Share |
سبتمر 2009
26
الاقتصاديات العربية. هل تتجاوز سلبيات الأزمة العالمية.
المصدر: الأهرام اليومى

لقد أثرت الأزمة المالية العالمية علي الدول العربية المصدرة وغير المصدرة للنفط حيث لوحظ ان تأثير الأزمة المالية والركود الاقتصادي العالمي, وبصفة مباشرة علي الصادرات, والواردات, والإستثمارات الأجنبية والتدفقات الرأسمالية الأخري في صورة اختلفت للسياحة وتحويلات العاملين بالخارج, كما تأثر قطاع الأوراق المالية بصورة مباشرة ومرتفعة ظهرت من خلال انخفاض مؤشرات الأسواق المالية العربية ما بين 40 ـ 70%, إضافة إلي تأثر قطاع البناء والتشييد بصور اختلفت من دولة لأخري, لقد وجد أيضا ان الوزن النسبي لصادرات الدول العربية لا يمثل أكثر من 6% من الصادرات العالمية وهي نسبة منخفضة جدا مما يدل علي عدم إندماج الأسواق العربية في الأسواق العالمي وانخفاض مقدرتها علي المنافسة وخاصة فيما يتعلق بالسلع تامة الصنع, بالإضافة إلي عدم مقدرة هذه الدولة الحالية علي استثمار الإمكانات المتاحة في قطاع الخدمات خاصة خدمات التأمين والنقل, كما أن العائدات السياحية لاتمثل الميزة النسبية لهذه الدول في هذا القطاع.
ويشير الدكتور فؤاد أبو ستيت الأستاذ بالجامعة البريطانية بالقاهرة إلي إن الاندماج العربي في الاقتصاد العالمي يتركز في صادرات البترول حيث تمثل عدد الدول العربية المنتجة للبترول حوالي 50% من الدول المصدرة للنفط (الأوبك) وتحتوي هذه المنطقة علي حوالي 70% من الاحتياطي العالمي, بالإضافة إلي أن انتاج الدول العربية من النفط تمثل الجزء الأكبر من إنتاج الأوبك, ولقد كان للتغيرات في أسعار البترول العديد من التأثيرات علي الاقتصاد العالمي.
وقد نتج عن إرتفاع أسعار البترول العالمية خلال السنوات الأخيرة ارتفاع عائدات البترول العربية لتصل الي 868 مليار دولار في 2008, مما انعكس علي زيادة الفوائض القابلة للإقراض في الأسواق العالمية, وزيادة الاستثمارات العربية في الخارج بشقيه المباشر وغير المباشر بالإضافة إلي زيادة الطلب علي العمالة الأجنبية الأمر الذي صاحبه تحويلات العاملين في هذه الدول لذويهم, حيث تمثل تحويلات العاملين من دول مجلس التعاون النسبة الأكبر في مصر, لبنان, الأردن, السودان, اليمن, وفلسطين في حين تمثل تحويلات العاملين في دول الاتحاد الأوروبي النسبة الأكبر في دول المغرب العربي.
من هنا يمكن القول بأن الصادرات العربية من البترول تعتبر من أحد أهم عناصر الاندماج والتأثير في الاقتصاد العالمي, في حين تلعب الإستثمارات العربية الخارجية دورا فعالا آخر وتمثل عائدات السياحة في كل من مصر, لبنان, تونس, المغرب أحد عناصر الإندماج في الأقتصاد العالمي. في المقابل لا تستطيع هذه الدول لعب دور فعال في أسواق الأوراق المالية والبنوك علاوة علي تدني مساهمتها في الصادرات من السلع تامة الصنع. لذلك فهناك شقان للمعادلة, الأول يمثل مدي تأثر الاقتصاديات العربية بالتطورات الاقتصادية العالمية, والثاني يرتبط بالدور الذي تلعبه هذه الاقتصاديات عالميا. وتبقي العديد من الدروس المستفادة من الأزمة العالمية يتمثل أهمها في الآتي:
(1) السياسة النقدية وسياسة الائتمان: لقد كان للسياسة النقدية الاحترازية التي اتبعتها معظم الدول العربية في تقييد الائتمان لتمويل العقارات أثر كبير في الحد من آثار هذه الأزمة, كما أدت هذه السياسة في تفادي سقوط العديد من البنوك والشركات الوسيطة والتأمين في فخ الأفلاس كما هو الحال في امريكا, كما أن البنوك التجارية والأجنبية والأهلية العاملة في الدول العربية لا تستخدم الأدوات المالية المتقدمة مثل المشتقات والأدوات الأخري المتبعة في الأسواق المالية العالمية مما أدي إلي تجنب العديد من هذه الآثار. وقد يري البعض ان هذا التدخل وعدم الاندماج في الأسواق المالية العالمية من العيوب في النظام المصرفي العربي. وبالرغم من وجود الوفرات المالية لدي الدول العربية المصدرة للنفط إلا إنها قامت بإنفاق الكثير منها علي تقديم الخدمات العامة وبناء هياكل البنية الأساسية وجزء آخر وجه للإستثمارات وخاصة في الدول المتقدمة وفي صناديق الإستثمار مما عرضها أيضا للعديد من التقلبات نظير هذه الأزمة, وهذا يثير التساؤل عن مدي إمكانية زيادة الاستثمارات العربية البينية وماهي العقبات التي تواجه هذه الاستثمارات؟ وماهي المزايا التي يمكن أن تقدمها الدول العربية للإستثمارات الأجنبية.
