Share |
يوليو 2010
1
نحو رؤية متكاملة لتنمية إيرادات النيل
المصدر: السياسة الدولية

تفاقمت أخيرا الخلافات بين دول حوض النيل حول نسب توزيع المياه وكيفية اقتسامها، ووصلت المفاوضات مع دول المنابع حول الاتفاق الإطارى للشراكة فى المياه إلى طريق مسدود، فى ظل إصرار تلك البلدان على إعادة اقتسام المياه الحاضرة. ورغم ذلك، لا تزال الفرصة قائمة لمعالجة الموقف المتأزم، وذلك باعتماد ما يمكن تسميته "أخوة النهر" كإطار حقيقى ودائم للتعاون الشامل بين دول الحوض فى قضايا المياه التى توجد مشروعات متنوعة لتنمية إيراد النيل منها، واقتسام الزيادة فى الإيرادات بصورة تكفى الجميع، وأيضا التعاون فى كل المجالات الاقتصادية عموما على أساس تبادل المنفعة، وهو إطار مغاير لفكرة البحث عن عدو، وتعليق أى فشل عليه.
وتتحدد المشروعات الممكنة لتنمية الإيرادات المائية لأى نهر بطبيعة هذا النهر وحوضه والسمات الأساسية لهما، من زاوية قدرة النهر على أسر المياه التى تسقط على حوضه، وموسمية أو انتظام جريان مياه النهر، ووحدة روافد النهر وارتباطها بالنهر الأساسى، أو تواليها وانفصالها عن بعضها بعضا فى نظم نهرية فرعية تتفاوت فى مستويات ارتباطها بالنظام النهرى الأساسى، والطبيعة المناخية للنطاق الجغرافى الذى يجرى فيه النهر، والتى تحدد مستويات البخر منه، ومعامل انحدار النهر الذى يحدد قدرته على الحفاظ على مجراه أو التشتت فى المستنقعات، ويحدد أيضا سرعة جريانه، وحجم الفاقد من المياه بالبخر والتسرب والتشرب.
أولا- خصائص حوض النيل وروافده:
بناء على دراسة حوض النيل بمنابعه الاستوائية والإثيوبية ومجراه الأوسط فى السودان ومجراه الأدنى ومصبه فى مصر، يمكن تركيز السمات الأساسية لنهر النيل وروافده وحوضه، والتى يترتب عليها بلورة الاختيارات المقترحة لتطوير إيرادات النهر على النحو التالى:
1- لا يمكن اعتبار نهر النيل وروافده نظاما نهريا واحدا، وإنما هو عدد من النظم النهرية والبحيرية المستقلة والمتوالية التى تختلف عن بعضها بعضا فى الكثير من سماتها الجوهرية. فنهر كاجيرا وروافده، بإيراده الذى يبلغ نحو 18 مليار متر مكعب سنويا، لا تزيد على 8% من الأمطار الساقطة على حوضه، يشكل نظاما مستقلا ينتهى عندما يصب فى بحيرة فيكتوريا الهائلة الأبعاد التى تبلغ مساحتها نحو 67 ألف كيلومتر مربع، وتتلقى فى السنة نحو 100 مليار متر مكعب من الأمطار التى تسقط عليها مباشرة، فضلا عن إيرادات نهر كاجيرا. وهذه البحيرة تعتبر نظاما بحيريا عملاقا وخاصا يرتبط بالنيل الأساسى، بما تصبه فى نيل فيكتوريا من مياه تقدر بنحو 23,5 مليار متر مكعب سنويا. أما بحيرة كيوجا ومستنقعاتها التى يسقط عليها نحو 19 مليار متر مكعب من الأمطار المباشرة، تضاف إلى إيرادات نيل فيكتوريا (23,5 مليار متر مكعب)، فإنها تفقد بالبخر والتسرب والتشرب نحو 20 مليار متر مكعب، أى أنها تبدد كل ما سقط عليها من أمطار مباشرة، وتستهلك نحو مليار متر مكعب من إيراد نيل فيكتوريا ليخرج منها بإيراد يبلغ 22,5 مليار متر مكعب سنويا. وكذلك الأمر بالنسبة لبحيرتى جورج وادوارد اللتين تشكلان نظاما بحيريا خاصا، ونهر سمليكى، وبحيرة موبوتو (ألبرت)، وبحر الجبل، وبحر الغزال، ونهر السوباط ، والنيل الأبيض. أما نهرا النيل الأزرق والعطبرة، فإنهما الأعمق فى ارتباطهما بالنظام النهرى للنيل الرئيسى، لأنهما ببساطة يدفعان كل مياههما للنيل الرئيسى، دون أن تبدد بالتسرب والبخر فى مستنقعات، وهما بالتالى يصيغان الملمح الأساسى لطبيعة جريان النيل الرئيسى، عندما كان طليقا قبل بناء أى سدود عليه لتنظيم جريانه وتعظيم الاستفادة من مياهه.
