Share |
اكتوبر 2010
31
اغتيال النقراشي باشا
المصدر: الأهرام المسائى

عبدالمجيد أحمد حسن

تعبر قضية اغتيال رئيس وزراء مصر الأسبق، محمود فهمي النقراشي باشا، في الثامن والعشرين من ديسمبر عام 1948م، عن قمة التراجيديا السياسية في العلاقة بين الإخوان والسلطة في مصر، والمثل الواضح لكيفية فهم الإخوان لمثل هذا النوع من العلاقات.
لذا كان قراري أن افتتح الكتابة في هذا النوع من العلاقة الملتبسة بين الإخوان والسلطة (أي سلطة) منطلقا من قضية النقراشي باشا، شارحا كيفية فهم الإخوان لهذه العلاقة، والأسس التي كانت تقوم عليها، وما هي أهداف الإخوان ـ دائما ـ من ورائها.
وطبيعي أن تفتتح مثل هذا النوع من الكتابات التاريخية بالبدايات (بداية العلاقة بين الإخوان وحكومة النقراشي، والظروف التي أحاطت بها ، صعودا نحو قمة التراجيديا التي انتهت بمقتل الرجل وما تلاه من مقتل حسن البنا مؤسس الجماعة أيضا).
إلا أن التشكيك في النوايا، من جانب الإخوان، وكتائب الردع الخاصة بهم، جعلني أبدأ من حيث أردت أن انتهي (من لحظة الإغتيال) وفق أسلوب (الفلاش باك)، عائدا من ثم الي البدايات، في محاولة لشرح الخريطة الغامضة لعلاقة الإخوان بالسلطة، في كافة العهود، وعبر كل الأزمنة، خاصة ما يتعلق منها بجانب استخدام العنف، عندما لا يصلح التطويع (تطويع السلطة أيا كانت اتجاهاتها) لصالح أهداف الجماعة، والتي غالبا ما تتناقض وتتعارض في مجمل الأوقات والمواقف مع مصلحة الوطن والأمة.
وقد رأيت أن أسد كل باب علي المتنطعين، وهم كثر، بأن أبدأ باعترافات الجناة، والمنفذين، والمخططين، من خلال أوراق القضية الأصلية، ومذكرات النيابة العامة، وما خطوه بأيديهم من شهادات ومذكرات، بعد عشرات من السنين، مضت علي تلك الحوادث.
واستبعدت عمدا تحقيقات البوليس السياسي، ليعدل من عدل عن بينة، وليمض في غيهم المبطلون.
والطبيعي، وفقا للأسلوب الذي اخترته، أن أبدأ قصة اغتيال النقراشي، من اعترافات المتهم الأول، طالب الطب البيطري عبد المجيد أحمد حسن، وملاحظات النيابة العمومية، المحررة في 1949/7/11، بمعرفة السيد محمود منصور النائب العام آنذاك، والتي تضمنتها أوراق القضية رقم 5 لسنة 1949جنايات عسكرية ـ عابدين، ويحمل ملفها رقم ( 197/3/1) عموم الأمن العام، القسم المخصوص .
وتبدأ المذكرة بإتهام النائب العام لكل من :
بأنهم في يوم 28 ديسمبر سنة 1948م الموافق 27 صفر سنة 1368هـ بدائرة قسم عابدين بمدينة القاهرة ارتكبوا الجرائم التالية :
المتهم الأول:
أولاً:- قتل حضرة صاحب الدولة محمود فهمي النقراشي باشا عمدا مع سبق الاصرار والترصد بأن عقد النية هو والمتهمون الثاني والثالث والرابع والخامس والسادس علي قتله وأعد بمعونتهم مسدسا وسترة عسكرية لضابط بوليس برتبة الملازم اول ومرن علي ارتدائها والظهور بها وفي صبيحة يوم الحادث ارتداها وحمل المسدس وقصد إلي مقهي قريب من وزارة الداخلية في انتظار اشارة تليفونية من أحد شركائه باقتراب موعد وصول المجني عليه فلما تلقاها دخل بهو الوزارة متوسلا بتلك السترة وتربص للمجني عليه واقفا بالقرب من المصعد المؤدي إلي مكتبه حتي اذا قدم وهم بدخول المصعد فاجأه المتهم باطلاق مقذوفات نارية عليه من ذلك المسدس قاصدا قتله فاصابه بالجروح النارية المبينة بالتقرير الطبي والتي أودت بحياته علي الاثر.
ثانياً- أحرز سلاحا نارياً ـ مسدسا ـ بدون ترخيص.
