Share |
يناير 2011
1
بوســة مشــبك!
المصدر: مجلة الشباب

محمد عبد الله

فرق كبير بين الكتابة علي صفحات المجلة والكتابة في بوابة الشباب الالكترونية. صحيح ان لكل منهما متعته واحساسه. لكن الكتابة هنا تشبه في تقديري افلام السينما والكتابة هناك اقرب للمسرح. هناك انت تواجه الجماهير. تقف امامها وتاخد نصيبك منها اولا باول. إما مدحا واعجابا. وإما ذما وسبابا. لذلك اقترح علي حضرتك اذا لم تكن من رواد المسرح اقصد البوابة الالكترونية ان تجرب هذه المتعة. متعة ان تشارك بقلمك وبصوتك. بشحمك وبلحمك في الحوارات التي تدور حول العديد من القضايا والامور التي تهمك.
اما الكتابة علي صفحات المجلة فمن اجمل ما يميزها انها تبقي بين يديك لوقت اطول. انا شخصيا احب ان المس الحروف واستنشق رائحة الورق بقدر ما احب ان اواجه قارئي العزيز واستمع مباشرة الي تعليقه. هذه مجرد خاطرة راودتني وانا اراوغ فكرتي محاولا الامساك بطرف الخيط الذي اتمني ان اغزل لك منه مقالا يليق بجنابك. يحترم عقلك. ويدفعك للدهشة. للتفكير الذي مازلت مصرا علي انه الفريضة الغائبة عن مجتمعنا علي كل المستويات. فلم يعد هناك من لديه الاستعداد لان يختلف معك بالمنطق والحجة والدليل والبرهان. او يتحاور معك بلغة راقية عذبة مهذبة. فالموقف الحالي فيما يتعلق بالحوار بين بعضنا البعض اصبح متوترا جدا. لم يعد لدينا الوقت والاعصاب لنحتمل مجرد الاختلاف في الرأي. شطبنا من كتب التاريخ مقولة الامام الشافعي الخالدة " رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب " فاذا انتقدت ممثلا او مطربا وذكرت اسبابك فانت في نظره هو ومعجبيه غير محايد. وتميل الي جمهور المطرب او الممثل المنافس واذا كتبت عن مسئول فشل في ادارة ازمة من ازمات وزارته فأنت سوداوي وحاقد ومعارض وشيوعي واخواني وامبريالي. وعايز تزعزغ الاستقرار!
اذا اردت ان تتكلم عن مشكلة من مشاكل المجتمع. فليلتك اسود من كوع النمس ــ علي فكرة هذا التعبير من ابتكار الفنان الجميل لطفي لبيب ولا اعرف معناه ــ وانت ايضا متشائم لانك لاتري النصف الممتلئ من الكوب وتركز في النصف الفارغ. المصيبة ان النصف الممتلئ في كثير من الاحيان يكون ممتلئا بالمشاكل والازمات ايضا. ومن هنا استطيع ان اقول لك بكل ثقة ان لغة الحوار بين الناس وبعضها اصبحت شديدة الابتذال. خالية من كل المعاني الجميلة. ليس فيها محسنات بديعية كالتي كنا ندرسها زمان في كتب النصوص. لغة كلها استعارات من قواميس الردح التي لم تعد مخزونة علي رفوف الذاكرة وانما اصبحت علي كل لسان. والسؤال الان: لماذا ومن المسئول عن هذا الانهياراللغوي و القيمي والسلوكي والاخلاقي؟ هل هي السينما. هل الاغاني هل هو الاعلام. هل تتحمل القنوات الفضائية وبرامج التوك شو خاصة الرياضية التي يتنافس مقدموها في انتقاء الالفاظ التي كان يعاقب عليها القانون عندما كان هناك قانون.
اسمح لي ان احاول الاجابة. ففي رأيي ان هذه البرامج تتحمل قدرا كبيرا من المسئولية. طيب والله العظيم يا جماعة انا كنت في مرة باتفرج علي برنامج يقدمه لاعب كرة سابق مشهور وكان ضيفه زميلا صحفيا هو في الوقت نفسه رئيس تحرير هذا البرنامج. وفوجئت بان المذيع والضيف يتكلمان عن مقدم برنامج اخر علي قناة اخري ويصفانه بالفاظ تتقطع ايدي لو فكرت اكتبها في يوم من الايام. ثم فتحوا التليفونات للجمهور ليقول رأيه ويضيف مزيدا من الالفاظ الوضيعة والاوصاف المنحطة. وفي نفس اليوم حرصت علي مشاهدة البرنامج الاخر الذي يقدمه الاعلامي المشتوم او بتعبير ادق اللي اتمسح بيه الفضاء وهو رجل كبير في السن والرتبة فاذا به يعود بالذاكرة الي ايام صباه ويتخيل انه يتكلم عن عيل مسجل خطر محجوز في قسم شرطة بعد ان قبضوا عليه وهو بيسرق الغسيل. علي اعتبار ان حرامي الغسيل يكون حقيرا جدا بالنسبة لحرامية الحاجات التانية الذين يقيمون مؤقتا في المزرعة انتظارا لموعد قيام طائرة لندن.