ونتيجة لهذه الطبيعة للنظم النهرية والبحيرية الفرعية فى حوض النيل، فإن تنمية إيرادات النهر بصورة شاملة يمكن أن تتم من خلال إقامة مشروعات تؤدى هذا الدور داخل كل نظام من النظم النهرية والبحيرية التى يتضمنها حوض النهر، باستثناء النيل الأزرق والعطبرة اللذين أشرنا إلى ارتباطهما العميق بالنظام النهرى للنيل الرئيسى، واللذين أمكن تطوير الاستفادة منهما من خلال مشروعات فى المجرى الأدنى فى مصر.
2- يفرض تتابع النظم النهرية والبحيرية المشكلة للنيل أن يكون أى مشروع لزيادة الإيرادات المائية فى أعالى النهر متبوعا بمشروعات أخرى فى مجرى النهر شمال هذا المشروع لضمان إيصال مياهه إلى المناطق التالية للمشروع الأصلى. فعلى سبيل المثال، لو تمت تنمية الموارد المائية لنهر كاجيرا، فلابد من إقامة مشروع لحماية شواطئ بحيرة فيكتوريا ولزيادة معدل قدرة نيل فيكتوريا، على استيعاب كميات أكبر من المياه، ومشروع لمنع تبدد زيادة الإيراد المائى فى مستنقعات بحر الجبل.
وبناء على هذا، فإن مشروعات أعالى النيل يجب أن تدرس كمنظومة متكاملة، لأن نهر النيل رغم أنه يتكون من نظم نهرية وبحيرية مستقلة، فإن تراتبها يخلق رابطا عميقا بينها، ويفرض تراتبا مماثلا فى المشروعات التى تقام فى أعالى النهر لتنمية موارده المائية وتنظيم نقلها إلى المناطق والدول المستفيدة.
3- موسمية الإيراد المائى الكبير لنهرى العطبرة والنيل الأزرق تجعل الإيراد المائى للنيل الرئيسى متقلبا بدوره بشكل حاد، حيث يرتفع بشدة فى شهور فيضان الروافد الحبشية فى الصيف وبدايات الخريف، وينخفض بشكل حاد فى بقية شهور العام، حينما يضطر للاعتماد بالأساس على الإيرادات المائية المحدودة القادمة من المنابع الاستوائية المنتظمة على مدى العام عبر النيل الأبيض. وهذه الموسمية فى الإيراد، والتى تتسم بأنها غير متوافقة بالكامل مع احتياجات المحاصيل المختلفة، شكلت مصدرا للتفكير فى إقامة مشروعات لضبط نهر النيل وضمان انتظام جريانه على مدى العام من خلال اختزان المياه فى شهور الفيضان لاستخدامها فى شهور التحاريق التى ينخفض فيها الإيراد المائى لنهر النيل.