والمتهمون الثاني والثالث والرابع والخامس والسادس:
اشتركوا مع المتهم الأول بطريق الاتفاق والتحريض والمساعدة في ارتكاب هاتين الجريمتين بأن انعقدت ارادتهم علي قتل دولة المجني عليه بوصف كونهم هم والمتهم الاول أعضاء في جمعية ارهابية من وسائلها القتل ووقع اختيارهم علي المتهم الأول لتنفيذ الجريمة فأمروه بارتكابها وساعدوه علي الاعمال المسهلة والمتممة لها اذ جهزوه بالسلاح والسترة الرسمية ورسموا له كيفية ارتكابها وحددوا له الزمان والمكان فوقعت الجريمتان بناء علي ذينك الاتفاق والتحريض وهذه المساعدة. وبناء عليه ، ووفقا لذات التقرير :
يكون المتهم الأول قد ارتكب الجريمتين المنصوص عليهما في المواد 230 و 132 و 232 من قانون العقوبات والمادة الأولي من القانون رقم 8 لسنة 1917الخاص باحراز وحمل السلاح والمادتين الاولي والثانية من الامر العسكري رقم 35 بشأن الاسلحة النارية والذخائر المعدل بالامر العسكري رقم 49.
ويكون باقي المتهمين قد ارتكبوا الجريمة المنصوص عليها في المواد سالفة الذكر والمادتين 04 فقرة اولي وثانية وثالثة و 41من قانون العقوبات.
ولذلك، وعملاً بالقانون رقم 15 لسنة 1923 الخاص بنظام الاحكام العرفية ـ والمادة الاولي من القانون رقم 73 سنة 1948الخاص باضافة حالة جديدة الي الحالتين اللتين يجوز فيهما إعلان الأحكام العرفية ـ والمرسوم الصادر في 13مايو سنة 1948باعلان الاحكام العرفية والامرين العسكريين رقم 67(ثانيا) و 72 بشأن جواز احالة بعض جرائم القانون العام الي المحاكم العسكرية والقانون رقم 59 سنة 49 بشأن استمرار العمل بالقانون رقم 73 سنة 1948.
تطلب النيابة العمومية من المحكمة العسكرية العليا معاقبة المتهمين طبقا للمواد والأوامر العسكرية سالفة الذكر.
اعترافات قاتل النقراشي:
وقد أورد تقرير مقدم من نيابة الاسئناف تم تحريره في في 10اغسطس سنة 1949، بمعرفة وكيل نيابة الاستئناف، عددا من الملاحظات المهمة، يأتي في مقدمتها أقوال المتهم الأول عبد المجيد أحمد حسن، الطالب بكلية الطب البيطري والتي جاءت علي النحو التالي: (أوردنا النص الكامل طبقا لما جاء في تقرير النيابة العمومية لأول مرة ، لتعرف الأجيال الجديدة الحقيقة كاملة دون تزييف).
أولا : قرر عبدالمجيد احمد حسن المتهم بقتل المغفور له دولة محمود فهمي النقراشي باشا انه انضم في أوائل سنة 1946الي جمعية سرية تكونت من أعضاء جماعة الاخوان المسلمين وأقسم في أحد المنازل اليمين الخاص بها علي المصحف والمسدس وأنه شاهد المتهم الأول السيد فايز عبدالمطلب في شهر يناير سنة 1948وهو يرأس نفرا منهم يتدربون علي استعمال السلاح في منطقة الاسيمرات بجبل المقطم ومن بينهم شفيق ابراهيم أنس المتهم الثالث وأنه حوالي شهر مايو أو يونيو سنة 1948عرّفه أحد أعضاء مجموعته السرية المدعو احمد عادل كمال (المتهم في قضية الجناية العسكرية رقم 227سنة 1948الوايلي) في منزله بالسيد فايز بوصفه رئيسا لمجموعات القاهرة السرية وكلفه احمد عادل كمال هذا بعد ذلك بنحو شهر بمقابلة السيد فايز في منزله في موعد حدده له قبل عيد الاضحي بأيام قلائل فقابله فيه حيث وجد عنده كلا من المتهمين الرابع والسادس والسابع محمود كمال السيد محمد ومحمود حلمي فرغل ومحمد احمد علي وكذا جمال الدين ابراهيم فوزي (المتهم في قضية الجناية العسكرية رقم 227 سنة 1948 الوايلي) (وهي القضية المعروفة بقضية السيارة الجيب) وأفهمهم السيد فايز أنهم أصبحوا يكونون مجموعة جديدة تحت رئاسة جمال فوزي واجتمع أعضاء هذه المجموعة في منزل رئيسهم في اليوم الأول من أيام هذا العيد واتفقوا علي القيام برحلة إلي مدينة الاسماعيلية في اليوم الثالث (يوافق 15 اكتوبر سنة 1948) وسافروا في الموعد المحدد الي عزبة تابعة لهذه المدينة ومعروفة باسم "عزبة الاخوان المسلمين" وقضوا ليلتهم فيها وفي الصباح أخذوا منها مدفعا سريع الطلقات ومسدسات وقنبلة يدوية وتوغلوا نحو نصف ساعة سيرا علي الأقدام في الصحراء الواقعة في الجهة الغربية من العزبة وهناك تدربوا علي استعمال المدفع والمسدسات كما ألقي محمد احمد علي القنبلة اليدوية ـ ووصف عبدالمجيد هذه العزبة وصفا دقيقا تبينت من المعاينة صحته وأرشد عنها فتبين أنها العزبة التي يزرعها كل من محمد محمد فرغلي ومحمد ابراهيم سويلم (المتهمين في القضية سابقة الذكر)، والتي ضبطت فيها أسلحة ومفرقعات وأوراق للجمعية السرية ـ وأرشد عن مكان التدريب في تلك الصحراء فعثر فيه علي أظرف رصاصات مطلقة وغلاف قنبلة يدوية.
