Share |
يوليو 2010
1
روسيا.. حضور جديد فى الشرق الأوسط
المصدر: السياسة الدولية

أثارت التحركات الروسية، خلال الفترة الأخيرة فى منطقة الشرق الأوسط، العديد من علامات الاستفهام حول توجهات السياسة الخارجية الروسية الجديدة، وطبيعة حركتها خلال المرحلة المقبلة، والآثار التى يمكن أن تنتج عنها على الأوضاع والتوازنات فى المنطقة.
والواقع أنه لا يمكن فهم وتحليل وتفسير هذه التحركات الأخيرة بعيدا عن الاستراتيجية العامة للسياسة الخارجية الروسية، التى تبلورت مع وصول فلاديمير بوتين إلى الكرملين، وما نتج عنها من تحرك للسياسة الخارجية الروسية على الصعيد العالمى.
تسعى تلك السياسة إلى تحقيق توازن المكانة، والذى يعنى بناء وتشكيل أدوار روسيا فى مناطق العالم المختلفة بما يتلاءم وما تراه قيادتها السياسية من موقع ملائم لهذه الدولة فى النظام الدولى. بل وربما تسعى روسيا إلى إعادة بناء وتشكيل هذا النظام بما يؤدى إلى تحقيق أهدافها.
ومن ثم، فالسؤال الرئيسى الذى تدور حوله هذه الدراسة يتمثل فى مدى الارتباط بين حركة السياسة الخارجية الروسية فى المنطقة، والاستراتيجية العامة للسياسة الخارجية الروسية، وما موقع التحركات الأخيرة فى الشرق الأوسط من هذا السياق؟
الملامح العامة لاستراتيجية السياسة الخارجية الروسية:
فى لقائه مع سفراء روسيا فى أنحاء العالم فى الثانى عشر من يوليو عام 2004، حدد بوتين استراتيجية السياسة الخارجية الروسية فى خمسة عناصر على النحو التالى:
* يجب على السياسة الخارجية أن تصبح وسيلة لتحديث البلد.
* العلاقات مع الدول المستقلة حديثا الواقعة على أراضى الاتحاد السوفيتى السابق تمثل أولوية بالنسبة للسياسة الخارجية الروسية.
* تبقى لعلاقات روسيا مع أوروبا أولوية تقليدية، فليس هناك بدائل للتعامل مع الاتحاد الأوروبى وحلف الناتو.
* الحاجة إلى الشراكة مع الولايات المتحدة.
* البدء بالتعاون مع الدول الواقعة على الساحل الآسيوى من المحيط الهادى من أجل تطوير سيبيريا.
وتصف ليليا شيفتسوفا، المحللة السياسية الروسية، هذه الاستراتيجية بالاستراتيجية متعددة الاتجاهات. وهى تعنى - بنظرها - تراجعا عن اندماج روسيا فى المجتمع الأوروبى فى المدى القريب على الأقل، علاقة أكثر واقعية بين الطموحات والموارد المحدودة، مع عدم الرغبة فى المواجهة مع الغرب، بالإضافة إلى محاولة لعب دور مهيمن لروسيا على أراضى الاتحاد السوفيتى السابق، ولكن من خلال أساليب أكثر مرونة.
تشير المحللة الروسية إلى أن بعض المحللين رأوا أن هذه الاستراتيجية هى بمثابة محاولة لإيجاد طريق ثالث فى العلاقات الدولية، لا يسعى للاندماج مع الغرب، ولكنه فى الوقت نفسه لا يسعى للمواجهة معه. وتذكر فى هذا الإطار ما كتبه المحلل السياسى الروسى ديمترى ترينين:
بعد تغلب روسيا على أزمة هويتها، تقدم نفسها كلاعب دولى مستقل مبعدة نفسها عن الغرب. وأفضل ما يمكننا أن نقوله عن هذا الأمر هو أنها محاولة للعب دور قوة عظمى تحت ظروف معاصرة جديدة(1).
ويشير باحث آخر إلى أن بوتين قد سعى إلى إستعادة أمجاد روسيا القديمة، وفرض وجودها على الساحة الدولية، انطلاقا من التحولات القائمة المؤدية إلى نشوء عالم متعدد الأقطاب. وقد تعاظم هذا الاتجاه فى السياسة الخارجية الروسية من جراء قرارات الولايات المتحدة نشر عناصر الدرع الصاروخية الأمريكية، وإنشاء قواعد عسكرية فى أوروبا الشرقية، وتوسيع الناتو شرقا باتجاه الدول السوفيتية السابقة التى تعتبرها روسيا مناطق مصالح حيوية بالنسبة لها، إضافة إلى محاولات الاتحاد الأوروبى تطوير التعاون مع هذه الدول(2).
ويرى بعض المحللين الأمريكيين أن ما أطلقوا عليه "عقيدة ميدفيديف" قد تطورت، انطلاقا من خطة بوتين التى وضعها منذ فترة طويلة، وهو ما يؤكده ميدفيديف نفسه فى العديد من أحاديثه الصحفية. ففى حديثه لإحدى المحطات الدنمركية فى أبريل من العام الجارى، قال:
نحن مع بوتين نمثل قوة سياسية واحدة، ونحن نتمسك بمنطلقات متقاربة حول تطور البلاد.