4- تتعرض منابع النيل، خاصة المنابع الإثيوبية، لموجات من الجفاف أحيانا، وارتفاع الإيرادات من مياه الأمطار بشكل هائل فى أحيان أخرى، أى أنها تعانى تذبذب الإيراد المائى بشكل حاد من عام إلى آخر. حيث بلغ أقصى إيراد مسجل للنيل نحو 151 مليار متر مكعب عند أسوان عام 1878/ 1879، علما بأن متوسط إيراد النيل عند أسوان هو 84 مليار متر مكعب سنويا. وبلغ الإيراد السنوى للنيل عند أسوان نحو 119، 114، 112، 111، 109، 107 مليارات متر مكعب فى أعوام 1894، 1895، 1896، 1916، 1917، 1964، 1988 على الترتيب. وبالمقابل، بلغ الإيراد نحو 46 ، 66 ، 69 ، 57 ، 70 ، 60 مليار متر مكعب فى أعوام 1913 ، 1940 ، 1983 ،1984 ، 1986، 1987 على الترتيب(1).
وهذا التقلب فى إيراد النيل من عام لآخر كان مصدرا للمجاعات والكوارث المروعة فى دول حوض النيل من منابعه الاستوائية والحبشية حتى مصر.
وإذا كان التخزين السنوى للمياه فى الفيضان، لاستخدامها فى شهور الجفاف، يمكن أن يجدى فى مواجهة تذبذب إيراد النيل من فصل إلى فصل على مدى العام، فإن تقلب الإيراد من عام لآخر لا يمكن مواجهته بالتخزين السنوى، وإنما بالتخزين المستمر لفائض المياه فى سنوات زيادة الإيراد لاستخدام هذا المخزون فى السنوات الشحيحة الإيراد. وهذا التخزين المستمر هو ما اصطلح على تسميته بالتخزين القرنى. ويعد السد العالى، الذى اعتبر أعظم مشروع بنية أساسية فى العالم فى القرن العشرين، هو أكبر مشروعات التخزين المستمر على نهر النيل، وهو المشروع الذى أخرج مصر من الدائرة الجهنمية لآثار تذبذب إيراد النيل على مدى العام، ومن عام لآخر. أما السودان، فإنه أصبح، بفضل هذا المشروع، أكثر قدرة على تنظيم مياه النيل على مدى العام، وعلى مواجهة النقص فى الإيرادات المائية للنيل فى هذا العام أو ذاك، لكنه لا يزال يتعرض لمخاطر الفيضانات حتى الآن.
5- تنطوى النظم النهرية والبحيرية المكونة لنهر النيل على نقاط ضعف جيولوجية مهمة هى المسئولة عن ضياع جزء كبير من مياهه فى الوقت الراهن، وهى المرشحة لأن تحدث فيها تغيرات فى مجرى النهر لدى حدوث أى حركات أرضية التوائية أو انكسارية فى المستقبل.
وتتمثل نقاط الضعف هذه فى ضعف انحدار النهر أو تلاشيه فى بعض المناطق، مما يتسبب فى ظهور المستنقعات التى تتبدد فيها كميات ضخمة من إيرادات النهر فى منطقة المستنقعات المحيطة ببحيرة كيوجا، وفى مستنقعات بحر الجبل، وفى مستنقعات حوض بحر الغزال، وفى مستنقعات مشار، وفى النيل الأبيض ذاته الذى يضعف انحداره، ويبطؤ جريان المياه فيه، ويتحول إلى ما يشبه البحيرة فى موسم الفيضان، بما يبدد كميات كبيرة من المياه منه بالتسرب والبخر.
