Share |
ديسمبر 2010
16
" جوجل " المصري !
المصدر: الأهرام المسائى

د. عبدالمنعم سعيد

مضي أقل قليلا من العام علي استحواذي علي أول iPad لي في حياتي وأظنها ما لم تكن قد تحسنت فقد أضيف لها الكثير في أمور كثيرة بعضها بسيط وبعضها الآخر معقد. ومن الأمور البسيطة أن تجد كل صحف الصباح المصرية والأمريكية في متناول اليد ساعة قهوة الصباح ودون ازدحام في الصفحات أو تلوث من الأحبار. وبعضها مثل النيويورك تايمز أصبحت تقدم نسخة مختصرة تكفي وزيادة لمتابعة أهم الأخبار العالمية والأمريكية تحديدا. ولكن الجميل في الأمر أن هذه الآلة العجيبة قد أتاحت بشدة قراءة الكتب بأنواعها المختلفة بعد أن بات مستحيلا قراءة كتاب كامل، أو رواية كاملة، بينما الوقت يذوب بين الأصابع بعد أن ضاعت الإجازات في أعمال كثيرة. وما جري هو أنني أمارس رياضة المشي كل يوم ساعة كاملة ما بين الساعتين السابعة والثامنة صباحا، واكتشفت أنه يمكن مع سماع الموسيقي قراءة كتاب مهم في ذات الوقت بينما القدم تعرف طريقها عند سرعة لا تزيد علي خمسة كيلومترات في الساعة. وهكذا وجدت نفسي ألتهم كتابا بعد الآخر بعد أن اشتريت أو حصلت مجانا، علي عشرات الكتب ووضعتها في وزن يقل عن كتاب واحد، ويمكن تكبير خطوطه لكي تلائم النظر أينما اقتربت أو ابتعدت. وهكذا عادت هواية قراءة الكتب إلي مكانها مرة أخري، وهي متعة صافية لمن لا يريد أن تأسره الأحداث العامة اليومية وتختطفه من التفكير الشامل والعريض في حركة السياسة والأشياء.
ولكن ما هو بسيط في الحياة الشخصية معقد جدا في الحياة العامة؛ وبالنسبة لي فإن الحياة العامة ترتبط دائما بمستقبل الأهرام، بالقدر الذي ترتبط فيه بمستقبل مصر كلها. ولسبب أو لآخر فمنذ شرفت بمنصب قيادة الصحيفة العريقة حتي أصبح التطور التكنولوجي جزءا هاما من المهمة وبالذات فيما يتعلق بمجال المعلومات. وكان لافتا لنظري دائما الملاحظة الأمريكية علي التقدم الصيني الهائل اقتصاديا وتكنولوجيا فإن الصين لم تولد "جوجل الصيني" بعد. وجوجل مثله مثل أبل ومايكروسوفت وياهو والفيس بوك والتويتر كلها ابتكارات وإبداعات أمريكية سببت نقلات هائلة في عالم الإبداع والابتكار الذي وجد لنفسه تطبيقات مذهلة في عالم الصناعة.
سؤالي كان دائما هل من الممكن أن يولد جوجل مصري يقلب تاريخ مصر رأسا علي عقب؟ من ناحيتي وعلي مدي سبعة عشر شهرا تقريبا جرت قفزة كبيرة في مجال العالم الافتراضي أو الرقمي، ولكنها كلها كانت إنجازات تطبيقية لم تخل من برامج جديدة، ولكن القفزة الكبري لا يزال أمامها طريق طويل. كيف نفعل ذلك؟ سؤال مطروح، وتكشف الكوادر المصرية الناجحة التي تعمل في العديد من شركات التكنولوجيا العالمية أو التي أظهرت نبوغا في بعض المجالات، عن حقيقة مهمة مفادها أن البيئة المناسبة لاستثمار المهارات والكفاءات هي البوابة الرئيسية لعملية التنمية والتطور في أي دولة. لكن مهمة تخريج جيل من المبدعين والمبتكرين لا تبدو سهلة علي الإطلاق، فهي توليفة من مجموعة عناصر تشمل الدولة ورجال الأعمال والتعليم. ورغم أن الدولة تتولي المسئولية الأكبر في تدشين الخطوة الأولي لعملية الإبداع والابتكار، فإن العناصر الأخري لا تقل أهمية، فالتعليم هو المدخل الأساسي لصقل المهارات وتنمية الإمكانيات وتفعيلها فضلا عن ترسيخ قيم التجربة والابتكار والرغبة في المخاطرة. وبالطبع، فإن تلك المهارات والكفاءات لن تخرج إلي النور دون استثمارها من خلال تقديم منح وفرص تدريبية وتوظيفية في الشركات الموجودة سواء داخل مصر أو خارجها.
