Share |
نوفمبر 2010
2
جنــون السرعة .. قتــل خطـأ!
المصدر: الأهرام اليومى


كل يوم تطالعنا الصحف بعناوين وأخبار من نوعية :
سيارة نقل تطيح بسيارتين ملاكي بطريق القاهرة الاسكندرية
سيارة ميكروباص خرجت من القرية بعد صلاة الفجر علي متنها 5 أسر بأطفالهم، وفوجئوا بسيارة ميكروباص مسرعة قادمة بسرعة جنونية لترتطم بسيارة ذويهم مما أدي إلي وفاة 11 من أهالي القرية بينهم طفلان... وشاب مستهتر يقود سيارة حديثة علي الطريق الدائري بسرعة تزيد علي 150 كيلو متراً واصطدم بسيارة نقل مقطورة، ولم يستطع الشاب السيطرة علي السيارة المسرعة وصدم مواطنين ابرياء فقتل 12 و9 جرحي.
سيارة طائشة تقتل طفلاً وتدهس شقيقه وسيارة نقل مسرعة تصدم أمين شرطة فيلقي مصرعه.
أخبار القتل بسبب حوادث السيارات ونزيف الأسفلت، تصل إلينا بصفة شبه يومية، فهل تحولت السيارات إلي أداة قتل خطأ؟! أكثر خطراً من الأعيرة النارية، فإن كانت طلقة الرصاص تصيب شخصاً واحداً فإن حادث السيارة قد يقتل العشرات، فهل أصبحنا غير آمنين علي حياتنا لمجرد النزول إلي الشارع نتيجة جنون قلة من السائقين المتهورين الذين يحصدون هذه الأرواح وكأننا في حالة حرب.
وهل العقوبة الحالية تتناسب مع مثل هذه الجرائم؟
أم أن الأمر يستلزم تشديد العقوبة في حوادث القتل الخطأ بحيث تتناسب مع ماتحدثه من ترويع وقتل المواطنين الأبرياء الذين لاذنب لهم ويلقون حتفهم نتيجة تهور ورعونة وطيش بعض الشباب والسائقين الذين إنعدمت من قلوبهم الرحمة ومراعاة الآخرين الذين من أبسط حقوقهم السير في شوارع بلدهم في أمن وسلام
ولذا فإن الأمر الآن يستلزم إعادة النظر في القوانين الحالية والإجراءات الوقائية لوضع حد للاستهتار والرعونة والذين لايحترمون آدمية الآخرين.
جنحة وجناية
د. أحمد العطار أستاذ ورئيس قسم القانون الجنائي كلية الحقوق جامعة عين شمس والمحامي بالنقض يقول : يعتبر القانون أن القتل الخطأ جنحة ومع ذلك فإن زاد عدد المجني عليهم علي ثلاثة أشخاص فإن المشرع جعل الفعل بمثابة الجناية وذلك علي إثر حادث قطار راح ضحيته عدة اشخاص، وطالب الرأي العام بتشديد العقوبة، إذا زاد عدد القتلي علي ثلاثة فإن الفعل يكون من الجنايات وتتراوح عقوبته من 3 إلي 7 سنوات، والأصل في الشريعة الإسلامية أن عقوبة القتل الخطأ هو الدية لأنه ورد في الحديث الشريف عن رسول الله صلي الله عليه وسلم رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه.
أما في القوانين الحديثة وبالأخص تلك التي تأثرت بالقانون الفرنسي فإنها تقرر الحبس في جرائم الخطأ وهنا يجب توضيح ماذا يقصد بالقتل الخطأ وما وجه الاختلاف بينه وبين القتل العمد، فالقتل الخطأ كما هو معلوم حالة الشخص الذي يحدث نتيجة إجرامية كالقتل مثلاً دون أن يريد ذلك وإن كان من يريد السلوك أو النشاط الذي ترتب عليه النتيجة وكان ينبغي عليه أن يكون أكثر حرصا وانتباهاً واحتراساً ولو أنه فعل ذلك لما وقعت الجريمة، أما القتل العمد فإنه حالة الشخص الذي يريد نتيجة إجرامية ويحققها فعلاً بفعله الإجرامي، ولذلك فإن القتل العمد له عقوبة مشددة أكثر من القتل الخطأ، ويدور النقاش بين فقهاء القانون في العالم كله حول مدي التشدد في معاملة القتل الخطأ، لأن البعض يري أنه لاجدوي ولا فائدة من تشديد العقاب لأن الإنسان الذي يتسم نشاطه بالرعونة لن يخشي ولن يكون أكثر احتراساً لو شددت عقوبة القتل الخطأ، فالإهمال سلوك ذاتي وصفة أصيلة في بعض البشر وكذلك الالتزام صفة في البعض الآخر، ولذلك يجب أن تكون هناك احتياطات سابقة بالأخص في مجال جرائم المرور منها وقف حالة التسيب في استخراج التراخيص وإنه عند كل تجديد للرخصة لابد من اختبار جديد للسائق لأن الرخصة تستوجب التأكد من استيفاء شروط الترخيص ولكن لايمكن أن يتم التجديد بصورة تلقائية وفقاً للمعمول به الآن.