2ـ السياسة المالية: والمتمثلة في زيادة الإنفاق الحكومي لتحفيزالطلب الكلي وخاصة الاستثمارات الحكومية لتعويض الاستثمارات الخاصة نتيجة عدم اليقين (uncertanity) المتعلقة بالقروض والإجراءات التي اتخذتها معظم البنوك في الحد من الإقراض, لقد اثبتت هذه السياسة فاعليتها في الحد من الآثار السلبية الناجمة عن الأزمة, حيث أدي زيادة الإنفاق الحكومي في معظم الدول العربية الي زيادة العجز في الموازنات العامة, مما قد يؤدي الي زيادة اعباء خدمة الدين العام, بالإضافة الي انخفاض المتحصلات من الضرائب العامة, وخاصة في مصر ودول المغرب العربي, حيث من الملاحظ أن الضرائب لاتمثل نسبة كبيرة في الإيرادات الحكومية لمعظم الدول النامية, كما أن معظم هذه الدول تقوم بتقديم الدعم العيني والذي يمثل نسبة كبيرة من بنود الموازنة العامة ومن ثم فإن هذه الأزمة اظهرت ضرورة إعادة هيكلة في الموازنات العامة, والإعتماد علي الضرائب كمصدر رئيسي للدخل مع ترشيد الدعم وترشيد النفقات الاخري حتي تستطيع خدمة الدين العام.
3ـ ميزان المدفوعات: أدي الركود الاقتصادي العالمي الي انخفاض الطلب علي المواد الأولية والغذائية مما أدي الي انخفاض الصادرات من هذه المواد مما تسبب بدوره في تحقيق عجز في موازين المدفوعات وهنا يستلزم من هذه الدول تقليل الأعتماد علي تصدير المواد الأولية والاتجاه الي تفضيل سياسة التبضع من اجل التصدير, وخاصة في القطاعات التي فيها ميزة نسبية مع ضرورة زيادة تفعيل الاتفاقيات التجارية البينية. اضافة لزيادة الاهتمام ببنود الصادرات غير المنظورة من السياحة, والنقل والتأمين, والخدمات الصحية والتعليمية وخدمات البنوك وتحويلات العاملين بالخارج مما يلزم وضع السياسات المنظمة والتي يؤدي الي الاستفادة من هذه البنود. وكذلك الاهتمام بالخدمات التي تتميز بأن القيمة المضافة لها اكبر من مثيلاتها من السلع كما انها تؤدي الي خلق العديد من الوظائف مقابل انها تحتاج الي الاستثمارات الضخمة وهنا يأتي دور البنوك في تمويل هذه المشروعات الهامة.
تعد التدفقات الرأسمالية من الاستثمارات الاجنبية والاستثمارات في المحافظ التمويلية من اهم البنود التي يجب الانتباه إليها, إن مقدرة الدول العربية علي جذب الاستثمارات الأجنبية سواء من الدول المصدرة للنفط, أو من الدول الأخري يمثل أحد اهم التحديات التي تواجه هذه الدول, فلقد إنخفضت الاستثمارات الاجنبية نتيجة الأزمة المالية, وبالرغم من هذا الانخفاض, فإن نصيب الدول العربية من هذه الاستثمارات العالمية ضئيل جداً, حيث بلغ مقدارها 32 مليار دولار في 2008, معظمه كان من نصيب مصر, لبنان, الأردن, والمغرب. هناك حاجة ماسة لزيادة الاستثمارات الأجنبية والمتاحة علي اجتذابها بتقديم المزايا غير التقليدية والبحث عن مزايا أخري.