كذلك، فإن عدم وجود انحدار بين بحيرتى جورج وإدوارد يجعل المياه وتتراوح بينهما، وهو ما يزيد من معدل البخر والتسرب منهما، ويقلل بالتالى المياه التى تتدفق من بحيرة ادوارد إلى نهر سمليكى. كذلك، فإن بحيرة فيكتوريا ذاتها لها مسطح هائل يبلغ 67 ألف كم2، وهى غير عميقة، لأن متوسط عمقها لا يتجاوز 40 مترا فى المتوسط، بما يجعلها تفقد نحو 94,5 مليار متر مكعب بالبخر سنويا، وهو هدر هائل للمياه يقلل حجم المياه التى تتدفق من هذه البحيرة العملاقة إلى مجرى نهر النيل.
ومن الضرورى أن تبدأ تنمية إيرادات النيل وتطوير حوضه بمعالجة نقاط الضعف فى مجرى النيل وبحيراته لإنقاذ المياه التى تتبدد فى مناطق الضعف المذكورة سابقا.
ثانيا- مشروعات تنمية حوض النيل:
بدأت إقامة مشروعات مائية على النيل فى مصر منذ عهد محمد على، وكانت كلها تنصب حول مد الترع، وتقوية الجسور، وإنشاء القناطر لاحتجاز بعض المياه فى أوقات الفيضان، وتغذية الترع والرياحات التى أمامها عندما ينتهى موسم الفيضان. وعلى رأس تلك المشروعات، التى اكتملت فى القرن التاسع عشر، قناطر الدلتا التى أجريت لها دراسات عديدة قبل إنشائها، ثم بدأت عملية الإنشاء فى عام 1843. وتحت ضغوط محمد على للإسراع باستكمال المشروع، حدثت بعض الأخطاء فى القناطر الخاصة بفرع رشيد. واكتمل بناء القناطر عام 1861، لكن الأخطاء فى إنشائها جعلتها تبدأ رحلة طويلة من عمليات العلاج لتلك الأخطاء. وكان أهم مشروع أقيم على نهر النيل هو خزان أسوان الذى بدأ تنفيذه عام 1898، وانتهى فى عام 1902 بسعة تخزينية قدرها مليار متر مكعب على منسوب 106 أمتار فوق سطح البحر، ثم تمت تعليته عام 1912 بحيث أصبحت سعته التخزينية نحو 2,5 مليار متر مكعب على منسوب 114 مترا فوق مستوى سطح البحر. ومع تزايد حاجة مصر للمياه، تمت تعلية الخزان للمرة الثانية عام 1933، بحيث أصبحت سعته التخزينية نحو 5 مليارات متر مكعب على منسوب 121 مترا فوق مستوى سطح البحر(2).
ومع تزايد عدد سكان مصر واحتياجاتها المائية لكافة الأغراض الزراعية والصناعية وللشرب، بدأ التفكير فى تعلية خزان أسوان للمرة الثالثة فى بداية الأربعينيات، بحيث ترتفع سعته التخزينية إلى 9 مليارات متر مكعب. لكن الفكرة استبعدت، نظرا لأن العديد من الدراسات أشارت إلى أن احتجاز هذه الكمية من المياه فى خزان أسوان الصغير سيؤدى إلى تراكم الطمى، مما يقلل سعة الخزان تدريجيا، ولهذا استبعدت الفكرة، وتم التحول إلى مشروعات أخرى لتخزين مياه النيل.
وفضلا عن خزان أسوان، تعتبر قناطر "أسيوط" و"زفتى" التى أنشئت عام 1902، وقناطر "إسنا" التى أنشئت عام 1906، من أهم المشروعات التى أقيمت على نهر النيل. وقد تمت تقوية قناطر أسيوط وإسنا وزفتى بعد ذلك، كما أنشئت قناطر نجع حمادى عام 1930، وتم بناء قناطر الدلتا الجديدة فى عام 1939 لتقوم بالدور الذى كانت تلعبه القناطر القديمة.