وكذلك أيضا ينبغي التشدد إلي أقصي درجة في اختبارات قانون وقواعد المرور، لأنني أعتقد أن معظم السائقين لايعلمونها، ولقد ناديت تكراراً ومراراً بتدريس مادة المرور في المدارس حيث يتربي النشء وهم يعلمون كيفية السير في الطرقات، كما ينبغي أن تخضع السيارات للكشف الفني الدوري بمعرفة شركات تعطي تراخيص أولية لسلامة السيارة لأننا جميعاً نلاحظ ان كثيراً من السيارات التي تسير في الشوارع العامة لاتصلح للقيادة.
ويطالب د. أحمد العطار بضرورة التشدد والمعاملة الصارمة مع سائقي الميكروباص وسيارات النقل، وإذا ما تبين أن هناك شبابا قادوا سيارات بطريقة تتسم بالرعونة وخرجوا عن آداب المرور فإنه يجب سحب الرخصة للأبد وليس لفترة مؤقتة، وإننا بحاجة الي وقفة جادة خاصة بعد أن انتشرت السيارات في القاهرة بشكل مذهل بنسب لاتتماشي مع حالة الشوارع، الأمر الذي ترتب عليه تكدس جعل كل إنسان يسأل إلي أي مصير سينتهي بنا الحال بعد خمس سنوات مثلاً؟!
من المشاكل العظمي
ويؤكد د. أحمد العطار أن المحاكمة العاجلة لحالات القتل الخطأ فيها ردع وفيها إيقاظ للرأي العام من السبات والنوم بالنسبة لحالة المرور، فإن جرائم المرور دخلت الي نطاق المشاكل العظمي وهي مشكلة مؤرقة للجميع والقانون وحده ليس الحل، بل إن الجمعيات الأهلية والخطباء في المساجد والمدرسين وأساتذة الجامعات وأعضاء النوادي الرياضية كل هؤلاء وغيرهم يجب أن يتكاتفوا في سبيل وضع الضوابط للمرور، ثم يجب أيضا استحداث صندوق قومي للتأمين بالنسبة لحوادث المرور بشرط أن تكون التعويضات التي تقرر حقيقية وليست رمزية أو شكلية، وإنما تعويضات حقيقية.
فإن جرائم المرور والقتل الخطأ لاتمس فقط المجني عليهم ولكنها ترهق من باب أولي أهلهم وذويهم، فإذا وقع حادث مرور وراحت ضحيته أسرة وتبقي الأسرة أطفالا صغارا قد لايجدون من يرعاهم، وعادة مايثور الرأي العام وينفعل في أعقاب الحوادث والقتل الخطأ لكن سرعان ما يطويها النسيان ونعود مرة أخري إلي ما كنا عليه، ولذلك فإن سياسة التشدد في العقوبات ليست هي الطريقة المناسبة للانتهاء من المشكلة لأن هذا التشدد هو التخلص من المشكلة دون حل، ولذا فإنني أطالب ايضا في الدورة المقبلة لمجلس الشعب أن يضع قوانين جديدة بالأخص فيما يتعلق بحوادث المرور تحول دون اساءة استخدام السيارات، خاصة أن السيارة أصبحت وسيلة للقتل أشد ضرراً من الأسلحة النارية والبيضاء لأنه الأخيرة تقتل إنسان واحدا أما السيارة من الممكن أن تقتل جماعة من الأبرياء ممن يتصادف مرورهم أو عبورهم أو وقوفهم في الطريق العام كما أن التفتيش الدوري علي الشوارع وأعمال البلطجة التي يقوم بها بعض السائقين يجب أن تواجه بحزم وشدة ويجب ألا تكون هناك شفاعة مع من يرتكب مثل هذه الجرائم.
حياة المواطن بـ3 من اللحم!!
إن حياة المواطن رخيصة لاتتجاوز عقوبة من يهدرها ثمن 3 كيلو من اللحوم هكذا بدأ كلامه د. أحمد سعد أستاذ القانون المدني بجامعة القاهرة والمحامي بالنقض موضحاً أن المشروع وضع المادة 238 من قانون العقوبات حيث تنص علي أنه من تسبب خطأ في موت شخص آخر بأن كان ذلك ناشئاً عن إهماله أو رعونته أو عدم إحتراسه أو عدم مراعاته للقوانين واللوائح والانظمة يعاقب بالحبس مدة لاتقل عن 6 أشهر وبغرامة لاتتجاوز 200 جنيه، أو بإحدي هاتين العقوبتين، أي أنه من الممكن أن يقتل شخص إنسانا نتيجة إهمال ويكلفه ذلك 200 جنيه فقط، وتنص الفقرة الثانية علي أن تكون العقوبة الحبس مدة لاتقل عن سنة ولاتزيد علي 5 سنوات وغرامة لاتقل عن 100 جنيه ولاتجاوز 500 جنيه أو بإحدي هاتين العقوبتين إذا وقعت الجريمة نتيجة إخلال الجاني إخلالاً جسيماً بما تفرضه عليه أحوال وظيفته أو مهنته أو حرفته أو كان متعاطياً مسكراً أو مخدراً عند ارتكابه الخطأ الذي نجم عنه الحادث.. كما تنص الفقرة الثالثة علي أنه تكون العقوبة الحبس مدة لاتقل عن سبع سنوات إذا نشأ عن الفعل وفاة أكثر من ثلاثة أشخاص فإذا توافر ظرف آخر من الظروف الواردة في الفقرة السابقة تكون العقوبة لاتقل عن سنة ولاتزيد علي عشر سنوات.