وحول استراتيجية السياسة الخارجية الروسية، يشير ميدفيديف فى هذا الحديث إلى أنه من الضرورى أن يكون العالم متعدد الأقطاب، وأن روسيا تريد أن تكون جزءا عضويا من العالم، وأن تحتل المكان الذى تستحقه من الناحية الاقتصادية، وفى مجال الأمن بما يتوافق مع قدرة روسيا وتاريخها ودورها. موضحا أن العالم مرتبط ببعضه بعضا، فهو عالم مشترك للكل، وأن على الجميع بذل كل ما فى وسعهم من جهد لخفض المستوى الحالى من المخاطر العسكرية والإرهابية والبيئية. وأخيرا، يذكر أن روسيا ترغب فى إقامة علاقات قوية مع جميع الدول، سواء كانت كبيرة أو صغيرة(3).
ويكتب أوين ماثيوز وأنا نيمتسوفا عما يطلقان عليه عقيدة ميدفيديف، فيقولان:
عقيدة ميدفيديف هى بمنزلة خطة طموح لإصلاح المجتمع الروسى واستعادة مكانة روسيا فى العالم.
وهى من منظور أوسع خطة لإعادة رسم البنى التحتية الأمنية والمالية فى العالم بحسب الشروط الروسية. ويرى ميدفيديف أن إحدى الطرق للقيام بذلك هى أن يجرى على الأقل الاستبدال ببعض من التأثير الأمريكى فى أوروبا تأثيرا روسيا من خلال مزيج من التهديدات العسكرية واستعمال احتياطى الغاز الضخم الذى تملكه روسيا لممارسة الضغوط.
وقبل كل شئ، يريد ميدفيديف أن يمنع الولايات المتحدة وأوروبا من التدخل فى الخارج القريب من روسيا، كما يريد إعادة إرساء التوازن فى الدبلوماسية العالمية، من خلال تعزيز منظمة شنغهاى التى تضم عددا من الدول الآسيوية، إضافة إلى الصين وروسيا، وتحويلها إلى كتلة شبيهة بحلف الناتو. وتشمل أهدافه تحويل موسكو إلى مركز مالى عالمى، وإنشاء منظمة للدول المصدرة للغاز، على غرار أوبيك، على أن تكون روسيا، المنتجة الأكبر للغاز فى العالم، العضو القيادى فيها. ويشير الكاتبان إلى ما قاله ميخائيل مارغيلوف، رئيس لجنة الشئون الخارجية فى المجلس الأعلى للبرلمان الروسى:
العالم الأحادى يحتضر وستظهر تشكيلات نفوذ جديد إلى جانب الولايات المتحدة، حيث نرى البرازيل، والهند، والصين، والاتحاد الأوروبى، وروسيا(4).
الشرق الأوسط فى السياسة الخارجية الروسية:
من الملاحظ، من خلال العرض المتقدم، أن منطقة الشرق الأوسط لم تحظ بأولوية واضحة ومتقدمة بين ثنايا الاستراتيجية العامة للسياسة الخارجية الروسية. وهنا، إذا كان الأمر كذلك، فلماذا شهدت هذه المنطقة زيادة ملحوظة، وفى بعض الأحيان مكثفة من النشاط؟
الإجابة بنظر الباحث تتلخص فى أن هذه المنطقة ذات الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية المحورية، فى سياق التفاعلات الدولية، شهدت هذه الحركة للسياسة الخارجية الروسية لاعتبارات الموقع والموضع بعبارة الدكتور جمال حمدان. فهى بموقعها تقع جنوب روسيا، كما أن لبعض دولها حدودا برية وبحرية معها، كإيران وتركيا، كما أنها بامتداداتها الثقافية والبشرية تتداخل مع بعض الدول التى تدخل فى نطاق المجال الحيوى لروسيا. بل إن روسيا ذاتها يقطنها عشرون مليون مسلم، وفقا للإحصاءات الرسمية الروسية، مما جعل لهذه المنطقة وزنا نسبيا مهما بالنسبة للأمن القومى الروسى. ويشير بعض المحللين إلى أن السياسة الخارجية الروسية فى دول الاتحاد السوفيتى السابق قد تعدت مرحلة المطالبة بعالم متعدد الأقطاب، حيث تدخلت روسيا وتقدمت بدباباتها نحو أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا لتأكيد حق موسكو بأن تصنع دولا من خلال الاعتراف بالجمهوريات المنفصلة. وعقب الحرب مع جورجيا، تقدمت روسيا خطوة نحو الأمام، مقترحة تعديل القواعد الأساسية للدبلوماسية الدولية من أجل الاعتراف بالمصالح والامتيازات الروسية فى بلاد معينة لا ترحب أبدا بتدخل الناتو فيها.
وقد صرح ميدفيديف بأنه يجب الاعتراف بالروابط التاريخية والثقافية بين روسيا والبلدان الواقعة على حدودها. وهذا تأكيد واضح لفكرة دائرة النفوذ. حيث شرح النائب فى مجلس الدوما الروسى، سيرجى ماركوف، الموقف بقوله: لا نحاول إعادة بناء الاتحاد السوفيتى، لكن يجب أن تحاط روسيا كإمبراطورية عظمى بالأصدقاء(5). أما اعتبارات الموضع، فتتمثل فى الموارد الطبيعية الاقتصادية والمالية لهذه المنطقة، خاصة أن روسيا، التى تعتمد على مخزونها النفطى والغازى فى حركة سياستها الخارجية، تحتاج إلى التنسيق على الأقل مع بعض دول المنطقة التى لها ثقل كبير فى السوق العالمى للنفط والغاز. كما أن هذه الدول، وبحكم ما يتوافر لها من فوائض مالية، يمكن أن تكون سوقا مهمة للمنتجات الروسية، خاصة للسلاح الروسى. وتدرك روسيا أن الصراعات المتداخلة والمعقدة فى هذه المنطقة ستؤثر فيها حتما. وبالتالى، فإنه يمكن تحليل حركة السياسة الخارجية الروسية وتطوراتها فى الشرق الأوسط فى سياق تطبيق وتنفيذ الاستراتيجية العامة للسياسة الخارجية الروسية.