والمصيبة يامعلم اين يقال هذا الكلام؟
يقال علي الهواء في التليفزيون. واشاهده انا وحضرتك والمدام والاولاد وماما وبابا. طيب ماذا تنتظر
وماذا يتعلم الجالسون امام شاشات التليفزيون؟
اما السينما فتتحمل نصيبا لا يقل عن نصيب الفضائيات فيما وصلت اليه لغة الحوار من ابتذال. وزمان كانوا يقولون ان الجمهور الذي يذهب الي السينما بارادته ويقطع تذكرة ويدخل ليشاهد فيلما يتحمل مسئولية ما فيه من خروج علي الاداب العامة. لكن هذا كان زمان. اما الان فهناك قنوات للسينما تتصارع علي شراء الافلام ويتنافس المنتجون والموزعون علي بيع افلامهم لتعرض فيها. اذن السينما ايضا اصبحت تأتي لحضرتك في البيت وطبعا ماتحمله افلام هذه الايام يفوق بكثير ماكنا نعترض عليه في افلام المقاولات التي انتشرت في فترة الانهيار السينمائي التالية لمرحلة الانفتاح في اواخر السبعينيات والتي امتدت حتي اواخر الثمانينيات. ويكفي ان اذكر حضرتك بجملة حوارية وردت علي لسان الاستاذ تامر حسني الشهير بنجم الجيل في فيلم عمر وسلمي عندما قال لوالده الذي قام بدوره الفنان عزت ابو عوف اثناء تناول العشاء وسط مجموعة من الممثلين فقد قال الابن للاب: تحب اقولهم علي المجلات السيكس اللي ظبطها عندك
تخيلوا ولد بيقول لوالده هذا الكلام
صحيح انه هو الذي غني " خليها تاكلك " و " اكتر حاجة بحبها فيكي هو ده. وهي دي." لكن هناك اغاني اخري مثل " شربت حجرين ع الشيشة " و"سيجارة بني " وغيرها.
هذا طبعا غير حكاية " البوسة المشبك " وهي حكاية منيلة بستين نيلة. فقد فوجئت بالاستاذ يوسف ابني الذي يكمل عامه الثالث هذا الشهر ان شاء الله يقول لي: عايز بوسة" مشبك.
طبعا لم افهم في البداية لكني سألت ففوجئت بالاجابة التالية: في فيلم ايظن كان الفنان حميد الشاعري يقبل يبوس يعني - الممثلة ميرنا المهندس من فمها. وفجأة كبست عليهم الممثلة مي عز الدين التي كانت تقوم بدور ضابطة شرطة ومعها عسكري فقالت للعسكري: الراجل ده كان بيبوس البنت دي بوسة مشبك!
هذا بخلاف الايفيهات الجنسية التي باتت وامست واصبحت سمة لافلام عدد غير قليل من المخرجين والممثلين. فاكر لما عادل امام سأل يسرا في فيلم طيور الظلام: انت بتعرفي فرنساوي
فقالت له بكل ثقة: لا يا خويا انت بقي اللي تحكم وتقدر!.
وطبعا الدراما التليفزيونية المسلسلات يعني ليست بريئة من تهمة تدمير اخلاق جيل من الشباب والاطفال. وايضا الصحافة التي اصطلح علي وصفها بالصفراء.
للاسف المساحة تقترب من النهاية ولم يبق امامي سوي ان استعير من بيان ثورة يوليو الشهير الذي ألقاه الرئيس السادات هذه العبارة بعد تعديل بعض الكلمات لتناسب الموقف: لقد تضافرت علينا في الفترة الماضية عوامل الفساد والافساد حتي تصبح مصر بلا شباب يحميها ويحافظ علي عاداتها وتقاليدها وقيمها واخلاقها. وعلينا ان نطهر انفسنا من الداخل والا نسمح لجاهل او فاسد بأن يسمم افكارنا ويطل علينا من شاشة تليفزيون او سينما ليعلم ابنك ان يقول لك: عايز بوسة مشبك!