ويتساءل د. أحمد سعد هل حياة المواطن رخيصة لهذه الدرجة؟ رغم أن هذه العقوبة لن توقع إلا إذا ثبت مخالفة الجاني القوانين أو اللوائح أو نجم عن تهور أو عدم احتراس أو رعونة، وفي أقصي تقدير إذا كان تسبب في وفاة أكثر من 3 أشخاص تكون العقوبة مابين سنة وعشر سنوات وهذا لم يحدد الحد الاقصي حتي في واقعة إهمال راح ضحيتها أكثر من ألف شخص.
ويستطرد قائلاً في قناعتي أن مايرتكبه الشباب المتهور من حوادث قتل خطأ يعتبر خطأ جسيماً يصل الي مرتبة العمد ويجب أن يعاقب بالمادة 234 والتي تنص علي أنه من قتل نفساً عمداً من غير سبق إصرار ولا ترصد يعاقب بالسجن المؤبد أو السجن المشدد.
القصد الاحتمالي
فياليت المشرع لايكون رحيماً مع الجاني خاصة إذا جمع بين جريمتين مثل أن يقود السيارة بلا رخصة قيادة أو يكون متعاطياً الخمور أو المخدرات، فإن الفعل نتيجة السكر أو المخدر ليس سبباً من أسباب موانع العقاب، لأنه كان مخدراً أو مسكراً بإرادته وهنا يطبق عليه "القصد الاحتمالي" الذي يرفع الجريمة من جنحة إلي جناية ولأنه كان يجب عليه أن يتوقع أنه بمخالفته القوانين أو اللوائح والرعونة والتهور وتناول مخدراً أو مسكراً أنه سيصيب آخرين وهم أبرياء، فإذا قاد سيارته بالمخالفة للقوانين بالسرعة الجنونية فلابد أن يتوقع أنه سيصيب شخصا أو أكثر فيجب عليه أن يتحمل النتيجة كأنه تعمد إزهاق الروح، لأن مصلحة المجني عليه أهم من مصلحة الجاني المتهور الذي ارتكب الفعل الآثم نتيجة مخالفته لما تفرضه المادة 238.
ويطالب د. أحمد سعد بضرورة التضييق في معيار القتل الخطأ ورفع العقاب إلي جناية إذا كان القتل الخطأ ناتجا عن إهمال جسيم، فهناك فارق كبير بين شخص يقود سيارته علي سرعة 40 كيلو/ ساعة ويفاجئه طفل أمام سيارته فلا يمكنه تفاديه وأخر يقود سايرته علي سرعة 150 ويقتل أشخاصاً ثم يقول لم أقصد قتلهم، فيجب ألا تتستر حالات الخطأ الجسيم الذي ينم عن رعونة واضحة أو تهور أو مخالفة صريحة للقوانين تحت ستار القتل الخطأ.
القصد الجنائي
ومن جانبها تري د. فادية أبوشهبة أستاذ القانون الجنائي بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية إن القتل الخطأ يفتقد ركناً مهما من أركان الجريمة وهو القصد الجنائي الذي شدد فيه عقوبة القتل العمد سواء الجاني قتل فرداً واحدا أو أكثر، لكن درجة الخطأ تزيد لو كان الجاني عرض الناس للخطر بفعل من نفسه مثل لو كان متعاطيا للمخدرات أو محتسياً للخمر أو لايملك رخصة قيادة أو يقود السيارة بسرعة جنونية أو أن سيارته غير سليمة أو مخالفة قواعد المرور، فهذا إهمال وعدم تحري الدقة والحذر للمحافظة علي أرواح الناس، وفي مثل هذه الحالات يمكن التشدد في الحكم حسب ظروف كل حادث وملابساته، بل أحياناً يكون المجني عليه سبباً في وقوع الحادث.
والأسرة لها دور في تحمل مسئولية القتل الخطأ الذي يحدثه أبناؤها، فلا تكون مكافأة الطالب الذي يلتحق بالجامعة أن يمتلك سيارة ليذهب بها لكليته، بل يجب علي الأسرة أن تنتظر حتي يصل الشاب لسن الاتزان واحترام حقوق الآخرين.
وتطالب د. فادية أبوشهبة بضرورة الإكثار من الدوريات الراكبة في الشوارع وأكشاك تليفونية للنجدة وإجبار المستشفيات علي إستقبال المصابين في الحوادث إنقاذاً للأرواح واحترام المواطن مهما كان مستواه الثقافي أو الاجتماعي.