حركة السياسة الخارجية الروسية فى الشرق الأوسط:
تذكر ماريانا بيلنكايا، المحللة السياسية فى وكالة نوفوستى الروسية، أن روسيا ترى نفسها فى منطقة الشرق الأوسط الموسع، إذا أضفنا إليه إيران، وسيطا لبقا بين الجميع، وتعلن أن غايتها ليست المواجهة مع أى جهة فى المنطقة، وإنما تحقيق الاستقرار فيها. وتشير إلى أن روسيا - وبحكم الظروف التى كانت تمر بها - لم تول المنطقة الاهتمام الكافى. وكانت إعادة علاقتها الدبلوماسية مع إسرائيل عام 1991 هى التطور الملموس الوحيد فى سياستها فى الشرق الأوسط بعد انهيار الاتحاد السوفيتى. وتوضح المحللة الروسية أن الوضع بدأ يتغير منذ عام 2000، حيث أعادت روسيا بالتدريج الحوار والعلاقات الاقتصادية مع العالم العربى والشرق الأوسط. وبعد الحرب على العراق عام 2003، بدا الأمر وكأن روسيا قد ضاع منها شريكها المهم والوحيد فى هذه المنطقة. إلا أنه تبين أن الأمر ليس كذلك، فقد تعززت مواقع روسيا فى المنطقة أكثر. وفى عام 2006، زار الرئيس بوتين المغرب والجزائر. وكان لزيارة الجزائر، على الأخص، صدى عالمى قوى، نظرا لأن حصة البلدين تصل إلى ما يقرب من 40% من مجمل الواردات الأوروبية من الغاز. قررت روسيا والجزائر التعاون فى مجال تصريف الغاز الطبيعى فى البلدان الأخرى، كما وقعت الشركة الروسية "غاز بروم" اتفاقية مع الشركة الجزائرية "سوناطراك" المنافس الأساسى لها فى أوروبا.
من ناحية أخرى، تعززت العلاقات الروسية مع دول الخليج العربية، وبالأخص السعودية(6)، ونضيف الإمارات وقطر والبحرين. والملاحظ أن كلا من قطر والإمارات من الدول ذات الاحتياطيات الكبيرة من النفط والغاز والفوائض المالية، فى حين أن البحرين تشكل مركزا ماليا واقتصاديا مهما، حيث تتخذ أكثر من أربعمائة مؤسسة مالية ومصرفية من المنامة مركزا لها فى المنطقة. وتشير ماريانا بيلينكيلنا إلى أن روسيا قد أعلنت صراحة عن رغبتها فى القيام بدور الوسيط فى الشرق الأوسط عام 2006، مما شكل صدمة للغرب وإسرائيل، خاصة لدى دعوتها قادة حركة حماس لزيارة موسكو.
وقد شهدت الفترة من عام 2007 وحتى عام 2009 استمرارا فى هذا الاتجاه، حيث استمر الدور الروسى فى سياق أزمة الملف النووى الإيرانى، وملف تسوية النزاع العربى الإسرائيلى. كما ازدادت كثافة التفاعلات الروسية مع دول الخليج العربية، ومع الجزائر، وليبيا، وسوريا، ومصر فى المجالات الاقتصادية والنفطية والغازية، وفى مجال بيع الأسلحة، هذا فضلا عن البحث فى إقامة المفاعلات النووية للأغراض السلمية، وذلك وفقا لتوجهات كل من هذه الدول. إلا أن عام 2010 شهد تطورات مهمة تمثلت فى زيارة الرئيس الروسى ميدفيديف لسوريا ثم لتركيا، والتصريحات التى أدلى بها فى دمشق وأنقرة. ترجع أهمية هذه الزيارة إلى أنها جاءت عقب تثبيت الرئيس الأمريكى باراك أوباما العقوبات على دمشق بوصفها تهدد المصالح الأمريكية، وتدعم حزب الله وحماس وإيران.
كما أنها جرت بعد عدة أيام من اتهام واشنطن وتل أبيب لسوريا بتهريب صواريخ سكود لحزب الله. هذا فضلا عن تواكبها مع إعلان جورج ميتشيل، المبعوث الأمريكى للشرق الأوسط، انطلاق المفاوضات غير المباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وهو الأمر الذى كان لسوريا تحفظات عليه. كما سبق لقاء ميدفيدف بالرئيس السورى بشار الأسد بيوم واحد قمة ثلاثية ضمت الرئيسين السورى والتركى وأمير قطر، وهو ما رآه بعض المحللين أنه يمثل تعزيزا لتحالفات إقليمية قائمة، ويجرى العمل على بلورتها وإظهارها خلال المرحلة القادمة. فضلا عن ذلك، فقد قامت تركيا بنشر صواريخ مضادة للطائرات على الحدود مع سوريا، الأمر الذى اعتبرته إسرائيل عملا عدائيا. لقد جاء البيان المشترك الصادر عن المحادثات الروسية - السورية ليقدم دعما ملحوظا للمواقف السورية، والتركية، والإيرانية، والقطرية، والحمساوية بصدد العديد من القضايا، خاصة أن الرئيس الروسى التقى خالد مشعل رئيس المكتب السياسى لحماس(7).