وإلى الجنوب من حدود مصر الحالية، تم فى عام 1925 إنشاء خزان سنار على النيل الأزرق على بعد 390 كيلو مترا من الخرطوم بقدرة تخزينية سنوية تبلغ 781 مليون متر مكعب، قبل أن تتم تعليته بعد ذلك فى عام 1952، لتصل قدرته التخزينية إلى 931 مليون متر مكعب. كذلك، تم إنشاء خزان جبل الأولياء على النيل الأبيض جنوبى الخرطوم عام 1937 لتخزين المياه لصالح مصر، وبلغت قدرة الخزان نحو 2.5 مليار متر مكعب(3).
ونتيجة لعجز أسلوب التخزين السنوى، الذى ينصرف إلى تخزين المياه فى أوقات ذروة الفيضان واستخدامها فى شهور نقص المياه، عن توفير احتياجات مصر المائية، والتغلب على مشكلة تقلب الإيراد السنوى للنيل - نتيجة لهذا العجز وفى ظل التزايد الكبير للاحتياجات المائية المصرية، بدأ التفكير فى التخزين المستمر، أو ما اصطلح على تسميته بالتخزين القرنى، وبدأ جدل واسع فى مصر حول أنسب المشاريع للتخزين القرنى لمياه النيل.
وكانت أهم الأفكار المطروحة للتخزين القرنى هى تلك الخاصة بالتخزين فى البحيرات الاستوائية والإثيوبية، وتحديدا بحيرات فيكتوريا وكيوجا وموبوتو (البرت) فى هضبة البحيرات الاستوائية، وبحيرة تانا فى الهضبة الإثيوبية. وطرحت الأفكار الخاصة بالتخزين فى تلك البحيرات بشكل جدى منذ عام 1920، حينما قدم بيت الخبرة البريطانى " مردوخ ماكدونالد"، مشروعا متكاملا للتخزين القرنى لمهندسى وزارة الأشغال المصرية. وكان المشروع يتضمن بناء قناطر عند نجع حمادى، وهى التى أقيمت عام 1930، وبناء سد عند "سنار" لصالح السودان، وهو الذى أقيم عام 1925، وإقامة سد عند جبل الأولياء لتخزين المياه لصالح مصر، وهو الذى أقيم عام 1937. وتضمن مشروع بيت الخبرة البريطانى المذكور عدة مشروعات أخرى، لم تنفذ فعليا، وهى إقامة سد على بحيرة موبوتو (البرت) فى أوغندا، وإقامة سد آخر على بحيرة تانا فى إثيوبيا. كما تضمن المشروع بناء قناة لحماية مياه نيل موبوتو
(البرت)، الذى يطلق عليه بحر الجبل عندما يدخل السودان، من الضياع فى منطقة السدود النباتية أو المستنقعات فى جنوبى السودان، والتى يضيع فيها بالتسرب والبخر والنتح نحو 50% من إيراد بحر الجبل، وهى القناة المعروفة بقناة المستنقعات أو قناة جونجلى(4).
والملاحظ أن المشروعات المطروح إقامتها داخل مصر والسودان هى التى تمت إقامتها بالفعل بمبادرة من مصر. أما المشروعات الواقعة فى إثيوبيا وأوغندا، فإن مصر لم تكن متحمسة لإقامتها، حيث إن المشروعات التى تقع فى أوغندا - الخاضعة للاحتلال البريطانى فى ذلك الوقت - كانت ستؤدى لدى تنفيذها إلى جعل بريطانيا قادرة على التحكم فى جانب من الموارد المائية لمصر، وهو ما أثار تحفظات شديدة لدى القوى الوطنية المصرية التى كانت تخوض صراعا مع بريطانيا من أجل استقلال مصر التام عنها. أما خزان بحيرة تانا، فإنه كان من الصعب تنفيذه، فى ظل عدم وجود علاقات قوية ومستقرة بين مصر وإثيوبيا فى تلك الفترة.