أما بالنسبة لعلاقة الاستثمارات غير المباشرة خاصة بالأوراق المالية فقد تأثرت معظم الأسواق المالية العربية بالهزة الاقتصادية العالمية وادي الي فقدان نسبة كبيرة في مؤشرات هذه الأسواق ولوحظ أن الدول الأكثر اندماجاً في الأسواق العالمية الأكثر تصدراً للأزمة بالرغم من عدم إعتماد هذه الأسواق علي الأدوات المتقدمة مثل المشتقات و Forward, Future, Options وخلافه ولهذا فهناك حاجة ماسة الي تطوير هذه الأسواق وتطوير اساليب التداول وتعريف المواطنين بأهميتها بالإضافة الي الدور الذي تلعبه السياسة النقدية من خلال سعر الفائدة.
4ـ اسعار الصرف: إن سياسة اسعار الصرف وإرتباطها بالدولار قد أدي الي العديد من الآثار السلبية علي اقتصاديات هذه الدول نتيجة للأسباب التالية:
يلاحظ أن اسواق المال ليست اسواقا ذات كفاءة عالية حيث تقوم علي المضاربة, كما أن الأزمات المالية ليست جديدة علي المجتمع الاقتصادي العالمي, وكما حدث في ازمة الاقتصاديات الأسيوية في 1997, فلقد أدي ذلك الي العديد من الآثار ولهذا فإن هناك حاجة للتدخل الحكومي لتنظيم الأسواق المالية المحلية خاصة من خلال التحكم في الأموال.
ضرورة إعادة تقييم دور المؤسسات المالية والاقتصادية خاصة في الدول المتقدمة, للتحكم في كمية القروض الممنوحة ودراسة الأحوال والقيود المفروضة علي المؤسسات المالية الدولية وهناك أيضاً حاجة وخاصة في ظروف الركود الاقتصادي في النظر في اسعار الصرف, وزيادة اسعار الفائدة والتفكير في تخفيض قيمة اسعار الصرف, زيادة اسعار الفائدة لأن تخفيض اسعار الصرف ليس كافياِ ولهذا فإن الحاجة الي التدخل في ارتفاع اسعار الفائدة لزيادة الطمأنينة لدي المستخدمين.
الإحتياطي من العملات الأجنبية وذلك لأن زيادة الإحتياط النقدي لدي البنك المركزي سوف يؤدي الي التقليل من أثار الأزمة الاقتصادية حيث تمثل غطاء ليس فقط للدفاع عن أسعار صرف العملة المحلية ولكن الاحتياطي يؤدي الي زيادة ثقة المستثمرين في الاقتصاد المحلي ومن هنا نجد أن دول مجلس التعاون الخليجي, ومصر, وبعض الدول العربية الأخري كان لديها احتياطيات مناسبة من العملات الأجنبية الأمر الذي أدي الي الحد من الآثار الجانبية من هذه الأزمة.
5ـ هناك حاجة في معظم الدول العربية لدراسة ارتباط العملات الاجنبية بالدولار في حالة دول الخليج ومصر واليورو في حالة دول المغرب العربي, حيث إن هذا النوع من الارتباط لعملة واحدة مثل الدولار يؤدي الي كثير من الآثار السلبية علي الاقتصاديات المحلية, حيث يؤدي انخفاض الدولار امام العملات الأجنبية الي انخفاض قيمة الصادرات وارتفاع قيمة الواردات, كما يؤثر بالسلب ايضاً علي احتياطي من العملات الاجنبية, إضافة الي أن الشريك التجاري الأكبر لمعظم الدول العربية هي دول الاتحاد الأوروبي, لهذا فأنه من الافضل ربط العملة المحلية بسلة من العملات الأجنبية وهذا يؤدي الي الحد من الآثار السلبية ولايخفي ان هذا القرار قرار سياسي بالدرجة الأولي.
6ـ تعرضت صناديق الاستثمار العربية Investment Funds في الخارج نتيجة هذه الأزمة لخسائر كبيرة بلغت حسب تقديرات مورجان ستانلي مابين 500 ـ 700 مليار دولار, وعليه انخفضت قيمة الموجودات لهذه الصناديق لتصل الي حوالي 1,2 تريليون دولار حسب نفس المصدر وعليه فإنه من الأفضل ان تحاول هذه الدول تنويع استثماراتها في دول العالم المختلفة.
7ـ وتتطلب المرحلة القادمة ضرورة إعادة هيكلة المؤسسات المالية وتسوية أوضاعها علي نحو مناسب حتي يعيد الثقة في القطاع المالي, وضرورة تدخل المؤسسات المالية الدولية في تقديم القروض وخاصة للدول النامية, وتدعيم دور البنك المركزي في إتخاذ السياسات النقدية لقياس الأوضاع المختلفة حتي لايتعرض القطاع المالي لهذه الهزات العالمية.