستفيد الأساسي من قرارات "بازل 3" التي أوجدت الجدل بين "القلق المصرفي" و"الامتعاض الحكومي" المدعم بالأبحاث والدراسات الاكاديمية، حيث رأت الأخيرة أن النسبة يجب ألا تقل عن 12% لتستطيع امتصاص الصدمات الناجمة عن الأزمات المالية مستقبلا.
وإذا كان الوضع كذلك علي صعيد الدول المتقدمة وعلي رأسها الولايات المتحدة، فإنه يجدر بنا أن نتساءل عن موقف القطاع المصرفي في الدول النامية ومن بينها مصر إزاء هذه القرارات ومحاولات الالتفاف من جانب بعض البنوك الدولية ذات النشاط متعدد الجنسيات علي مقررات "بازل 3" خلال السنوات المقبلة حتي عام 2019 وهل يستطيع القطاع المصرفي المواءمة بين متطلبات تنشيط حركة الائتمان وبين الشفافية في قطاعات الاستثمار المالي، وبين الرغبة في المزيد من الأرباح والحاجة إلي زيادة رءوس الأموال لمواجهة قرارات "بازل 3"؟!