ثم جاءت زيارة الرئيس الروسى لتركيا، حيث دعا رئيسا البلدين إلى إشراك كل الأطراف الفلسطينية فى عملية السلام بالشرق الأوسط فى إشارة واضحة إلى حماس. كما أوضح البلدان أنهما يريدان إعطاء فرصة للأفكار البرازيلية - التركية حول صفقة التبادل النووى مع إيران. وحذر مسئولون روس من دفع إيران إلى الزاوية، كما دعا الرئيس الروسى طهران إلى اعتماد مقاربة بناءة على نحو ما بالنسبة لملفها النووى. وأوضح أن الشرق الأوسط يجب أن يكون منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل، وأن روسيا سوف تجرى مباحثات مع إسرائيل وإيران فى هذا الشأن. وفيما يتعلق بصفقة صواريخ "إس 300" مع إيران، والتى اعترضت عليها إسرائيل والولايات المتحدة، فقد قال وزير الخارجية الروسى فى أنقرة إن موسكو لا تحتاج إلى نصائح عبر الأطلنطى حول صفقاتها العسكرية، موضحا أن موسكو لن تسمح باضطرابات أو عدم استقرار فى المناطق التى تبيع لها سلاحها.
من ناحية أخرى، فقد تم توقيع اتفاقيات لتحديث المعدات العسكرية السورية، هذا فضلا عن بعض صفقات مهمة لشراء أسلحة روسية متطورة(8). والجدير بالذكر أن رئيس الوزراء الإسرائيلى فى زيارته لموسكو - التى سبقت زيارة الرئيس الروسى لدمشق - طالب روسيا بعدم بيع الأسلحة المتطورة لسوريا، باعتبار حصول سوريا على هذه النوعية من السلاح سيؤدى إلى الإخلال بتوازن القوى فى المنطقة، وهو ما يمثل تهديدا للأمن الإسرائيلى، وفقا لرؤية رئيس الوزراء الإسرائيلى(9).
من ناحية أخرى، تم خلال زيارة الرئيس الروسى لدمشق وأنقرة التفاوض حول تطوير العديد من المشاريع المهمة كإنشاء المحطات النووية، والتنقيب عن النفط والغاز فى سوريا، ومشروع خط الأنابيب مع تركيا، وهو مشروع منافس لمشروع أوروبى آخر وله أهمية استراتيجية واقتصادية لروسيا.
فى تفسير حركة السياسة الخارجية الروسية فى الشرق الأوسط فى الفترة الأخيرة:
تعددت الآراء التى قدمها المحللون السياسيون حول دوافع التحركات الروسية الأخيرة فى الشرق الأوسط، فيشير أحد الباحثين إلى أنها ترمى إلى استعادة النفوذ السوفيتى السابق، انطلاقا من أهمية المنطقة الاقتصادية، والنفطية، والسياسية، والاستراتيجية. وقد وطدت روسيا علاقتها مع إيران وساعدتها على التسلح، وبناء مفاعلات نووية لإنتاج الطاقة السلمية، وهى تطمح إلى فتح مجالات لاستثماراتها فيها، لاسيما فى مجال استخراج وتصنيع ونقل مصادر الطاقة. ويربط المحلل ذلك بأن تراجع النفوذ الأمريكى فى المنطقة، مع صعود قوة ونفوذ إيران، جعل روسيا تندفع للتعاون معها لترسيخ نفوذها فى الشرق الأوسط، هذه المنطقة التى تشكل مجالا واسعا للاستثمار، وسوقا مهمة لتصدير الأسلحة الروسية الحديثة التى تتميز بتدنى أسعارها، مقارنة بأسعار الأسلحة المستوردة من الدول الأخرى. وهناك دول عربية كبرى أساسية تنوى عقد صفقات ضخمة لاستيراد السلاح الروسى، كما أن روسيا تملك خبرة كبيرة فى مجال إنتاج الطاقة النووية التى تحتاج إليها دول المنطقة(10).
باحث آخر يرى أن روسيا ليس لديها لا الطموح ولا القدرة الكافية على تحدى الوجود الأمريكى فى المنطقة، فهى تركز بدلا من ذلك على ترسيخ هيمنتها على منطقة القوقاز وآسيا الوسطى. كما تشاطر روسيا الولايات المتحدة الخوف من التطرف الإسلامى، وتخشى زعزعة الاستقرار فى الشرق الأوسط، مما قد يؤدى إلى تفاقم الراديكالية الإسلامية، وإلى تسهيل تمددها بين جيران روسيا الجنوبيين وبين المسلمين الروس. ويرى أنه ما لم تنم القوة الروسية باطراد، فإن طموحات روسيا سوف تظل محدودة(11).
ويرى أحد الباحثين أن هناك ثلاثة عناصر رئيسية لفهم السياسة الروسية فى الشرق الأوسط، وهى ضمان وحدة الأراضى الروسية. المفتاح الثانى هو الاقتصاد، فقد أعلن رئيس الوزراء الروسى السابق، إيفانوف عام 2008، أن روسيا لم تعد تصدر الأيديولوجيا، بل ترغب فى تصدير الأعمال، وإبرام العقود التى تشمل مجالات عديدة كالأسلحة، والطاقة، والذرة. المفتاح الثالث هو انتهاء المواجهة الأيديولوجية إلى غير رجعة، وهو ما يسمح لروسيا بممارسة سياسة براجماتية بحسب الظروف(12).