مالك يوسف ودوره:
وتمضي مذكرة نيابة الإستئناف لتذكر أن عبدالمجيد احمد حسن قد قرر أنه هو وأعضاء مجموعته صاروا يجتمعون بعد ذلك في منزل رئيسهم جمال الدين ابراهيم فوزي وبعد بضع اجتماعات عرفهم بالمتهم محمد مالك يوسف وقال انه انضم لمجموعتهم وانه سيدربهم علي قيادة السيارات والموتوسيكلات وسافر جمال فوزي الي فلسطين في 16 نوفمبر سنة 1948وأصبح محمد مالك هو الصلة بينهم وبين القيادة وصاروا يعقدون اجتماعاتهم احياناً في منزله وأحيانا أخري في قاعة البنج بنج بنادي جمعية الشبان المسلمين اذ كان محمد مالك عضوا قديما فيها والتحق باقي أعضاء المجموعة بها لهذا الغرض ـ وبعد صدور أمر حل الجماعة بتاريخ 8 ديسمبر سنة 1948 اجتمع عبدالمجيد احمد حسن ومحمود كامل السيد ومحمود حلمي فرغل ومحمد احمد علي ومحمد مالك يوسف في منزل هذا الأخير حيث عرفهم بالمتهم الثاني محمد صلاح الدين عبدالمعطي باعتباره من رؤساء الجمعية السرية وكان أحد اصابع يديه مربوطا وأبلغهم صلاح هذا بأن الجمعية قد اعتزمت ان تقتص لأمر الحل ممن تسبب في صدوره وهما النقراشي باشا وعبدالرحمن عمار بك ـ وقرر عبدالمجيد انه في يوم السبت الأسبق علي تاريخ حادث قتل دولة النقراشي باشا (اي يوم 18 ديسمبر سنة 1948) حضر اليه محمد مالك في منزله حوالي الساعة السابعة والنصف صباحا وطلب منه ان يذهب لمقابلة احمد فؤاد في منزله بالعباسية لأمر سيخبره به وقابله فيه وجلس معه في غرفة في فناء هذا المنزل وأبلغه بأن الاختيار قد وقع عليه لقتل النقراشي باشا ثم حصلت وقائع هذا اليوم علي التفصيل المذكور في القائمة الاصلية من مقابلة عبدالمجيد لعاطف عطيه والذهاب إلي دكان كمال القزاز ثم دكان عبدالعزيز البقلي لأخذ المقاس واجراء البروفة الاولي في دكانه مساء ـ وفي يوم الأحد التالي (19 ديسمبر سنة 1948) اتصل به احمد فؤاد صباحا في قهوة الاعلام باسم حسني علي سبيل التجربة ثم ذهب عبدالمجيد الي المقهي المقابل لوزارة الداخلية حيث وجد كلا من المتهمين الرابع والسابع محمود كامل السيد ومحمد احمد علي ـ وفهم أنهما يجلسان فيها لمراقبة سيارة النقراشي باشا وحوالي الساعة الواحدة بعد الظهر قابل الترزي عبدالعزيز احمد البقلي بناء علي موعد سابق أمام سينما ايزيس وذهبا معا إلي منزل هذا الترزي حيث أجري له البروفة الثانية كما اشتري في هذا اليوم حذاء أسود اللون وتقابل في المساء بناء علي اتفاق سابق مع الضابط احمد فؤاد امام دار الحكمة في شارع القصر العيني وذهبا معا إلي منزل عاطف عطيه حيث وجداه هو والسيد فايز عبدالمطلب المتهم الاول وعبدالحليم محمد احمد المتهم الخامس وجلال الدين يسن المتهم الثامن ثم وافاهم السيد سابق محمد التهامي وقال السيد فايز ان الخطة تقضي بأن يرتدي جلال الدين يسن سترة كونستابل ويصحب عبدالمجيد وقت ارتكاب الجريمة ـ وتلا السيد سابق علي عبدالمجيد بعض الآيات والأدعية مبررا له ارتكابها وأوصاه بتلاوة دعاء خاص في طريقه إلي محل الحادث وسرد رواية مؤداها ان شخصا يدعي عبدالرحمن عبدالخالق استشهد في فلسطين ودخل الجنة ثم انصرف عبدالمجيد مع عبدالحليم محمد احمد وذهبا بارشاد هذا الأخير في سيارة تاكسي إلي المنزل رقم 25 شارع علي يونس بشبرا ليتعرف عبدالمجيد علي موقعه وأفهمه عبدالحليم أنه هو المنزل الذي أعد لتغيير ملابسه فيه. والي لقاء في الحلقة القادمة لنشرح كيف تمت عملية الإغتيال علي لسان منفذيها.