وقد وضعت بعض الشركات العالمية علي رأس أولوياتها البحث عن المواهب في كل أنحاء العالم لتعليمهم وتدريبهم وصقل مواهبهم تمهيدا لضمهم للعمل بها بشكل يعزز من قدراتها وإمكانياتها في النهاية. فعلي سبيل المثال، أعلنت شركة "إنتل" الرائدة في صناعة رقاقات السليكون علي المستوي العالمي أن قضية "الابتكار" تأتي علي رأس أولوياتها في مصر، في إشارة إلي اهتمامها بالكوادر النابغة في الدولة. وقدمت مصر بعض النماذج المشرفة التي استطاعت تحقيق نجاحات لافتة في مجال تكنولوجيا المعلومات تحديدا، حيث ابتكر خمسة شباب مصريين، يعملون في شركات تكنولوجيا تعمل في مصر، سوفت وير جديدا يستخدم لحماية البيانات التي يحتويها جهاز الكمبيوتر، بدأ يستقطب اهتماما واسعا من جانب بعض الشركات العالمية الكبري. ويحمل هذا التصميم الجديد اسم "الحرباء" أو "الكاميليون" Software Chameleons. وذكر الدكتور حازم الطحاوي المدير الإقليمي لشركة "منتور جرافيكس" العالمية أن المهندسين الشباب حصلوا علي 10 براءات اختراع عالمية في مجالات تكنولوجية مختلفة يمكن أن تزيد إلي 15 براءة اختراع، حيث تخضع 5 براءات للتصديق في الوقت الحالي، وأنهم أثبتوا قدرتهم في أحد المجالات المهمة والدقيقة جدا، وهو مجال "النانو تكنولوجي"، إذ إن لديهم الكفاءة والقدرة علي صناعة دوائر إلكترونية متناهية الصغر، بدءا من الشرائح ذات التقنية 130نانوميتر وانتهاء بالشرائح ذات التقنية 32 نانوميتر. وسوف يتم طرح البرنامج الجديد، الذي يعتبر المنتج التجاري المصري الأول في أسواق التكنولوجيا العالمية، اعتبارا من عام 2011،
وبالإضافة إلي الكوادر الشابة، ظهرت بعض حالات التفوق والذكاء لدي الأطفال المصريين الذين يتوقع لهم مستقبل باهر في علوم الكمبيوتر والبرمجة، خصوصا أنهم حازوا علي اهتمام واسع من جانب بعض شركات الكمبيوتر العالمية مثل شركة "سيسكو" Cisco وشركة "مايكروسوفت" وقد حاز الطفل محمود وائل (11 عاما) علي لقب أذكي طفل في العالم، كما حصل علي لقب أصغر مهندس كمبيوتر في العالم، وذلك بعد أن نجح في الحصول علي كورس من الجامعة الأمريكية بالقاهرة التي قدمت له منحة رعاية مدتها خمس سنوات فضلا عن منحة لتعلم اللغة الإنجليزية. وإلي جانب هذه الألقاب، أصبح الطفل أصغر مبرمج معتمد من جانب شركة "مايكروسوفت"، وحصل المهندس المصري الصغير علي شهادة "MCTS " من شركة "مايكروسوفت"، كما منحته شركة "Cisco " شهادة أخري في مجال تصميم شبكات الكمبيوتر، وهو ما يجعله أصغر طفل في العالم يحصل علي هذه النوعية من الشهادات. وقد خضع الطفل لاختبارين في الذكاء IQ""Intelligence Quotient"، الأول حصل فيه علي 151 درجة، فيما حصل في الثاني علي 155بفارق 10 درجات عن الدكتور أحمد زويل. وبالإضافة إلي هذا الطفل، توجد نوابغ أخري تميزت بقدرات عقلية فائقة لاسيما في مجال الرياضيات والكمبيوتر.