وفى إطار محاولتنا تفسير التحركات الروسية الأخيرة فى منطقة الشرق الأوسط، نشير إلى أن مجملها يجرى فى إطار عناصر استراتيجية السياسة الخارجية، والتى سبقت الإشارة إليها. تعطى هذه السياسة الأولوية للاعتبارات الاقتصادية، ولا تستند إلى أى اعتبارات أيديولوجية. وإعطاء الأولوية للبرجماتية على حد تعبير ميدفيديف - والتى تبدو فى بعض الأحيان برجماتية مفرطة - يتفق مع الرغبة فى القيام بدور الوسيط، مع الالتزام بالتوازن قدر الإمكان بين المتخاصمين.
تحاول روسيا القيام بدور ما من أجل التوصل إلى حل للصراع العربى - الإسرائيلى، حيث أعلنت القيادة الروسية أكثر من مرة عن اعتزامها عقد مؤتمر فى موسكو حول السلام فى الشرق الأوسط. وكان آخر هذه التصريحات ما ذكره الرئيس الروسى ميدفيديف - فى مؤتمر صحفى مشترك مع الرئيس حسنى مبارك فى يونيو 2009 - من أن المؤتمر سيعقد قبل نهاية هذا العام، وهو ما لم يحدث، وظل الموعد معلقا حتى كتابة هذه السطور. ولتفسير ذلك، علينا أن ننظر إلى مواقف روسيا تجاه طرفى النزاع. ترتكز العلاقات الروسية - الإسرائيلية على ثلاثة محاور، الأول: المهاجرون الروس من اليهود، والذين يمثلون سدس سكان إسرائيل الآن، والذين تحولوا إلى قوة ضغط، ليس على الحكومة الإسرائيلية فحسب، بل على الكرملين أيضا. الثانى: التعاون الروسى - الإسرائيلى فى مجال الاستثمار والصناعات العسكرية، والذى شهد تطورات مهمة، منها نجاح مجموعة مشتركة من خبراء البلدين فى تطوير نموذج طائرات سوخوى 30 المقاتلة متعددة الاتجاهات، وكذلك تحديث أجهزة التصويب والرادار فى عدد من نماذج المروحيات العسكرية الروسية. أما المحور الثالث، فيتمثل فى وجود أكثر من مليون يهودى فى روسيا يحملون الجنسية الإسرائيلية، ويشغلون مواقع حساسة، ويتحولون إلى قوة ضغط إضافية على الحكومة الروسية عندما يتطلب الأمر ذلك(13).
وبالرغم من مصالح روسيا فى المنطقة العربية، فإنه لا يوجد تفعيل للدور الروسى فى مسار التسوية السلمية قد يشكل ضررا لمصالحها مع إسرائيل. ومن ثم، فكل ما تقدمه روسيا للجانب العربى فى هذا الشأن لا يتعدى الوعود والكلمات، لأن الكثير من مصالحها - وفقا للدكتور سامى عمارة - فى مجالات التعاون العسكرى وتحديث الدولة يرتبط اليوم بإسرائيل وليس بالعرب.
وإذا ما انتقلنا إلى ملف آخر أكثر تعقيدا، وهو الملف النووى الإيرانى، فسنلحظ أيضا تناقضا واضحا فى الدور الروسى فى هذا الملف. فهى تقوم بدور فى تأجيل فرض العقوبات الأممية على طهران، وتبدو وكأنها معارضة لفرض هذه العقوبات، ولكنها تعود بعد ذلك للقبول بفرضها بعد تعديلها أو تخفيفها. وقد تكرر هذا السيناريو أربع مرات، وذلك بالرغم من اعتماد روسيا فى صناعاتها المدنية والعسكرية على طلبات الشراء الإيرانية، فضلا عن إدراكها لإمكانية تعمد إيران خلق صعوبات لها داخل منطقة القوقاز وبحر قزوين وآسيا الوسطى.
وقد جاءت خطابات الرئيس الإيرانى أحمدى نجاد الأخيرة، والتى وجه فيها نقدا مباشرا وقاسيا للقيادة الروسية على موقفها المؤيد لفرض حزمة رابعة من العقوبات الدولية على إيران، تعبيرا عن خيبة الأمل من هذا الموقف الروسى. هذا، وكانت إيران قد امتنعت عن دعم الحركات الانفصالية داخل روسيا الاتحادية، أو مساعدة الأقليات المتمردة، ويتوقع المراقبون أن تتراجع إيران عن اعتماد سياسة حسن الجوار مع روسيا خلال المرحلة القادمة. وقد جاء الرد الروسى على لسان كبير مستشارى وزارة الخارجية الروسية، سيرجى بريخوديكو، الذى دعا الرئيس الإيرانى إلى التخلى عن ممارسة الديماجوجية السياسية. وقال إن مصالح جميع شعوب روسيا العظمى هى التى تؤخذ فى الاعتبار بعيدا عن الانحياز للولايات المتحدة أو لإيران(14).
وقد صرح رئيس الوزراء الروسى، فلاديمير بوتين، فى المؤتمر الصحفى المشترك مع الرئيس التركى رجب أردوغان فى الثامن من يونيو عام 2010، بأن روسيا قامت بدور مهم للتخفيف من شدة وحدة هذه الحزمة الجديدة من العقوبات، داعيا إيران إلى ضرورة اتخاذ الإجراءات الملائمة لكسب ثقة المجتمع الدولى. كما أكد بوتين تشغيل محطة بوشهر الإيرانية فى أغسطس 2010، والتزام روسيا بتوريد صفقة الصواريخ "إس 300" لإيران، والتى سبق أن أعلنت روسيا عن تأجيل توريدها لأسباب فنية(15). من الواضح أن روسيا تسعى إلى تحقيق قدر من التوازن فى موقفها، أو على الأقل إقناع إيران بذلك.
