Share |
ديسمبر 2010
13
التاريخ الآن !!
المصدر: الأهرام اليومى

د. عبدالمنعم سعيد

كانت الصدفة وحدها هى التى جعلت قراءتى الثانية لكتاب ـ أو المجلدات الستة ـ إدوارد جيبون (1737 ـ 1794) عن «صعود وسقوط الإمبراطورية الرومانية» تتواكب مع انفجار وثائق «ويكيليكس» التى تصدرت صفحات الإعلام والسياسية العالمية خلال الشهور القليلة الماضية. وبالطبع فإن المكان هنا لا يتيح، والوقت أيضا لا يسمح، لكى تنعقد مقارنة موضوعية بين الأمرين، ولكن الواقع يفرض ملاحظة انقلاب مهم فى الحقيقة الإنسانية لا يمكن تجاهله. لقد احتاج جيبون عمره كله لكى يتعقب تاريخا ممتدا من عصر الجمهورية الرومانية تحت حكم «ماركوس أوريليوس» فى عام 180 بعد الميلاد حتى دخل العثمانيون القسطنطينية ـ أسطنبول الآن ـ عام 1453، كانت دراسة جيبون تحتوى على ما يزيد على ألف عام من الملاحظة التاريخية ومن ثم قامت على تعقب الأحداث والوثائق، حتى اللغات المختلفة للأمم التى تفاعلت غزوا ودفاعا مع الإمبراطورية الرومانية.
وكباحث، وبغض النظر عن الانتقادات الكثيرة للعمل الذى قرأته من قبل إبان النقاش والحوار الكثيف حول كتاب بول كنيدى الشهير «صعود وسقوط القوى العظمى 1500 ـ 1980» الذى صدر عام 1987؛ فإنه بات مستحيلا أن ننظر إلى التاريخ باعتباره جزءا من الماضى الذى على «المؤرخين» القيام بالبحث والتنقيب فيه إما عن القوانين المنظمة لحركته، أو البحث عن الحقيقة فيما جرى، أو لاستنطاق أحوال حاضرة من خلال معرفة جذورها، أو باختصار التعرف على ما يسمى «دروس الماضى».
المشكلة دائما أن ذلك الماضى كان مجهولا، وفى جزء من تاريخ البشرية لم يكن معلوما لغة الأقدمين، واحتاج الأمر أن نكتشف، أو يكتشف شامبليون لنا، حجر رشيد لكى نفك شفرة ثلاثة آلاف عام من تاريخ مصر. ولم تكن اللغة وحدها هى التى تقف حجر عثرة فى وجه فك الشفرات الماضية، ولكن العصور كلها كان لها دائما منطقها الخاص وملابساتها حتى بدت مهمة «عقلنة» التاريخ مضنية، بل إنها كانت قابلة للإنكار فى أحوال كثيرة.
مشكلتنا، أو قضيتنا، على أى الأحوال هى أن «ويكيليكس» قد جعلت التاريخ حاضرا والآن وهو متفاعل ويتعامل وجها لوجه مع القارئ دون تدخل من المؤرخ الذى يقضى وقتا طويلا فى دراسة مصادره ومدى صدقها حتى قبل أن يدخل فى الموضوع نفسه. لاحظ هنا أن الموضوع كله على ما أشاعه من «خضة» فى النظام المعلوماتى الدولى، و«صدمة» للدبلوماسية العالمية كلها، لا يزال فى بداياته الأولى، فما حدث حتى الآن هو اقتحام خزانة معلومات الدبلوماسية والسياسة الأمريكية؛ فماذا يحدث عندما يجرى اقتحام دبلوماسية وسياسة القوى العظمى والقوى الكبرى والصغرى، ومنظمات دولية، ومباحثات ومفاوضات شركات كبرى وعملاقة؛ وهكذا خزائن واسعة للمعرفة البشرية.
الاتجاه العام للتاريخ الآن هو مزيد من «الشفافية» الدولية من كل الدول والمجتمعات، وربما خجلت بعض الدول من عوراتها ووضعتها وراء حجاب أو نقاب، ولكن التقارير الدولية، والوثائق الحكومية، والأجهزة الإعلامية ليس وراءها، ولا أمامها أيضا، إلا أن تكشف أرقاما وبيانات وأحداثا كثيرة. وسط ذلك كله فإن «التفاهمات» بين الكيانات السياسية، و«الخصوصية» للأفراد، والذاتية للأمم تبدو وكأنها اتشحت برداء الفضيحة أى الذيوع إلى غير ذى صفة، ولكن هل ساعتها سوف يكون للفضيحة معنى بينما يجرى التاريخ تحت السمع والبصر؟!