وقد ظلت تلك المشروعات تواجه بتحفظ شديد، لكن تزايد حاجات مصر المائية، وبالتالى حاجتها للبدء فى مشروعات التخزين القرنى، دفع الحكومة المصرية إلى تشكيل لجنة من كبار رجال الرى بوزارة الأشغال العامة والموارد المائية لدراسة المشروعات المطروحة للتخزين القرنى لحماية مصر من الفيضانات العالية، ولتوفير المياه فى السنوات التى يشح فيها الفيضان، وينخفض فيها إيراد النيل. وقدمت اللجنة إلى مجلس الوزراء برنامجا يتضمن عددا من المشروعات التى ترى صلاحيتها لتحقيق غرض الحماية من الفيضانات، ومن انخفاض إيراد النيل عبر التخزين القرنى. وقد أقر مجلس الوزراء هذا البرنامج فى ديسمبر 1949، وهذه المشروعات كانت ستوفر نحو 13,2 مليار متر مكعب عند أسوان بعد خصم الفواقد بالبخر التى ستتعرض لها. وهذا الإيراد الصافى كان من المفترض أن يتم اقتسامه بين مصر والسودان. وكان التقدير المبدئى لتكاليف المشروعات المطروحة يبلغ نحو 122 مليون جنيه مصرى(5).
وقد بدأت وزارة الأشغال المصرية فعليا فى تنفيذ هذا المشروع بالاتفاق مع أوغندا، والاشتراك معها فى إنشاء سد شلالات أوين عند المخرج الشمالى لبحيرة فيكتوريا تجاه بحيرة كيوجا لتوليد الكهرباء لصالح أوغندا، ولتخزين المياه فى بحيرة فيكتوريا لصالح مصر. وقد تم إنشاء السد فعليا، وبدأ فى توليد الكهرباء لصالح أوغندا بالفعل. لكن تخزين المياه فى البحيرة لصالح مصر لم يتم البدء فيه، نظرا لأن ذلك يتطلب موافقة كل من كينيا وتنزانيا، ودراسة التعويضات اللازمة التى ستدفعها مصر بسبب ارتفاع منسوب البحيرة العملاقة عند تخزين المياه فيها، مما يؤدى إلى غمر بعض سواحلها بما تتضمنه من أراض ومساكن وإنشاءات.
أما المشروع الأعظم، الذى أقيم على نهر النيل، فهو السد العالى الذى غير مصير شعب مصر، بعد أن مكنه من السيطرة على الفيضانات المدمرة، وتكوين مخزون هائل من المياه يحميه من دورات الجفاف السباعية الرهيبة التى تتكرر كل قرن تقريبا منذ العهد الفرعونى وحتى الآن، والتى شهدت مصر واحدة منها، خلال الفترة من عام 1980 حتى عام 1987.
وقد أنقذ السد العالى نحو 32 مليار متر مكعب من التبدد فى البحر، لكن نحو 10 مليارات متر مكعب منها تضيع بالبخر فى بحيرة ناصر، ليتبقى نحو 22 مليار متر مكعب، تحصل مصر على 7,5 مليار متر مكعب منها، ويحصل السودان على 14,5 مليار متر مكعب.
وبالرغم من أهمية المشروعات التى أقيمت بالفعل لتطوير الإيرادات المائية لنهر النيل، والتى تمت فى مجراه الأدنى فى مصر، واستنفدت تقريبا إمكانيات تطوير الموارد المائية فى هذا الجزء، وبالرغم من إقامة الكثير من المشروعات المهمة فى المجرى الأوسط للنهر فى السودان، خاصة فى شرقه وشماله، فإن كل تلك المشروعات لا تشكل سوى جزء بسيط من المشروعات الكبيرة الممكنة لتطوير الإيرادات المائية لنهر النيل فى مجراه الأعلى والأوسط. تلك المشروعات التى يمكن أن تضيف إيرادات مائية للنهر تبلغ أضعاف ما تمت إضافته إليه من إيرادات مائية من كل المشروعات السابقة التى أشرنا إليها فى موضع سابق.