الحالة الثالثة التى يمكن أن نتوقف عندها بالنسبة لحركة السياسة الخارجية الروسية فى المنطقة هى ما يمكن أن نطلق عليه الحالة السورية. كان لزيارة الرئيس الروسى الأخيرة لدمشق أهمية خاصة، حيث رأى البعض أنها بمثابة إعلان واضح وصريح للدعم الروسى لسوريا من جهة، ودفع عملية السلام إلى الأمام من جهة أخرى. أكد ميدفيديف أهمية الدور الروسى فى دفع عملية السلام، واقترح وساطة روسية موازية للوساطة التركية، وركز على أهمية ابتكار حلول سياسية لقضية الاحتلال، وتفعيل آليات تخدم الحل السياسى، وتؤدى إلى تجنب الحلول العسكرية(16).
وبينما فسر البعض هذه الزيارة على أنها تحول مهم فى السياسة الخارجية الروسية فى المنطقة، وأنها تعكس تموضع روسيا إلى جانب ما يطلق عليه فى الأدبيات الصحفية العربية بدول أو قوى الممانعة(17)، فإنهم تناسوا أن موسكو قد قدمت ورقة اقتراحات روسية - أمريكية مشتركة إلى الدول العربية فى أبريل من العام الجارى، تشترط السلام الشامل بين العرب وإسرائيل قبل تنفيذ قرار الشرق الأوسط الصادر عن مؤتمر مراجعة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، والذى دعا إلى إعلان الشرق الأوسط منطقة خالية من الأسلحة النووية، وإلى إنشاء منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل. وطالبت الورقة كل الدول العربية بالانضمام والالتزام باتفاقيات إزالة الأسلحة البيولوجية والكيماوية، واتفاق حظر إجراء التجارب النووية، وبقية الاتفاقيات الأخرى المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل قبل النظر فى الملف النووى الإسرائيلى(18).
ويبدو أن القيادة السياسية السورية، ممثلة فى الرئيس بشار الأسد، قد درست الاستراتيجية الروسية بعمق، وحاولت توظيفها لخدمة المصالح السورية. فروسيا بحاجة إلى سوريا لعدة اعتبارات، منها ما يتوافر لسوريا من إمكانات للقيام بدور مباشر فى منطقة القوقاز وآسيا الوسطى، يتكامل مع الدور الروسى للتقليل من حدة التغلغل الأمريكى والإسرائيلى، بالإضافة إلى توظيف العلاقات السورية - الإيرانية المتميزة فى التقليل من حدة ردود الأفعال الإيرانية تجاه الموقف الروسى من الملف النووى الإيرانى، خاصة أن إيران تملك بعض الأوراق المهمة التى يمكن أن توظفها كأداة للضغط على روسيا فى مناطق شديدة الحساسية والأهمية بالنسبة للأمن القومى الروسى.
كذلك، فإن روسيا تتابع التطور الاستراتيجى فى العلاقات السورية التركية، وهو تطور مهم، خاصة بالنسبة للتوازن الإقليمى فى منطقة الجوار الجغرافى الروسى، وتنظر فى إمكانية توظيفه بما يتلاءم ومصالح روسيا الاستراتيجية، حيث إن التجربة التاريخية أثبتت أنها يجب ألا تكون بعيدة تماما عما تشهده هذه المنطقة من تطورات. وبالتالى، فإن الدبلوماسية السورية نجحت فى بناء تحالف استراتيجى يجمع بينها وبين قوتين إقليميتين متناميتين، تتصاعد أهميتهما الاستراتيجية فى سياق التفاعلات الجارية فى منطقة الشرق الأوسط.
وقد طرح الرئيس السورى خلال العام الماضى رؤية استراتيجية، تكون فيها سوريا ممرا ومعبرا بين الأبحر الأربعة: الخليج العربى، البحر المتوسط، بحر قزوين، البحر الأسود.
بذلك، فهى تصبح عقدة ربط بين تركيا شمالا، والأردن جنوبا، وبين العراق شرقا، والبحر المتوسط غربا. كما يمكنها أن تعتمد على جسور فى المحيط الإقليمى لتوسيع شبكة الربط لتصل إلى القوقاز شمالا، والخليج العربى جنوبا، وإلى إيران شرقا، وأوروبا غربا(19).
هذه الرؤية الاستراتيجية تتلاقى مع التوجهات العامة للسياسة الخارجية الروسية على الأقل نظريا. كما أن سوريا تدرك حدود الدور الذى يمكن أن تقوم به روسيا فى عملية السلام، ومن ثم فقد تمسكت بالوساطة التركية، ولم تحدد موقفها من الاقتراح الروسى بالوساطة.
محددات السياسة الخارجية الروسية فى المنطقة ومستقبل سياستها فيها:
من خلال التحليل المتقدم، نستطيع تحديد محددات السياسة الخارجية الروسية فى منطقة الشرق الأوسط، ومدى تأثيرها فى مستقبل السياسة الخارجية الروسية فى المنطقة.