الاتجاه حتى الآن هو ما حدث مع كل الانقلابات التاريخية الكبرى وهو المقاطعة والممانعة ومحاولة إيقاف عجلة التاريخ مع ملاحظة أنه على ضوء التطور الجديد فإن تعبيرات مثل الانقلابات التاريخية الكبرى وعجلة التاريخ سوف تحتاج إلى قدر غير قليل من المراجعة لأنه ببساطة لم يعد لها معنى. ولكن ذلك كان ما جرى على أى حال وربما كرد فعل عفوى سوف يتم تسجيله تاريخيا الآن. فقد بدأت الولايات المتحدة الأمريكية فى اتخاذ بعض الإجراءات لمواجهة التداعيات التى تمخضت عن نشر موقع «ويكيليكس» للبرقيات الصادرة عن السفارات الأمريكية فى مختلف أنحاء العالم. فإلى جانب توجيه اتهام للقائمين على الموقع بانتهاك القوانين الأمريكية من خلال الحصول على وثائق سرية بطريقـة غير شـرعية بدون إذن «مناسـب»، اتجهـت واشـنطن إلى البحـث عن بدائل قانونية، بهدف محاكمة المسـئولين عن نشر الوثائق. كمـا مورسـت ضغـوط عديـدة على موقع «أمـازون» لعـدم استضافـة «ويكيليكـس»، وقـام بنــك سويســرى بإغـلاق حسـاب يسـتخدم لجمـع التبرعـات للموقـع. وتوقفـت شـركة «Everydns.net»، التى منحت اسم النطاق الخاص بـ«www.wikileaks.org» عن تقديم خدماتها للموقع. وسحبت شركات بطاقات الائتمان «ماستر كارد» وسائل التبرع المالى له.
وبعد أن أصدرت السويد مذكرة توقيف أوروبية (EAW ) فى 18 نوفمبر الماضى بحق جوليان أسانج مؤسس الموقع للاشتباه فى تورطه فى جرائم جنسية، أصدرت مذكرة جديدة فى 6 ديسمبر الحالى ومررتها إلى الشرطة البريطانية. وقد قام أسانج بتسليم نفسه إلى شرطة لندن حيت تم توقيفه ورفض طلبه للإفراج عنه بكفالة. وبعد الاستعانة بحلفائها اتجهت واشنطن، إلى إجراء تغييرات فى طواقمها الدبلوماسية والعاملة فى مجال الاستخبارات فى سفاراتها المنتشرة على مستوى العالم، خصوصا الدبلوماسيين الذين ذكروا فى الوثائق التى نشرها الموقع، ومن ثم تضع صعوبات جمة أمام قدرتهم على ممارسة أعمالهم نتيجة امتعاض الحكومات وقادة الدول من المعلومات التى نقلت عنهم فى هذه الوثائق. وقد حال نشر الوثائق دون قيام بعض الدبلوماسيين الأمريكيين بقضاء عطلة عيد الشكر، مفضلين التوجه إلى وزارات الخارجية فى الدول المعتمدين لديها بهدف توضيح وجهات النظر وتحسين الصورة لمواجهة التداعيات الناجمة عن نشر الوثائق.
وأصدرت الإدارة الأمريكية تعليمات إلى الموظفين الفيدراليين والمتعاقدين بعدم الاطلاع على التسريبات التى نشرها «ويكيليكس»، إلا فى حالة الحصول على الترخيص أو التفويض الأمنى الذى يسمح بذلك. وقام مكتب الإدارة والموازنة، وهو قسم تابع للبيت الأبيض، بتوجيه رسالة إلى رؤساء الوكالات والإدارات مفادها أن المعلومات السرية التى عرضت أو لم تعرض بعد تبقى كما هى سرية، إلى أن يصدر قرار برفع السرية عنها، ورغم ذلك لم تصدر أية تعليمات خاصة بمنع وجود الموقع أو بعض المواقع الأخرى على أنظمة الكمبيوتر الحكومية, أو متابعة ما ينشر عبر الأخبار بخصوص هذه القضية. لكن المشكلة الأخطر كانت أن الموقع اتجه إلى نشر برقية ذات حساسية خاصة تتضمن المواقع التى تدخل فى فئة «المواقع الضرورية للأمن القومى الأمريكي»، وتتضمن مواقع نفطية وموانئ وأماكن لاستخراج المعادن منها، على سبيل المثال، مناجم فى جنوب إفريقيا وأمريكا اللاتينية ومنجم كوبالت فى الكونغو، وقناة بنما، وبعض الشركات المتخصصة فى إنتاج لقاحات فى العديد من الدول مثل الدنمارك وإيطاليا وأستراليا، وخطوط اتصالات تحت البحر، وسدود، وغيرها.