ثالثا- تطوير الإيرادات المائية للنيل:
هناك عدد من المشروعات التى يمكن الإشارة إليها، وهى مشروعات إما ثبتت الإمكانية الفنية لإقامتها فعلا، أو أنها مشروعات من الضرورى دراستها فنيا قبل الشروع فى إقامتها. ويمكن تركيز هذه المشروعات على النحو التالى:
1- مشروع لزيادة إيرادات نهر كاجيرا من حوض هذا النهر الذى تسقط عليه كميات هائلة من الأمطار، لا يصل منها عبر النهر إلى بحيرة فيكتوريا سوى 8% منها، وذلك من خلال تطوير المخرات الرئيسية الجامعة للسيول التى تصب المياه الساقطة على حوض هذا النهر فى مجراه، لزيادة حجم ما يدخل مجرى النهر من تلك المياه. وإضافة إلى ذلك، هناك ضرورة لبناء خزانات صغيرة ومتعددة لتجميع المياه الفائضة من مخرات السيول، والتى لا يمكن لمجرى نهر كاجيرا أن يستوعبها فى موسم الأمطار، وذلك لتخزينها فى الموسم المذكور، ثم تنظيم نقلها لمجرى النهر فى فترات الجفاف التى تتراوح بين ثلاثة وأربعة أشهر تقريبا، وتطوير مجرى نهر كاجيرا، بحيث يستوعب الكميات الإضافية التى ستدخل مجراه.
2- مشروع لحماية مياه بحيرة فيكتوريا من التبدد بالبخر الذى يستهلك 94,5 مليار متر مكعب من إيرادات هذه البحيرة. ويمكن التفكير فى تغطية أجزاء كبيرة من سطح البحيرة بأغطية بلاستيكية مانعة للبخر، أو التفكير فى ردم جزء من محيط البحيرة، وتحويله لأراض زراعية شديدة الخصوبة لصالح كينيا وتنزانيا وأوغندا، مع تعميق البحيرة فى الوقت نفسه لتقليل مسطحها بشكل آمن، وتقليل البخر الهائل منه، مما يؤدى إلى زيادة المياه المتدفقة منها عبر نيل فيكتوريا. وقد يكون من الضرورى، تبعا لهذا المشروع، أن يتم إجراء بعض الأعمال فى نيل فيكتوريا لاستيعاب الزيادة فى تدفق المياه عبره. كما يمكن لكينيا وتنزانيا أن تحصلا على جزء كبير من الزيادة فى الإيراد المائى التى يمكن تحقيقها من مثل هذا المشروع، بصورة متوافقة، مع تحملهما لجزء من تكاليف إنشاء هذا المشروع.
وتشكل تجربة هولندا فى ردم البحر خبرة كبيرة فى هذا المجال، يمكن الاستفادة منها فى تخطيط مثل هذا المشروع الذى يتميز بأنه مفيد للدول المشاطئة للبحيرة، لأنه يقدم لها أراضى زراعية خصبة متمثلة فى المناطق التى سيتم ردمها. وسيستخدم الطمى المرفوع من قاع البحيرة، خلال عملية تعميقها، فى تغطية هذه المناطق بتربة شديدة الخصوبة. كما سيقدم لها إمكانية رى هذه الأراضى، إذا كان من الضرورى والممكن إقامة زراعة مروية وليست مطرية عليها. كما أنه سيقدم زيادة فى الإيرادات المائية لدول المجرى الأوسط والأدنى لنهر النيل.
