Share |
فبراير 2010
27
جمعيـات الحماية.. واجهة اجتمـــاعية
المصدر: الأهرام اليومى
بقلم:   وليد رمضان

"الزبون دائما علي حق"، عبارة يرددها دائما التاجر الشاطر فقط، وهو ما يجعلها لا تجد صدي علي أرض الواقع، وأثبتت غيابها عند التنفيذ وذوبانها في ظل تفشي ظاهرة الغش التجاري في أشكاله ومراحله المختلفة، وحتي الاحصاءات اختلفت حول تقدير حجم الغش التجاري. إذ لا توجد أرقام واضحة ترصد حجم الظاهرة، علي الرغم من التصريحات والأرقام التي نشرت حول عدد القضايا التي تقدر بعشرة آلاف قضية سنويا، اضافة إلي ضبط 240 ألف قضية رقابة علي الأسواق الداخلية عام 2009، كما أعلنت وزارة التجارة والصناعة.
هذا الأمر لا يعني أن مصر بعيدة عن الظاهرة ولكن المؤكد أنها أكبر من ذلك بكثير ويعكس حقيقة واحدة هي أن المستهلك المصري لا يعرف حقوقه، وأنه في بحث دائم عن الوسائل التي تمكنه من تلبية الحاجيات الأساسية، وحتي هذه الأخيرة لا تتأتي له إلا بصعوبة، فكيف له أن يفكر في حماية نفسه وصحته عند استخدام السلع والمنتجات المستهلكة، فالذي يهمه بالدرجة الأولي ليس الجودة وإنما السعر الذي يبقي هو المحدد والمتحكم في كل اختياراته الشرائية.
وطالما أن ظاهرة الغش التجاري جاثمة علي أنفسنا شئنا أم أبينا، فهل الدولة ممثلة في جهاز حماية المستهلك التابع لوزارة التجارة والصناعة الذي مر علي انشائه 3 سنوات ونصف السنة قادر علي مواجهة هذا الغش؟ وما حقيقة الدور الذي تلعبه جمعيات حقوق المستهلك؟ وهل جمعيات حماية المواطن واجهة اجتماعية؟ ان جهاز حماية المستهلك قضي علي دور هذه الجمعيات التي سبقته في الفكرة وفي النشأة ونحاها جانبا، وهل المستهلك الغلبان الذي لا حول له ولا قوة يعلم أن له حقا يجب أن يبحث عنه ويتمسك به ويحصل عليه.
منظومة غائبة
الدكتورة زينب عوض الله رئيسة الجمعية القومية لحماية المستهلك تري أنه لا توجد في مصر منظومة متكاملة لحماية المستهلك، وأن جمعيات حماية المستهلك تفتقد المصداقية لدي المستهلك نتيجة فقدها آليات أخذ حقوق المستهلك "المواطن"، وأن قانون حماية المستهلك عليه تحفظات كثيرة، وبه عيوب منذ انشائه علاوة علي وجود مواد في القانون لم يتم تفعيلها حتي الآن مثل تكليف الجهاز بتشكيل محكمة علي مستوي محكمة ابتدائية والذي لم يحدث علي الاطلاق.
وشنت الدكتورة زينب التي كانت عضوا بجهاز حماية المستهلك هجوما علي الجهاز، وقالت إنه قضي علي دور جمعيات حقوق المستهلك التي سبقته في الفكرة والنشأة في مصر وحولها إلي واجهة اجتماعية. وتأسي إلي ما آل إليه حال جمعيات حماية المستهلك فتقول إنه بعد أن كان دور هذه الجمعيات رئيسيا وفعالا في اعادة حق المستهلك أصبحت الجهات الرسمية والتجار والمنتجون والموزعون يرفضون التعامل مع الجمعيات ولا يلقون بالا لمخاطباتنا ويشترطون علينا الرجوع للجهاز أولا، برغم أن الجهاز طلب من المستهلك اللجوء للجمعيات للحل أولا وعندما نلجأ للجهاز ينحي الجمعية جانبا ويحل المشكلة وديا والغريب أن رئيس الجهاز يتباهي بأن 80% من المشاكل تحل بطريقة ودية، وهو أمر غريب ومعيب فكيف سنقضي علي الغش التجاري، وإلي متي لا نطبق القانون ليكون رادعا للمخالفين بدلا من سياسة التراضي التي نرفضها ونلجأ دائما للقضاء لاثبات حقنا والحصول عليه؟