أولا- متطلبات الأمن القومى الروسى:
تحتل مسألة تحقيق المتطلبات اللازمة للأمن القومى أولوية خاصة فى سياق السياسة الخارجية الروسية، شأنها فى ذلك شأن الدول الأخرى. وبالنسبة لروسيا، تتمثل هذه المتطلبات فى الحفاظ على الاتحاد الروسى، ومواجهة حركات التمرد والحركات الانفصالية، وتأمين منطقة الجوار الجغرافى المباشر وغير المباشر للدولة الروسية، وتمكين روسيا من الوصول إلى موقع فى نطاق النظام الدولى يكفل لها ضمان تحقيق مصالحها الحيوية والاستراتيجية. ومن ثم، فإن هناك علاقة ارتباط بين حركة السياسة الخارجية الروسية فى الشرق الأوسط الآن وفى المستقبل وتحقيق هذه المتطلبات.
ثانيا- العلاقات الروسية - الأمريكية:
توجد علاقة ارتباط واضحة بين حركة السياسة الخارجية الروسية فى الشرق الأوسط وطبيعة العلاقات الروسية - الأمريكية. فعندما تتوتر هذه العلاقات، تتجه السياسة الروسية فى الشرق الأوسط إلى تعويق التحركات الأمريكية فى المنطقة. وعندما تتحسن هذه العلاقات، تتجه السياسة الروسية نحو القيام بدور مختلف وفقا لمصالحها. ساندت روسيا الموقف الأمريكى بشأن الربط بين تحقيق السلام فى الشرق الأوسط ومناقشة الملف النووى الإسرائيلى، وإنشاء منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل فى الشرق الأوسط. كما نستطيع القول إنها قامت بدور المسهل والمبرر للسياسة الأمريكية بشأن فرض الحزمة الرابعة من العقوبات على إيران، وذلك من خلال إدخال تعديلات على المشروع الأمريكى، وبناء التوافق بين الدول ذات العضوية الدائمة بمجلس الأمن بشأنه. كما دعت إيران إلى ضرورة الالتزام بقرارات المجتمع الدولى، وهو ما يعنى ضمنا أن هذه العقوبات جاءت نتيجة لعدم التزام إيران الكافى بهذه القرارات.
نستطيع القول إن حركة العلاقات الروسية - الأمريكية فى الأمد المنظور سوف تكون باتجاه التحسن، الأمر الذى يتيح مساحة أوسع لحركة السياسة الخارجية الروسية، خاصة فى بعض المناطق الساخنة فى العالم، ومنها منطقة الشرق الأوسط، وذلك فى إطار من التنسيق بين الدولتين.
ثالثا- العلاقات الروسية - الإسرائيلية:
فى إطار التوجهات المعلنة من جانب القيادة السياسية الروسية حول ضرورة تحديث القوات المسلحة الروسية فى المجالات المختلفة، خاصة فيما يتعلق بتطوير نظم التسليح والاتصالات وغيرها، وعلى ضوء الخبرة المكتسبة من تحليل تطور العلاقات الإسرائيلية - الروسية منذ عام 1991 وحتى الآن، يمكننا القول إن الاتجاه العام لهذه العلاقات سيكون إيجابيا، وستكون حركة السياسة الخارجية الروسية فى المنطقة محكومة بدرجة أو بأخرى بمدى ما يمكن أن تقدمه إسرائيل من تقنيات علمية عسكرية تحتاج إليها روسيا.
رابعا- نمط التحالفات الإقليمية ومدى تأثيرها فى المصالح الاستراتيجية الروسية فى المنطقة:
كما سبق أن ذكرنا، فإن نمط التحالفات الإقليمية فى الشرق الأوسط له أهمية خاصة بالنسبة لروسيا، ومن ثم فإن السياسة الروسية تراقب حركة هذه التحالفات بدقة، وتحاول توظيف بعضها بما يتلاءم مع مصالحها الاستراتيجية فى المنطقة. والأقرب إلى الاحتمال أن تستمر السياسة الروسية فى هذا الاتجاه، وقد تتجه إلى السعى إلى تشكيل تحالفات إقليمية جديدة أو المشاركة المباشرة فيها، مع الأخذ فى الاعتبار المصالح الأمريكية فى المنطقة.
خامسا- العوامل الاقتصادية ذات الأهمية النسبية المرتفعة بالنسبة لاستراتيجية السياسة الخارجية الروسية:
ستستمر حركة السياسة الخارجية الروسية فى مجال السعى لعقد صفقات بيع الأسلحة الروسية فى منطقة الشرق الأوسط، التى تمثل واحدة من أكبر مناطق العالم من حيث الطلب على الأسلحة، كما تتوافر لدى العديد من دولها الموارد المالية اللازمة لتمويل مثل هذه الصفقات(20).
وفيما يتعلق بالتكنولوجيا النووية للأغراض السلمية، تشهد المنطقة تزايدا ملحوظا فى الطلب عليها، وهو ما يتيح الفرصة لروسيا للحصول على نصيب من هذا الطلب، خاصة أن لها خبرة سابقة مهمة فى هذا الشأن مع إيران. ويؤكد هذا توقيع روسيا وتركيا أخيرا اتفاقا لإنشاء مفاعل نووى للأغراض السلمية، وتتواتر الأنباء عن وعد روسى لسوريا بإنشاء مفاعل نووى مماثل. كما أن هناك مفاوضات قد جرت بين مصر وروسيا حول إمكانية الإسهام الروسى فى بناء المشروع النووى المصرى للأغراض السلمية، وقد أوضحت مصر أن الشركات الروسية يمكنها التقدم بعروضها، وفقا للقواعد المنظمة لذلك.