هذا التوجه الأمريكى الأخير تحديدا يكشف عن تغير نوعى فى مفهوم الأمن القومى لدى الولايات المتحدة الأمريكية، الذى تجاوز إلى حد كبير الطابع الكلاسيكى الذى صبغ هذا المفهوم والمعتمد على القوة العسكرية فى المقام الأول، واتسع ليشمل مجالات أخرى مثل النفط والاقتصاد والصيدلة وغيرها. ولكن المبارزة لها طرفها الآخر المصمم على أن يكون تاريخ العالم حاضرا الآن وليس غدا، وبالتأكيد ليس بعد قرون كما حدث لجيبون من قبل. ولذا، ولمواجهة المحاولات الحثيثة التى تبذل لإعاقة نشر الوثائق، أعلن المسئولون عن الموقع عن وجود 501 موقع آخر منتشرة حول العالم تحوز الوثائق المسربة، منها موقع «تويتر» الذى لم تتعرض صفحته إلى أى هجمات. المسألة إذنً هى أن التاريخ الآن محفوظ تماما ولن تجدى كثيرا محاولة حصاره وتسليمه لمؤرخى المستقبل لتفسيره وتحليله.
ولكن اللحظة كما هى العادة لا تزال دفاعية، فقد بدأت آثار نشر الوثائق فى الظهور على الساحة العالمية، فعلى خلفية التسريبات، أصدر وزير الخارجية الألمانى جيدو فيسترفيلى قرارا بمنح مدير مكتبه هيلموت ميتسنر «عطلة مفتوحة» بسبب ما كشفه الموقع عن قيامه بنقل معلومات للسفارة الأمريكية فى برلين تتعلق بمفاوضات تشكيل الائتلاف الحكومى بين المحافظين والليبراليين عقب الانتخابات التى أجريت فى العام الماضي. كما أعلن فى اليمن أن نائب رئيس الوزراء لشئون الأمن والدفاع سيخضع للاستجواب من قبل البرلمان اليمني، على خلفية التسريبات التى أفادت بـ«تستر» اليمن على هجمات جوية أمريكية استهدفت «تنظيم القاعدة» على الأراضى اليمنية. وقدم وزير المالية الأفغانى استقالته بسبب برقية جاء فيها أنه يصف الرئيس حامد كرزاى بأنه «ضعيف». فضلا عن ذلك، أبدى رئيس الوزراء الروسى فلاديمير بوتين استياءه من البرقيات التى وصف فيها مسئولون أمريكيون روسيا بأنها «دولة دكتاتورية تديرها أجهزة الاستخبارات السرية»، وتحدثت عن نفوذ المافيا المفترض على مدينة موسكو. كما أعرب رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان عن استيائه مما أوردته إحدى الوثائق عن أنه يحتفظ بحسابات سرية فى مصارف سويسرية. وفيما وصف الرئيس الكوبى السابق فيدل كاسترو الوثائق بأنها فضيحة، أطلق وزير أرجنتينى انتقادات حادة لوزيرة الخارجية الأمريكية قائلا إنه «من العيب أن تتساءل الوزيرة فى برقية عن الصحة النفسية لرئيسة الأرجنتين». ونفى رئيس الوزراء الإيطالى سلفيو بيرلسكونى ما جاء فى إحدى الوثائق عن أن له مصالح خاصة مع روسيا.
وعلى خلفية إعلان الموقع عزمه نشر وثائق تخص الشركات، شهدت أسهم «بنك أوف أمريكا» تراجعا ملحوظا بنسبة 3%، بسبب المخاوف التى انتابت العديد من المستثمرين من احتمال تركيز التسريبات القادمة للموقع على البنك الذى يعتبر الأكبر من حيث الأصول. فكيف تكون الحال عندما يأتى وقت بقية البنوك والبورصات والجمعيات الأهلية ومفاوضات الفيفا. لقد انفتحت أبواب التاريخ، أو جهنم، على مصاريعها!.