تستمر زينب عوض الله في وضع علامات الاستفهام الكثيرة: أين المحاكم الابتدائية التي نص علي انشائها القانون 67 لعام 2006 الخاص بجهاز حماية المستهلك ولماذا يتم اللجوء للمحاكم الاقتصادية في فض منازعات الغش التجاري؟ وتضيف: ما هي آليات عمل جمعيات حقوق المستهلك في مصر، فالدولة أعلنت أكثر من مرة أنها ستدعم جمعيات حقوق المستهلك فأين هذا الدعم؟ وأين الاتحاد النوعي لحماية المستهلك وهو غير معلوم المكان ولم يعقد جمعية عمومية منذ 3 سنوات ويجب أن يحل لهذا السبب، إذا كان موجودا من الأصل، ولماذا رفضت وزارة التضامن الاجتماعي الرد علي مخاطباتنا المتكررة عن وجود هذا الاتحاد؟ ومن يرأس هذا الاتحاد؟ وكيف يصبح عضوا بجهاز حماية المستهلك شخص لا نعرفه ونجهل من هو؟ ثم هناك موازنة للجهاز من الموازنة العامة للدولة، فأين جمعيات حقوق المستهلك منها؟ وأين المنح الأجنبية التي وزعت علي بعض الجمعيات وكيف تم اختيارها؟ وما الدور الذي قاموا به؟
لا تختلف وجهة نظر المهندسة عنان هلال رئيسة جمعية عين مصر لحماية المستهلك والبيئة، كثيرا في رؤيتها للظلم الواقع علي جمعيات حقوق المستهلك إذ تقول إن فكرة حماية المستهلك هي في الأصل فكرة أهلية منذ بداية نشأتها في ثلاثينيات القرن الماضي وشهدت حركة حماية المستهلك تطورا سريعا في عقد الستينيات ويكفي أن نعلم أن جمعيات حماية المستهلك في أوروبا لا يتعدي جمعية واحدة في كل دولة ولكن نشاطها كبير جدا فمثلا في انجلترا هناك جمعية واحدة لحماية المستهلك عدد أعضائها يزيد علي 700 ألف عضو يدفعون رسوما سنوية للعضوية وتقدم من خلاله الجمعيات خدمات للمستهلك وتنوب عنه في التقاضي أمام القضاء للحصول علي جميع حقوقه، وكذلك الأمر في فرنسا وألمانيا وأمريكا، إذ لديهم جمعية واحدة للمستهلك، أما هنا في مصر فلدينا 72 جمعية لحماية المستهلك وعدد أعضاء أكبر جمعية 40 عضوا الفاعل منهم 22 عضوا والمدون علي الورق 170 عضوا والاشتراك في الجمعيات يتراوح بين 10 و50 جنيها في السنة وفي الغالب لا يسدد أغلب الأعضاء اشتراك العضوية.
وتري سعاد الديب رئيسة الجمعية الاعلامية للتنمية وحماية المستهلك ونائبة رئيس الاتحاد العربي للمستهلك أن هناك غيابا للثقة بين الحكومة ممثلة في جهاز حماية المستهلك وتحتاج لوقت أكثر، وتري أن المنتج والتاجر لا يهمه سوي الربح وهذه النظرة لابد أن تتغير ويجب رفع الوعي لدي المستهلك بحقوقه وواجباته وكذلك التاجر والمستورد والمنتج فكلها عملية تكاملية فالقانون منح المستهلك ثمانية حقوق يجب أن يتمسك بها.
وتتفق الدكتورة هويدا مصطفي الأستاذة بكلية الإعلام بجامعة القاهرة في أن اتساع ظاهرة الغش التجاري وضعف الرقابة يلقي علي أجهزة الاعلام مسئولية نشر الوعي وثقافة الاستهلاك الجيد لدي المواطنين، كما أن تزايد حجم النشاط الاعلاني والميزانيات الاعلانية بدرجة كبيرة يتطلب ضرورة وضع معايير وضوابط تحكم العملية الاعلانية لتترسخ قيم حماية المستهلك والحفاظ علي حقوقه الاستهلاكية.
وطالبت هويدا بضرورة اصدار تشريعات تلزم أجهزة الاعلام بعدم نشر أي اعلانات أو حملات دعائية عن أي منتجات غذائية إلا طبقا لشهادات رسمية بسلامة هذه المنتجات وغيرها من الإجراءات التي اتبعتها الدول المختلفة وتطبيقا لمبدأ حماية حقوق المستهلك، وتغيير الكثير من المفاهيم والعادات السلبية للمستهلك.
ويبقي في النهاية أن نقول إن جمعيات حماية المستهلك ومنظمات المجتمع المدني والاعلام هي خط الدفاع الأول في نشر ثقافة حماية المستهلك والدفاع عن حقوق المستهلكين.