من ناحية أخرى، ستستمر حركة السياسة الخارجية الروسية فى المنطقة باتجاه الدول المنتجة للنفط والغاز فى الشرق الأوسط، سواء للتنسيق فيما يتعلق بالإنتاج والأسعار، أو بناء تحالفات استراتيجية، أو الدخول فى شراكات. كما سيستمر التنسيق والاستثمار المشترك بالنسبة لمد خطوط أنابيب الغاز، حيث إن الاهتمام الروسى فى هذا المجال يتلاقى مع الاهتمام الأمريكى والأوروبى بالنسبة لتأمين تدفق النفط والغاز من مناطق الإنتاج الرئيسية كمنطقة الخليج، خاصة أن إيران تهدد بالسيطرة على مضيق هرمز فى حالة تعرضها لأى اعتداء خارجى.
سادسا- الرؤية الروسية لدورها فى المنطقة ومدى استجابة القوى الإقليمية الرئيسية لها:
من أبرز ملامح الرؤية الروسية لدورها فى المنطقة دور الوسيط بين الأطراف الإقليمية، ولكن استجابة القوى الرئيسية فى المنطقة لهذا الدور استجابة سلبية. فسوريا، كما سبق أن ذكرنا، فضلت تركيا للقيام بدور الوسيط بينها وبين إسرائيل. كما أن إيران، وبالرغم من علاقاتها القوية مع روسيا، فضلت تركيا والبرازيل للقيام بهذا الدور فى التطور الأخير لأزمة ملفها النووى حول تبادل اليورانيوم المخصب. ويرجع هذا إلى إدراك القوى الإقليمية الرئيسية بالمنطقة لمحدودية الدور الروسى وارتباطه بعلاقات روسيا مع كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، وكذلك إدراكها للطابع البرجماتى المفرط للدبلوماسية الروسية. هذا فضلا عن أن الموقف الروسى الأخير من فرض عقوبات على إيران، أيا كانت مبرراته، قد زاد من إضعاف الثقة بإمكانية القيام بهذا الدور.
وتعانى روسيا ضعفا واضحا فى الموارد والإمكانات اللازمة لتمويل حركة سياستها الخارجية. وهى تعطى الأولوية فى توجيه الموارد المالية المحدودة لدول الفضاء السوفيتى السابق، التى تشمل الدول الأعضاء فى منظمة الدول المستقلة ودول البلطيق. كما أن المساعدات الروسية تنحصر فى إلغاء القروض السوفيتية السابقة، أو المشاركة فى الاستثمار فى مشاريع اقتصادية تتلاءم فى حجمها مع الإمكانات والموارد الروسية المتاحة. ومن ثم، فإن عدم توافر الإمكانات والموارد اللازمة لحركة السياسة الروسية فى المنطقة سيظل من العوامل المقيدة لهذه الحركة. ومن المستبعد أن يتغير هذا الوضع على المدى القصير، فى ظل الأزمة المالية والاقتصادية العالمية وتداعياتها السلبية على الاقتصاد الروسى.
الهوامش:
(1) ليليا شيفتسونا، روسيا بوتين، ترجمة بسام شيحة، بيروت، الدار العربية للعلوم، الطبعة الأولى، 2006، ص ص 469 - 471.
(2) على ماجد، روسيا والاتحاد الأوروبى، صحيفة الحياة، لندن، العدد 13، مايو 2010.
(3) حديث الرئيس ميدفيديف لمحطة تليفزيونية دنمركية، 22 أبريل 2010، نقلا عن موقع روسيا اليوم.
(4) أوين ماثيوز وانا نيمتسونا، عقيدة ميدفيديف، مجلة النيوزويك باللغة العربية، عدد 2 ديسمبر 2008.
(5) المصدر السابق.
(6) ماريانا بيلينكايا، السياسة الروسية فى الشرق الأوسط: www.ru4arab.ru
(7) نهلة الشال، روسيا تلعبها ثانية، الحياة، لندن، عدد 16 مايو 2010.
(8) صحيفة الشرق الأوسط، العدد 13، مايو 2010.
(9) على ماجد، مصدر سابق.
(10) على ماجد، سياسة روسيا الجديدة فى الشرق الأوسط، الحياة، لندن، عدد 22 فبراير 2010.
(11) بول سالم، تنافس القوى العظمى على مستقبل الشرق الأوسط، الحياة، لندن، العدد 15، أبريل 2010.
(12) غسان العزى، روسيا وسياسة الغموض فى الشرق الأوسط، صحيفة الخليج الإماراتية، عدد 30 مايو 2010.
(13) أشرف صباغ، الدور الروسى فى تسوية المشكلات بين إسرائيل والفلسطينيين .
www.elaph.com
(14) سليم نصار، سوريا تتدخل للجم الخلاف بين روسيا وإيران، الحياة، لندن، عدد 29 مايو 2010.
(15) الشرق الأوسط، عدد 9 يونيو 2010.
(16) بشار نصر عيسى، ميدفيديف: زيارتى لسوريا تفعيل التعاون مع حليف، صحيفة الوطن السورية، 11 مايو 2010.
(17) د. هلا أحمد على، العلاقات السورية - الروسية.. عود على بدء، صحيفة الوحدة السورية، عدد 20 مايو 2010. كذلك، انظر: نهلة الشال، مصدر سابق.
(18) الحياة، لندن، عدد 29 أبريل 2010.
(19) الحياة، لندن، 29 مايو 2010.
(20) تطور التعاون العسكرى بين روسيا والأقطار العربية: www.rtarabic.cm