3 - مشروع لردم مستنقعات بحيرة كيوجا وتحويلها لأراض زراعية خصبة لمصلحة أوغندا، مع إنشاء قناة مبطنة بالحجر والأسمنت لنقل مياه نيل فيكتوريا قبل مصبه فى جنوب غرب هذه البحيرة إلى نقطة خروجه منها، مع بناء قنوات فرعية لتجميع مخرات السيول التى تجمع الأمطار الغزيرة التى تسقط على البحيرة ومستنقعاتها، لتصب هذه المياه فى القناة الرئيسية التى تنقل مياه نيل فيكتوريا والإيرادات الإضافية القادمة من منطقة كيوجا ومستنقعاتها. ويمكن تعميق البحيرة ذاتها أو تأهيلها لزيادة المنصرف منها، علما بأنها هى ومستنقعاتها تفقدان نحو 20 مليار متر مكعب بالبخر سنويا. ويمكن توزيع أى إضافة فى الموارد المائية من هذا المشروع بين أوغندا، حسب احتياجاتها، وبين كل من مصر والسودان. كما يمكن توزيع تكلفة المشروع، بما فى ذلك تكلفة تعويض الأضرار الناجمة عنه، بين هذه الدول الثلاث، حسب استفادتها منه.
4- مشروع لإقامة سد على قناة كازنجا فى نقطة التقائها ببحيرة إدوارد، وذلك للسماح بمرور المياه من بحيرة جورج إلى بحيرة إدوارد ومنها إلى نهر سمليكى، ومنع عودة المياه من بحيرة إدوارد إلى بحيرة جورج.
5- إضافة إلى ما سبق، هناك المشروعات المطروحة منذ فترة، والتى بدأ تنفيذ بعضها ثم توقف، مثل مشروع جونجلى لحماية مياه بحر الجبل من التبدد فى المستنقعات فى جنوب السودان، ومشروع حماية مياه نهر السوباط من التبدد فى مستنقعات مشار، ومشروع إقامة سد على بحيرة موبوتو (ألبرت) (لوتانزيجا)، ومشروع تنمية الإيراد المائى لحوض بحر الغزال، خاصة على فروعه: "الجور"، و"لول"، و"بحر العرب".
ومن البديهى أن أى إضافة للإيرادات المائية من مشروعات يتم تنفيذها فى أعالى النيل، سوف يستتبعها حتما مشروعات أخرى لتأهيل مجرى النيل شمالى تلك المشروعات، لاستيعاب الزيادة فى كمية المياه المتدفقة من خلال النهر.
وتجدر الإشارة إلى أن أى مشروع ينفذ من هذه المشروعات يجب أن يحقق مصلحة كبيرة للمجتمع المحلى فى منطقة المشروع، حتى يكون هناك حرص من هذا المجتمع على المشروع. كما ينبغى مراعاة الاعتبارات البيئية إلى أقصى درجة ممكنة. كما يجب أن يتم توزيع أعباء المشروعات وتكاليفها التى تشمل التعويضات المرتبطة بإقامة هذه المشروعات، بشكل متسق مع الاستفادة التى سيحصل عليها كل طرف منها. كما ينبغى أن يكون توزيع الاستفادة قائما على أسس عادلة وإنسانية تسهم فى تهدئة الخواطر فى بلدان حوض النهر، التى ينبغى العمل على ربطها بما يمكن تسميته أخوة النهر، من خلال تعاون اقتصادى مائى، وزراعى، وصناعى، وخدمى، وتجارى، وتدريبى، مدنى وعسكرى، لتطوير العلاقات على أساس تبادل واسع النطاق للمنافع بشكل متكافىء، بما يمنع أى محاولات اختراق معادية لمصر فى دول حوض النيل.
الهوامش:
1- بيانات وزارة الأشغال العامة والموارد المائية، 1999.
2- مصطفى محمود القاضى وآخرون، النيل وتاريخ الرى فى مصر، وزارة الأشغال العامة والموارد المائية، القاهرة، ص ص 231، 252.
3- أحمد السيد النجار، من السد إلى توشكى .. النيل والبشر فى مصر: الأساطير والواقع، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، القاهرة، 1999، ص44.
4 - المرجع السابق مباشرة، ص44.
5 - طاهر محمد أبو وفا، مشروع السد العالى. التطورات التى مر بها، القاهرة ، 1967، ص39.