هذه الشواهد في مجملها تؤكد أن تهيئة البيئة المناسبة لتربية الكوادر والنوابغ من شأنها إنتاج تداعيات إيجابية عديدة. فإلي جانب تخريج أجيال من الموهوبين الذين يمكن أن ينضموا لكبريات شركات التكنولوجيا علي مستوي العالم، فإن هذه الكوادر النابغة يمكن أن تساعد في جعل مصر قاعدة تكنولوجية مهمة علي الساحة العالمية، فضلا عن أن استيعاب الشباب داخل مؤسسات ومراكز تكنولوجية متطورة يبعدهم عن الوقوع في براثن المشكلات التي يواجهها الشباب غير المدرب أو الباحث عن عمل، مثل الإدمان أو الإرهاب والتحرش إلي جانب الأمراض الاجتماعية المنتشرة.
من هنا تبدو الحاجة ملحة للاهتمام بقضية البحث العلمي في مصر الذي ما زال يعاني من مشكلات عديدة. وقد صرح الدكتور ماجد الشربيني رئيس أكاديمية البحث العلمي بأن هذه المشكلات تمنع ترجمة الأبحاث العلمية إلي واقع، وأشار إلي أن حجم النشر العلمي الدولي لمصر بلغ 6200 ورقة بحثية، وأن مصر تقدم 1500براءة اختراع سنويا لا يتم تطبيق سوي ما بين 30 ـ 50 براءة منها فقط. وشدد علي أن معضلات توفير العمل المناسب في مصر تتسبب في فقدان ما بين 40 ـ 48% من المبعوثين المصريين سنويا. وفضلا عن ضعف التمويل المخصص للبحث العلمي (حيث تقدر ميزانية البحث العلمي، وفقا لبعض الاتجاهات، بحوالي ملياري جنيه يذهب 80% منها لمرتبات أعضاء هيئة التدريس والموظفين)، فإن ثمة مشكلات موضوعية أخري تواجه هذه المسألة، إذ إن بعض المشروعات والدراسات البحثية التي تعتمدها بعض مراكز الأبحاث غير قابلة للتطبيق، فضلا عن ارتفاع تكاليفها، التي تصل، وفقا لبعض التقديرات إلي مليوني جنيه بعد أن كانت تبلغ 50 ألفاً، إلي جانب عدم توخي الدقة في بعضها وعدم توافر أدوات الرقابة والتحكم بشكل يساعد علي رفع كفاءتها. وفوق ذلك، فإن الاعتماد الأكبر في مسألة إعداد المشروعات البحثية يقع علي عاتق الجامعات، رغم أن ذلك لا يمثل مهمتها الأولي. إلي جانب أن التركيز يبقي منصبا علي الأبحاث في العلوم الاجتماعية والإنسانية فيما ينعدم الاهتمام بمجالات التكنولوجيا والمعلومات والجينات وغيرها من التخصصات الدقيقة.
وقد خرجت الجامعات المصرية من قائمة "أفضل الجامعات في العالم" عام 2010 التي تقوم جامعة الاتصالات في شنغهاي بنشرها، والتي تصدرتها جامعة هارفارد الأمريكية، وذلك للمرة الثامنة علي التوالي، فيما حصلت جامعة بيركيلي في كاليفورنيا علي المركز الثاني، وجاءت جامعة ستانفورد في المركز الثالث. وقد حازت الجامعات الأمريكية علي 17مركزا ضمن المراكز الـ19 الأولي، فيما حققت جامعة كامبريدج البريطانية المركز الخامس وجاءت جامعة أكسفورد في المركز العاشر، وتمكنت جامعة طوكيو من أن تصبح أول جامعة غير أمريكية أو أوروبية تحصل علي المركز العشرين في القائمة. وقد وجه الجهاز المركزي للمحاسبات في تقرير له عن تدني وضع الجامعات المصرية في التصنيفات العالمية، انتقادات حادة لخلو قائمة أفضل الجامعات في العالم من أي جامعة مصرية، كما كشف عن خلو قائمة أفضل 60 بحثا في الشرق الأوسط وأفريقيا من أي بحث مصري، في الوقت الذي حصلت فيه إسرائيل علي 47 بحثا، والسعودية علي 4 بحوث (لباحثين أجانب)، وجنوب أفريقيا علي 7 .
الطريق طويل ولا شك، ولكنه ليس مستحيلا العبور، والمهم أن نبدأ ويكون لنا فيه من الهمة والعزم أن أقصر الطرق إلي التقدم هو أن تنجح الدول في استنفار وتعبئة مواهبها وتضعها علي الطريق الصحيح.